Translate فتح الباري وتفسير بن كثير كيكي520.

الجمعة، 10 يونيو 2022

مجلد 3. و4. معاني القرآن وإعرابه - للزَّجَّاج أبو إسحاق إبراهيم السَّرِي بن سَهل " المعروف بـ الزَّجَّاج " (المتوفي 311 هـ)

  مجلد 3. و4. معاني القرآن وإعرابه - للزَّجَّاج أبو إسحاق إبراهيم السَّرِي بن سَهل " المعروف بـ الزَّجَّاج " (المتوفي 311 هـ)

 مجلد 3. معاني القرآن وإعرابه - للزَّجَّاج
المؤلف : أبو إسحاق إبراهيم السَّرِي بن سَهل " المعروف بـ الزَّجَّاج " (المتوفي 311 هـ)

أي على أمرٍ بين ، لا مُتبع هوًى.
(وَكَذبتُمْ بِهِ) هذه الهاءُ كناية عن البيان ، أي وكذبتم بالبيان ، لأن
البينة والبيان في معنى وَاحدٍ ، ويكون " وكذبتم به " أي بما أتَيْتُكُمْ به.
لأنه هو البيان.
وقوله . (مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ).
والذي استعجلوا به الآيات التي اقْتَرَحُوهَا عَلَيه . فأعلم - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك عند الله ، فقال :
(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ).
هذه كتبت ههنا بغير ياء على اللفظ ، لأن الياء أسقطت لالتقاء السَّاكنين
كما كتبوا . . (سَنَدْعُ الزَّبَانِيَة) بغير واو.
وقرئت : (يَقْضِ الْحَقَّ) ، وقرأ ابن عباس (يقضي بالحق) ، إلا أنَّ القُراءَ لا يقرأون (يقضي بالحق) لمخالفة المصحف.
و (يقضي الحق) فيه وجهان : جائز أن يكون الحق صفة للمصدر ، المعنى
يَقْضِي القَضَاءَ الحق ، ويجوز أن يكون يقضي الحق يَصنَع الحق ، أي كل ما
صنَعَه عزَّ وجلَّ فهو حق وحِكمة ، إلا أن (وَهُوَخَير الفَاصِلين) يدل على معنى
القضاءِ الذي هو الحكم ، فأما قضى في معِنى صنع فمثله قول الهُذَلي.
وعليهما مسرودتان قضاهما . . . داودُ أو صَنَع السَّوابغَ تبَّع

(2/256)


أي صنعهما داود ، ومن قرأ (يَقُصُّ الْحَقَّ) فمعناه أن جميع ما أنبأ به وأمر
به فهو من أقاصيص الحق.
* * *
وقوله : (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)
معنى مفاتح الغيب ، أي عنده الوصلةُ إلى علمِ الغَيْبِ ، وكل مَا لاَ يُعْلمَ
إذا اسْتُعلِمَ يقال فيه افتَحْ عَلى.
قوله : (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا).
المعنى : أنه يَعْلَمُها سَاقِطَة وثَابتَةً ، وأنْتَ تَقُول : مَا يجيئك أحد إلا وأنَا
أعْرِفه ، فليس معناه إلا وأنا أعرفه في حال مَجيئه فقط.
ويجوز (وَلَا حَبَّةٍ) ويجوز (وَلَا حَبَّةٌ). فمن رفع فعلى ضربين ، جائز أنْ
يكونَ على معنى ما تسقط ورقَةٌ وَلاَ حبة في ظلماتِ الأرضِ ولا رَطب وَلَا
يَابس (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
و (فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) هنا على معنيين يَتَصَرف ، ويجوز أن يكون معنى
(فِي كِتَاب مُبين) أن يكون اللَّه أثبت ذلك فى كتاب من قبل أن يُخْلَقَ كما
قال : (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) ، فأعلم أنه قد أثبت ما خلق من قبل خلقه.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60)
أي يُنيمُكَمْ فيتوَفى نفوسَكم التي بها تميزون كما قال - عزَّ وجلَّ - :
(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا).
ومعنى : (يَبْعَثكُمْ فِيه).

(2/257)


أي ينبهكم من نومكم فيه في النهار.
(لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى).
أي يَبْعَثكُمْ من نومكم إلى أنْ تَبلُغُوا أجَالكمْ.
* * *
وقوله : (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)
الحفظة الملائكة ، واحِدهم حَافِظَ والجمع حَفَظَةَ . مثل كاتِبِ وَكَتَبَة.
وفَاعِل وفَعَلَة.
وقوله : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَاا).
أي هؤلاءِ الحَفَظَةُ لِأنه قال : (وُيرْسِل عليكمْ حَفَظَةً).
(وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ).
أي لا يَغْفُلون ولا يَتَوانَوْنَ ، ومعنى التفْريطِ في اللغَةِ ، تقدمة العجز.
فالمعنى أنهم لا يعجزون.
* * *
وقوله : (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)
يجوز في القراءَة يُنْجِيكم بالتخفيف.
لقوله : (لَئِنْ أنْجيتنَا). و (لئن أنْجَانا)
والأجود (يُنَجِّيكُمْ) بالتشْدِيد للكَثْرةِ.
ومعنى (ظُلُماتِ البَر والبَحَرِ) شَدَائِد البَر والبَحْرِ ، والعَرَبُ تَقول لِليومِ
الذيْ تلقى فيه شِدةً يَوْم مُظْلِم ، حتى إنهم يقولون يوم ذُو كواكب أي قد
اشْتَدتْ ظُلْمَتُه حتى صَارَ كالليل.
قِال الشاعر .

(2/258)


بني أسدٍ هل تعلمون بلاءَنا . . . إذا كان يوم ذو كواكب أشْهب
وأنشدوا :
فِدًى لبني ذُهْلِ بنِ شيبان ناقتي . . . إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعَا
فمعنء : (ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) شدائدهما.
وقوله : (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً).
بالضم والكسر في (خُفُية) ، والمعنى تدعونه مُظْهِرين الضراعةَ ، وهي شدة
الفَقْر إلى الشيءِ والحَاجة ، وتدعُونَه خُفية أي تدعونه في أنفسكم تُضْمِرُون في
فقركم وحاجاتكم إليه كما تضمرون.
وقوله : (لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
أي في أي شدة وقَعتَم قُلْتُم : لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ.
فأمَر اللَّه عزَّ وجلَّ - أنْ يسألهم على جهة التوبيخ لهم والتقرير بأنه
ينجيهم ثُمَّ هُمْ يُشركُون مَعه الأصنَامَ التي عَلِمُوا أنهَا مِن صَنْعَتِهِم ، أنَّها لا تنفع ولا تضر ، وأنه قادر على تعذيبهم فقال : (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)
نحو الحجارة التي أمْطَرَهَا على قومِ لُوط ، ونحو الطوفان الذي غرقَ به
قَومَ فِرعَوْن.
(أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُم).

(2/259)


نحو الخسف الذي نال قارُون ومَن خسِف بِهِ.
(أو يَلبِسَكُم شِيعَاً).
معنى (يَلبِسَكم) يخلط أمرَكم خَلْطَ اضطراب ، لا خلط اتفاق يقال لبَسْتُ
الأمر ألْبِسُه لم أبينه ، وخلطت بعضه بِبَعض ويقال : لبِستُ الثوبَ ألْبَسُه.
ومعنى (شِيعاً) أي يجْعَلكم فِرَقاً ، لا تكونون شيعة وَاحدةً فإِذا كنتم
مختلفين قاتل بعضكم بعضاً ، وهو معنى قوله (وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ).
ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل اللَّه جلَّ وعزَّ ألَّا يَبْتَلِيَ هذه الأمة بعذاب يَستأصِلُها به ، وَألَّا يُذيق بعضها بأسَ بَعض ، فأجابَه في صرف العذاب ، ولم يُجِبْهُ في ألا يذيق بعضها بأسَ بعض وأن لا تختلف.
* * *
(وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66)
أي إِنما أدعوكم إلى . اللَّه وإِلى شريعته ، ولم أومَر بحربكم ولا أخذكم
بالِإيمان كما يؤخذ الموكل بالشيءِ يُلزمُ بُلُوغ آخره.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67)
أي لأخذكم بالإيمان على جهةِ الحَرْب ، واضْطِرَارِكم إِليهِ ومُقَاتلتكم
عَليه ، مُسْتقر ، أي وَقْت.
(وَسَوْفَ تَعْلَمُون).
جائز أن يكون وعدهم بعذاب الآخرة ، وجائز أن يكون وعدهم
بالحربِ ، وأخذهم بالإِيمان شاءُوا أو أبَوْا ، إِلا أنْ يُعْطِيَ أهْل الكِتاب
الجزية .

(2/260)


وقوله : (وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69)
أي وما عليك أيها النبي وعلى المؤمنين من حسابهم أي من كفرهم.
ومُخالفتِهم أمرَ اللَّهِ.
(وَلَكِنْ ذِكْرَى).
أي ولكن عليكم أن تُذكرُوهم.
و (ذِكْرَى) يجوز أن يكون في موضع رفع ونصب ، فمن نصب فالمعنى
ولكن ذكرُوهم ذِكْرَى ، ومن رفع فعلى وجهين ، أحدُهما ولكن عليكم أن
تُذَكرُوهم ، كما قال : (إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البلاغ). وجائز أن يكون : ولكن
الذين تأمرون به ذكرى.
(لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).
أيْ لِتُرجَى مِنْهم التقْوى.
* * *
وقوله : (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)
معنى تبْسل - بِعَمَلِهَا تكون غير قادرة على التخلص ، والمسْتَبْسِلُ
المُسْتَسْلِمُ الذي يعلم أَنه لاَ يقدرُ عَلى التخلص.
قال الشاعر :
وَإبْسَالي بَنِيّ بغير جُرْم . . . بَعَونَاهُ وَلا بِدَم مُراقِ
أي إسلامي إياهُم ، وقيل (أَنْ تُبْسَل) تَرْهَنَ ، والمعنى واحد ويقال أسدُ

(2/261)


باسِل ، وشُجَاعٌ بَاسِل ، وتأويلُه أن معه من الإقْدامِ ما يستبسل له قِرنُه.
ويُقَالُ هذا بَسْل عَلَيْكَ أي حَرام عَليك فجائز أن يكون أسَدٌ بَاسِل من هذا ، أي لا يُقْدَرُ عَلَيه ، ويقال أعط الرافِيَ بسلَتَه ، أي أجرَتَهُ ، وإنما تأويله أنه عمل الشيءَ الذي قد استبسل صَاحِبُه مَعه.
* * *
وقوله : (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)
(وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ)
أي نرجع إلى الكفر ، ويقال لكل من أدبَرَ قَدْ رَجَعَ إلى خلف ورَجَعَ
القَهْقَرى.
وقوله : (كالذِي استهْوَتْه الشيَاطِينُ فِي الأرضِ).
أي كالذي زَينَتْ له الشياطِين هواه.
وقوله (حَيرَانَ).
منصوب على الحال ، أي كالذي استهوته فِي حَالِ حَيرتِه.
وقوله : (لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى).
قيل في التفْسِيرِ يُعنى بهذا عبد الرحمن بن أبي بكر ، (ائْتِنَا) أي تابِعنا في
إيماننا.
(وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
أي يدعونه ويقولون له (أُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
العرب تقول أمَرْتُك بأنْ تفعل ، وأمَرتُك لِتفْعَل ، وَأمَرْتُك بأنْ تَفْعَلَ ، فمن قال أمَرتُك بأن تفعَل فالباءُ للإلصاق ، المعنى وقع الأمر بهذا الفِعلِ.
ومن قال أمَرتُك أنْ تفعل فعلى حذف الباءِ.
ومن قال أمرتك لتفعَل فقد أخبر بالعِلَّةِ التي لها وقع الأمر.
المعنى أمِرْنا للإسلام .

(2/262)


وقوله جلَّ وعزَّ : (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)
فيه وجهان أحدهما أن تكون أمرنا لأن نسلم ولأنْ نُقيم الصلاة ويجوز
أن يكون محمولًا على المعنى ، لأن المعنى أُمِرنا بالإسْلَامِ . وبإقامة الصلاة.
ومَوضِع أن نصب ، لأن الباء لما سقطت أَفْضى الفعل فنصب.
وفيه وجه آخر ، يجوز أن يكون محمولًاعلى قوله :
(يَدْعُونه إلى الهُدى ائتِنا) (وأن أقيموالصلاة).
أي ويدعونه أن أقيموا الصلاة.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
(وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ).
نصب " يومَ " على وَجهين ، أحدهما على معنى واتقُوهُ وَيوْمَ يَقُولُ فيكون
نسقاً على الهاءِ ، كما قال عزَّ وجلَّ : (وَاتقُوا يوْماً لا تجزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس
شَيْئاً) والأجوَد أن يكون على معنى واذكر يقول كن فيكون ، لأن بعده . .
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ).
وفيه وجه ثالث وهو العطف على السَّمَاوَات والأرض.
المعنى وهو الذي خلق السَّمَاوَات والأرض بالحق وخلق يوم يقول
كن فيكون.
فإن قال قائل : إن يوْم القِيَامَةِ لم يَأتِ بَعْدُ . فإن مَا أنبأنا اللَّه بكونه
فحقيقته واقع لا محالة.
وقوله : (كُنْ فَيكون).
قال بعضهم : المخاطبة ههنا للصورِ المعنى ويوم يقول للصور كن
فيكون ، وما ذكر من الصور يدل عليه.
وقيل إن قولُه (كُنْ) فيه أسماءُ جميع ما يخلق في ذلك الوقت المعنى :

(2/263)


" ويوْمَ يَقُولُ للشَيءِ كُن فيكونُ "
وهذا ذكِرَ ليَدل على سرعة أمر البَعْثِ والساعة.
كأنه قال : ويوم يقول للخلق مُوتوا فيموتُون وانْتُشِرُوا فينْتشِرُون.
كأنه يَأمُر الحيَاة فتكون فيهم ، والموت فيحلْ أولاً يفنى جميع الخلْقِ.
وقيل (ويوم يقولُ كُنْ فَيَكُون) (قَوْلُهُ) أي يأمر فيقع أمْرُه ، و (الْحَقُّ) من
نعتِ (قَوْلُهُ) كما تقول : قد قلت فكانَ قولك ، فالمعنى ليس أنك قلت فكان
الكلام ، إنما المعنى أنه كان ما دلَّ عليه القول.
وعلى القول الأول قد رُفِعَ (قَوْلُهُ) بالابتداءِ و (الْحَقُّ) خبر الابتداءِ.
وقوله : (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ).
يجوز أن يكون نصب (يومَ) على (وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ) مُبَيناً
عن قوله : (وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ويجوز أن يكون منصوباً بقوله (الحق).
المعنى . و " قَوْله الحق يَوْمَ يُنفخُ في الصورِ ".
فإِن قال قائل : للَّهِ الملك في كل وقت.
فلم خُصَّ يَوْمُ القِيامة ، وَيوم ينفخُ في الصورِ ؟
فالجواب في هذا أنه في اليوم الذي لا يظهر فيه من أحدٍ نفع لأحدٍ ولا ضَر . كما قال : (والأمر يَوْمَئِذٍ للَّهِ) والأمر في كل وقت للَّهِ جلَّ وعزَّ.
وقالوا في الصورِ قَولَيْن : قيل في التفسير : إن الصورَ اسم لقَرْنٍ يُنفخُ فِيهِ
وقيل : الصور جمع صورة ، وكلاهما جائز ، وأثبتُها في الحديث والرواية أن
الصور قرنٌ ، والصور جمع صورة : أهل اللغة على هذا .

(2/264)


وقوله : (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74)
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ)
بالنصب والضم ، فمن قرأ بالضم فعلى النداءِ ، المعنى يا آزَر أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا . وليس بين النسَّابِيَنِ خِلاف أن اسم أبي إِبراهيم " تارِح " والذي
في القرآن يَدُل على أن : اسمه آزرُ ، وقيل آزرُ عندهم ذَمٌّ في لُغتِهم ، كأنه :
وَإذ قال إبراهيم لأبيهِ يا مخطئ أتتَخِذُ أصناماً.
وَإذا كان كذلك فالاختيار الرفعُ . وجائز أن يكون وصفاً له ، كأنه قال : وإذ قال إِبراهيمُ لأبِيهِ المخطئ.
وقيل آزرُ اسمُ صنم ، فإذا كان اسم صَنمٍ فموضعُه نصبٌ على إِضمار الفِعْلِ
كأنه قال وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخِذُ آزرَ إلهاً ؟ أتتخذ أصناماً آلهة ؟.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)
أي وَمِثلُ مَا وصَفْنا من قِصةِ إِبراهيم من قوله لأبيه ما قال نُرِيه ملكوت
السَّمَاوَاتِ والأرضِ ، أي القدرة التي تقوى بها دلالته على توحيد اللَّه
جلَّ وعزَّ.
وتقول في الكلام لِمن فعل بك خيراً أو شرا كذلك أجزيك.
ومعنى قوله : (وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ).
أي نريه ملكوت السَّمَاوَات والأرض لما فعل ، وليَثبُت على اليقين.
والملكُوت بمنزلة الملك ، إِلا أن الملكوت أبلغ في اللغة من الملك ، لأن
الواو والتاءَ تزادان للمبالغة ، ومثل الملكوت الرغبُوت ، والرهَبُوت.
وَوَزْنه من الفعل فَعَلُوت وفي المثل رَهَبُوتي خَيْرْ مِنْ رَغبُوتي ، وهذا كقولهم ، أو فرقاً خيراً من حُبَّ ، وَمن روَى رَهَبُوتي خيرٌ من رحموتي فمعنى صحيح . يحقق من اللسان أن تكون له هيبة ترهب بها خير من أن يُرْحَم .

(2/265)


وقوله جلَّ وعزَّ : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76)
يقال جَنَّ عليه الليلُ وأجَنَّهِ الليلُ إِذا أظلمَ حَتى يَستتِر بظلمته ويقال لكل
ما سَتَر قَدْ جَنَّ ، وقد أجَن ، ويقال جَنَّه الليلُ ، ولكن الاختيار جَنَّ عليه الليل وأجَنَّه الليلُ.
وقيل إِنَّ قومَ إبراهيم كانوا يعبدون الأصنامَ والشمسَ والقمرَ
والكواكِبَ ، فلما بلغ إبراهيم المبلغ الذي يجب معه النظر ، وتجب به على
العبد الحجة ، نظر في الأشياءِ التي كان يَعبُدُها قومُه فلما رأى الكوكب
الذي كانوا يعبدونه ، قال لهم هَذَا رَبِّي أي فى زعمكم ، كما قال الله
جلَّ وعزَّ : (أيْنَ شركائي الذين كنتم تزعمون) فأضافهم إلى نفسه حكاية
لقولهم.
(فَلَمَّا أَفَلَ).
أي فلما غاب ، يقال أفَلَ النجمُ يأفِل وبَأفُلُ أُفُولًا ، إذا غَابَ :
(قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ).
أي لا أحب من كانت حالته أن يطلع وَيسِير على هيئةٍ يُتبين معها أنه
محدَث منتقل من مكان إلى مكان ، كما يَفْعَلُ سائرُ الأشياءِ التي أجمعتم معي
على أنها ليست بآلهة ، أي لا أتخِذُ ما هذه حالُه إلهاً ، كما أنكم لا تتخذون
كل ما جرى مجرى هذا من سائر الأشياءِ آلِهة ، ليس أنه جعل الحجة عليهم
أنَّ ما غاب ليس بإِله ، لأن السماءَ والأرض ظاهرتان غيرُ غائِبَتَيْنِ وليس يُدعَى فيهما هذه الدعْوَى.
وإِنما أرادَ التبيِين لهم القريب ، لأن غَيْبُوَبتهُ أقْربُ ما

(2/266)


الَناظرون به فيما يظهر لهم ، كما قال : (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ.
وقد قيل إنه قال هذا وهو ينظر لِنفْسِه ، فكأنه على هذا القول بمنزلة
قوله : - (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى).
وإبراهيم قد أنبأ اللَّهُ - عز وجل - عنه بقوله.
(إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) ، فلا شك أنه سلِيمٌ من أن يكون
الشك دَخَلُه في أمر اللَّه . واللَّه أعلم.
وجائز أن يكون على إضمار القول ، كأنه قال : (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي) ، كأنه قال : تَقُولُون هذا ربي ، أى أنتم تقولون هذا رَبي ، كما قال جلَّ وعزَّ : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا).
المعنى يقولان تقبل منا . واللَّه أعلم بحقيقة هذا.
والذي عندي في هذا القول أنه قال لهم : تقُولونَ هذا رَبي ، أي هذا
يُدَبرني ، لأنه فيما يُرْوَى أنهم كانوا أصحاب نجوم ، فاحتج عليهم بأن الذي
تزعمون أنه مُدَبِّرٌ إنما يرى فيه أثر مُدَبَّر لا غير.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)
(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً) . . (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا).
يقال قد بَزَغَ القمرُ إذا ابتدأ في الطلوع ، وكذلك الشمس.
والحجة في الشمس والقمر كالحجة في الكوكب .

(2/267)


واحتج الذين قالوا إنَّه قال (هَذَا رَبِّي) على وجه الظن والتفكُر بقوله :
(لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ).
وهذا لا يوجب ذلك . لأن الأنبياءَ تسأل اللَّه أن يثَبتَهَا على الهدى وتعلم
أنه لولا هداية اللَّه ما اهتَدَتْ.
وإبراهيم يقول : (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ).
* * *
وقوله : (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا)
أي مَائِلاً إلى الإسلام ميلاً لا رجوع مَعَهُ ، والحنف أن يكون في القدم ميل ، وهو أن تميل إِبهام القدم إِلى إِبهام القدم ، فتقبل هذه القدم على هذِه القَدم ، ويكون ذلك خِلْقَةً . والحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت فيه.
ومعنى (وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) أي جعلت قصدي بعبادتي توحيدي اللَّه
عزَّ وجلَّ.
* * *
وقوله جل وعلا : (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)
المعنى حَاجوه في اللَّه ، فقال : (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ).
ومحاجَتهم إِياه كانت - واللَّه أعلم - فيما عبَدوا مع اللَّه عزَّ وجلَّ من
الكواكب والشمس والقمر والأصنام ، فقال : (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ).
أي في توحيد اللَّه.
(وَقدْ هَدَانِي).
وقد بين لي ما به اهتديت.
(وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ).
أي هذه الأشياء التي تعبدُونها لا تَضر ولا تنفع ، ولا أخافها.
(إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا).

(2/268)


إلا أن يشاءَ أن يعذبني بذَنْبٍ إن كان مني . وموضعُ (أنْ) نَصْبٌ ، أي لا
أخاف إلا مشيئة اللَّه.
* * *
(وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)
أيٍ ولا تخافون أنتم شِرْكَكُمْ باللَّهِ ما لم يُنرلْ بِهِ عليكم سلطاناً ، أي
حُجة بَينَة.
(فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ).
أيْ أحَق بأن يأمَنَ من العذاب ، المُوحِّد أمِ المُشْرك
* * *
وقوله : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)
قالوا جائز أن يكون هذا قول اللَّه (أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ) غير حكاية عن
إِبراهيم ، وجائز أن يكون إبراهيم قال ذلك.
* * *
وقوله : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)
داود وصليمان نسق على نوح ، كأنه قال : وهدينا داود وسليمان وجائز أن
يكون من ذرية نوح ، وجائز أن يكون من ذرية إبرَاهيمَ ، لأن ذِكْرَهُما جميعاً قد جرى . ، وأسماء الأنبياء التي جاءَت بعد قوله : (وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ)نسق على نوح ، إلا أن الْيَسَع يُقَال فيه اللَّيْسَع واليَسعَ ، بتشديد اللام وتخفيفها.
* * *
وقوله : (وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87)
أي هدينا هُؤلاءِ ، وهدينا بعض آبَائهم وَإِخْوَانِهمْ.
ومعنى قوله : (وَاجْتَبَيْناهُمْ).
مثل اخترناهم ، وهو مأخوذ من جبيت الماءَ في الحوْضِ إذا جمعته .

(2/269)


وقوله : (أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)
(فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ).
أي : الذين قد كفَروا ، ويكفرون ، مِمن أرسلت إِليه.
(فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ).
أي قد وَكَلْنا بالإيمان بها ، وَقِيلَ في هذه ثلاثة أقْوال.
قيل يعني بذلك الأنبياءَ الذين جرى ذكرهم آمنوا بما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقت مَبعثِهم ، وقيل يعني به الملائكة.
وقيل أيضاً يعني به مَنْ آمَنَ مِنْ أصحاب النبي وأتباعه.
وهو واللَّه أعلم يعني به الأنبياءَ الذين تقدموا لقوله تبارك وتعالى :
(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)
أي الأنبياء الذين ذكرناهُمُ الذين هدى اللَّه فبهداهم اقتده
أي اصْبِرْ كَمَا صَبَرُوا ، فإن قومهم قد كذبوهم فصبروا على ما كذبوا وَأُوذُوا ، فاقْتَدِ بِهِمْ.
وهذه الهاء التي في " اقتَدِهْ " إنما تثبت في الوقف ، تبين بها كسرة
الدال ، فإن وَصَلْتَ قلتَ " اقتدِ "
(قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ).
قال أبو إسحاق : والذي أختار من أثِق بعلمه أن يُوقَف عند هذه الهاء.
وكذلك في قوله (فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20).
وكذلك (لَمْ يَتَسَنَّهْ) وكذلك (وما أدْراكَ ما هيهْ)
وقد بيَّنَّا ما في " يَتَسَنَّهْ " في سورة البقرة.
وقوله : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)

(2/270)


معناه ما عظَّموا اللَّه حق عَظَمَته إِذ جحدوا تنزيله ، وذلك أن جماعة من
اليهود - من منافقيهم - جاءُوا وهم يعاندون النبي - صلى الله عليه وسلم - يجادلونه ويصُدُّون عنه.
وكان سِمَتُهم سِمَةَ الأحْبَارِ ، وكانوا يتنعَّمُونَ ولا يتعبدونَ ، فأعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن - في التوراة أن الله جلَّ وعزَّ لا يحب الحَبْرَ السَّمِين ، فجحدوا التوراة ، وقالوا : (مَا أنزَلَ اللَّه عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ) ، فقال الله عزَّ وجل : (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا).
يُظهرون ما يُحبون من ذلك ويُخفون كثيراً.
(وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا).
أي عُلِّمْتُمْ على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم - (مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ).
يقال لكل من كان في عمل لا يجدي إِنما أنت لاعب.
* * *
وقوله : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)
(وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا).
تقرأ بالتاء والياء جميعاً في لِتُنْذِرَ المعنى أنزلناه للبركة والإنذار.
ومعنى أم القرى أي أهل أم القرى ، و (مَنْ حَوْلَهَا) عطف عليهم.
وأُمّ الْقُرَى مكة سميت أُمَّ الْقُرَى لأنها كانت أعظم القرى شأناً.
* * *
وقوله : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)
جاءَ في التفسير أنه يعني به مسيلمة ، وَصَاحِبَ صَنْعَاءَ ، لأنهما ادعيا
النبوة .

(2/271)


(وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
موضع " من " جر.
المعنى : ومن أظلم ممن افترى ومن قال سَأنزِلُ مثل ما
أنزل اللَّه ، وهذا جواب لقولهم : لو نشاءُ لقلنا مِثلَ هَذَا.
وقوله : (ولوْ ترىَ إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ).
جواب " لو " محذوف ، المعنى : ولو ترى إذ الظالمون فِي غَمَرات المَوْتِ
لرأيت عذاباً عظيماً ، ويقال لكل من كان في شي كثير : قد غَمرَ فُلاناً ذلك ، ويقال قد غمر فلَاناً الدَّيْن ، تأويله : قد كثر فصار فيما يعلم بمنزلة ما يُبْصَر قَدْ غَمَرَ وَغطى من كثرتِه.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ).
(أي) عليهم بالعذاب.
ومعنى (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ).
فيه وجهان - الله أَعلم -.
يقولون (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) فجائز أن يكون كما تقول للذي تعذبهُ لأزْهقَنَّ
نفسك ، ولأخرجَنَّ نَفْسك - فهم يقولون - واللَّه أعلم.
(أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ) على هذا المعنى.
وجائز أن يكون المعنى خلِّصُوا أنفسكم . أي لستم تقدرون على
الخلاص.
(الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ).
أي العذاب الذي يقع به العذاب الشديد .

(2/272)


وقوله تعالى : (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)
أمَّا معنى (فُرَادَى) فكل وَاحدٍ مُنْفَرِدٌ مِن شريكه في الغَيِّ وشَقِيقهِ.
ومعنى : (كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
جاءَ في التَفْسِير : عُرَاةً غُرْلًا ، والغُرْلُ هُمُ الغُلْف . والذي تحتمله
اللغة أيضاً . كما بدأناكم أول مَرةٍ ، أي كان بعثكم كخلقكم.
وقوله : (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ).
الرفع أجود ، ومعناه لقد تقطع وَصْلُكُم . والنصب جائز.
المعنى : لقد تقطع ماكنتم فيه من الشركة بينكم.
* * *
وقوله : (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)
أي يشق الحبة اليابسة الميتة والنواة اليابسة فيُخْرِجُ مِنها ورقاً أخضَر.
وهو معنى ، (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ).
أي يخرج النبات الغض الطرِيَّ الخَضِرَ من الحب اليابس.
(وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ).
ويخرج الحب اليابس من النَبات الحى النامي.
احتج اللَّه جل ثناؤُه عليهم بما يُشَاهدُونَ من خَلْقِه لأنَّهم أنكرُوا البعث
فأعلمهم أنه الذي خلق هذه الأشياءَ وأنه قادر على بعثهم.
وقوله : (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
أي فمن أين تصرفونَ عن الحق.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّْ : (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96)

(2/273)


مَعنى الإصباح والصبح وأحد ، جائز أن يكون خالِقُ الإصباح وجائز أن
يكون معناه شاق الصبح ، وهو راجع إلى معنى خالق الصبع.
وقوله : (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا).
النصب في الشمس والقَمر هي القراءَة . والجر جائز على معنى وجاعل
(الشمس والقمر حسباناً) ، لأن في جاعل معنى جَعَلَ.
وبه نصبتَ (سكناً) ولا يجوز جَاعِلُ الليلُ سكناً ، لأن أسماءَ الفاعلين إذا كان الفعل قد رفع أضيفت إلى ما بعدها لَا غَيْر تقول هذا ضارِبَ زَيْدٍ أمْسِ.
فإجماع النحويين أنه لا يجوز في زيد النصْب ، وعلى ذلك أكثر
الكوفيين ، وبعض الكوفيين يجيز النصْبَ . فإذا قلت هذا مُعْطِي زَيْدٍ درهماً
فنصب الدرْهَمَ محمول على أعطى.
* * *
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)
الأكثر في القراءَة (مُسْتَقَرٌّ) بفتح القاف ، وقد قرئت بكسرها
و(مُسْتَوْدَعٌ) بالفتح لا غير.
وأما رفع مستقر ومستودع فعلى معنى لكم مستقَرٌّ ولكم مستودعٌ.
ومن قرأ بالكسر ، فمستقر ومُسْتَوْدَع فعلى معنى فمنكم مستقر
ومنكم مستودَع.
وتأويل مستقر أي مستقر في الرحم ومستودَع أي منكم
مستودع في أصلاب الرجال ، وعلى هذا أيضاً فمستَقَر بفتح القاف ، ومستودَعٌ.
أي فلهم مستَقَر ولكم في الأصلاب مستودعٌ وجائز أن يكون فمستقِر -
بالكسر - ومستودعَ أي : فمنكم مستقر في الأحياءِ ومنكم مستودعَ أي مستقر في الدنيا موجود ، ومستودَع في الأصلاب لم يخلق بعْدُ.
وجائز أن يكون

(2/274)


فمستقِرٌّ بالكسر ، ومستودع فمنكم مستقر في الأحياءِ ومنكم مستودع في
الثرى.
وهذه الأقوال كلها قد قيلت واللَّه أعلم بحقيقة ذلك
* * *
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99)
قال أهل اللغة أصل كلمة ماء ماه إلا أن الهمزة أبدلت من الهاءِ
لِخفَاءِ الهاءِ ، والدليل على ذلك قولهم أمواه في جمعه ، ومياه ، ويصَغر مُويه.
قال الشاعر :
سَقى اللهُ أَمْواهاً عَرَفْتُ مَكانَها . . . جُراباً وَمَلْكوماً وبَذَّرَ والْغَمْرا
وقوله : (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا)
معنى خَضِر كمعنى أخْضَر ، يقال اخْضر فهو
أخضر وخضِر ، مِثل أعوز فهو أعْوَر وعَوِر.
وقوله : (وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ).
(قِنْوَانٌ) جمع قِنْو مثل صِنْو وصِنْوَان ، وإذا ثَنيتَ القِنْو فهما قِنْوانِ يا هذا
بكسر النون ، والقنْوُ العِذْق بكسر العين وهي الكباسة ، والعَذْق النخلة.
و (دَانِيَةٌ) أي قريبة المتناوَل ، ولم يقل ومنها قنوان بعيدةٌ.
لأن في الكلام دليلاً أن البعيدة السحيقة من النخل قد كانت غير سحيقة ، واجتزِئ بذكر القريبة عن ذكر البعيدة ، كما قال عزَّ وجلَّ :
(سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) ولم يقل وسرابيل تقيكم البرد.
لأن في الكلام دليلاً على أنها تقي البرد لأن ما يستر من الحر يستر من
البرد .

(2/275)


وقوله : (وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ).
عطف على قوله (خضِراً) أي فأخرجنا من الماءِ خَضراً وجَناب من أعناب
والجنة البستان ، وإنما سمي البستان جنة ، وكل نبت متكاثف يستر بعضه بعضاً فهو جنة ، وهو مشتق من جننت الشيءَ إذا سترته.
ومن هذا قيل للترس مِجَن لأنه يستر.
وقولى : (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ).
أي في الطعم وفيه مايشبه طعمُ بعضِه طعْمَ بَعْض.
وَقرَنَ الزيتُونَ بالرمان لأنهما شجرتان تعرف العرب أن ورقهما يشتمل
على الغصن من أوله إلى آخره.
قال الشاعر :
بورك الميت الغريب كما . . . بورك نَضْرُ الرمَّانِ والزيتون
ومعناه أن البركة في ورقه واشتماله على عوده كله.
وقوله : (انظُرُوا إلَى ثَمَرهِ).
يقال ثمرة وثَمَرٌ وثمَارٌ ، وثُمُر جمع ثِمارٍ ، فمن قرأ إلى ثُمُره بالضم أراد
جَمْعَ الجَمْعِ ، وإن شئت قُلْت إلى ثمْره فخففت لثقل الضمةِ.
(وَيَنْعِهِ).
الينعُ النضْجُ ، يقال يَنعَ الشجرُ وأينع إذا أدرك.
قال الشاعر :

(2/276)


في قباب حول دَسْكَرَةٍ . . . حوْلَها الزيتون قدْ يَنعَا
قال أبو عبيدة البيت ليزيد بن معاوية أو للأحوص.
احتج اللَّه عليهم بتصريف ما خلق ونقْلِه من حال إلى حال ، بما يعلمون
أنه لا يقدر عليه المخلوقونَ ، وأنه كذلك يبعثهم لأنهم كانوا يُنكِرُونَ البَعْثَ
فقال لهم : (إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
فأعلمهم أن فيما قص دليلاً لمن صَدَّق.
* * *
وقوله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)
المعنى أنهم أطاعوا الجنَ فيما سولت لهم من شِرْكِهِمْ.
فَجَعَلُوهم شركاءَ للَّهِ عزَّ وجلَّ وكان بعضهم ينسب إلى الجن الأفعال التي لا تكونُ إلا لله عزَّ وجلَّ فقال : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ).
فالهاء والميم إن شئت كانت عائدة عليهم ، أي فجعلوا للَّهِ الذي خلقهم
شركاءَ لا يخلقون . وجائز إن تكون الهاءَ والميم تعودان على الجن ، فيكون
المعنى : وجعلوا للَّهِ شركاءَ الجن واللَّه خلق الجن.
وكيف يكون الشريك لله المحدَثَ الذي لم يكُنْ ثُمَّ كَانَ.
فأما نصب الجن فمن وجهين أحدهما أن يَكون الجن مفعولاً فيكون
المعنى وجعلوا للَّهِ الجن شركاءَ ، ويكون الشركاء مفعولًا ثانياً كما قال :
(وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا).
وجائز أن يكون الجن بَدَلًا من (شرَكَاءَ) ومفسراً للشركاءَ.
وقوله : (وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ).

(2/277)


معنى خرقوا اختلقوا وَكَذَبوا ، وذلك لأنهم زعموا أن الملائكة بنات
الله ، وزعمت النصارى أن المسيح ابنُ اللَّه ، وذكرت إليهود أن عزيرَ ابنُ اللَّه ، فأعلم جل ثناؤه أنهم اختلقوا ذلك بغير علم ، أي لم يَذكُرُوه عَنْ عِلْم.
وإنما ذكروه تَكذباً.
وقوله : (سُبْحَانَه وَتَعَالَى).
أي : براءَته من السوءِ ، ومعنى سبحانه التبْرِئَة عَنْ كُل سُوءٍ ، لا اختلاف
بين أهل اللغة في معنى التسبيح أن التبرئة للَّهِ جلَّ وعزَّ.
* * *
وقوله : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)
أي هو خالق السَّمَاوَات والأرض.
(أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ).
أي من أين يكون له وَلَدٌ ، والولد لا يكون إلا من صَاحِبَةٌ.
(وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ).
فاحتج جلَّ وعزَّ في نَفْيِ الْوَلَد بأنه خَالق كُل شيء ، فليس كمثله شيء.
وكيف يكونُ الولدُ لمن لَا مِثْلَ لَه ، فإِذا نسب إليه الولَدُ فَقَدْ جُعِلَ لَهُ مِثل.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)
أعلم عزَّ وجلَّ أنَّه يُدْرِك الأبصارَ ، وفي هذا الإعْلَام دَليلُ أن خَلْقَهُ لا
يُدْرِكُونَ الأبْصَارَ ، أي لا يَعْرفونَ كيف حَقيقَةُ البَصَر ، وما الشيء الذي صار به الِإنسان يُبْصرُ بعَيْنَيه دُونَ أنْ يُبْصِرَ من غيرهما من سائر أعضائه ، فأعلم أنْ
خَلْقاً مِنْ خَلْقِهِ لَا يُدْرِك المخلوقون كنهه ، ولا يحيطون بعلمه ، فكيف به
عزَّ وجلَّ ؟؟!!!

(2/278)


فالأبصار لا تحيط به
(وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
فأما ما جاءَ من الأخبار في الرؤية وصح عن رسول اللَّه فغير مدفوع.
وليس في هذه الآية دَلِيلٌ عَلَى دفْعِه ، لأن معنى هذه الآية معنى إدراك
الشيء والإحاطة بحقيقته.
وهذا مذهب أهل السنة والعِلْمِ والحديث.
* * *
وقوله : (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)
أي قد جاءَكم القرآن الذي فيه البيانُ والبصائرُ.
(فَمَنْ أبْصَرَ فَلِنَفْسِه).
المعنى فلنفسه نَفْعُ ذَلِكَ.
(وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيهَا).
أي فَعَلَى نَفْسه ضَرَرُ ذلك ، لأن اللَّه جل ثناؤُه غَنِي عن خَلْقِه.
وقوله : (وَمَا أنَا عَليكم بِحَفِيظٍ).
أي لستُ آخذُكم بالإيمان أخْذَ الحفيظ والوكيل ، وهذا قبل الأمر
بالقتال ، فلما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقتال صار حفيظاً عليهم ومسيطراً على كل من تَوَلَّى.
* * *
وقوله : (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)
أي وَمِثْلَ ما بيَّنَّا نُبَيِّن الآيَات.
وموضعُ الكاف نَصبٌ . التي في أول كذلك.
المعنى ونصرف الآيات في مثل ما صرفناهما فيما تُلِيَ عَلَيكَ.
وقوله : (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ).
فيها خمسة أوجه ، فالقراءَة دَرَستَ . بفتح الدال وفتح التاءِ ومعناه
وليقولوا قرأت كتُبَ أهل الكتاب وتقرأ أيضاً دَارَسْتَ ، أي ذاكرت أهل

(2/279)


الكتاب.
وقال بعضهم : (وليقولوا دَرَسَتْ) أي هذه الأخبارَ التي تَتْلُوهَا عَلَينَا
قديمة قد دَرَسَتْ ، أي قد مضت وامَّحَتْ.
وذكر الأخْفَشُ دَرُستْ بضم الراءِ ومعناها (دَرَسَتْ) إلا أن درُست بضم الراءِ أشد مبالغة ، وحَكَى دُرِسَتْ بكسر الراءِ أي قرئت.
وقوله : (وَلنُبيِّنَهُ لقَوم يَعلَمُون).
إن قال قائل : إنما صُرفَت الآياتُ ليقولُوا دَرَسْتَ ؟
فالجواب في هذا أن السبب الذي أدَّاهُمْ إلى أنْ يقُولُوا دَرَسَتَ هُوَ تلاوة الآيات.
وهذه اللام يسميها أهل اللغة لام الصيرورة ، وهذا كقوله تعالى :
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
فهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم ولكن
كانت عاقبة أمره أن صار لهم عدواً وحَزَناً.
وكما تقول : كتب فلان هذا الكتاب لِحَتْفِهِ ، فهو لم يقصد بالكتاب أن يُهْلِكَ نَفْسَه ، ولكن العَاقِبَةَ كانت الهلاكَ.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)
أي لو شاءَ اللَّه لجعلهم مؤمنين ، وقيل لو شاءَ اللَّه لأنزل عليهم آية
تَضْطَرهم إلى الإيمان ، وقال بعضهم (لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا).
أي لو شاءَ لاستأصلهم فقطع سبب شركهم.
* * *
وقوله : (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)
نُهُوا في ذلك الوقت قبل القِتالِ أن يَلْعَنُوا الأصْنَامَ التي يَعْبُدهَا
المشركُونَ .

(2/280)


(فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ).
أي فَيسُبًّوا اللَّه ظلماً ، وقال بعضهم فيسبوا اللَّه عُدُوَّا.
وعَدُوَّا ههنا في معنى جماعة ، كأنه قيل : فيسبوا اللَّه أعدَاءً.
وعُدُوًّا منصوب في هذا القول على الحال . وعَدْواً منصوب على
المصدَرِ على إرادة اللام ، لأن المعنى فيعتدون عَدْوَاً ، أييظلمون طلماً.
ويكون بإرادة اللام أ أي فيبسوا الله للظلم ، وفيها وجه آخر . فيبسوا الله عُدواً - بضم الدال - وهو في معنى عُدُوا ويقال في الظلم عَدَا فلان عَدْواً وعُدُواً ، وعُدُواناً ، وعَدَاءً . أي ظلماً جاوز فيه القدْرَا.
وقوله تعالى عزَّ وجلَّ : (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ).
فيه غير قول : أنه بمنزلة (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) فذلك تزيين أعمالهم.
قال اللَّه عزَّ وجلَّ : (بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بكفْرِهم).
وقال بعضهم : (زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) أي زَيَّنَ لكل أمَّةٍ العَمل الذي هو
فرض عليهم . والقول الأول أجوذ . لأنة بمنزلة (طَبَعَ الله عَلَى قُلوبهم). والدليل على ذلك ، ونقض هذا قوله : (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ).
* * *
وقوله : (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109)
أي اجتهدوا في المبالغة فى اليمين.
(لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا).

(2/281)


وإنما حلفوا على ما اقترحُوا هُمْ من الآيات ، وإنما قالوا :
(لَنْ نُومِنَ لكَ حَتَى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعاً) إلى قوله : (والملائكة قَبيلاً).
أي تأتي بهم كفيلًا ، أي يَكْفُلون.
فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أن الآيَاتِ عِنْدَ اللَّهِ.
ويروى أن المؤمنين قالوا : لو أنْزِلَ عليهم آية لعلهم كانوا يؤمنون ، فقال
الله عزَّ وجلَّ : (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ).
أي وما يُدريكم ، أي لَستُم تعلمون الغيبَ ، فلا تدرون أنهم يؤمنون.
كما تقول للرجل إذا قال لك : افْعَل بي كذا وكذا حتى أفْعَل كذا وكذا مما لا تعلم أنه يفعله لا محالة : ما يدريك . ثم استأنف فقال :
(أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ).
هذه هي القراءَة ، وقرئت أيضاً (إِنَّها إذا جَاءَت لَا يؤمنون).
وزعم سيبويه عن الخليل أن معناها لعلها إذا جاءَت لا يؤمنون ، وهي
قراءَة أهل المدينة ، وقال الخليل : إنها كقولهم إِيت السوق أنك تشتري شيئاً ، أي لعلك.
وقد قال بعضهم إنها " أن " التِي على أصل الباب ، وجعل " لا " لَغْواً.
قال : والمعنى وما يُشْعِركم أنها إذا جاءَت يؤمِنُونَ ، كما قال عزَّ وجلَّ : (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95).

(2/282)


والقول الأولُ أقوى وأجودُ في العربية والكسرُ أَحَسَنُها وأجودها.
والذي ذكر أن " لا " لَغْوٌ غَالِطٌ ، لأن ما كان لغواً لا يكون غير لغو.
من قرأ : إنها إذا جاءَت - بكسر إنَّ - فالإِجماع أن " لا " غير لغو ، فليس
يجوز أن يكون معنى لفظةٍ مرةً النفي ومرة الإيجاب.
وقد أجمعوا أن معنى أن ههنا إذا فتحت معنى لعل ، والإجماع أولى بالِإتباع.
وقد بينْتُ الحجة في دفع . ما قاله من زعم أن لا لغو.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111)
هذا جواب قول المؤمنين : لعلهم يؤمنون.
فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنهم لا يؤمنون ، وهذا كإِعْلام نوح : (أنهُ لَنْ يُؤمِنَ
مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ آمَنَ).
ومعنى (قُبُلًا) جمع قبيل ، ومعناه الكفيل.
ويكون المعنى : وحَشَرْنَا عَليْهِم كل شيء قبيلاً قبيلاً.
ويجوز أن يكون قُبُلٌ جمعَ قبيل . ومعناه الكفيل.
ويكون المعنى : لو حشرنا عليهم كل شيءٍ ونجعل لهم بصحة ما نقول ما كانوا
ليؤمنوا ، ويجوز أن يكون " قُبُلاً " في معنى ما يقابِلهم ، أي لَوْ حَشَرْنَا عليهم كل شيء فقابَلهمْ.
ويجوز وحشرنا عليهم كل شيء قِبَلًا أيْ عِيَاناً ، ويجوز قُبْلاً على تخفيف
قُبُل وكل ما كان على هذا المثال فتخفيفه جائز ، نحو الصُّحف والصحْف
والكُتب والكتْبُ ، والرسُل والرسْل .

(2/283)


ومعنى (إلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أي إلا أنْ يَهْدِيَهُمْ اللَّه.
وجائز أن يكون نُنَزِّلُ عليهم آية تضطرهم إلى الإيمَانِ.
* * *
وقوله : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)
أي وكما جعلنا لك ولأُمَّتِك شياطين الجن والإنس أعداءً كذلك جَعَلْنَا
لِمَنْ تَقَدَّمَكَ من الأنبياءِ وأمَمِهم . و (عَدُوًّا) في معنى أعداءِ.
و (شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ) منصوب على البَدلِ مِنْ (عَدُوًّا).
ومفَسِّراً له.
ويجوز أن يكون (عَدُوًّا)مَنْصوباً على أنه مفعول ثان.
المعنى وكذلك شياطين الجن والإنس أعداءِ للأنبياءِ وأممهم.
(يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).
الزخرف في اللغة الزينة.
والمعنى أن بعضهم . يزَيِّن لبعض الأعمالَ القبيحة.
و (غُرُورًا) مَنْصوب على المصدَر ، وهذا المصدرُ محمول على المعنى.
لأن مبنى إيحاءِ الزخْرف من القول معنى الغرور.
وكأنه قال يَغرونَ غُروراً.
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُة).
أيْ لَوْ شَاءَ الله لَمَنَع الشيَاطِينَ من الوَسْوَسَةِ للإنْس والجِنِّ ولكن اللَّهَ
يمتحن ما يعلم أنه الأبلغ في الحكمة والأجْزل في الثواب والأصْلَح للعبَادِ.
* * *
وقوله : (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)
- معنى " لتَصغى " لتمِيلَ ، أي وليَصِيرَ أمرهم إلى ذلك.
ويجوز ، وَلتَصْغَى إِليْهِ أفْئِدَة.
يقال صَغَوْت أصْغَى مثل محوتُ أمْحى ، وإِنما جاز أصغَى وكان ينبغي
أن يكونَ أصْغو لموضع الغَيْن ، لأنها تفتح هي وأخواتها.
وهو أن يفعُل ويفْعِل

(2/284)


يصير معها في كثير من الكلام يفعَل نحو صبَغَ يصْبَغ وأصله يصبُغُ ، وهو يقال
ومِثْلُ ذهَبَ يذهبُ ، كأنه كان يَذْهُب ، ويقال صَغَيْتُ أصْغَى أيضاً ، وأصغَيْتُ ، أَصغَى شاذ ، وأصْغَيْتُ أصْغِي جيِّدٌ بَالغ كثير
وأفْئِدَة : جمع فؤاد ، مثل غراب وأغربة.
ومعنى : (وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ).
جائز أن يكون وليعملوا ما هم عاملون من الذنوب ، يقال قد اقترف فلان
ذنباً ، أي قد عمل ذنباً.
ويجوز " ولْيقْتَرفُوا " أي ليخْتَلِقُوا ولْيَكْذِبُوا ، وهذه لاَم أنْ ، المعنى ولأن
يَرْضَوْه ولْيَقْتَرِفُوا على أن اللام لامُ أمر ومعناه معنى التهدُّدِ والوعيدِ ، كما
تقول افْعَل ما شئت ، فلفظه لفظ الأمر ومعناه معنى التهدُّدِ.
* * *
وقوله : (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)
أعْلَمَ اللَّه عزَّ وجلَّ - أن أكثرهم من الذين اتبعوا أكابِرَهم لَيْس عند
أنفسهم أنهم على بصائر ، وأنهم إِنما يَظُنون ، ومنهم من عانَدَ ، ومن يعلم أن
النبي حق.
فإن قال قائل : كيف يعذبُون وهم ظانون ، وهل يجوز أن يعَذَبَ من كفر
وهو ظَانٌّ ، ومَن لم يكفر وهو على يقين ؟
فالجواب في هذا أن اللَّه جل ثناؤُه قد ذكر أنَّه يعذَبُ على الظَنِّ.
وذلك قوله : (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27).
والحجة

(2/285)


في هذا أنهم عُذَبُوا عَلى هذا الظن ، لأنهم اتبعوا أهْواءَهم وتركوا التماس
البصيرة من حيث يجب واقتصروا على الظن والجهل.
* * *
وقوله : (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117)
موضعا مَنْ " رفع بالابتداءِ ، ولفظها . لفظ الاستفهام.
المعنى : إن ربك هو أعلم أي الناس يَضِل عن سبيله ، وهذا مثل قوله :
(لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12).
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118)
معناه كلوا مما أخْلَصْتم ذبحه للَّهِ ، والمنْعُ من الميْتَةِ دَاخِل في هذا.
وليس بين الناس اختلاف في أن المشركين ناظروا المسلمين ، فقالوا لهم :
تتركون ما سبقكم الله إلى إماتَتِه وتأكلون ما أمَتُّم أنْتمْ فأعلم جلَّ وعزَّْ أن الميتةَ حرام وأن ما قصِدَ بتَزكِيته اتَبَاعُ أمْرِ اللَّه عزَّ وجلَّ فذلك الحَلال.
فقال : (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)
وَمَوْضِغ (أنْ) نَصْبٌ لأن " في " سقطت فَوَصَل المَعْنَى إلى (أنْ) فَنَصَبَها.
المعنى أي شيءٍ يقع لكم في أن لا تأكلوا.
وسيبويه يجيز أنْ يكونَ موضع (أنْ) جرا وإِن سَقَطتَ " في " ، والنصْب عنده
أجود . -
قال أبو إسحاق : ولا اختلافَ بين الناسِ في أن الموضع نصْبٌ.
(وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ).
وحُرمَ جميعاً ، أي فصل لكم الحلالَ مِن الحرامِ ، وأحَلَّ لكمْ في
الاضطرار ما حَرَّمَ عليكم .

(2/286)


فموضع (ما) نصب في قوله : (إلا مَا اضْطرِرْتمْ إلَيْه).
ومعنى ما اضْطُرِرْتم دعَتْكمُ شِدة الضرورَةِ ، أي شِدة المَجَاعةِ إلى أكله.
(وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
أي إن الذين يُحِلُّون المَيْتة ويُناظِرونكم في إحلالها ، وكذلك كل ما
يضلونَ فيه ، إنما يتبعون فيه الهوى والشهوة ولا بَصِيرةَ ولا علمَ عندهم.
* * *
وقوله : (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)
جاءَ في التفسير أن ظاهرهُ الزنَا ، وباطنه اتخاذ الأخدان والأصدقاء على
جهة الريبة.
والذي يدُل عليه الكلام أن المعنى - واللَّه أعلم - اتركرا الإثم -
ظَهراً ، أو بَطْناً ، أي لا تقربوا ما حرَّم اللَّه عليكم جَهْراً ولا سِرًّا.
* * *
وقوله : جلَّ وعزَّ : (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)
أي مِما لَمْ يُخْلَصْ ذبْحُه للَّهِ عزَّ وجلَّ.
(وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ) ومعنى الفِسْق الخروجُ عن الحق والدِّين ، يقال فسقت
الرطبة ، إذا خرجت عن قشرتها.
(وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ).
أي يُوَسوِسُ الشيطانُ لوَليِّه فَيُلْقي في قلبه الجدال بالباطِل ، وهو ما
وصفنا من أن المُشْركين جادلوا المسلمين في الميتة . -
(وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).
هذه الآية فيها دليل أنَّ كل مَنْ أحَلَّ شيئاً مما حرمَ الله عليه أوحرَّم شيئاً
مما أحلَّ الله له فهو مُشرِكٌ.
لو أحلَّ مُحِل الميتة في غير اضطرار ، أو أحل الزنا لَكان مُشركاً بإِجماع الأمَّةِ ، وإن أطاع اللَّه في جميع ما أمر به ، وإنما سُمِّي مُشْرِكاً لأنه اتبع غير اللَّه ، فأشرك باللَّه غيره ،

(2/287)


وقوله : (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)
جاءَ في التفسير أنه يعني به النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو جهل بن هشام فالنبي - صلى الله عليه وسلم - هُدِيَ وأعْطِيَ نُورَ الإسْلامِ والنُبوةَ والحكمَةَ ، وأبو جهل في ظلمات الكفر.
ويجوز أنْ تكون هذه الآية عامةً لكل من هداه الله ولكل من أضَلَّه اللَّهُ . فأعلم اللَّهَ جلَّ وعزَّ أن مَثَل المهْتدِي مَثَلُ الميتِ الذي أُحْييَ وجُعِلَ مستضيئاً يمشي في الناس بنور الحكمة والإيمان ، ومثل الكافر مثل من هو في الظلمات لا يتخلص منها.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)
موضع الكاف نصب معطوفة على ما قبلها ، وهو قوله :
(كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
المعنى مثل ذلك الذي قصصنا عليك زُيَِّنَ لِلْكَافِرينَ عملُهم.
(وكذلك جعلنا) أي ومثلَ ذلك (جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا) ، لأن الأكابر ما هم فيه من الرياسة والسَّعةِ أدعى لهم
إلى المكر والكفر ، والدليل على ذلك قوله : (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرزْقَ لعبادِهِ
لبغَوْا في الأرْضِ) وقوله : (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ).
ومعنى : (وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ).
أي ذلك المكر يحيق بهمْ ، لأنهم بمكرهم يُعَذَبُونَ.
* * *
وقوله : (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124)
هذه الهاءُ والميم تعودان على الأكابر الذين جَرَى ذِكْرُهُمْ لأنهم

(2/288)


قالوا : لَن نُؤمِنَ حتى نُعْطَى منَ الآيَاتِ مثل ما أعْطِيَ الأنْبياء وأعلم اللَّهٌ
عزَّ وجلَّ أنه أعلم من يصلح ، فقال جلَّ وعزَّ : (وَلَقَدْ اخْتَرنَاهُمْ عَلَى عِلْم عَلَى العَاَلمِينَ).
وقوله : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
أي هو أعلم بمَن يخْتَصُّ للرسالة.
وقال بعضهم لا يبلغ في تصديق الرسل إلا أن يكونوا قبل مَبعثهم مُطَاعِين
في قَوْمِهِمْ ، لأن الطعن كان يتسع عَلَيْهم ، ويقال إنما كانوا أكابرَ ورؤَساءَ
فاتبِعُوا.
(سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ).
أي هم وِإن كانوا أكابرَ في الدنيا سيصيبُهم صغارٌ عِنْد اللَّه أي مَذَلَّة.
و " عِند " متصلة بِـ (سيُصِيبُهم) عند اللَّه صغار.
وجائز أن تكون " عند " متصلة بصغار فيكون المعنى سيصيب الذين أجْرَمُوا صَغَارٌ ثابت لهم عند ، للَّهِ.
ولا تصلح أن تكونَ " من " محذوفة من (عِنْدَ) إنما المحذوف (في) من
(عند) في المعنى إذا قلت : زيد عند عمروٍ
والمعنى زيد في حضرة عمرو.
* * *
(فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)
يروى عن ابن مسعودٍ أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - :
وهَل ينشرح الصدر ؟
فقال نعم ، يدخل الْقَلْبَ النورُ ، فقال ابن مسعودٍ : هل لذلك من علم ؟
قال نعم ، التجافي عن دَارِ الغُرُورِ ، والإنابة إِلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل الموت .

(2/289)


(وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا)
يُروى عن ابن عباس أنه قال : الْحَرَج موضع الشجر الملتف ، فكان
قلبَ الكافرَ لا تَصِلُ إِليه الحكمة.
كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي يلتف فيه الشجر.
وأهل اللغة أيضاً يقولونه : الشجر الملتف يقال له ألْحَرَج.
والحرج في اللغة أضيق الضيق والذي قال ابن عباس صحيح حَسَنٌ.
فالمعنى عند أهل اللغة إنَّه ضيق جدًّا.
ويجوز حَرِجاً - بكسر الراءِ - فمن قال حَرِج فهو بمنزلة قولهم : رجل
دَنِفٌ ، لأن قولك دَنَف ههنا وَحَرَج ليس من أسماءِ الفاعلين . إِنما هو بمنزلة
قولهم : رَخلٌ عَدْل أي ذو عَدْل.
وقوله : (كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ).
وَيصَّاعَدُ أيضاً ، وأصله يَتَصَاعَدُ ويَتَصَعَّدُ ، إِلَّا أنَّ التَاءَ تدغم في الصًاد
لقربها منها.
ومعنى كأنما يصَّعَّد في السماءِ - واللَّه أعلم - كأنه قد كلف أن يَصْعَد
إِلى السماءِ إذَا دُعِيَ إلى الِإسلام مِنْ ضِيق صَدْرِهِ عنه.
ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - كأنَّ قلبه يصعد في السماءِ نبُوًّا على الِإسلام واستماع الحكمة.
(كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ).
أي مثل قصصنا عليك يجعل الله الرجس على الذين لا يُؤمنون.
وَالرَجْسُ اللعنةُ في الدنيا والعذابُ في الآخرة.
وقوله جلَّ وعزّ : (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)

(2/290)


أي للمؤْمنين دار السلام ، وقال بعضهم : السلام اسم من أسماءِ اللَّه.
ودليله : (السَّلاَمُ الْمُومِنُ الْمُهَيْمِنُ).
ويجوز أن تكون سميت الجنة دار السلام لأنها دارُ السَلامة الدائمة التي لا تنقطع.
* * *
وقوله : (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)
المعنى - واللَّه أعلم - فيقال لهم : (يَا مَعْشَر الْجِنَ قَدْ اسْتَكثَرْتُمْ مِنَ
الِإنْسَ).
المعنى قد استكثرتم ممن أضللتموهم من الإنس.
(وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ).
جاءَ في التفسير أن استمتاع الِإنس بالْجِن أن الرجُلَ كان إذا سافر سفراً
فخاف أو أصابَ صيداً ، قال أعوذُ بِرَبِّ هذا الوادي ، وبصاحب هذا الوادي يعني به الجِنَّ ، واستمتاعُ الجِنِّ بالِإنس أنَّ الِإنْسِي قد اعترف له بأنَّه يقدر أن يدفع عنه.
والذي يدل عليه اللفظ - واللَّه أعلم - هو قبول الإنس من الجن ما كانوا
يُغْوُونهم به لِقَوْله : (اسْتَكْثَرْتُم مِنَ الِإنْسِ).
فأما من كان يقول هذا أعني يستعيذ بالجنِّ فقليل.
(قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ).
الْمَثْوَى الْمُقَامُ.
(خَالِدِينَ فِيهَا).
منصوب على الحال ، المعنى : النار مُقَامُكم في حال خُلُودٍ دائم.
وقوله : (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ).
معنى الاستثناء عندي ههنا - واللَّه أعلم - إِنَّمَا هو من يوم القيامة ، لأن

(2/291)


قوله : (وًيوْمَ يَحْشَرُهُمْ جَمِيعاً) هو يوم القيامة ، فقال خالدين فيها مُذ يُبعثون إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِن مِقْدَارِ حَشْرِهِمْ من قبورِهم ، ومقدارِ مدَّتِهم في محاسبتهم ، وجائز أن يكون إلا ما شاءَ الله أن يعذبهم به من أصناف العذاب ، كما قال
جلَّ وعزَّ : (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ).
فيجوز واللَّه أعلم إلا ما شاءَ ربك من مقدار حشرهم ومحاسبتهم
ويجوز أن يكون إلا ما شاءَ ربك مما يزيدهم من العذاب.
وقوله : (إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).
أي هو حكيم فيما جعله من جزائهم ، وحكيم في غيره.
* * *
وقوله : (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)
فقال : (رُسُلٌ مِنْكُمْ) وإِنما المرسل من الِإنس دون الجن ، فإِنما جاز ذلك
لأن الجماعة تعقل وتخاطب ، فالرسل : هم بعض من يعقل.
وهذا كقوله : عزَّ وجلَّ : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ).
وَإنَّمَا يخرجُ ذَلك مِنَ الْمِلْح.
أي البحر الذي ليس بعذبٍ ، فقال منهما لأن ذكرهما قَدْ جُمِعَ.
فهذا جائز في اللغة ، في كل ما اتَّفَقَ في أصله كما اتفقت الجِن مع الإنس في باب التمييز.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)
زَعَمَ سيبويه أنَّ موضِعَ ذلك رفع.
المعنى : الأمر ذلك لأنه (لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ).
وقال بعضُهُم : يجوز أن يكون موضعها نصباً.
المعنى : قيل ذَلك لأنه

(2/292)


لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ، والمعنى يخرج على جميع القولين لأن
المعنى يدل على أمْر الإرسالِ ، فكأنه - واللَّه أعلم - ذلك الذي قصصنا عليك من أمر الرسل أمْر عَذَاب مَنْ كذَّبَ بها لأنه لم يكن مهلك القرى بظلمِ ، أيِ لا يهلكهم حتى يبعث إليهم رسولًا.
كما قال عزَّ وجلَّ : (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15).
وقوله : (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)
(كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ).
مَوضع الكاف نصب.
المعنى (وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ) مثل ما أنشأكم.
يقال : أنشأَ اللَّه الخلق إذا خلقه وأبدأه ، وكل من ابتدأ شيئاً فقد أنشأه.
ومن ذلك قولك فأنشأ الشاعر يقول ، أي ابتدأ من نفسه ، والنشَأ الصغارُ من الأولادُ.
قال نُصَيبٌ :
وَلَوْلَا أن يقال صَبَا نصَيبٌ . . . لقلت بنفسي النَشَأُ الصِّغَار
ولهذا يقال للصغار نَشءٌ حَسَنٌ ، ونُشوءُ حَسَن ، أي قد ظهر له ابتداء
حسن.
* * *
وقوله : (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135)
ومكاناتكُمْ ، المعنى اعملوا عَلَى تمكنكم.
ويجوز أن يكون المعنى اعملوا على ما أنتم عليه ، ويقال للرجل إِذا أمرته أن يثبت على حال : على مكانتك يا فلان ، أي أثبت على ما أنت عليه .

(2/293)


فإِن قال قائل فكيف يجوز أن يَأمُرَهُمْ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُقِيمُوا على الكفر فيقول لهم : (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ) ، فإِنما معنى هذا الأمْرِ المبَالغة في الوَعِيدِ ، لأن قوله لهم : (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
قد أعلمهم أن من عمل بعملهم فَإلى النار مصيرُه ، فقال لهم : اقيموا
على ما أنتم عليه إِن رضيتم العذاب بالنار.
* * *
(وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)
والحامي الذي حَمَى ظهرَه أنْ يُرْكَبَ ، (وَأنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ
عَلَيْهَا).
فأعلم الله عزَّ وجلَّ انَّ ذَلِكَ افتَرَاء ، أي يفعلون ذلك افتراءً عليه ، وهو
منصوب بقوله : (لَا يَذْكُرُونَ اسمَ اللَّهِ).
وهذا يسميه سيبويه مَفْعُول لَهُ.
وَحَقِيقَتُة أن قوله : (لَا يَذْكُرونَ) بمعنَى يَفْتَرُون ، فكأنه قال يفترون افتراءً.
* * *
(وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139)
وكأنَّه إذَا جَعَلُوا لأصْنَامِهِمْ مما في بطون الأنعام شيئاً
جَعَلُوه مَا يَكُون ذَكَراً مَوْلُوداً حيا يَأكُله الذكْرَان خَاصةً.
ولا يجيزون أن يأكلَ النساءُ شيئاً.
فإن كان ذكراً ميتاً اشترك فيه الرجَالُ والنساء
وهو قوله عزَّ وجلَّ : (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَا).
ثم قال : (خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا).
فهو على ضربين : أجودهما أن يكون أنثَ الْخَبَرَ ، وجعل معنى " ما "
التأنيث لأنها في معنى الجماعة ، كأنَّهم قالوا جَمَاعَةً مَا فِي بُطُون هذه الأنعام

(2/294)


خالصة لذكورنا ، وُيرَدُّ (وَمُحَرَّمٌ) على لفظ ما ، وقال بعضهم أنَثَه لتأنِيث
الأنعام ، والذي في بطون الأنعام ليس بمنزلة بعض الشيءِ ، لأن قولك :
سَقَطَتْ بعض أَصَابعه " بعض أصابع " إصْبَعٌ وهي واحدة منها ، والذي في بطون الأنعام : مَا في بَطْن كل وَاحِدَ غيرها.
وَمَنْ قال يجوز على أن الجملة اأعام فكأنه قال : وقالوا الأنعام التي في بطون الأنعام خَالِصَةٌ لذكورنا.
والقول الأول الذي شرحنا أبيَن ، لقوله (وَمُحَرَّمٌ) ، لأنه دليل على الحمل
المعنى في " ما " عَلَى اللفظ.
وقرأ بعضهم (خالصةً لِذكورنا) ، فهو عندي - واللَّه أعلم - ما خَلصَ حَيا.
ويجوز (وإِن يَكنْ ميْتَةً) بالياء والتاءَات ، ونَصْبَ (ميتة).
المعنى وإِن تكن تلك الحمول التي في البطون ميتةً ، ومن قرأ وإن يكن
فعلى لفظ ما ، المعنى إِن يكن ما في البطن ميتة ، ويجوز " وإِنْ تكن مَيْتَةٌ "
بالتاءِ ورفع الميتة ، ويكون " تَكنْ " بمعنى الحدوث والوقوع كأنَّه وإِن تَقَعْ مَيْتَة
وإن تَحْدُثْ مَيْتَة.
وقوله : (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهمْ).
المعنى - واللَّه أعلم - سيجزيهم جزاءَ وصفهم الذي هو كذِب.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140)
(سَفَهًا)
منصوب على معنى اللام أي للسفه ، مثل فعلت ذلك حذرَ الشر.
ويجوز أن يكون منصوباً على تأويل المصدر ، لأن قتلهم أولادهم قد سَفِهوا فيه ، فكأنَّه قال : سفِهوا سَفْهاً ، فقال

(2/295)


عزَ وجل : (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ).
وقد فسرنا نصب (افتراءً).
ومعنى الافتراءِ ههنا الكذب.
ثم احتج الله عليهم ونَبَّه على عظم مَا أتَوْه فِي أنْ أقْدَمُوا على الْكَذِب على اللَّه وأقْدَمُوا على أن شَرعُوا من الدِّينِ مَا لمْ يَأذَنْ به اللَّهُ فقال :
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)
فكأنه قال افتروا على اللَّه وهو المحدث للأشياءِ الفاعل ما لا يقدر أحدٌ
على الإتيان بمثله ، فقال عزَّ وجل :
(وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ) أي : ابتدع جنَاتٍ مَعْرُوشاتٍ ، والْجَناتُ الْبَسَاتِينُ.
(وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ).
ومعنى المعروشات ههنا الكروم.
(وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ).
في حال اختلاف أكْلُهِ . وهذه مسألة شديدة في النحو إِلا على من عرف
حقيقتها ، لأن للقائل أن يقول كيف أنشأهُ في حَال اختلاف أكله وهو قد نشأ
من قبلِ وقُوعِ أكْلِهِ . وأكْلُه ثمره ؟
فالجواب في ذلك أنه عزْ وجلَّ قدَّرَ إنشَاءَه بقوله : (هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ).
فأعلم عزَّ وجلَّ إنَّه المنشئ له في حال اخْتلافِ أكلِهِ ، ويجوز أنشأه ولا
أكل فيه مختلفاً أكُلُه ، لأن المعنى مُقَدِّراً ذلك فيه ، كما تقول . : لتدخُلُنَّ منزل زيد آكلين شاربين ، المعنى تدخلون مُقَدِّرِينَ ذلك.
وسيبويه دل على ذلك وبيَّنه في قوله : مررت برجل معه صقر - صائداً به غداً ، فنصب صائداً على الحال ، والمعنى مُقَدِّراً الصيد.
ومعنى (مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) .

(2/296)


على ضربين ، فأحدهما أن بعضه يشبه بعضاً ، وبعضه يخالف بعضاً
ويكون أن يكون مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ، أنْ تكونَ الثمَارُ يُشْبِه بعضها بعضاً في النظر وتختلف في الطعوم.
وقوله : (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ).
ثَمَرَ جمعُ ثَمَرَةٍ ، ويجوز مِن ثمُرِهِ ، ويكون الثمُر جمعُ ثِمَار فيكون بمنزلة
حُمُر جمع حمارٍ . ويجوز من ثمْره . . بإِسكان الميم.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ).
يجوز الْحَصَادُ والحِصَادُ ، وتقرأ بهما جميعاً ، ومثله الجَداد والْجِدادَ
لِصِرَامَ النَّخل.
اختلف الناسُ في تأويل (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فقيل إن الآية مكيَّةٌ.
وروي أن ثابت بن قيس بن شماس صَرَمَ خَمْسَمائَةِ نَخْلة ففرَّق ثِمَارَها كُلَّه
ولم يُدْخِلْ مِنْهُ شَيْئاً إلى مَنْزِله ، فأنزل اللَّه - عزَّ وجلَّ - : (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا).
فيكون على هذا التأويل أن الإنسان إذا أعطى كل ماله ولم يوصل إلى
عياله وأهله منه شيئاً فقد أسْرَفَ ، لأنه جاءَ في الخبر : ابْدَأ بِمَنْ تعُول.
وقال قومٌ إِنها مَدَنية ، ومعنى (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) ، أدُّوا مَا افْتُرِضَ
عليكم في صَدَقَتِه ، ولا اختلاف بين المسلمين في أمر الزكوات أن الثمار إذا

(2/297)


حصدت وجب إِخراج ما يجب فيها من الصدقة فيما فرض فيه الصدقة ، فعلى هذا التأْويل يكون : (وَلَا تُسْرِفُوا) أي لا تنْفِقوا أموالكم وصَدَقاتِكمْ على غير الجهة التي افْتُرِضتْ عليكم ، كما قال المشركون :
" هذا ليس كائناً " وحرموا ما أحل اللَّه ، فلا يكون إِسرافٌ أبْيَنَ من صرف الأموال فيما يُسْخِط اللَّه.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142)
نسق على الجنات ، المعنى وهو الذي أنشأ جناتٍ ، وأنشأ من الأنعامِ
حَمُولةً وَفَرْشاً والحَمولة الِإبل التي تُحَمَّلُ.
وأجْمَعَ أهل اللغة على أن الفَرْشَ صغارها.
وقال بعض المفسرين : الفرشُ صغارُ الِإبِلِ وإِن البقر والغَنم من الفرش
الذي جاءَ في التفسير ، يدل عليه قوله :
(ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)
وقوله (وَمِن الِإبِلِ اثْنَيْنِ وَمِن الْبَقَرِ اثْنَيْنِ).
فلما جاءَ هذا بدلًا من قوله (حَمُولةً وَفَرْشاً) جعله للبقرِ والغنم مع الِإبل.
وقوله : (كُلُوا مِما رَزَقَكَمُ الله).
أي لا تُحَرِّموا ما حَرمْتم مما جرى ذكره.
(وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ).
في خُطوات ثلاثة أوجه : ضم الطاءِ وفتحها وإِسْكانها.
ومعنى خطوَاتِ الشيطانِ . طُرُق الشيطان ، قال بعضهم تَخَطَي الشَيطانِ الحلالَ إِلى الحرام.
والذي تدل عليه اللغة أن المعنى لا تسلكوا الطريقَ الذي يُسَوِّله لَكَم
الشيطان .

(2/298)


وقوله : (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143)
بَدَل من (حَمُولَةً وَفَرْشًا) والزوج في اللغة الواحد الذي يكون معه آخر :
(مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ).
والضَّأْنُ جمع ضائن وضَأن ، مثل تاجر وتَجْر.
(وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ).
هذا احتجاج عليهم . بَيَّن اللَّه عزَّ وجلَّ بِهِ فِرْيَتَهمْ وَكذِبَهمْ فيما ادَّعَوْه مِنْ
أن مَا فِي بُطونِ الأنْعَامِ حلال للذكور ومحرم على الإناث وما حرمُوا مِنْ سائر
ما وَصَفْنَا ، فقيل لهم آلذَّكرَيْنِ حرَّمَ فإن كان حرمَ من الغنَمَ ذُكُورَهَا فكل
ذُكُورِها حرام ، وإِن كان حرَّم الأنثيين فكل الإناثِ حَرَام ، وإن كان حرمَ ما
اشتملت عليه أرحام الأنثيين فقد حرم الأوْلاَدَ ، وكلُّهَا أوْلاَدٌ فَكُلُّها حَرَام.
وكذلك الاحتجاج في قوله : (وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ).
فقيل لهم (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ).
أي فسروا ما حرمتم بعلم ، أي وأنتم لا علم لكم لأنكم لا تؤمنُونَ
بكِتَاب.
* * *
(وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)
(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا).
أي هل شاهدتم الله قد حرم هذَا إِذ كنْتُمْ لاَ تؤمِنُونَ برسول.
ثم بين ظلْمَهُم فقال :
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
وقد بَيَّن الاحتجاج أنهم لا يؤْمنون بِنَبيٍّ ولا يَدَّعُون أن نبياً خبَّرهم عن
الله أن هذا حرام ، ولا أنهم شاهدوا اللَّه قد حَرَّمَ ذلك.
ثم قال :

(2/299)


(قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145)
فأعلمهم - صلى الله عليه وسلم - أن التحريم والتحليل إنما يَقْبَلُه بالوَحي أو التنزيل فقال : (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا).
والمسْفُوح المصْبُوب ، فكأنه إذا ذَبَحوا أكَلُوا الدَّمَ كما يأكلونَ اللحمَ.
(أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ).
والرجْسُ اسم لما يُسْتقْذرُ ، وللعذاب.
(أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ).
أي رُفِعَ الصوْتِ على ذَبْحِهِ باسمِ غَيْر اللَّهِ ، وكانوا يذكرون أسماءَ
أوْثانَهم على ذَبَائحهم.
" فَفِسْق " عطف على لَحْمِ خِنْزِيرٍ ، المعنى إلا أن يكون
المأكول ميتةً أو دَماً مسْفُوحاً أو لحمَ خِنْزِيرٍ أو فِسْقاً.
فسُمِّيَ ما ذكر عليه غير اسم اللَّه فِسْقاً ، أي خُرُوجاً مِنَ الدِّينِ.
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ).
أيْ دَعَتْه الضرُورةُ إلى أكْله فَأكَلَه غيرَ باغٍ ، أي غير قاصد لتحليل ما
حرم اللَّه.
(وَلَا عَادٍ).
أي ولا مُجَاوزٍ للقَصْد وقَدْرَ الحاجة . و " العَادِي " الظالمُ.
(فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
أي يغفر لمن لم يَتَعَدَّ.
فأما إعراب (آلذَّكَرَيْنِ) فالئصْبُ بـ (حَرَّمَ).
وَتَثْبُتُ ألف المعرفة مع ألف الاستفهام لئلا يلتبس الاستفهام بالخبر ،

(2/300)


لأنه لو قيل ألذكرين حَرَّمَ بألف واحدة لالتبس الاستفهام بالخبر.
وقد يجوز جمع أم حذف الألف لأن أم تدل على الاستفهام لأنه لو قيل ألرجلَ ضربت أم الغلامَ لَدَلَّتْ " أمْ " على أن الأول ، داخل في الاستفهام.
وقد أجاز سيبويه أن يكون البيت على ذلك وهو قوله :
لَعَمْرُكَ ما أَدْري وإِن كنتُ دارياً شُعَيْثُ بنُ سَهْم أَمْ شُعْيْثُ بنُ مِنْقَرِ
فأجاز أن يكون على أشعيثُ بن سهم ، ولكن القراءَة بتبيين الألف الثانية
في قوله : (آلذَّكَرَيْنِ).
* * *
وقوله : (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146)
ئعْنَى بِه الإبل والنعامُ ، لأن النعام ذوات ظفر كالإبل.
(وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا).
فقال بعض الناس : . حُرمَتْ عليهم الثرُوب ، وأحل لهم ما سواها مما
حملت الظهور.
(أَوِ الْحَوَايَا)
وهي المباعرُ واحدها حَاوِية وحاوِيَاءُ وحَوِيَّة.
(أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ).
نحو شحم الإلية . وهذا أكثر القولين ، وقال قوم حُرمَتْ عَليهم الثروبُ.
وأحل لهم ما حملت الظهور وصارت الحوايا أو ما اختلط بعظم إِلا ما حملت
الظهور فإِنه غير محرم ، و " أوْ " دخلت على طريق الِإباحة ، كما قال جَلَّ وعزَّ :

(2/301)


(وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24).
فالمعنى كل هُؤلاءِ أهل أن يُعصَى.
فاعصِ هذا ، واعصِ هذا
و " أو " بليغة في هذا المعنى ، لأنك إِذا قلت : لا تطع زيداً وعمراً فجائز أن تكون نهيتني عن طاعتهما معاً في حال إِن أطَعتُ
زيداً على حِدَتِه لم أكُنْ عَصيتُكَ ، وإذا قلتَ : لا تطعْ زيداً أو عمراً أوخالداً ، فالمعنى أن هُؤلاءِ كلهم أهل ألا يُطاعَ فلا تطع واحداً منهم ولا تطع الجماعة.
ومثله جالس الحسن أو ابن سِيرين أو الشَعبي ، فليس المعنى أني آمرك
بمجالسة وَاحد منهم ، ولكن مَعْنَى " أوْ " الِإباحة.
المعنى كُلهم أهل أن يُجَالَس ، فإِن جالست واحداً منهم فأنت مصيب وإِن جالست الجماعة فأنت مصيب.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)
زعم سيبويه أن العَطْفَ بالظاهر على المضمر المرفوع قبيح ، يستقبح
قمت وزيدٌ ، وقام وزيدٌ ، فإن جاءَت " لَا " حَسُنَ الكلامُ فقلت : لا قمتُ ولَا زيد ، كما أَنَه إذا أَكد فقال قمت أَنت وزيد حَسُن ، وهو جائز في الشعر.
فأما معنى الآية فإن اللَّه جل ثناؤُه أخبر عنهم بما سَيَقولُونَه ، وقولهم :
(لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا) جَعَلُوا هَذَا القَوْلَ حُجةَ فِي إِقامَتهمْ عَلى شِركِهِِم فأعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنَّ (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا).
والحُجَّةُ عَليهم في هذا أنهُم إِذا اعْتَقَدُوا أن كُل مَنْ كان على شيءٍ.
والأشياءً تجري بمشيئة الله تعالى - فهو على صَوابٍ فلاَ مَعنى إِذن - على
قولهم - للرسَالةِ والأنبياءِ ، فيقال لهم : فالذين على دين يخالفكم ، أليس هو
على ما شاءَ اللَّه ، فينبغي ألا تَقُولوا إِنهمْ ضالُّونَ ، وهو عزَّ وجلَّ يَفْعَلُ مَا يَشاء ،

(2/302)


وهو قادر على أن يَهْدِيَ الخلْق أجمَعين ، وليس لِلعِباد على الله أن يَفْعَل بهم
كل مَا يَقْدِرُ عَليهْ ، فقال عزَّ وجلَّ :
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)
فحجته البالغة تَبْيينهُ أنَّهُ الواحدُ وإرْسالُه الأنبياءَ بالحجج التي يعجز عنها
المخلوقون :
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)
زعم سيبويه أنها " ها ، ضمت إليها " لُمَّ " وجَعلتا كالكلمة الواحدة.
فأكثر اللغات أن يقال هَلُمَّ للواحد والاثنين والجماعة.
بذلك جاءَ القرآن نحو قولهم : (هَلُمَّ إِلَيْنَا).
ومعنى (هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ) أي فهاتوا شهداءَكم ، وقربوا شهداءَكم ، ومن
العرب من يثني ويجمع ويؤَنث ، فيقول للذكر هَلُمَّ ، وللاثنين هلمَّا وللجماعة
هَلُمُّوا ، ْ وللمرأَة هَلُمِّي وللاثنتين هلمَّا ، وللنسوة هَلْمُمْنَ.
وفتحت الميم ، لأنها مُدْغمة كما فتحت رُدَّ في الأمر لالتقاءِ السَّاكنين.
ولا يجوز هَلُم إلينا للواحد بالضم . كما يجوز في رُد الفتح ؛ والضم والكسر ، لأنها لا تتصرف.
وقوله : (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)
فَـ " مَا " في مَوْصع نصب إِنْ شِئْتَ بـ (أَتْلُ).
والمعنى تعالوا أتْلُ الذي حرَّمَ ربكم عليكم ، وجائز أن تكون " ما " منصوبة بـ (حَرَّم) لأن التلاوة بمنزلة القول.
كأنه قال : أقول أي شيءٍ حرَّم ربكم عليكم ، أهذا أم هذا ، فجائز أن يكون
الذي تَلاهُ عَلَيْهم قَوْله : (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا).
ويكوِن (أَلَّا تُشْرِكُوا) منصوبة بمعنى طرح اللام أي : أبين لكم الحرامَ لئلاً تُشْرِكُوا بِه شَيْئاً ، لأنهم

(2/303)


إِذَا حَرَّمُوا ما أحَل اللَّه فقد جَعَلُوا غيرَ اللَّه - في القَبُول منه - بمنزلة الله
جلَّ وعزَّ فَصَارُوا بِذلك مُشْرِكينَ.
ويجوز أن يَكونَ (أَلَّا تُشْرِكُوا) مَحْمُولاً على المعنى ، فيكون :
" أتل عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا به شيئاً "
فالمعنى أتْلُ عَليْكُم تَحْرِيمَ الشرْكِ بهِ.
وجائز أن يكون على معنى أوصِيكم (أَلَّا تُشْرِكُوا بِه شيئاً)
لأن قوله : (وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَاناً) محمولٌ على معنى أوصيكم بالوالدين إحساناً.
وقوله : (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ).
أي لَا تَقْتُلُوا أولادكم من فَقْرٍ ، أي من خَوْفِ فَقْرٍ.
(وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).
بدل من الفواحش في موضع نصب.
المعنى لا تَقْرَبوا ما ظهر من الفواحش وما بطن ، جاءَ في التفسير أنَّ مَا
بَطنَ منها الزنَا ، وما ظهر اتخاذُ الأخْدَان وَالأصدقاءِ على جهة الريبة.
وظاهر الكلام أن الذي جرى من الشرك باللَّه عزَّ وجلَّ وقتل الأولاد وجميع ما حرَّموه مما أحَل اللَّهُ عزَّ وجلَّ فَوَاحش ، فقال : ولا تَقْربوا هذه الفَوَاحِشَ مظْهرين ولَا مُبْطِنِينَ ، واللَّه أعلم.
وقوله : (ذلِكمْ وَصَّاكمْ بِهِ).
يدل على أن معنى (أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
* * *
وقوله : (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)
قال بعضهم : التي هي أحسن رُكُوبُ دابتِه واستخدام خادِمه ، وليس في

(2/304)


الظاهر أن هذا هو المراد ، وإنما التي هي أحسن حفظ ماله عليه ، وتثْمِيرُه
بما وُجِدَ إليه السبيل.
قوله : (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).
" حَتَّى " محمولة على المعنى ، المعنى احْفَظُوه عليه حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ.
أي فإذا بلغ أشده فادفعوه إليه.
وبلوبخ أشُده أن يؤنَس منه الرُّشْدُ مَع أنْ يكونَ بالغاً.
وقال بعضهم : (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ) حَتى يَبْلُغ ثمانيَ عَشْرة سَنة ، ولسْتُ أعْرفُ مَا وَجْهُ ذلك بأن يبلغَ قبل الثماني عشرة وَقد أنِسَ منه رشداً فدفْعُ مالِه إلَيه واجب.
وقوله " جلَّ وعزَّ : (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى).
أي إذا شَهِدْتم أوْ حَكَمتُم فاعْدِلوا ، ولو كان المشهودُ عليه أوْ لَهُ ذَا قربى.
* * *
(قوله : (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)
الأكثر في القراءَة بفتحَ النون ، ويجوز (أحْسنُ) على إضْمارِ على
الذي هو أحسنُ . فأما الفتح فعلى أن (أحسنَ) فعل ماض مبني على الفتح.
وأجاز الكوفيون أن يكون في موضع جَر ، وأن يكون صفة الذي ، وهَذَا عند
البصريين خَطَأٌ فاحش ، زعم البصريون أنهم لا يعرفون " الَّذِي " إلا
موْصُولَة ، ولا تُوصَفُ إلا بَعْدَ تَمَام صلتها ، وقد أجمع الكوفِيونَ مَعَهُمْ على أن الوَجْهَ صِلتُها ، فيحتاجون أن يثبتوا أنها رفعت موصولة ولا صلة لها ، فأمَّا دخول " ثم " في قوله : (ثُمَّ آتَيْنَا) وقد علمنا أن (ثُمَّ) لا يكون الذي بَعْدهَا أبداً مَعناه التقْدِيم أِ ، وقد علمنا أن القرآن أنزل مِن بعْدِ موسى ، وبعد التوراة .

(2/305)


ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)
فقال : (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) فإنما دخلت ثم في العطف على التلاوة.
والمعنى قُلْ تَعَالَوْا أتْلُ مَا حَرَّمَ رَبكُمْ عَلَيكُمْ ، أتْلُ عليْكم ألا تَقْتلُوا
أولادَكم ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ، ثم أتلو ما آتاه اللَّه موسى.
ومعنى (عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) يكون على " تماماً على المحسن "
المعنى : تماماً من الله على المحسنين ، ويكون (تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) أي على
الذي أَحْسَنَه مُوسَى مِنْ طاعَةِ اللَّهِ واتبَاع أمرِه.
ويجوز تماماً على الذي هُوَ أحْسنُ الأشْياءِ.
و " تمام " منصوب مفعول له ، وكذلك وتفصيلاً لكل شيء.
المعنى آتيناه لهذه العلة أي للتمام والتفصيل.
* * *
وقوله : (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)
والمبارَكُ ما يأتي من قِبَلِهِ . الخيرُ الكثيرُ ، وهو من نعت (كتاب)
ومن قرأ " أنْزَلْنَاهُ مُبَارَكاً " جاز ذلك في غير القراءَةِ ، لأن المصحف لا يُخَالَفُ ألبَتَّةَ.
وقوله : (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
أيْ لِتَكونوا رَاجِينَ للرحْمَةِ.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156)
قال بعضهم : معناه أنْزَلْنَاهُ لئلا تَقُولُوا إِنما أنزِلَ الكتابُ أي أنزلناه لتنْقَطِعَ
حُجتُهمْ ، وإِنْ كانت الحجةُ للَّهِ عزَّ وجلَّ ، لأن الكتُبَ التي أنْزِلَتْ قبلَ
النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كانت فيها الحجة ، ولم يكن اللَّه عَزَّ وجلَّ : لِيَتْركَ خَلقَه سُدًى بغير حجة ، ولكن في تنزيل الكتاب والنبي - صلى الله عليه وسلم - غاية الحجة ، والزيادة في الإبَانةِ .

(2/306)


وقال البَصْريون : معناه أنزلناه ، كراهةَ أن تقولوا ، ولا يُجِيزون إضمار
" لا " لَا يقولون جئتُ أنْ أكْرِمَك ، أي لئلا أكرمَك ، ولكن يجوز فعلت ذلك أن أكرمَك ، على إضمار محبة أن أكرمك ، وكراهة أن أكرمكَ ، وتكون الحال تنبئ عن الضمير.
فالمعنى : أنزل الكتاب كراهة أن يقولوا : - إِنما أنزلت
الكتُب على أصحاب موسى وعيسى.
(وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ).
المعنى : وما كنا إلا غافلين عن تلاوة كتبهم.
* * *
(أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)
(أَوْ تَقُولُوا) المعنى أو كراهة أنْ تَقُولُوا.
(لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ).
وإنما كانوا يقولون (لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ) لأنهم كانوا مُدِلِّين بالأذهان
وحُسْنِ الأفْهَام ، وذلك أنهم يحفظون أشعارهم وأخبارهم وآثارهم ، وهم
أُمِّيونَ لا يَكْتُبونَ.
وقوله : (فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ).
أي فقد جاءَكم ما فيه البيان وقطعُ الشُّبُهَاتِ عَنْكُمْ.
* * *
وقوله : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ).
أي إلا أنْ تَأتِيهم ملائكةُ الموْتِ.
(أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ).
أو يأتي إهْلاَكُ رَبِّك إيَّاهم وانْتِقامُهُ مِنْهُم ، إمَّا بعذَاب عاجل أو بالقيامة.
وهذا كقولنا : قَدْ نَزَلَ فُلان ببَلَد كَذا وكَذَا ، وقد أتَاهُمْ فُلانٌ أي قَدْ أوْقَع بِهِمْ.
وقوله : (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ).

(2/307)


نحو خروج الدابة : أو طلوع الشمس منْ مغربها.
وقوله : (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ).
أي لا يَنْفَعُها الإيمَانُ عِند الآية التي تضْطَركم إلى الإيمان ، لأن اللَّه
جلَّ ثناؤه قال : (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
وبعث الرسل بالآيات التي تُتدَبَّر ، فيكون للمؤمِنِ بها ثوابٌ ولو بعث اللَّه على كل من لم يؤمن عذاباً ، لاضطر الناس إلى الإيمان به : وسقط التكليف والجزاء.
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)
قال بعضهم : هذه نزلت قبل الحرب ، أي ليس عليك قِتَالُهم إنَّمَا أمْرُهُمْ
إلَى اللَّهِ.
ومعنى (وَكَانُوا شِيَعًا) أي كانوا مُتَفَرقِين فِي دِينهمْ.
يعنى به إليهود والنصارى ، لأن النصارى بَعْضُها يكفر بعضاً وكذلك
اليهودُ ، وهم أيضاً أهْلُ التوراة ، وبعضهم يكفر بعضاً ، أعني إليهود تكفر
النصارى ، والنصارى تكفر إليهودَ.
وفي هذه الآية حَث على أن تكون كلمةُ المسلمين واحدة ، وأن لا
يتفرقُوا في الدين وأن لا يبتدعوا البدع ما استطاعُوا.
فقوله : (لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ).
يدل على أن مَن فَرقَ دِينَه مِن أهْلِ مِلةِ الإسْلَامِ وابْتَدع البِدعَ فقد صَارَ
بِهِ مِنْهُمْ.
ومعنى شَيَّعْتُ في اللغة اتَّبَعتُ . والعرب تقول : شاعكم السِّلْمُ وأشاعكم

(2/308)


السَّلْمُ ، ومَعْنَاهُ : تَبِعكُمْ السِّلْمُ.
قال الشاعر :
ألا يا نخْلة من ذَاتِ عرقٍ . . . بَرود الظل شايعَكِ الظلام
وتقول : آتيتك غداً أو شيَعَهُ أي أو اليومَ الذي يتبعه ، فمعنى الشيعة
الذين يتبع بعضهم بعضاً ، ومعنى الشيعُ الفرقُ التي كل فرقة منهم يتبع
بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160)
القراءَة : (فلَهُ عَشْرُ أمْثَالِهَا) ، والمعنى فله عَشْرُ حَسَنات أمثالها وكما يجوز
عندي خمسة أثواباً ، ويجوز فله عَشْرُ مِثْلِها في غير القراءَة فيكون المثل في
لفظ الواحد وفي معنى الجميع ، كما قال : ، (إنكم إذاً مِثْلُهمْ).
ومن قال أمثالها فهو كقوله : (ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ)
وإنما جاءَ على المثل التوحيدُ.
وَأنْ يكون في معنى الجميع ، لأنه على قدر ما يشبه به ، تقول مررت بقوم
مِثلكم ، وبقوم أمثالكم .

(2/309)


فأما معنى الآية فإنه من غامض المعاني التي عند أهل اللغة لأن
المجازاة على الحسنة من اللَّه جلَّ ثناؤُه بدخول الجنة شيء لا يُبْلَغُ وصفُ
مِقْدارِه ، فإذا قال : عَشْرُ امثَالها.
أو قال : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ).
مع قوله : (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) ، فمعنى هذا كله أن جزاءَ اللَّه جلَّ ثناؤُه على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقدير في النفوس ، ويضاعف
الله ذلك بما بين عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إِلى أضعاف كثيرة.
وأجمع المفسرون على قوله : (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)
لأن السيئة ههنا الشرك باللَّهِ.
وقالوا : (من جاءَ بالحسنة) هي قول لا إله إلا اللَّه ، وأصل الحسنات
التوحيد ، وأسوأ السيئات الكفر باللَّه جلَّ وعزَّ.
* * *
(قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)
والصراط الدين الذي دلني على الذين الذي هو دين الحق ، ثم فسر
ذلك فقال : (دِينًا قِيَمًا).
والقيم هو المستقيم ، وقرئت (ديناً قَيِّمًا) وقِيِّم مصدر كالصغر والكبر ، إلا
أنه لم يقل " قِوَمٌ " مثل قوله : (لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) لأن قولك قام قيماً

(2/310)


كأنه على قَوُمَ أو قَوِمَ ، فلما اعتل فصار قام اعتل قِيَم ، فأما حِوَل فهو على أنه جار على غير فعل.
وأما نصب (دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا).
فمحمول على المعنى ، لأنه لما قال : هَدَاني إلى صراطٍ مستقيم ، دل على عَرفَنِي ديناً قِيماً.
ويجوز أن يكون على البدل من معنى هدَاني إلى صراط مستقيم.
المعنى هداني صراطاً مستقيماً ، دِيناً قِيماً ، كما قال - جلَّ وعزَّ - :
(وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا).
و (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ) بدل من (دِينًا قِيَمًا)
و (حنيفاً) مصوب على الحال من إبراهيم ، المعنى هداني وعرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته ، وهو ههنا لإبراهيم حسَن منه لغيره.
(وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ).
وقد فسرنا معنى الحنيفية وأنها الميل إلى الإسلام ميلاً لا رجوع معه.
* * *
وقوله (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)
قالوا : النسك الذبْحُ ، والنسكُ مَا يُتَقربُ به إلى اللَّه جلَّ وعزَّ.
(وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي).
الياء ياء الإضافة ، فتحت لأن أصلَها الفتح ، ويجوز إسكانها إذا كان ما
قبلها متحركاً.
يجوز (مَمَاتي) وِإن شئتَ قرأت " مَمَاتِيَ لله " بفتح الياء.
وإنْ شئْتَ أسْكنْتَ فأما يَاءُ محيايَ فلا بُدَّ من فتحها لأن قبلها ساكن.
ومعنى الآية أنه يخبر بأنه إنما يتقرب بالصلاة وسائر المناسك إلى اللَّه
جلَّ وعزَّ لا إلى غيره ، كما كان المشركونَ يذبحون لأصنامهم.
فأعلم أنه اللَّهُ وحده بقوله : (لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)
* * *
وقوله : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)
أي هو ابتدع الأشياءَ كلها لا يقدر أحد على ابتداع شيءٍ منها .

(2/311)


وقوله : (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، لا يؤخذ أحدٌ بذنب غيْره.
* * *
وقوله :)وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165)
قيل خلائف الأرض أُمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين فأُمَّتُه قد خلفت سائر الأمم.
وقال بعضهم : خلائف الأرض يخلف بعضكم بعضاً.
(وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).
فدلَّ بهذا أنه فضَّل بعضَ الناس ليختبرهم فيما رزقهم وهو جل ثناؤُه
عالم بما يكون منهم قبل ذلك ، إلا أنه اختبرهم ليظهر منهم ما يكون عليه
الثواب والعقاب.
وقوله : (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ).
إن قال قائل : كيف قيل سريع العقاب . وعقابَه إنما يكون في القيامة.
وإن كان بعضُه قد وقع في الدنيا ؟
فإنما ذلك لأن أمرَ الساعة سريع ، لأن كل ما زال وإن تَطَاوَلَ فهو بمنزله ما لم يُحَسَّ سُرْعَة ، وكذلك قوله جل ثناؤُه :
(وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ)
وكذلك قوله جلَّ وعزَّ : (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7).

(2/312)


سورة الأعراف
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله عزَّ وجلَّ : (المص (1)
قد فسرنا هذه الحروف في أول سورة البقرة ، إلا أنا أعدنا ههنا شيئاً من
تفسيرها لشي في إعرابها ، والذي اخترنا في تفسيرها . قولُ ابن عباسٍ أن
(المص) معناه أنا اللَّه أعلم وَأفصِّلُ
وقال بعض النحويين موضع هذه الحروف رفع بما بعدها ، قال : (المص كتاب) ، كتاب مرتفع بالمص ، وكأن معناه المص
حروف كِتَابٍ أنزل إِليك ، وهذا لو كان كما وصف لكان بعد هذه الحروف أبداً ذكر الكتاب ؛ فقوله : (الم اللَّهُ لَا إِلهَ إلا هُوَ) يدل على أن (الم) لا مرافع
لها على قوله ، وكذلك : (يَس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ) ، وكذلك : (حَم عسق
كَذَلِكَ يُوحَى إليْك) ، وقوله : (حم والكتاب المبين إنا أنزلناه).
فهذه الأشياءُ تدل على أن الأمر علي غير ما ذكر ، ولو كان كذلك أيضاً
لما كان (الم) مكرراً ، ولا (حم) مكرراً .

(2/313)


وقد أجمع النحويون على أن قوله عزَّ وجلَّ (كتابٌ أنْزِلَ إِليك) مرفوع
بغير هذه الحروف ، المعنى هذا كتاب أنزلَ إِليك ، وهو مُجْمِع مَعَهُم على أن
ما قَالُوه جائز فيجب اتباعُهم من قولهِ وَقَوْلهِمْ ، ويجب على قائل هذا القول
التثبيت على مخالفتهم ، ولو كان كما يصف لكان مُضمِراً اسمين فكان
المعنى (الم) بعض حروف كتاب أنزل إليك ، فيكون قد أضمر المضاف وما
أضيف إِليه ، وهذا ليس بجائز.
فإن قال قائل قد يقول ألف . با . تا . ثا . ثمانية وعشرون حرفاً ، وإنما
ذكرت أرَبعة فمن أين جاز ذلك ، قيل قد صار اسم هذه ألف . با . تا . ثا ، كما أنك تقول : الْحَمْدُ سَبْعُ آياتٍ فالحمد اسم لجملة السورة ، وليس اسم الكتاب الم ، ولا اسم القرآن " طسم). وهذا فرق بَيْن.
وهذه الحروف كما وصفناحروف هجاء مَبْنِية على الوقف ، وهي في
موضع جُمَلٍ ، والجملة إِذا كانت ابتداءً وخبَراً فقط لا موضع لها . فإِذا كان
معنى كهيعص ، معنى الكاف كافٍ ، ومعنى الهاء هادٍ ، ومعنى اليَاء والْعَيْن مِن
عَلِيم ومعنى الصاد من صَذوقٍ ، وكان معنى " الم " أنا أعْلَمَ ، فإِنما موضعها
كموضع الشيء الذي هُوَ تأويل لَهَا . ولا موضع في الِإعراب لقولك : أنا
اللَّه أعلم ، ولا لقولك ؛ هو هاد ، وهو كاف ، إِنما يرتفع بعض هذا ببعض.
والجملة لا موضع لها .

(2/314)


وقوله : (كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)
فمعنى الحرج الضيق . وفيه وجهان ، أحدهما أن يكون لاَ يَضِق صدْرُكَ
بالإبلاغ ولا تخافن ، لأنه يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال : رب إِني أخاف أن يثلغوا رأسي فيجعلوه كالخبزةِ ، فأعلم الله عزَّ وجلَّ أنَّه في أمان منهم ، فقال : (وَاللَّهُ يَعصِمُك مِنَ النَّاسِ) ، وقال : (فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ).
أي فلا - يَضِيقَنَ صَدْرُكَ من تَأدِيَةِ مَا أرْسِلْتَ بِهِ.
وقيل أيضا : فلا تَشُكَن فيه.
وكلا التفسيرين له وجه ، فَأما تأويل فلا تَشُكَنَّ ، وتأويل (فَلَا تَكونَنََّ مِنَ
المُمْتِرِين) ، وتأويل : (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) فإِن ما خوطب به - صلى الله عليه وسلم - فهو خطاب لأمتِهِ ، فكأنه بمنزله " فلا تشكوا ولا ترتابوا ".
وقوله : (لِتنْذِرَ بهِ).
معناه التقديم ، والمعنى واللَّه أعلم - كتاب أنزل إِليك لتنذر به وذكرى
للمؤمنين ، فلا يكن في صدرك حرج منه.
(وَذِكرَى) يصلح أن يكون في موضع رفع ونصب وَجَرٍّ فأمَّا النصب فعلى
قولك : أنْزِلَ لِتنْذِرَ به وذكرى للمؤمنين ، أي ولتذكر به ذكرى ، لأن في الإِنذارِ مَعنى التذكير .

(2/315)


ويجوز أن يكون وَهُوَ ذكرى للمؤمنين كقولك وهو ذكر للمؤمنين.
فأما الجر فعلى معنى لِتُنْذِرَ ، لأن معنى " لِتنْذِرَ " لأن تُنْذِرَ فهو في موضع
جر . المعنى للإنذار والذكرَى . فأما ذِكْرَى فمصدر فيه ألف التأنيث ، بمنزلة
دعوت دعوى ، وبمنزلة رَجَعْتُهُ رُجْعَى . واتقَيْتُ تقوى ، إلا أنه اسم في موضع
المصدر.
* * *
وقوله : (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)
أي اتبِعُوا القرآن ، وَمَا أتِيَ به عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه مما أنزل عليه لقوله جلَّ وعزَّ : (وَمَا آتَاكُمُ الرسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).
(وَلَا تَتبِعُوا مِنْ دُونهِ أوْليَاءَ).
أي لَا تَتَوَلَّوْا مَنْ عَدَلَ عن دين الحق ، ومن ارتضى مذهباً من المذاهب.
فالمؤْمن وليُّ المْؤمِن.
(وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمْ أوْليَاءُ بَعْض).
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (قَلِيلًا مَا تَذَكرُونَ).
ما زائدة مُؤَكِدَة ، المعنى قليلًا تذكرون ، وفي تذكرون وجهان في
القراءَة : قَلِيلًا مَا تَذَّكرون - بالتشديد - في الذال ، والمعنى : قليلاً ما تتذكرون ، إلا أن التاءَ تدغمُ في الذال لقرب مكان هذه من مكان هذه.
ومن قرأ (تَذَكَّرُونَ) فالأصل - أيضاً - تتذكرون ، إلَّا أنَّه حذف إِحدى
التاءَين ، وهي التاءُ الثانية لأنهما زائدتان ، إِلا أن الأولى تدل على معنى
الاستقبال فلا يجوز حذفها ، والثانية إنما دَخَلَتْ على معنى فعلت الشيءَ عَلَى
تمهُّل ، نحو تَفَهَّمْتُ وَتَعَلَّمْتُ ، أي أحدثت الشيءَ على مَهَلٍ ، وتدخل على

(2/316)


معنى إظهار الشيءِ والحقيقة غيره ، كافولك تقيَّسْتُ أي أظهرت أني قَيْسِيٌّ.
فإنما المحذوف من تتفعلون الثانية ، لأن الباقي في الكلمة من تشديد
العين من تفعل يدل على معنى الكلمةِ ، ولو حذفت تاء " استقبال " لبطل معنى الاستقبال.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)
المعنى وكم من أهل قرية أهلكناهم ، إلا أن أهل حذف لأن في الكلام
دليلًا عليه.
وقوله : (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا).
محمول على لفظ القرية ، ولو قيل فجاءَهم لكان صواباً.
وقوله : (أَوْ هُمْ قَائِلُونَ).
قال بعض النحويين : المعنى وهم قائلون ، والواو فيما ذكر محذوفة
وهذا لا يحتاج إلى ضمير الواو ، ولو قلت : جاءَني زيد راجلًا أو وهو فارس.
أوجاءَني زيد هو فارس لم تحتج إلى واو ، لأن الذكر قد عاد إلى الأول.
ومعنى (بَيَاتًا) : ليلًا ، يقال بات بياتاً حسناً ، وبيتةً حسنَة ، والمصدر في
الِإصابات بيتاً . والبيت بيت الشعر وكذلك بيت المدَرِ ، وإنما أصل تسميته من أنه يصلح للمبيت ، ويقال لفلان بيتة وليلة وَبَيْتُ ليلة ، أي ما يكفيه من القوت في ليلة.
ومعنى (أوْ هُمْ قائِلُونَ).
أي أو جاءَهم بأسنا نهاراً في وقت القائلة ، يقال قِلتُ من القائلة ،

(2/317)


فالمعنى إِنهم جاءَهم بأسنا غفلة ، وهم غير متوقعين له ، إِما ليلاً وهم نائمون.
أو نهاراً وهم قائلون كأنهم غافِلون.
وأو ههنا دخلت على جهة تصرف الشيءِ ووقوعِه ، إما مرة كذا ، وإِما
مرةً كذَا ، فهي في الخبر ههنا بمنزلة أو في الإباحة ، تقول جالس زيداً أو
عمراً ، أي كل واحدٍ منهما أهلٌ أن يُجَالِسَ ، وَاو ههنا أحسن من الواو ، لأن الواو تتضمن اجتماع الشيئين ، لو قلت : ضربت القوم قياماً وقعوداً ، لأوجَبَتِ الواو أنك ضريتهم وهم على هاتين الحالتين ، وَإِذَا قلتَ : ضربتهم قياماً أو ضربتهم قعوداً ، ْ ولم تكن شاكًا ، فإِنما المعنى أنك ضربتهم مرة على هذه الحال ، ومرة على هذه الحال.
وموضع " كم " رفع بالابتداء وخبرها أهلكناها ، وهو أحسن من أن تكون
في موضع نصب ، لأن قولك زيد ضربْتُه أجوَدُ من زيداً ضربتُه . -
والنصب جَيد عربي أيضاً مثله قوله جلَّ وعزَّ : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ).
* * *
وقوله : (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5)
المعنى - واللَّه أعلم - أنهم لم يحصلوا مما كانوا ينتحلونه من المذهب
والذين ويدعونه إِلاَّ عَلَى اعتراف بأنهم كانوا ظالمين ، والدعوى اسم لما
يَدَّعِيه ، والدعوى يصلح أنْ تكونَ في معنى الدعَاءِ لو قلت : اللهم أشركنا في
صالح دعاءِ المسلمين ودعوى المسلمين جاز ، حكى سيبويه ذلك وأنشد :

(2/318)


وَلَّت ودَعْواهَا كثير صَخَبُه
وموضع " أن " الأحسن أن يكون رفعاً ، وأن تكون الدعوى في موضع
نصب ، كما قال جل ثناؤُه : (مَا كانَ حجتهم إلا أنْ قَالوا) ويجوز أن يكون
في موضع نصب ، ويكون الدعوى في موضع رفع إِلا أن الدعوى إذا كانت في موضع رفع فالأكثر في اللفظ " فما كانَتْ دَعْوَاهمْ " كذا وكذا.
" إِلا أن " لأنَّ الدعوى مَؤنثة . في اللفظ ، ويجوز كان دعواه باطلًا وباطلة.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)
اختلف الناس في ذكر الميزان في القيامة ، وجاءَ في بعض التفسير أنه
ميزان له كِفَّتَان ، وأن الميزانَ أنْزلَ إِلى الدنيا ليتعامل الناس بالعدل وتوزن به
الأعمال ، وقال بعضهم : الميزانُ العدلُ ، وذهب إِلى قولك هذا في وزن
هذا ، وإن لم يكن مما يوزنُ ، وتأويله أنه قد قام في النفس مساوياً لغيره كما
يقوم الوزن في مِرآةِ العَيْنِ.
وقال بعضهم : الميزانُ الكتابُ الذي فيه أعمال
الخلق ، وهذا كله في باب اللغة - والاحتجاج سائغ ، إِلا أن الأوْلَى مِنْ هذا أن يُتبَعَ مَا جَاءَ بالأسانيد الصحاح . فإن جاءَ في الخبر أنه ميزان له كِفَّتَان ، من حيث يَنقُلُ أهلُ الثقة ، فينبغي أن يُقْبَلَ ذَلِكَ.
وقد روي عن جرير عن الضحاك أن الميزانَ الْعدْلُ ، والله أعلم بحقيقة ذلك ، إلا أن جملة أعمال الْعِبَادِ مَوْزُونَةٌ على غاية العَدْل والحَق.
وهو قوله : (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) .

(2/319)


وقد فسرنا المفلح فيما تقدم.
وقوله : (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10)
معنى التمكين في الأرض التمليك والقدرة.
ومعنى المعايش يحتمل أن يكون ما يعيشون به ، ويمكن أن يكونَ
الوصلةَ إلى ما يعيشون به.
وأكثر القراءِ على ترك الهمْزِ فِي معايش ، وقد رَوَوْهَا عَن نَافِع مَهْمُوزَةً.
وجميعُ النحويين البصريين يزعمون أن همزها خطأ ، وذكروا أن الهمز إنما
يكون في هذه الياء إذَا كانت زائدة نحو صحيفة وصحائف ، فأما مَعَايش فمن
الْعَيْش ، الياء أصلية وصحيفة من الصحُف لأن الياء زائدة ، وإنما همزت لأنهُ
لَا حَظَّ لها في الحركة ، وقد قَرُبَتْ من آخر الكلمة وَلَزمَتْهَا الْحَرَكَةُ فَأوْجَبُوا فيها الهمزَ ، وإذا جَمَعْتَ مَقَاماً قلت مَقَاوِمَ.
وأنشد النحويون :
وإني لقوام مقاوم لم يكن . . . جرير ولا مولى جرير يقومها
وقد أجمع النحويون على أن حكوا مصائِب في جمع مصيبة ، بالهمز.
وأجمعوا أن الاختيار مصاوب.
وهذه عندهم من الشاذ ، أعني مصايب.
وهذا عندي إنما هو بدل من الواو المكسورة ، كما قالوا في وسادة : إسادة ، إلا أن هذا البدل في المكسورة يقع أولاً كما يقع في المضمومة ، نحو (أُقِّتَتْ)
وإنما هو من الوقت والمضمومة تبدل في غير أول نحو ادؤُر ، يقولون ادؤُ
فحملوا المكسورة على ذلك .

(2/320)


ولا أعلم احداً فَسَّرَ ذَلِكَ غيري ، وهو أحسن من أن يجعل الشيءُ خطأ
إذ نطقت به العرب وكان له وجه من القياس ، إلا أنه من جنس البدل الذي
إنما يتبع فيه السماع ، ولا يجعل قياساً مستمراً.
فأما ما رواه نافع من معائش بالهمز فلا أعرف له وجهاً ، إلا أن لفظَ هذه
الياءِ التي من نفس الكلمة أسْكِنَ في معيشة فصار على لفظ صحيفة ، فحمل
الجمع على ذلك ، ولا أحب القراءَة بالهمز إذ كَانَ أكْثرُ النَّاسِ إنَّمَا يَقْرأونَ
بترك الهمز ، ولو كان مما يهمزُ لجاز تحقيقه وترك همزه ، فكيف وهو مما لا
أصل له في الهمز ؛ وهو كتاب اللَّه عزَّ وجلَّ الذي ينبغي أن يقال فيه إلى ما
عليه الأكثر لأن القراءَة سنة فالأوْلى فيها الاتباع ، والأولى اتباع الأكثر.
وزعم الأخفش أن مصائب إنما وقعت الهمزة فيها بدلاً من الواو
أُعلَّت في مصيبة ، - وهذا ردِيءِ . لا يلزم أن أقول في مقام مقائِم ولفي معونة معائن.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : " (وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)
زعم الأخفش أن (ثم) ههنا في معنى الواو ، وهذا خطأ لا يجيزه الخليل
وسيبويه وجميع من يوثق بعربيته ، إنما ثم للشيءِ الذي يكون بعد المذكور قبله
لا غير ، وإنما المعنى في هذا الخطاب ذكر ابتداءُ خلق آدم أولًا ، فإِنما المعنى
إِنا بدأنا خلق آدم ثم صورناه ، فابتداء خلق آدم التراب ، الدليل على ذلك قوله عزَّ وجلَّ (إن مثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَل آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب).
فبدأ اللَّه خلق آدم تراباً ، وبدأ خلق حواءَ من ضلع من أضلاعه ، ثم

(2/321)


وقعت الصورة بعد ذلك ، فهذا معنى (خلقناكم ثم صورناكم).
أي هذا أصل خلقكم . ثم خلق الله نطفاً ثم صُوِّرُوا . فثمَّ إِنما هي لما بعدُ.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ).
أي بعد الفراغ من خَلْق آدمَ أمِرَتِ الملائكَةَ بالسجود.
وقوله : (إِلَّا إِبْلِيسَ لمْ يَكنْ مِنَ السَّاجدِين).
استثناء ليس من الأول ، ولكنه ممن أمِرَ بالسجود.
الدليل على ذلك قوله.
(مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ).
فدل بقوله : (إِذْ أَمَرْتُكَ) أنَّ إبْلِيسَ أمِرَ بالسجود مع الملائكة ، ومعنى (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) إلْغَاءُ " لا " وهي مَؤكدة ، المعنى : ما منعك أن تسجد
فمسألته عن هذا واللَّه قد علم ما منعه ، توبيخ له وَلْيُظْهِرَ أنه معاند ، وأنه
ركب المعصية خلَافاً للَّهِ ، وكل من خالف اللَّه في أمره فلم يَرَهُ وَاجِباً عليه
كافر بإجماع ، لو ترك تارك صلاةً قال إنها لا تجب كان كافراً بإِجماع الأمة.
فأعلم اللَّه جل ثناؤُه أن معصية إبليس معصية معانَدَة وكفر ، وقد أعلم الله أنه من الكافرين فقال : (إلا إبْلِيسَ أبَى واسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكَافِرِينَ).
فَالْفَصْلُ بين معصية إبليس ومعصيةِ آدمَ وحَوَّاءَ أنَّ إبليس عاند وأقام ولم
يتب ، وأن آدم وحواءَ اعترفا بالذنب وقالا : (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).

(2/322)


ومثل " أَلَّا " في قوله : (أَلَّا تَسْجُدَ) قوله : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ)
أي : لأن يعلم أهل الكتاب ، وقول الشاعر :
ابى جودُه لاَ البخل واستعجلت به . . . نعم من فتى لا يمنع الجوعَ قاتله
قالوا معناه أبى جودُه البخلَ.
وقال أبو عمرو بنُ العلاءِ : الروَايَةُ أبى جوده البخل.
واستعجلت به " نَعَمْ " ، والذي قاله أبو عمرو حسن ، المعنى أبى جوده " لا "
التي تُبخل الإِنسان ، كأنَّه إِذا قيل : لا تسرف ولا تبذر مالك أبى جودُه " لا "
هذه ، واِستعجلت به " نعم " ، فقال : نعم أفعل ولا أترك الجودَ.
وهذان القولان في البيت هما قولا العلماء ، وأرى فيه وجهاً آخر وهو
عندي حسن . أرى أن تكون " لا " غير لغو ، وأن يكون البخل منصوباً بدلاً من " لا ".
المعنى أبى جوده البُخْلَ واستعجلت به " نعم ".
وموضع " ما " في قوله : (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) رفع ، المعنى أي شيء
منعك في السجود ، فلم يقل منعني كذا وكذا فأتى بالشيء في معنى الجواب.
ولفظه غير جواب ، لأن قوله : (أنَا خَيرٌ مِنْهُ) في معنى منعني من السجود
فَضلى عَلَيْه . ومثل هذا في الجواب أن يَقول الرجل كيف كنت ، فَيَقولُ : أنا
صالح ، وإنما الجواب كنت صحالحاً ، ولكن المعنى إنَّه قد أجابه بما احتاج إليه
وزاده أنه في حال مسألته إياه صالح فقال اللَّه عزْ وجلَّ :

(2/323)


(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)
لأنه قد استكبر بهذا الجواب فأعلمه اللَّه أنه صاغر بهذا الفِعْل.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)
أي أخرنِي إلى يَومِ البَعْثِ ، فلَم يُجَب إلى الإِنْظَارِ إلَى يَوْمِ البعث
بعينه ، وأُعْلمَ أنه منظور إلى يوم الوقْت المعلُومِ.
* * *
(قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)
في قوله : (أغويتني) قولان . قال بعضهم : فبما أضْلَلْتَنِي
وقال بعضهم : فبما دَعَوْتني إلى شيء غَوِيت به ، أي غويتُ من أجْل آدم.
(لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ).
ولا اختلاف بين النحويين في أن " على " محذوفة ، ومن ذلك قولك :
ضرِبَ زيد الظهْر والبَطْنَ.
* * *
وقوله : (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)
معناه - واللَّه أعلم - ثم لآتينهمْ في الضلَال من جميع جهاتهم.
وقيل من بين أيديهم أي لأضِلنَّهم في جميع ما يُتَوَقعُ.
وقيل أيضاً : لأخوِّفنََّهم الفَقرَ.
والحقيقةُ - واللَّه أعلم - أي أنْصَرِفُ لهم في الإضلال في جميع جهاتهم.
* * *
وقوله : (قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)
- ْ معنى مَذْءُوم كمعنى مَذْمُوم ، يُقَالُ : ذَأمْتُه أذْأمُه ذَأماً ، إذَا رَعَبْتَه
وَذَمَمْتَه.
ومعنى (مَدْحُورًا) مُبْعَداً من رحمة اللَّه .

(2/324)


وقوله : (لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ).
هذه اللام لام القسمِ تدخلُ توطئة للأمر.
(لأملأنَّ).
والكلام بمعنى الشرط والجزاء ، كأنه قيل : من تبعك أعَذبُه ، فدخلت
اللام للمبالغة والتوكيد ، ولام لأملأنَّ لام القسمِ ولام " من تبعك " توطئة
لها ةيجوز في الكلام : واللَّه من جاءَكَ لأضْربنه ، ولا يجوز ُ : واللَّه لَمَنْ
جَاءَكَ أضربه ، وأنت تريدُ لأضربنه ، ولكن يجوز : واللَّهِ لمنْ جاءَك أضْربْهُ
تريد لأضْربَنَّه.
وقال بعضهم في قوله : (ثُمَّ لآتِيَنهُمْ مِنْ بَيْنِ أيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهمْ)
أي لأغْوَينهُمْ فيما أمِرُوا به.
وقوله : (وَعَن شَمَائِلِهمْ) أي : لأغوَينهم فيما نُهُوا عَنْه والذي أظنه - والله
أعلم - على هذا المذهب : أني أغويهم حتى يُكَذِّبُوا بأمور الأمم السالِفةِ
- بالبَعْث ، كما ذكر في هذا.
ومعنى : (وَعَنْ أيْمَانِهمْ وَعَنْ شمَائِلِهمْ).
أي لأضلنهمُ فيما يَعْقلونَ ، لأن الكسب يقال فيه : ذَلكَ بمَا كسبتْ يَدَاك ، وإن كانت اليدان لم تجنيا شيئاً ، إلا أنه يقال لكل ما عمله عامل كسَبَتْ يَدَاكَ ، لأن اليَدَيْن الأصلُ في التصرف فجعلتا مثلًا لجميع مَا عُمِلَ بغيرهِمَا.
قال اللَّه عزَّ وجلَّ (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ) ، وقال : ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ).

(2/325)


وقال : (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)
ثم فَسَّر فقال : (مَا أغْنَى عَنْهُ مَالُهَ ومَا كَسَبَ).
* * *
وقوله : (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)
هذا الاختيارُ ، أعنِي ذكر أنْتَ ، تقول اذهب أنْتَ وزيد ، ولو قلت :
اذهب وزيد كان قبيحاً.
وقد فسًرناهُ فيما سَلَف :
وقوله : (وَلَ اتَقْرَبَا هَذِه الشَّجرَةَ).
قال بعضهم : هي السنْبلَةُ ، وقيل هي شَجرةُ الكَرْمِ.
وقوله : (فَتكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ).
الأجود أن يكون . " فتكونا " في موضع نصب على جوانب الأمر بالفاءِ.
أي فإِنكما إن قربتماها كنتما من الظالمين.
ويجوز أن يكونَ في موضع جزم عطفاً على قوله : وَلاَ تَقْرَبَا فَتكُونَا ، أي فلا تكونا من الظالمين.
* * *
وقوله : (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)
تدل واللَّه أعلم على مَعْنى قوله : (قال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِه الشَّجرَةِ إِلَّا أنْ تَكُونَا مَلَكَيْن).
ويجوز ُمَلِكين ، لأن قوله : (هَلْ أدُلُّكَ عَلَى شَجرَة الخُلْدِ وَمُلْك لَا يَبْلَى)
يدل على مَلِكَيْن وأحسبه قد قرئ به ، فتدل - واللَّه أعلم - على أن
القول إنَّما كان وسوسة من إبليس.
والأجود أنْ يكون خطاباً ، لقوله (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)

(2/326)


أي فَحَلَفَ لَهما :
(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)
أي دَلَاَهُمَا فِىِ المعصية بأن غرهما.
(فَلَمَّا ذَاقَا الشَجرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا).
أي ظهرت لهما فروجُهُمَا ، وإنما السَّوْءَةُ كناية عن الفَرْجِ ، إلا أن الأصلَ -
في التسمية السَّوءَةُ.
وقوله عزَّ وجلَّ (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ).
مَعْنى طَفِقَا أخَذَا في الفِعْل ، والأكثر طَفِقَ يَطْفَقُ . وقَدْ رُوَيتْ طَفَق
يطفِقُ ، بكسر الفاءِ.
وقِيلَ : كان ورقُ الجنةِ ذلك ورقَ التين ، ومعنى يَخْصفَانِ ، يجعلانِ
وَرَقَةً على ورَقَة ، ومنه قيل للخَصَّافِ الذي يَرْقَع النَعْلَ : هو يخصِفُ.
قال الشاعر :
أو يخصف النعلَ لهْفِي أيَّةً صَنَعَا
وًيجُوزُ يَخْصِفَانِ وَيخصِّفَان ، والأصل الكسر في الخاءِ ، وفتحها وتشديدُ
الصَّادِ ، وَيكون المعنى : يَخْتَصِفَانِ.
وفي هذه الآية دليل على أن أمْرَ التكشُفِ وإظهَار السوءَة قبيح من لدُنْ

(2/327)


آدم . ألا ترى أنه ذكر عظم شَأنها في المعصِية فقال :
(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْءَاتِهِمَا).
وأنهما بادَرَا يسْتَتِرَانِ لقُبْحِ التكَشف.
وقوله : (وَوُرِيَ عَنْهُمَا).
يجوز فيه أوُرىَ ، لأنَّ الواوَ مَضْمومَة ، إنْ شِئْتَ أبْدلتَ منها همزة ، إلا
أن القراءَة تُتبَعُ في ذلك.
والقراءَةُ المشهورةُ وخط المصحف (ووُرِيَ) بالواو.
ومعنى (إلا أنْ تكُونَا مَلَكَيْنِ) وقوله : (ذاقَا الشجرَةَ ،).
يدل على أنهما ذاقاها ذَوْقاً ولم يُبالِغَا في الأكْلِ.
* * *
وقوله : (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)
ويقرأ (ورياشاً)
والريشُ اللباس . العرب تقول : أعْطَيْتُه بريشتهِ ، أي بكسوته ، والريش.
كل ما سَتَر الرجُلَ في جِسْمِه ومعيشتِه ، يقال : ترَيَّشَ فلان أي صار له مَا يَعيش بِه ، أنشد سيبويه وغيرُه.
فريشي منكمو وهواي معكم . . . وِإن كانت زيارتكم لماما
(وَلِبَاسُ التَّقْوَى).
برفع اللباس ، فمن نصَبَ عطفَ به على الريش يكون المعنى : أنزلنا
عليكم لباس التقوى ، ويرْفَعُ خيراً بِذلِكَ.
ومن رفع اللباس فَرَفْعُه على ضربين :
أحدهما أن يكون مبتدأ ويكون ذلك من صفته ، ويكون (خَيْر) خبرَ
الابتداء . المعنى ولباسُ التقوى المشِارُ إليه خَيْر.
ويجوز أن يكون . (وَلبَاسُ التقْوَى) مرفوعاً بإضمار " هو " المعنى هو

(2/328)


لباس التقوى : أي وستر العورة لبَاسُ المتقِينَ.
ثم قال : (ذَلِكَ خَيْرٌ) ويكون على أن لباس التقوى مرفوعٌ بالابتداءِ ، ويكون (ذلِكَ) خَيْرٌ يرتفع به " خَيْرٌ " على أنه خبر ذلك.
ويكون ذلك بمنزلة " هو " كأنه - واللَّه أعلم - ولباس التقوى
هو خير ، لأن أسماءَ الإشارة تقرب فيما يعود من الذكر من المضمر.
والوجهان الأوَّلاَنِ أبينُ في العربية.
* * *
وقوله : (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)
(حيثُ) في موضوع جر إلا أنها بُنِيَتْ على الضَّم ، وأصلها أن تكون
موقوفةً ، لأنها ليست لمكانٍ بعينه وأن ما بعدها صلة لها ، لَيْسَتْ بمضافة إليه.
" : منَ العَربِ من يقول : ومن حَيْثَ خَرَجْتَ ، فيفتح لالتقاءِ السَّاكنين ، ومنهم من يقول مِن حوْثٌ خَرجتَ.
ولا تقرأ بهاتين اللغتين لأنهما لم يقرأ بواحد منهما ولا هما في جودة حَيْثُ المبنيَّةِ على الضم.
وقوله : (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ).
(جَعَلْنَا) في اللغة على ضُرُوب ، منها جعلت بعض الشيءِ فوق بَعْض.
أي عملته وهَيأته على هذه الصيغَة ، ومنها جَعلَ - زيدٌ فُلاناً عاقِلًا ، تأويله : سماه عَاقِلًا ، ومنها جَعلَ يَقُولُ كذا وكذا ، تأويله أنه أخذ في القول.
فأما مَعْنَى الآيةَ فعلى ضربين - واللَّه أعلم -.
أحدهما أن يكون الكفار عُوقبوا بأن سُلِّطَتْ عليهم الشيَاطين تزيدهم فِي
غَيِّهم عقُوبةً على كُفْرِهِمْ كما قَالَ عزَّ وجلَّ :
(أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83).

(2/329)


أي تَحْمِلُهمْ على المعاصي حَمْلاً شَدِيداً ، تَزعجهم
في شدّةِ الغَى.
ويجوز إِنَا جعَلْنَا الشَيَاطِينَ أوليَاءَ لفَذِينَ لَا مهلؤمِنُونَ ، أيسوينا بين
الشياطين والكافرين في الذهاب عن اللَّه . كما قال : (المنَافقون وائنَافِقَات
بعْضُهُم منْ بَعْضٍ).
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)
معنى الفاحشة ما يشتد قبحه من الذنوب.
(قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا).
فأعلم اللَّه - عزَّ وجلَّ - أنه لا يأمر بالفحشَاءِ لأن حكمتَه وجميعَ ما خلق
تدل على أنه لاَ يفعلُ إلا المسْتَحسَنَ ، فكيف يأمر بالفحشاءِ.
وقد احتج عليهم في غير هذا الموضوع بما قد بينَّاه في سورة الأنعام.
* * *
وقوله : (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)
أي بالعَدْلِ ، فكيف يأمُرُ بالفَحشاءِ من يعْلَم أنه لا يفعل إلا الحكمة.
ولا يثبت إِلا العدلَ مِنْ أمْرِه ، فإِذا كان يأمر بالعدل - والعدْل ما قام في النفوس أنه مستقيم لا ينكره مميز - فكيف بالفحشاءِ ، والفحشاء ما عظم قبحه.
ثم وبَّخَهُم فقال :
(أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
أي أتكْذِبونه.
وقوله : (وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
أي وَقْتَ كل صَلَاةٍ اقصدوه بصلاتكم .

(2/330)


(وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ).
أي مخلصين له الطاعة.
احتج عليهم في إِنكارهم البعث.
وهو متصل بقوله : (فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ).
فقال : (كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ).
أي فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.
* * *
وقوله : (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)
معناه إِنه أضَل فَريقاً حَق عليهم الضلالة.
ثم قال : (إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ).
ولو قُرِئَتْ أنَّهم اتَخَذوا الشياطين لكانت تجوز ، ولكن الِإجماع على
الكَسْرِ.
وقوله : (وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ).
يدل على أن دوماً ينتحلون الِإسلامَ ويزعمونَ أن من كان كافراً ، وهو
لَا يعلم إنَّه كافر فليس بكافرٍ مُبْطِلُون لأمر نِحْلتِهمْ ، لأن الله جل ثناؤُه قد
أعلمنا أنهم يَحْسَبون أنهمْ مهتدون ، ولا اختلاف بين أهل اللغة في أن
الحُسْبَانَ ليس تأْويله غيرَ مَا يُعْلم من معنى حسب.
والدليل على أن الله قد سماهم بظنهم كَفَرةً قوله عزَّ وجل :
(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27).
فأعلمَ أنهم بالظنِ كافِرونَ ، وأنهم معذبون .

(2/331)


وقوله : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)
هذا أمرٌ بالاسْتِتَارِ في الصلوات ، وكان أهلُ الجاهلية يطوفون عُراةً.
وَيقُولون : لا نطوف حول البيتِ في ثياب قَدْ أذْنَبْنَا فِيهَا ، وكانت المرأة تطوف عُرْيَانَة أيضاً إلا أنها كانت تشُدُّ في حَقْويها أشياءَ من سُيورٍ مقطعة ، تُسَمِّي العرب ذلك الرهْط ، قالت امرأة تطوف وعليها رهط :
اليَوْمَ يَبْدو بعضُه أوكُلُّه . . . فما بدا منه فلا أُحِلُّه
تعني الفرجَ ، لأن السيورْ لا تستُر سَتْراً تَامًّا.
فأمر الله بَعْدَ ذِكرِه عقوبةَ آدم وحواءَ في أن بَدَتْ لهما سوءَاتُهما.
بالاستتار في وقت كل صلاة ، بعد أن أعلم أن التعرِّيَ وظُهُورَ السوءَةِ مكروه
من لدن آدم ، وقوله بعقب الاستتار :
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا).
لأنهم ادَّعَوْا أنَّ اللَّه جلّ ثناؤُه قد حرم عليهم شيئاً مما في بطون
الأنعام ، وحرم عَلَيْهم البَحِيرَةَ والسائبة ، وكانوا يزعُمونَ فيما يأتون من الفحشاءِ كالتعري وما أشبَهَهُ - أن الله جل ثناؤُه - أمرهم بذلك فأمرهم اللَّه بالاستتار ، وأن يأكلوا - ما زعموا أن الله عزَّ وجلَّ حرَّمَه مما لم يحرمه ، وأن يشربوا مما

(2/332)


زعموا أن اللَّه - جلَّ وعزَّ - حرم عليهم شربه ، لأن ألبان البحيرة والسائبة كانت عندهم حراماً.
* * *
وقوله : - جلَّ وعزَّ -: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).
والإسراف أن يَأكُلَ مَا لَا يَحِل أكْلُه مما حرمَ اللَّه تعالى أنْ يؤكَلَ شَيء
منه ، أو تأكَل مما أحل لك فوق القصد ومقدار الحاجة ، فأعلم اللَّه عزَّ وجلَ
أنه لا يحب من أسرف ، ومن لم يحْبِبْهُ اللَّه عزَّ وجلَّ فهو في النار ثم قَررَهم
ووَبخهم فقال :
(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)
أي من حرم أن تلبسوا في طَوَافِكُمْ مَا يَسْتُركمْ.
(وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ).
أي ومن حرم الطيبات مما رزق اللَّه ، أي من حرم هذه الأشياءَ التي
ذكرتم أنها حرام.
ثم قال عزَّ وجلَّ : (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِةِ).
وتقرأ (خَالِصَةً) و (خَالِصَةٌ) يومَ القيامة.
المعنى أنها حلال للمؤْمنين ، وقد يَشْرَكُهمْ فيها الكافرون.
أعلم عزَّ وجلَّ أن الطَّيبَات تَخْلُصُ للمؤْمنين في الآخرة ولا يَشْرَكُهُمْ فيها
كافر.
فأما إِعراب " خَالصَةٌ " فهو أنهُ . خبر بعد خبر ، كما تقول : زيد عاقِل
لَبِيب . فالمعنى قل هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصةٌ يومَ القيامة.
ومن قرأ (خَالِصَةً) جعل خالصة منصوباً على الحال ، على أن العامل في قولك
في الحياة الدنيا في تأويل الحال . كأنك قلتَ : هي ثابتة للمؤمنين مستقرة في
الحياة الدنيا خالصةً يوم القيامة .

(2/333)


وقوله : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)
(وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا)
موضِع (أَنْ) نَصْب : المعنى حرم اللَّه الفواحش تَحريمَ الشَرك.
ومَعْنى (لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا) أَي لم ينزل به حجةً.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)
أي وَقْت مَؤقَت.
(فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).
المعنى : ولا يستقدمون ساعة ، ولا أقل من ساعة ، ولكن ذكِرَتِ الساعة
لأنها أقل أسماءِ الأوقات.
* * *
وقوله : (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)
آدم لا ينصرفُ لأنه على قدر أفعَل وهو معرفة ، وهو مشتق من أدمَةِ
الأرْض ، وهو وجهها ، فسمي بما خلق منه ، ، اللَّه عزَّ وجلَّ أعلم.
وقوله : (إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ).
هذه " إِن " التي للجزاء ، ضمَّتْ إِليها ما.
والأصل في اللفظ " إِنْ ما " مفصولة ، ولكنها مدغمة ، وكتبتْ على الِإدغام ، فإذا ضُمَّتْ إن إِلى ما ، لزم الفِعْلَ النون الثقِيلة أو الخفيفة ، وجواب الجزاءِ في الفاء أي" في قوله : (فمَن اتقى وأصْلَحَ).
فإِنما تلزم " مَا " النونُ لأن ما تدخل مَؤكَدة فتلزمها النون كما تلزم اللامَ
النُونُ في القَسمَ إِذا قلت : واللَّهِ لَتَفْعَلنَّ ، فما توكيد ، كما أن اللام توكيد.
فلزمت النون كما لزمت لامَ القسم.
* * *
وقوله : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)
أيُّ ظُلْمٍ أشنع من الكذب على الله ؟؟!!!
وقوله : ْ (أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ).
أي ما أَخبر الثه جلَّ ثناؤُه عن جزائهم نحو قوله : (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14).
334

(2/334)


ونحو قوله : (يَسْلُكْهُ عَذَاباً صُعًداً)
ونحو قوله : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ).
ونحو : (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ) ، فهذه أنصِبَتهُمْ من الكتاب على قدر ذُنوبهم في كفرهم.
(حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا).
زعم سيبويه - والخليل - أن " حَتَّى " و " إِمَّا " و " إِلَّا " لا تجوز فيهن الِإمالة . لا يجيز : (حتى إِذا جاءَتهم) ولا يجيز " أمَّا " ، ولا " لا إِله إِلَّا اللَّهُ " ، هذا لحن كله ، وزعم أن هذه ألفات الفَتح لأنَّها أواخر حروف جاءَت لمعنًى ، فَفُصِلَ بينها وبين أواخر الأسماءِ التي فيها الألف نحو حُبْلَى وهدى ، إِلا أن حتى كُتبتْ بالياءِ ، لأنها على أربعة أحرف ، فأشبهت سكرى.
و " إِمَّا " التِي للتخيير شبهت بأن التي ضمت إِليها " ما "
مثل قوله : (إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا).
كُتبَتْ بالألف لما وصفنا ، و " إِلًا " أيضاً كُتَبتْ بالألف أنها لو
كُتَبَتْ بالياءِ لأشبهت إلى.
وقوله : (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ).
فيه - واللَّه أعلم - وَجْهان :
يكون : حتى إذا جاءَتهم ملائكة الموت يتوفونهم سألوهم عند المعاينة.
فيعرفون عند موتهم أنهم كانوا كافرين ، لأنهم (قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا).
أي بطلوا وذهبوا .

(2/335)


ويجوز - واللَّه أعلم - أن يكون : - حتى إذا جاءَتهم رسلنا ملائكة العذاب
يتوفونهم ، فيكون (يَتَوَفوْنَهُمْ) في هذا الموضع على ضربين :
أحدهما يتوفونهم عذاباً ، وهذا كما تقول : قد قتلت فلاناً بالعَذاب وإن لم يمت.
ودليل هذا القول قوله عزْ وجلَّ : (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ).
وجائز وهو أضعف الوجهين أنهم يتوفون عدَّتهم واللَّه أعلم.
* * *
وقوله : (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38)
(كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).
لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض.
(حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا).
أي تداركوا ، وأدغمت التاءُ في الدال ، فإذا وقفت على قوله " حتى إذا "
لم تبتدئ حتى تَأتيَ بألف الوصل ، قتقول : ادَّارَكُوا فتأتي بألف الوصل
لسكون الدال فيها.
ومعنى تداركوا اجتمعوا.
وقوله " (جميعاً) منصوب على الحال ، المعنى حتى إِذا تداركوا فيها
مجتمعين.
(قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا).
أي قالت أخراهم : دعتهم أولاهم فاتبع الآخِرُ - الأولَ . فأعلم التابعونَ أن
المتبوعين أضَلُّوهُمْ بأن دَعَوْهم إلى الضلال ، والمعنى قالت أخراهم يا ربنا
هؤُلاءِ أضلونا ، لأولاهم ، تعني أولاهم.
وقوله : (فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ).

(2/336)


أي عذاباً مُضاعَفاً لأن الضعف في كلام العرب على ضربين أحدهما
المثل ، والآخر أن يكون في معنى تضعيف الشيءِ.
(قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ).
أي للتابع والمتبوع لأنهم قد دخلوا في الكفر جميعاً ، أي لكل عذاب
مضاعف ، فمن قرأ : (وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ) بالتاءِ.
أي ولكن لا تعلمون أيها المخاطبون ما لكل فريق منكم من العذاب.
ومن قرأ (وَلكِنْ لَا يَعْلَمُون) - بالياءِ ، أي ولكن لا يعلم كل فريق مقدار عذَابِ الفريق الآخر.
ويجوز - واللَّه أعلم - ولكن لا تعلمون يا أهل الدنيا مقدار ذلك.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)
أي كذبُوا بحججنا وأعلامِنَا التي تدل على نبوة الأنبياءِ وتوحيد اللَّه.
(لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ).
أي لا تَصْعَدُ أرواحهم ولا أعمالهم ، لأن أعمال المؤْمنين وأرواحهم
تصعد إِلى السماءِ ، قال اللَّه عزَّ وجلَّ : (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ).
ويجوز لا تُفْتَح ولا تُفَتَّحُ بالتخفيف والتشديد ، وبالياءِ والتاءِ.
وقال بعضهم : لا تفتح لهم أبواب السماءِ ، أي أبواب الجنة ، لأن الجنة
في السماءِ ، والدليل على ذلك قوله : (وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنَّةَ).
فكأنه لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ).

(2/337)


فالخياط الإبرة ، وسمها ثقبها.
المعنى لا يدخلون الجنة أبداً.
وسئل ابن مسعود عن الجَمَلِ فقال هو زوج الناقة . كأنه استجهل من
سأله عن الجمل.
وقرأ بعضهم الجُمل ، وفسَّروه فقالوا قَلسُ السفينة.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ)
أي ومثل ذلك الذي وصفنا نجزي المجرمين.
والمجرمون - واللَّه أعلم - ههنا الكافرون ، لأن الذي ذكر منْ قصتهم
التكذيبُ بآيات اللَّه ، والاستكبار عنها.
* * *
(لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41)
أي فراش من نار.
(وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ).
أي غاشية فوق غاشية من النار.
وقوله : (وَكَذلك نَجْزي الظَّالِمِينَ).
والظالمون ههنا الكافرون.
وقوله " غَوَاشٍ) زعم سيبويه والخليل جميعاً أن النون هنا عوض من
الياء لأن غواشيَ لا تنصرف ، والأصل فيها غَوَاشي ، بإسكان الياءِ.
فإذا ذهَبَت الضمةُ أدْخَلْت التنوين عوضاً منها ، كذلك فسر أصحاب سيبويه ، وكان سيبويه يذهب إلى أن التنوين عوَض من ذهاب حركة الياءِ ، والياءُ سقطت لسكونها وسكون التنوين . فإذا وقفت فالاختيار أن تقف بغير ياءٍ ، فتقول

(2/338)


غَوَاش ، لتدل أن الياء كانت تحذف في الوَصْل.
وبعض العرب إذا وقف قال غَوَاشي ، بإثبات الياءِ.
ولا أرى ذلك في القرآن لأن الياء محذوفة في
المصحف ، والكتاب على الوقف.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)
أي عملوا الصالحات بقدر طاقتهم ، لأن معنى الوسع ما يقدر عليه.
وقوله : (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الجنَّة هُمْ فيها خَالدُونَ).
أُولَئِكَ رفع بالابتداءِ ، وأصحاب خبر ، وهم والجملة خبر الذين ، ويرجع
على الذين أسماءِ الإشارة ، أعني أولئك.
* * *
قوله : (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)
قال بعضهم : ذهبت الأحقاد التي كانت في قلوبهم ، وحقيقته - والله
أعلم - أنه لا يحسد بعضُ أهل الجنَّة بعضاً في عُلو الرُتبة ، لأن الحسدَ غل.
* * *
وقوله تعالى : (تجْرِي من تحْتِهُمُ الأنْهارُ).
في معنى الحال ، المعنى ونزعْنا ما في صدورهم من غل في هذه
الحال ، ويجوز أن يكون " تجري " إخباراً عن صفة حالهم ، فيكون تجري
مستأنفاً.
ومعنى (هَدَانا لهذا).
أي هدانا لما صيرَنا إِلى هذا ، يقال : هديت الرجل هداية وهدى وهدْياً.
وأهْدَيت الهَدْيَة فهي مُهداة ، وأهديت العروس إلى زوجها وهديْتُها.
وقوله جلَّ وِعز : (وَنودُوا أنْ تلكُمُ الْجَنَّةُ).

(2/339)


في موضع نصب ، وهَهُنَا الهاءُ مضمرة ، وهي مخففَة من الثقيلة.
والمعنى نودوا بأنه تلكم الجنَّةُ.
والأجود - عندي - أن تكون أن في موضع تفسير النداءِ ، كان
المعنى ، ونودوا أن تلكم الجنة ، أي قيل ألهم ، : تلكم الجنة ، وإنما قال :
تلكم ، لأنهم وُعدوا بها في الدنيا ، فكأنه قيل : هذه تلكم التي وعدتم بها.
وجائز أن يكون عاينوها فقيل لهم من قبل دخولها إشارة إلى ما يرَوْنَه : تلكم
الجنة ، كما تقول لما تراه : ذلك الرجل أخوك . ولو قلت : هذا الرجل لأنه
يراك جاز ، لأن هذا وهُؤلاءِ لما قرب منك ، وذاك وتلك لما بَعُدَ عنك.
رأيته أو لم تره.
* * *
وقوله : (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)
معنى " أن " ههنا إن شئت كان مفسراً لما نادى به أصحاب الجنة.
والمعنى أي قد وجدنا ، ويجوز أن تكون أن الشديدة وخففت ، المعنى أنه قد
وجدنا.
قال الشاعر :
في فتية كسيوف الهند قد علموا . . . أن هالك كل من يحفى وينتعل
وقوله : (قَالوا نَعَمْ).
وفي بعض اللغات قالوا نَعِمْ في معنى نَعَمْ - موقوفةُ الآخر - لأنها حرف
جاءَ لمعنى .

(2/340)


وقوله : (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ).
ويجوز أنَّ لعْنةَ اللَّه على الظَّالِمِينَ ، وقد قرئ بهما جميعاً والمخففة
مخففة من الشديدة ، ويجوز أن تكون المخففة في معنى أي الخفيفة التي هي
تفسير ، كأنَّها تفسير لما أّذَّنُوا فيه.
* * *
وقوله : (الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)
(فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا).
أي نتركهم في عذابهم كما تركوا العمل للقاءِ يومهم هذا.
ومعنى : (وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ).
و " كجحدِهم " و " ما " نسقُ على " كما ، في موضع جر.
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
هدى في موضع نصْبٍ ، أي فصلناه هادياً وذا رحمة.
ويجوز هدى ورحمةٌ نقوم يؤمنون على الاستئناف ، المعنى هو هُدًى ورحمةٌ لقوم يؤمنون.
* * *
وقوله : (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)
(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ).
معناه هل ينظرون إِلا ما يؤُول إليه أمرهم من البعث ، وهذا التأويل والله
أعلم - هو قوله (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إلا اللَّهُ) ، أي ما يعلم متى يكون البعث.
وما يؤُول إِليه إِلا اللَّه : (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)
بالبعث - واللَّه أعلم -.
وقوله : (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ).
(يومَ) منصوب بقوله : (يقول) و (الذين نسوه) على ضربين :

(2/341)


جائز أن يكون صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نُسِيَ وجائز أن يكونوا
نسوه وتركوا العمل له والإيمانَ به.
وقوله : . (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ).
(أَوْ) نسق على قوله (من شفعاءَ) ، " كأنهم قالوا : هل يشفع لنا شافع أو
هل نرد.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ (فَنَعْمَلَ) منصوب على جواب الفاءِ للاستفهام.
ويجوز أن تنصب (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ) ، أي إِن رددنا استغنينا عن الشفاعة.
* * *
وقوله : (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)
(يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ).
و (يُغَشِّي اللَّيْلَ النَّهَارَ) ، جميعاً يقرأ بهما.
والمعنى أن الليل يأتي على النهار فيغطيه ، ولم يقل يغشى النهارَ الليْلَ.
لأن في الكلام دليلاً عليه ، وقد جاءَ في موضع آخر : (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ).
وقوله تعالى : (وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ).
أي خلق النجوم جارِيَاب مَجَارِيَهُنَّ بأمرِه.
* * *
وقوله : (وَعَلى الأعْرافِ رِجَالٌ).
وقوله : (وَنادَى أصْحَابُ الأعْرَافِ)
اختلف الناس في أصحاب الأعراف ، فقال قوم : هم قومُ استوت
حسناتهم وسيئاتُهم ، فلم يستحقوا الجنة بالحسنات ، ولا النار بالسيئات.
فكانوا على الحجاب الذي بين الجنة والنار.
والأعراف أعَالي السُّورِ ، ويُقَالُ لكل عَال عُرْف وجمعُه أعراف .

(2/342)


ويجوز أن يكون - واللَّه أعلم - على الأعراف على معرفة - أهل الجنة
وأهل النار هُؤلاءِ الرجال ، فقال قوم ما ذكرنا ، وإن اللَّه يدخلهم الجنة ، وقال قوم أصحاب الأعراف أنبياء وقال قوم ملائكة.
ومعرفتهم كُلًّا بِسيماهُمْ يعرفون أصحاب الجنة بأن سيماهم إِسْفَارُ
الوُجوه والضحِكُ والاسْتِبْشَارُ كما قال عزَّ وجل : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39).
ويعرفون أصحاب النار بسيماهم وسيماهم اسوداد الوجوه
وَغُبْرَتُها - كما قال جلَّ وعزَّ : (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ).
و (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41)
والقَتَرة كالدُّخَان.
وقوله : (مَا أغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وما كنتم تَسْتَكْبِرُونَ).
هذا - واللَّه أعلم - خطاب أصحاب الأعراف لأهل النار ، وقرئت
تستكثرون بالثاءِ.
وأما تجوله : (أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ).
يعني أهل الجنة كأنه قيل لهم : يا أهلَ النار أهُؤلاءِ الذين حلفتم لاَ ينالهم
الله برحمة).
(ادخُلُوا الجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ).
وإن شئت بالفتح لا خوفَ عليكم.
فجائز أن يكون (ادْخُلوا الجنَّةَ) خطاباً من أصحاب الأعراف لأهل

(2/343)


الجنة ، لأن كل ما يقوله أصحاب الأعراف فَعَنِ اللَّه تعالى . وجائز أن يكون
خطاباً من اللَّه عزَّ وجلَّ لأهل الجنة.
وقوله : (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ).
فأعلم اللَّه عزْ وجل : أن ابن آدم غيرُ مستغن عن الطعام والشراب وإن
كان معذباً.
فأعلمهم أهلُ الجنة أنْ اللَّه حرمها على الكافرين ، يَعْنون أن اللَّه حرم
طعامَ أهل الجنة وشرابَهم على أهل النار ، لأنهم إنما يشربون الحميمَ الذي
يُصْهَرُ به مَا في بُطُونهمْ.
* * *
وقوله : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55)
قال قوم : تضرعوا تملقاً ، وحقيقته - واللَّه أعلم - أن يَدْعُوه خاضعين
متعبدين.
و (خُفْيَةً) أي اعتقدوا عبادته في أنْفُسِكم ، لأن الدعاءَ معناه العبادة.
وقوله : (إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
والمعتدون المجاوزون ما أمِروا به ، وَهُمُ الظالمونَ.
* * *
وقوله : (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)
(وَادْعُوهُ حوْفاً وطَمَعَاً).
أي ادْعوه خائِفين عذَابه وطامعين في رحمته ، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لَنْ يَدْخُلُ الجنة أحدٌ بعَمَلِه ، قالوا : ولا أنت يا رسول اللَّه ؟ قال ولا أنا إلا أن يتَغمدنيَ اللَّهُ برحمته.
وقوله : (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
إنما قيل (قَرِيبٌ) لأن الرحمة والغفْرَانَ في معنَى واحدٍ وكذلك كل تأنيث
ليس بحقيقي.
وقال الأخفش جائز أن تكون الرحمةُ ههنا في معنى المَطَر .

(2/344)


وقال بعضهم : هذا ذُكرَ ليفصل بين القريب من القرابة ، والقريب من القُرْبِ ، وهذا غلط ، أن كل ما قَرُبَ من مكان أوْ نَسَبٍ فهو جارٍ على ما يصيبه من
التأنيث والتذكير.
* * *
وقوله : (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57)
(بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ).
و (نُشْرًا) أيضاً بضم النون وفتحها - وقرأ عاصم بُشْرًى بالياء.
فمن قرأ (نُشْرًا) فالمعنى وهو الذي يُنْشِر الرياح مُنْشَرةً نشْراً.
ومن قال نُشْراً فهو جمع نشورٍ ونُشُرٍ.
ومن قرأ بُشْراً فهو جمع بشيرةٍ وبُشُرٍ كما قال جلَّ وعزَّ : (وَهُوَ الَّذِي
يُرْسِلُ الريَاحَ بُشْرًا).
وقوله : (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه).
أي بين يدي المطر الذي هو رحمة ، (حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا) أي حتى إِذا
أَقَلَّتْ الريح سَحَابًا ، يقال : أقل فلان الشيء إِذا هو حمله ، وفلان لا يَسْتقلُّ
بحَمْلِه.
فالمعنى حتى إِذا حملت سحاباً ثقالاً ، والسحاب جمع سحابة.
(ثِقَالًا) أي ثقالًا بالماءِ.
(سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ).
ومَيْتٍ جميعاً.
(فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ).
جائز أن يكون : فأنزلنا بالسحاب الماءَ ، فَأخْرَجْنَا بِه مِنْ كل الثمَرَاتِ.
الأحسن - واللَّه أعلم - فأخرجنا بالماءِ من كل الثمرات ، وجائز أن يكون
أخرجنا بالبلد من كُل الئمرات ، لأن البَلَدَ ليس يُخَصُّ به ههنا بلَدٌ سوى سائر البُلْدَانِ .

(2/345)


وقوله عزْ وجلَّ : (كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى).
أي مثلَ ذَلكَ الإخراجِ الذي أشرنا إِليه نخرج الموتى.
وقوله : (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
لعل ترج ، وإنما خوطب العباد على قدر علمهم ، وما يرجوه بعضهم من
بعض ، واللَّه يعلم أي تَذَكرون أم لا.
وقوله : (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
أي لعلكم بما بينَّاهُ لكم تستَدِلُّونَ على توحِيد اللَّهِ وأنه يبعث الموتى.
* * *
وقوله : (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)
وقرأها أهل المدينة نكَدًا - بفتح الكاف - ويجوز فيه وجهان آخران :
إِلَّا نَكْدًا ونُكْدًا - بضم النون وإسكان الكاف ولا يقرأ بالمضمومة ، لأنه لم تثبت به رواية في القرآن.
* * *
وقوله (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)
وهم الرؤساء والأشراف ، وقال بعضهم يعنى به الرجال . -
وقد بيَّنَّا المَلأ فيما سبق من الكتاب.
وقوله : (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63)
هذه الواو واو العطف . دخلت عليها ألف الاستفهام ، فبقيت مفتوحة.
وقد بيَّنَّا أمرها في الكتاب.
وقوله : (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)
(في الفُلْكِ).
والفلك السفينة ، يكون الفلك واحداً ، ويكون جمعاً .

(2/346)


وقوله : (قَوْمًا عَمِينَ).
أي قد عَموا عن الحق والِإيمان.
* * *
وقوله : (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)
المعنى : لقد أرسلنا نوحاً إِلى قومه ، وأرسلنا إِلى عادٍ أخاهم هودًا.
وقيل للأنبياءِ أخوهم وإن كانوا كفرة ، يعني به أنَّه قد أتاهم بَشَرٌ مثلُهم من وَلدِ أبيهم آدمَ ، وهو أرْجح عليهم.
وجائز أن يكون أخاهم لأنه من قومهم ليكون
أفهمَ لَهُمْ بأن يأخذوا عن رجل مِنْهُمْ.
* * *
وقوله : (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)
السفاهة خِفَةُ الحلم والرأي ، يقال ثوبٌ سفيه إذَا كان خفيفاً.
وقوله : (وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ).
وكفروا به ظانِّينَ لَا مُسْتيْقنين.
* * *
وقوله : (قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67)
هذا موضع أدب للخلق في حسن الجوار وفي المخاطبة ، أنه دفع ما
نسبوه إليه من السفاهة بأن قال ليس بي سفاهة ، فدفعهم بنفي ما قالوا فقط.
وقوله : (وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
أي الذي أنبئكم به مِنْ عند الله ، لأنه أمَرَهمْ بِعِبَادَةِ اللَّه جلَّ وعزَّّ
وتوحيده.
* * *
وقوله : (أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)
وَخُلَفَاءَ جمع خليفة على التذكير لا على اللفظ ، مثل ظَريف وَظُرَفَاءَ .

(2/347)


ْوجائز أن يجمع خلائف على اللفظ ، مثل طريفة وَطَرَائف.
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَزَادَكُمْ في الْخَلْقِ بَسْطَةً).
في التفسير أنَّه كان أقصَرُهُم ، طولُهُ ستونَ ذِرَاعاً وَأطْوَلهُمْ مائة ذِراع.
وقوله : (فَاذُكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ).
معناه نِعَمَ اللَّه ، واحدها إلى.
قال الشاعر :
أَبيض لا يَرْهَب الهُزالَ ولا . . . يَقْطعُ رُحْماً ولا يَخُون إِلاَّ
ويجوز أن يكون واحدها إليْ وإِليَّ.
* * *
وقوله : (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)
أي أرْسَلْنَا إِلى ثَمُودَ أخاهم صَالِحاً.
وثمودُ في كتاب اللَّه مصروف وغيرُ مصروف.
فأما المصروف فقوله : (ألَا إن ثَمُوداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ ألا بُعْداً لِثَمُود).
الثاني غَيْرُ مصروفٍ ، فالذي صرفه جَعَلَهُ اسماً للحي ، فيكونُ مُذَكَراً سمي به مُذَكرٌ وَمَنْ لم يصرِفْه جعله اسْماً للقَبيلة.
وقوله : (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
وتقرأ غَيرِه ، فمن رفع فالمعنى ما لكم إِلهٌ غيرُهُ ، ودخلت " مِنْ " مَؤكدةً.
ومَنْ جَرَّ جعله صفةٌ لإلَهٍ.
وأجاز بعضهم النصبَ في غَيْر وهو جائز في غير القرآن ، على النصب على الاستثناءِ وعلى الحال من النكرة.
ولا يجوز في القرآن لأنه لم يقرأ به.
وأجاز الفراء . . ما جاءَني غيرَكَ بِنَصْبِ غيرَ ، وهذا خطأٌ

(2/348)


بيِّن ، إنما أنشد الخليل وسيبويه بيتاً أجازا فيه نصب غير ، فاستشهد هو بذلك البيت واستهواه اللفظ في قولهما إن الموضعَ موضِعُ رفع.
وإنما أضيفت غير في البيت إلى شيءٍ غير متمكن فبنيت على الفتح كما يبنى يوم إذَا أضِيفَ إلى إذْ على الفتح.
والبيت قول الشاعر :
لم يَمْنع الشُّرْبَ منها غَيْرَ أَن نطقت . . . حمامة في غُصُونٍ ذاتِ أَوْقالِ
وأكثرهم ينشده غيرَ أن نطقت ، فلما أضاف غير إلى " أنْ " فتح غير ، ولو
قلت : ما جاءَ في غيرَك لم يجز . ولوجاز هذا لجاز ما جاءَني زيداً.
وقوله : (قَدْجَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبكُمْ).
دعاهم إلى التوحيد ودلهم على نُبُوتةِ بالناقة فقال :
(هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لكُمْ آيَةً).
(آيَةً) انتصب على الحال ، أي أنظروا إلى هَذه الناقَةِ آية أي عَلامَةً.
وقد اختلف في خبرها ، فقيل في بعض التفسير : إِن الملأ من قوم
صالح كانوا بين يديه فسألوه آية وكانت بين يديه صفاة - وهي الصخرة - فأخرج الله منها ناقة معها سَقْبُها أي وَلَدُها.
وجاءَ في بعض التفسير أنه أخذ ناقة من سائر النوق ، وجعل الله لها

(2/349)


شِرْباً يوماً وَلَهُمْ شربُ يومِ . وذُكِرَتْ قصته في غير هذا الموضع فقال :
(هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155).
فكانت تشرب يوما ثم تُفْحِجُ يوماً آخر في وادِ فلا تزال تحتلب ولا ينقطع حلَبُها ذلك اليوم.
فجائز أن يكون أمرُ خروجها من الصخرة صحيحاً ، وجائز أن يكون أمر
حلبها صحيحاً . وكل منهما آية معجزة تدل على النبوة.
وجائز أن تكونَ الرِّوَايَتَانِ صحيحتَيْنِ فَيُجْمَعُ أنَّها خرجت من صخرة وأن حَلْبَهَا على ما ذَكَرْنَا.
ولم يكن ليقول : (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ) فتكون آية فيها لبسٌ.
وقوله : (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)
أي لما أهلكهم وورثكم الأرض.
(وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ).
أي أنزلكم.
قال الشاعر :
وبُوِّئَتْ في صَمِيمِ مَعْشَرِها . . . وتَمَّ في قَوْمِها مُبَوَّؤُها
أي أنزلت من الْكَرَم في صميم النسب.
وقوله : (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ).
يقال : نَحَتَ يَنْحِتُ ، ويقال أيضاً نَحَتَ يَنْحَتُ ، لأن فيه حرفاً من حروف
ويروى أنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون أن ينحتوا بيوتاً في الجبال ،

(2/350)


لأن السقوفَ والأبنية كانت تبلى قبل فناءِ أعمارهم.
* * *
وقوله : (فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)
(وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ).
أي جاوزوا المقدَارَ فى الْكُفْر.
* * *
(فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)
والرجفة : الزلزلة الشديدة.
ويروى أنه لما قال لهم : (تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ)
أصبحوا في أول يوم مصفرة وجوهُهم ، وفي اليوم الثاني محمرة وجوههم
وفي اليوم الثالث مسودَّةً وجوههم ، وفي اليوم الرابع أتاهم العذاب.
ويقال إِن ابتداءَ عقرهم الناقة كان في يوم الأربعاءِ ، وأخذهم العذاب
في يوم السبت.
وقوله : (فَأصْبَحُوا نَادمينَ).
أي في وقت لا ينفعهم الندم.
وأصْبَحُوا جَاثمِينَ . في اليوم الذي أخذتهم فيه الرجفة.
ومعنى (جَاثِمِينَ) قد خمدوا من شدة العذاب.
وقال بعضهم أصْبَحُوا كالرماد الجاثِم.
* * *
وقوله : (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80)
أي وأرسلنا لوطاً إِذ قال لقومه.
وقال الأخفش ويجوز أن يكون منصوباً على واذكر لوطاً إِذ قال لقومه . والوجهُ أن يكون معطوفاً على الإرسال.
وقال بعض أهل اللغة : لوط مشتق من لطتُ الحَوْضَ إذا مَلَّسَتَه بالطين.
وهذا غلط . لأن لوطاً من الأسماءِ الأعجمية ليس من العربية ، فأما لطت

(2/351)


الحوض وهذا ألوط بقلبي من هذا ، فمعناه ألصق بقلبي . واللِّيطُ القِشرُ . وهذا صحيح في اللغة.
ولكن الاسم أعجمي كإِبراهيم وإِسحاق ، لا نقول إنه مشتق
من السُّحْقِ وهو البعدُ . وهو كتاب الله الذي لا ينبغي أن يقدم على تفسيره إلا برواية صحيحة وحجة واضحة.
وقوله : (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ).
هذا دليل أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم لوط.
وقد اختلف الناس في حَدِّ اللُّوطِي ، فقال بعضهم هو كالزاني.
وروي أن أبا بكر حرق رجلاً يقال له الفجاءَة بالنار في اللواط.
وقال بعضهم : يجب أنْ يقتلَ مُحْصَناً أو غير مُحْصَنٍ ، لأن الله تبارك
وتعالى قتل فاعليه بالحجارة.
فخاطبهم لوط فقال : (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ).
وقال في موضع آخر : (إنكمْ لتأتون الفاحشة).
والفاحشة الشيءَ الغليظ القبيح.
* * *
وقوله : (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)
يجوز أن يكون " جَوَابَ " مرفوعاً . (وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا)
والأجود النصب وعليه القراءَة .

(2/352)


(إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ).
أي يتطهرون عن عملكم.
* * *
وقوله : (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)
في التفسير أنَّ أهلَه ابنتاه.
(إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ)
قيل في الغابرين ههنا قولان.
قال أهل اللغة : من الغابرين من الباقين.
أي من الباقين في الموضع الذي عذبوا فيه.
وَأنْشَدَ أبو عَبَيْدَة معمر بن المثنى.
فما وَنَى محمدٌ مُذْ أَنْ غَفَرْ . . . له الإِلهُ ما مَضَى وما غَبَرْ
أي ما بقي.
وفال بعضهم : (من الغابرين) أي من الغائبين عن النجاة.
وكلاهما وجه . واللَّه أعلم.
* * *
وقوله : (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)
مَدْيَنُ لا ينصرف لأنه اسم للقبيلة أو البلدة ، وجائز أن يكون أعجمياً.
وقوله : (قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ).
قال بعض النحويين ؛ لم يكن لشعيب آية إِلا النبوة ، وهذا غلط فاحش.
قال قد جاءَتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل فجاءَ بالفاءَ جواباً للجزاء ، فكيف يقول : قد جاءَتكم بينة من ربكم ولم يكن له آية إِلا النبوة ، فإن كان مع النبوة آية فقد جاءَهم بها.
وقد أخطأ القائل بقوله : لم تكن له آية ، ولو ادَّعَى مُدَّعٍ
النبوة بغير آية لم تُقْبَلْ منه ، ولكن الِقول في شعيب أن آيته كما قال بينَة .

(2/353)


إِلا أن الله جل ثناؤه ذكر بعض آيات الأنبياءِ في القرآن وبعضهم لم يذكرآيته ، فمن لم تذكر آيته لا يقال : لا آية له.
وآيات محمد النبي - صلى الله عليه وسلم - لم تذكر كلها في
القرآن ولا أكثرها.
وقوله : (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)
البَخْسُ النقْص والقِلَّة ، يقال بخست أبخس بالسين ، وبخصت عيْنَه
بالصاد لا غير مثل فقأت عينيه.
(وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا).
أي لا تعملوا فيها بالمعاصي وَبخِس الناس بعد أنْ أصلحها الله بالأمر
بالعدل وإرسال الرسل.
* * *
ْوقوله : (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)
أي بكل طريق.
ومعنى توعدون أي توعدون من آمن بشعيب بالعذاب والتهدد يقال :
وعدته خيراً ، ووعدته شرًّا ، فإِذا لم تذكر واحداً منهما.
قلت في الخير وعدته وفي الشر أوعدته.
وقوله : (وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ).
أي عن الطريق التي آمن اللَّه من آمن بها.
(وَتَبْغُونَهَا عِوَجًاأ).
أي وتريدون الاعوجاج والعدول عن القصد.
يقال في الدين وفيما يعلم إذا كان على غير استواء عوج بكسر العين وفي الحائط والعودِ عَوَج بفتح العَيْن .

(2/354)


وقوله : (وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ).
جائز أن يكون (فَكَثَّرَكُمْ) جعلكم أغنياءَ بعد أن كنتم فقراءَ ، وجائز أن
يكون كان عددهم قليلاً فكثرهم ، وجائز أن يكونوا غير ذوي مقدرة وأقدار
فكثرهم ، إلا أنه ذكرهم بنعمة الله عليهم كما قال : (فاذكروا آلاءَ اللَّهِ)
أي نعم اللَّهِ.
* * *
وقوله : (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)
المعنى : ليكونن أحدُ الأمْرَين ، ولا تُقارُّ على مخالفتنا.
وقوله : (قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ).
أي أتعيدوننا في ملتكم وإن كرهناها.
فإِن قال قائل : كيف قالوا لشُعَيب : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ، وشعيب نَبِيٌّ ؟
ففيه قولان :
أحدهما : لما أشرَكُوا الذين كانوا على مِلَّتهم قالوا : أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا . وجائز أنْ يقال : قد عَادَ عليَّ من فلان مكروه ، وإن لم يكن سبقه
مكروه قبل ذلك وإنما تأويله إنَّه قد لحقني منه مكروه.
وقوله : (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)
(وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
اختلف الناس في تأويل هذا ، فأولى التأويلات باللفْظ أن يكون :
(وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
لأنه لا يكون غير ما يشاءَ اللَّه.
وهذا مذهب أهل السنة.
قال اللَّه عزْ وجل : (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ).
والمشيئة في اللغة بيِّنة لا تحتاج إِلى تأويل .

(2/355)


فالمعنى : ما يكون لنا أن نعود فيها إِلا أن يكون الله عزَّ وجلَّ قد سبق
في علمه ومشيئته أنا نعود فيها.
وتصديق ذلك قوله : (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).
ثم قال (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا).
وفي موضع آخر : (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ).
وقال قوم : (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا)
أي فاللَّه لا يشاءُ الكفر ، قالوا : هذا مثل قولك : لَا أكلِّمك حتى يبيضَّ الفار وَيشيبَ الغُرابُ ، والفارُ لا يبيض ، والغراب لا يشيب.
قالوا فكذلك تأويل الآية.
قال أبو إسحاق : وهذا خطأ لمخالفته أكثر من ألف موضع في القرآن
لا تحتمل تأويلين ، ولا يحدث شيءٌ إِلا بمشيئته وعن علمه.
إِما أن يكونَ عَلِمَهُ حادثاً فشاءَه حادثاً ، أو عَلِمَهُ غيرَ حادثٍ فشاءَه غيرَ حادث.
ولا يجوز لما مكنَ الخلق من التصرف أن يُحدثَ الممتنعَ موجوداً ، ولا يكون ما علمه أنَّه يُوجَدُ ممتنعاً.
وسنةُ الرَسول عليه السلام تشهد بذلك ولكن اللَّه تبارك وتعالى
غيب عن الخلق علمه فيهم ، ومشيئته من أعمالهم فأمرهم ونهاهم.
لأن الحجة إِنما تثبت من جهة الأمر والنهي ، وكل ذلك جائز على ما سبق في
العلم وجرت به المشيئة ، قال الله تعالى : (وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا). . الآية.
فسقوط الورقة منسوب إِليها وهو خلقه فيها كما خلقها ، وكذلك إِلى آخر
الآية .

(2/356)


وقال : (يَعْلَمُ مَا فِي أنْفُسِكمْ فاحْذَروه) ، وما في النفوس من
الخواطر الجائلة والهم الجائل والعزم الجائل فيها . فلا يجوز عدم ما علمه
كائناً فيها ، ولا يجوز كون ما علمه معدوماً.
فحذرهم مخالفةَ ظاهر أمره ونهيه لأن عليهم السمع والطاعة للأمر إذا
أمروا به ، وهم جارون على ما عَلِمَ منهم أنَّهم يختارون الطاعة ، ويختارون
المعْصِيَة ، فلا سبيل إِلى أن يختاروا خلاف ما علم أنهم يختارونه.
وإن لم يكن الأمر على ما قلنا وجَب أن يكون قولهم : علم اللَّه أفعال العبَادِ قبل كونها إِنما هو علم مجاز لا علم حقيقة.
واللَّه تعالى عالم على حقيقة لا مجاز ، والحمد للَّهِ.
وقال قوم - وهو بعد القول الأول قريب - :
إِن المعنى : (وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا).
أي قد تبرأنَا من جميع ملَّتِكُمْ فما يكون لنا أن نعود في شيءَ منها إِلا أن يشاءَ اللَّه وجهاً من وجوه البر الذي تتقربون به إلى اللَّه ، فيأمرنا به ، فنكونَ بهذَا قد عُدْنا.
قال أبو إسحاق : والذي عندي - وهو إِن شاءَ اللَّه الْحَقُّ - القول الأول.
لأن قوله : (بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا) ، إنَّما هو ، النجاة من الكفر وأعمال المعاصي لا من أعمال البر.
وقوله : (وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا).
(عِلْمًا) منصوب على التمييز.
وقوله : (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ).
أهل عُمان يسمُون القاضي الفاتح والفتاح .

(2/357)


وجائز أن يكون افتح بيننا وبين قومنا بالحق ، أي أظهر أمْرنَا حتى ينفتح
ما بيننا وبين قومنا وينكشف ، فجائز أن يكون يسألون بهذا أن ينزلَ بقومهمْ من العذاب والهلكة ما يظهر به أن الحق مَعَهُمْ.
* * *
وقوله : (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)
هي الزِلزلة الشديدة.
وقوله جلَّ وعزَّ : (فأصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثمينَ).
أي أجْسَاماً مُلْقاة في الأرض كَالرمَاد الجَاثِم.
* * *
وقوله : (الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)
(كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا).
أي كَأَنْ لَمْ ينزلوا فيها.
قال الاصمعي : المَغَاني المنازِلُ التي نزلوا بها ، يقال غَنينا بمكان كذا وكذا ، أي نَزَلْنَا به.
ويكون (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا). كَأَنْ لَمْ ينزلوا كان لم يعيشوا فيها مستغنين ، كما قال حاتم طيٍّ :
غَنِينَا زَماناً بالتَّصَعْلُكِ والغِنى . . . فكُلاًّ سقاناه بكَأسَيْهما الدهرُ
فما زادنا بَغْياً على ذي قرابةٍ . . . غِنانا ولا أَزْرَى بأَحْسابنا الفَقْرُ
والعرب تقول للفقير الصعلوك.
* * *
وقوله : (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)
أي حين نزل بهم العذاب تولى عنهم.
(وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ).

(2/358)


معنى آسى أحْزَن - أي كيف يَشْتد حُزني.
يقال : أسِيت عَلى الشيءِ آسَى أسىً إِذا اشتدَ حزنُك عَليْه.
قال الشاعر :
وانْحَلَبَتْ عيناه مِن فرْطِ الأسى.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)
يقال لكل مدينة قرية ، وإِنما سمِّيَتْ بأنه يجتمع فيها الناس ، يقال قريت
الماءَ في الحوضِ إِذا جمعته فيه ، فسمِّيْتْ قريةً لاجتماع الناس فيها.
ومكَةُ أم القرى ، لأن أهل القرَى يؤمونها أي يقصدونها.
وقوله : (إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ).
قيل : الْبَأْسَاء كل ما نالهم مِن شِدَّة في أموَالهم ، والضَراءُ ما نالهم من
الأمراض ، وقيل : الضراء ما نالهم في الأموال ، والْبَأْسَاء ما نالهم في أنْفَسهم.
وقوله : (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ).
أي يَخْضعون ، والأصْلُ يتَضَرعُون ، فأدغمت التاءِ في الضادِ.
* * *
وقوله : (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)
أي كَثروا وَكَثُرَتْ أمْوالهم.
وقوله : (قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ).
فأخذهم الله ليعتبروا ويُقْلعُوا عن الكفر وتكذيب الأنبياءِ ، فقالوا مسَّ

(2/359)


آباءَنا مثلُ هذا ، أي قد جرت عادة الزمان بهذا ، وليست هذه عقوبة ، فبين اللَّه تأولهم بخَطئِهِمْ ، وقد علموا أن الأممَ قَد أهْلِكتْ بِكُفْرِهِم قَبْلَهُم.
وقوله : (فَأخَذْنَاهم بَغْتَةً) أي فجأة (وهُمْ لَا يَشعرُون).
فهذا ما أخبر اللَّه تعالى به عن الأمم السالفةِ لتعتبرَ أمَّةُ محمد - صلى الله عليه وسلم - فقال :
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)
أي أتاهم الغيث من السماء والنَباتُ من الأرض . وجعل ذلك زاكياً
كثيراً.
* * *
وقوله : (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97)
أي ليلاً ، أي أفَأمِنت الأمةُ التي كذبت النبي محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يأتيهم بَأْسُنَا بَيَاتًا . أي ليلاً.
(وَهُمْ نَائمُونَ).
يقال نام الرجل ينام نوماً فهو نائم . وهو حسن النِيمةِ ، ورجل نُومةٌ إِذا
كان خَسِيساً لا يؤبه له ، ورَجُل نُوَمة إذا كان كثير النوم ، وفلان حسن النِّيمة أي حسن هيئة النوم ، والنِّيمُ - الفرو.
والفاءَ في قوله : (أَفَأَمِنَ) والواو في قوله (أَوَأَمِنَ)
أمِنَ ، فتحت لأنها واو عطف وفاء عطف دخلت عليها ألف الاستفهام.
وقوله : (وَهُمْ يَلْعَبُونَ).
يقال لكل من كان في شيء لا يُجْدي أو في ضلال : إِنما أنت لاعب.
وإنَّمَا قيل لهم : (ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُون). أي وهم في غير ما يجدي عليهم.
* * *
وقوله : (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)
أي وأمنوا عذاب الله أن يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون .

(2/360)


وقوله : (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100)
وتقرأ (نَهْدِ) بالنُونِ ، فمن قرأ نهدي بالنون فمعناه أولَمْ نبَينْ.
لأن قولك : هديته الطريق معناه بَيَّنْت له الطريق.
ومن قرأ بالياء كان المعنى أو لم يبين الله لهم أنَّه لو يشاء أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.
وقوله : (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ).
ليس بمحمول على أصَبْنَاهم.
المعنى ونحن نطبع على قلوبهم ، لأنه لو حمل على أصبْنَاهمْ لكان
ولطبعنا ، لأنه على لفظ الماضي ، وفي مَعْنَاه.
ويجوز أن يكون محمولاً على الماضي ، ولفظه لفظ المستقبل كما أن لو
نشاءَ معناه لوشئنا.
* * *
وقوله (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)
وهذا إِخبار عن قومٍ لا يؤمِنونَ.
كما قال جلَّ وعزَّ : (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ).
وكما قال للنبِى - صلى الله عليه وسلم - :
(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3).
فهذا إِخبار من الله جَل وعز أنَّ هؤلاَءِ لَا يؤمِنُون .

(2/361)


وقال قوم : (فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ . .) أيْ لَيْسُوا مؤمنين
بتكذيبهم ، وهذا ليس بشيءٍ ، لأن قوله : (كَذَلكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلوبِ
الكَافِرينَ) . . يَدُلَ على أنهم قد طُبعَ عَلَى قُلُوبِهمْ.
وموضع الكاف في " كذلك " نصْبٌ.
المعنى مثل ذلك يطبعَ الله على قُلوبِ الكافرِين.
* * *
وقوله : (وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)
هذه " إِن " تدخل واللامَ على معنى التوكيد واليمين.
وتدخل على الأخْبَار . تقول : إِن ظننت زيْداً لَقَائِماً.
* * *
وقوله : (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)
(فَظَلَمُوا بِهَا).
أي بالآيات التي جاءَتهم ، لأنهم إِذا جاءَتهم الآيات فكفروا بها فقد
ظلموا أبْين الظُلْم ، لأن الظلم وضعُ الشيء في غير مَوْضِعِه ، فجعلوا بدل
وجوب الإيمان بها الكفر ، فذلك معنى قوله (فظَلموا بِهَا).
* * *
وقوله (حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)
(حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ).
وتقرأ (حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لَا أَقُولَ)
ومن قرأ حقيق عَلَيًَّ أن لا أقول فالمعنى
واجب عَليَّ : تركُ القول على اللَّه إِلا بالحقً.
* * *
وقوله : (قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106)
قد أوجب فرعونُ أنَّه ليس بآيةٍ كما ادعى ، لأنه قد أوجَبَ له الصدق إن
اتى بآية يعجز عنها المخلوقون.
* * *
وقوله (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107)

(2/362)


إن شئت قلت : " عَصَا هُو " بالواو . والأجْوَدُ حَذْفُها ، أعْنِي الواوَ لسكونها
وسكون الألف ، والهاء ليست بحاجز.
وقوله : (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ).
قال أبو عبيدة وغيره : الثعبان الحية . . وقال غيره : الحية الذَكَرُ.
وقال اللَّه في موضع آخر (فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى).
ومعنى (مُبينُ).
أي مبينٌ أنَّها حَيَّة.
* * *
وقوله : (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)
معنى نزع يده أظهرها وأبانها.
وقال في مَوضع آخر (وَأدْخِل يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرجْ بَيْضاءَ).
وفي موضع آخر (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ).
فهذا دليل أن معنى نزع يده إخراجُها من جيبه وإِخراجها من جناحِهِ.
وجناح الرجل عَضُدُه وقَلَّ جناحُ الرجل عِطفُه.
وتأويل الجناحين من الِإنسان أنهما كالجَنَاحَين من الطائر.
وهما العَضُدانِ.
وقوله : (تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ).
أي تخرج لونها أبيض حُوريًّا .

(2/363)


وكان موسى فيما يُرْوَى أدِمَ.
(مِنْ غَيرِ سُوء).
أي تخرج بيضاءَ بياضاً ليس بِبرص ، بياضاً يدل على أنَّه آية.
وكانت عصا موسى إِنما تكون حيَّة ، عندَ إِظهارهَا بها الآية ، ثم تعود عصا ، كما قال اللَّه عزَّ وجلَّ : (سَنُعيدُهَا سيرَتَها الأُولى).
* * *
وقوله : (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)
وفي هذا الموضع (قال المَلأ مِنْ قَوْم فِرْعَون).
الملأ هُمُ الوُجُوهُ ، وذوُو الرأي ، وإِنما سُمُّواملأً لأنهم مُلئوا بما يحتاج إليه
مِنهُم.
وقرُئَتْ لسَحَّارٌ عَليمٌ.
* * *
(يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110)
قال فرعون مجيباً لهم : (فمَاذَا تَأمُرونَ).
ويجوز أن يكون " فمَاذا تأمُرون " من قول الملأ ، كأنهمْ خاطبوا فرعون
ومن يَخُصُّهُ ، وجائز أن يكون الخطاب لفرعونَ وحده ، لأنه يقال للرئيس
المطاع : ما ترون في هذا ؟ أي ما ترى أنت وجندُكَ.
و " مَاذا " يصلح أن تكون " ماذا " اسماً واحِداً ، ويكون في موضع نصب.
ويكون المعنى أي شيء تأْمُرون .

(2/364)


ويصلح أن يكون " ذا " في موضع الذي ، وتكون ما في معنى رفع.
ويكون المعنى ما الذي تأمُرون.
* * *
وقوله (قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111)
تفسير (أَرْجِهْ) أخرِّه ، ومعناه أخِّرْ أمرَهَ ولا تعجل في أمرِه بحكم فتكون
عَجَلتكَ حجة عليك.
وفي قوله (أَرْجِهْ) ثلاثة أوجُه قد قرئ بها.
قرأ أبو عَمْرو : أرجِئه وأخاه.
وقرأ جماعة من القراءِ : أرجِهِ وأخاه ، وقرأ بعْضُهمْ أرجِهْ وأخاهُ - بإسكان الهاءِ.
وفيها أوجه لا أعلمها قرئ بها . يجوز أرجِهو وأخاه ، وأرجهي.
وأرجئهي ، وأرجهو بغير همزٍ . فأمَّا من قرأ أرجِه بإسكان الهاء فلا يعرفها
الحذاق بالنحو ، وَيزعُمُون أن هاءَ الإِضْمارِ اسم لا يجوز إِسكانها.
وزعم بعضُ النحويين أن إِسكانها جائز.
وقد رْويت لعمري في القراءَة إِلا أن التحريك أكثر وأجْوَد.
وزعم أيضاً هذا أن هاء التأنيث يجوز إِسكانها وهذا لا يجوز.
واستشهد في هذا بشعر مجهول ، قال أنشدني بعضهم :
لمَّا رأَى أَنْ لا دَعَهْ ولا شِبَعْ مالَ إلى أَرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ
وهذا شعر لا يعرف قائله ولا هو بشيء ، ولو قاله شاعر مذكور لقيل
أخطأت ، لأنَّ الشاعِر قد يجوز أن يخطئ .

(2/365)


وأنشد أيضاً آخر أجهل من هذا وهو قوله
لست إِذن لزغْبَلهْ . . . إِن لم أغيِّر بَكْلتي
إِن لم أساو بالطُول.
فجزم الهاءَ في زغبله ، وجعلها هاء ، وإِنما هي تاء في الوصل.
وهذا مذهب لا يعرج عليه.
* * *
وقوله : (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)
وَسَحَّارٍ جميعاً قد قرئ بهما.
وقوله : (قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
أي لكم مع الأجر المنزلة الرفيعة عندي.
* * *
وقوله : (قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)
(وَاسْتَرْهَبُوهُمْ).
أي استدعوا رهبَتَهُم حتى رهبهم الناس.
* * *
وقوله (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)
وتلقَفَ مخففة ومثقلة ، يقال لقفْت الشيء ألْقَفُه.
ومعنى قوله (يَأْفِكُونَ) : أي يأتون بالإفك وهو الكذب ، وذلك أنهم زعَموا
أَن حبَالهم وعصيهم حيات فكذبوا في ذلك ، وإنما قيل إنهم جعلوا الزئبق
وصوَّروها بصوَر الحيَّات ، فاضطرب الزئبق لأنه لا يستقر.
وقوله : (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66).
ْفلمَّا ألقى مُوسى عصاه بلعت عصيهم وحبالَهم)
قال الشاعر :
أنت عصا موسى التي لم تزل . . . تلقف ما يَأفِكهُ السَّاحِرُ

(2/366)


هذا البيت أنشِد لأبي عبيدة ، وزعم التَوزي صاحَبُ أبي عبيْدَة أنَّه لا
يعرفه . وهو صحيح في المعنى.
وقوله جلَّ وعز : (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)
يقال نقِمت أنقِم ، ونقِمْتُ أنقَمُ ، الأجود نَقَمتُ أنقِمُ والقراءَة مَا تَنْقِم
وهي أفصح اللغتين.
وقوله : (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا).
أي ، يشتمل علَيْنَا.
وقوله : (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)
ويُقْرأ (وإِلَاهَتَك) ويجوز (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ).
فَمن نَصَب " (وَيَذَرَكَ) ردَّه على جواب الاستفهام بالواو.
المعنى أيكون منك أن تذر موسى ، وأن يذَرَك.
ومن قال (وَيَذَرُكَ) جَعَلَة مستأنفاً ، يكون المعنى : أتذَرُ موسى وهو يذرك وآلهتك.
والأجود أن يكون معطوفاً على (أتذَرُ) فكون أتذَرُ موسى وأيَذَرُكَ موسى.
أي أتطْلِقُ هذا له.
وأمَّا من قرأ وآلهتك ، فإِنَّ المعنى أن فِرعَون كانت له أصنام
يعبدها قومه تقرباً إليه.
* * *
وقوله : (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)
" عسَى " طمعٌ وإِشفاق ، إِلا أن ما يطمع اللَّه فيه فهو واجبٌ ، وهو معنى
قول المفسرين : إن عَسَى من اللَّه واجبٌ.
وَمعنى : (فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)
أي يرى ذلك بوقوع منكم ، لأن اللَّه جلَّ وعزَّ لا يجازيهم على ما يعلمه
منهم من خطيئاتهم التي يعلم أنهم عامِلوهَا لا محالة ، إِنما يجازيهمْ على ما
وقع منهم .

(2/367)


وقوله : (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)
السنين في كلام العرب الجدُوبُ ، يقال مستهم السَّنَةُ ، ومعناه جَدْبُ
السنة وشِدَّةِ السنة ونقص الثمرات.
(لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).
إِنما أخِذُوا بالضراءِ لأن أحوال الشِدةِ تُرِقُ القُلُوب وتُرَغبُ فيما عند اللَّه
وفي الرجوع إِليه ، ألا ترى إِلى قوله جلَّ وعزَّ :
(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) ، وقال جلً
وعز : (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51).
* * *
وقوله : (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131)
أي إِذا جاءَهم الخِصْبُ قالوا أعْطِينَا هذا باستحقاق.
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ).
أي جَدْبُ أو ضُر.
(يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).
المعنى : يتطيَّرُوا . فأدغمَت التاءُ في الطاءِ ، لأنهما من مَكان واحد من
طرف اللسانِ وأصول الثنايا.
وتفسير قوله : (يَطَّيَّرُوا) : يتشاءَموا ، وإِنما قالت العرب الطيرةُ ويتطير فيما
يكرهونَ ، على ما اصطلحوا عليه بينهم ، جعلوا ذلك أمراً يتشامون به فقال
عزّ وجلَّ : (أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ).

(2/368)


المعنى : ألاَ إِنما الشْؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة لا
ما ينالهم في الدنيا ، وقال بعضهم : " طَائِرهم " حظهم ، والمعنى واحد.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)
زعم بعض النحويين أن أصل " مهما " : مَا تأتنا به ، ولكن أبدل من الألف
الأولى الهاء ، ليختلف اللفظ ، فما الأولى هي ما الجزاءُ ، وما الثانية هي التي تزاد تأكيداً للجزاءِ ، ودليل النحويين على ذلك إنَّه ليس شيء من حروف الجزاءِ إلا و " ما " . . تزاد فيه ، قال اللَّه جلَّ ثناؤه :
(فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ)
كقولك إن تثقفهم في الحرب فشَرِدْهم.
وقوله : (وَإمَا تُعْرِضَنَّ عنهم) أيضاً وهذا في كتاب الله كثير.
وقالوا : جائز أن تكون " مَهْ " بمعنى الكف) ، كما تقول مَهْ أي أكفف.
وتكون " ما " الثانية للشرط والجزاءِ ، كأنهم قالوا واللَّه أعلم - أكفف مَا تأتينا به من آية.
والتفسير الأول هو الكلام وعليه استعمال الناس.
وهذا ليس فيما فيه من التفسير شيء لأنه يخل اختلاف هَذين التفسيرين بمعنى الكلام.
* * *
وقوله : (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)
قال الأخفش : الطوفان جمع طوفانَه.
وقيل في التفسير إن الطوفان المطر الذي يُغرقُ من كثرته.
قال الله جلَّ وعزَّ في قصة نوح :

(2/369)


(فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ).
وقيل الطوفان الموت العظيم.
وقوله : (وَالْقُمَّلَ).
قال فيه أبو عبيدة هو الْحَنْمَان صِغار القِرْدَان.
واختلف في تفسيره فقال بعضهم هِيَ دَوَاب أصغَرُ من الْقَمْل.
(وَالدَّمَ).
قيل إِن اللَّه جلَّ وعزَّ : جعل مَاءَهمْ دَماً ، فكان الِإسرائيلي يستقي الماءَ
عذباً صافياً ، فإِذا أخذه القبطِى تحوَّلَ دَماً صَافِياً.
وقوله : (آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ).
أي إِن بعضها منفصل مِنْ بعض ، ويقال إِنه كان بين الآية والآية ثمانية
أيَّامٍ ، وأرسلت عليهم الضفادِع تَدْخل في ثِيَابِهِمْ وفي طعامِهِمْ.
و (آيَاتٍ) منصوب على الحال ، وهي العلامات.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)
والرجز اسم للعذاب.
(قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).
وكانوا قد أخذوا بني إِسرائيل بالكد الشَدِيدِ حتى قالوا لموسى :
(أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا).
فيقال إِنهم كانوا يستعملون بنى إسرائيل في تلبين اللَّبِن ، وكان

(2/370)


فرعون وأصحابه من القبطِ يفعلون ذلك ببني إِسرائيل ، فلما بعث موسى
أَعطوهم اللَّبِنَ يُلَبِّنُونَه ، ومنعُوهم التبْن لِيَكون ذلِكَ أشق عليهم.
* * *
وقوله : (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135)
وهو البحرِ ، وكذلك هو في الكتب الأول.
* * *
(فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)
(وكانُوا عَنْهَا غَافِلِين).
أي كانوا لا يعتبرون بالآيات التي تنزل بهم.
* * *
وقوله : (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)
يعني بني إِسرائيل ، وكان منهم داوُد وسليمان مَلكوا الأرْضَ
وقوله : (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى).
يعنى ما وعدهم اللَّه به من إِهلاك عَدوِّهِمْ واستخلافِهِمْ في الأرْضِ.
(وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ).
و (يَعْرُشُونَ) جَمِيعاً . يقال عرَشْ يَعْرِش ويعْرُشُ ، إِذا هو بنى.
* * *
(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)
ومعنى : (يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ).
أي يواظبون عليها ويلازمونها ، يقال لكل من لزم شيئاً وواظب عَليْهِ.
عكفَ يَعْكِف ويعْكفُ . ومن هذا قيل للملازم للمسجد معتكف.
* * *
وقوله : (إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)
(مُتَبَّرٌ) مُهلك وَمُدَمَّر ، ويقال لكل إِناءٍ مكسَّرٍ مُتَبَّرٌ ، وَكُسَارَتُه يقال
له التَبْر.
* * *
وقوله : (قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)

(2/371)


أي أغيْرَ اللَّه أطلب لكم إلهاً : (وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ).
* * *
وقوله : (وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
المعنى : واذكروا إِذ أنجيناكم من آل فِرْعَوْن.
(يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ).
معنى يسومونكم يولُونكم.
* * *
وقوله : (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)
((وَوَاعَدْنَا مُوسَى) (وَوَعَدْنَا مُوسَى).
(ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ).
قيل أمره الله أن يصوم ثلاثين يَوْماً ، وأن يعمل فيها بما يقرِبه إلى اللَّهِ.
وقيل في العَشرِ أنزِلت عَليْهِ التَوْراة وكُلِّمَ فِيهَا.
وقال بعضهم لما صام ثلاثين يوماً أنكرَ خُلُوفَ فِيهِ فاسْتَاكَ بعود
خَرُّوبِ ، فقالت الملائكة إنا كنا نَسْتَنْشِئ مِن فيكَ رائحة المسك فأفسدته
بالسواكَ . فزيدت عَليه عَشْر ليالٍ.
وقد قال في موضع آخر : (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).
فهذا دليل أن المواعدة كانت أربعين ليلةً كاملة.
واللَّه جلَّ وعزَّ أعلم.
* * *
وقوله : (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي).
يجوز هارون بالفتح وهو في موضع جر بدلاً من أخيه ، ويجوز لأخيه
هارونُ بضم النُونِ ، ويكون المعنى وقال موسى لأخيه ، يا هَارون
(اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي).
* * *
(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
(وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا).
أي للوقتِ الذي وقَتْنَا له.
(وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ).

(2/372)


كلم الله موسى تكليماً . خصَّه اللَّهُ أنه لم يكن بينه وبين الله جل ثناؤه
وفيما سَمِعَ أحَدٌ ، ولا مَلَك أسْمَعه اللَّهُ كَلَامَهُ ، فلما سمع الْكَلاَمَ
(قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ).
أي قد خاطبتني من حيْثُ لا أراك ، والمعنى أرني نفْسَك.
وقوله : (أَرِنِي أَنْظُرْ) مجزوم جواب الأمر.
(قَالَ لَنْ تَرَانِي) ولن نفي لما يستقل.
(وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي).
(فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ).
أي ظهر وبان.
(جَعَلَهُ دَكًّا).
يجوز " دكًّا " بالتنوين ، ودَكَاءَ بغَير تنوينٍ ، أي " جَعله مَدْقُوقاً مع الأرض.
يقال دككت الشيءَ إِذا دققته ، أدُكه دَكًّا ، والدكَّاءُ والدَّكاوَاتُ الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها ، لا تبلغ أن تكون جبلا.
وقوله : (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا).
(صَعِقًا) منصوب على الحال ، وقيل إِنه خرَّ مَيِّتاً ، وقيل خرَّ مَغشياً عليه.
(فَلَمًا أفَاقَ).
ولا يكاد يقال للميت قد أفاق من مَوْته ، ولكن للذي غشي عليه والذي
يذهب عقله قد أفاق من علته ، لأن الله جلَّ ثناؤُه قال في الذين ماتوا :
(ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ).
وقوله : (قَالَ سُبْحَانَكَ).

(2/373)


أي تنزيهاً لك من السوءِ.
جاءَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن قوْله " سبحان اللَّه "
تنزيه للَّهِ من السوءِ.
وأهل اللغة كذلك يقُولون من غير مَعْرِفةِ بما فيه.
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن تفسيره يجمعون عليه.
* * *
وقوله : (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ).
أي أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لا ترى في الدنيا.
هذا معنى (أرني انظرْ إِليك) إِلى آخره الآية ، وهو قول أهل الْعِلْم وأهل
السنة.
وقال قوم : معنى (أرني أنْظُر إِليك) ، أرني أمراً عظيماً لا يُرَى مِثْلُه في
الدنيا مما لا تحتمله بنية موسى ، قالوا فأعلمه أنَّه لن يرى ذلك الأمْر ، وأن
معنى . (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) : تجلى أمر رَبِّه.
وهذا خطأ لا يعرفه أهل اللغة ، ولا في الكلام دليل أن موسى أراد أن
يرى أمراً عظيماً من أمْرِ اللَّه ، وقد أراه اللَّه من الآيات في نفسه ما لا غاية
بَعْدَه.
قد أراه عصاه ثعباناً مبيناً ، وَأراه يده تخرج بيضاءَ من غير سوءٍ وكان
أدم ، وفرَق البحر بعصاه . فأراه من الآيات العظام ما يستغنى به عن أن
يطلبَ أمراً من أَمر الله عظيماً ، ولكن لما سَمِعَ كلام الله قال : رب أرني أنظُر
إِليك ، سمعت كلامك فأنا أحب أن أراك . فأعلمه الله جل ثناؤُه إنَّه لن يراه.
ذم أمره الله أن يشكره ، فقال :
(يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144)
أي اتخذتك صفوةً على الناس.
(بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي).

(2/374)


ولو كان إِنما تَبعَ كَلَامَ غير الله لما قال برسالاتي وبكلامي ، لأن
الملائكة تنزل إلى الأنبياءِ بكلام اللَّه.
وقوله : (فَخُذْ مَا آتيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرين).
ثم أعلَم اللَّه جل ثناؤه أنَّه قد أعطاه من كل شيءٍ يحتاج من أمر الدِّين
مع ما أراه من الآياتِ فقال جلَّ وعزَّ :
(وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
وقيل في التفسير إِنهما كانا لوحين . ويجوز في اللغة أن يقال للوحين
ألواح . ويجوز أن يكون ألواح جمع أكثَر مِنَ اثْنَين.
وقوله : (فَخُذْهَا بِقُوة) أي خُذْها بقوةٍ فى دينك وَحجتِكِ.
وقوله : (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا).
في هذا وجهان ، وهو نحو قوله : (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)
ونحو قوله : (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ).
فيحتمل وجْهيْن :
أحدهمَا أنَّهمْ أمِروِا بالخيْرِ ونُهُوا عن الشرِ ، وعرفوا مَا
لَهم فِي ذَلِكَ ، فقيلَ (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا)
ويجوز أن يكون نَحوَ ما أمِرْنا به من الانتصار بعد الظلم ، ونحو القصَاص في الجرُوح إِذ قال : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
(وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41).
فهذا كله حَسَنٌ والعفو أحسنُ من القِصاصِ والصَبْرُ أحسن من
الانتصار.

(2/375)


وَقَوله : (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)
أي اجعَلُ جزاءَهم الِإضْلالَ عن هداية آياتي.
ومعنَى (يَتَكَبَّرُونَ) أي أنهم يرون أنهم أفضَلُ الخلقِ وأن لهم من الحق ما ليس لغيْرِهِم.
وهذه الصفة لا تكون إِلَّا للَّهِ جلَّ ثناؤُه خاصةً لأن الله تبارك وتعالى هو الذي له القدرَة والفضلُ الذي ليس مثله ، وَذَلِكَ يَسْتحقُ أن يقال له : المتكَبر ، وليس لأحدٍ أنْ يتكبر لأن الناس في الحقوق سواء.
فليس لأحدٍ مَا ليْسَ لِغَيره واللَّه جل ثناؤُه المتكبرُ.
أعلم الله أن هُؤلاءِ يتكبرون في الأرض بغير الحق.
وقوله : (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا).
وسبيل الغى هو سبيل الضلال ، يقال : غوَى الرجل يَغْوِي غيًّا وهو غاوٍ
إذا ضَل.
وقوله : (ذَلِكَ بأنَّهُمْ كذَّبوا بآياتِنا).
" ذَلِكَ " يصلح أن يكون رفعاً ، أيإِن أمرَهم ذلك ، ويجوز أن يكون
نصباً على معنَى فَعَل اللَّهُ بهم ذلك بأنهم كذبوا بآياتِنَا.
(وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلينَ).
" غافلين " يصلح أن يكون - واللَّه أَعلم - كانوا في تركهم الِإيمان بها
والنظَرِ فيها والتدبر لها بمنزلة الغافلين.
ويجوز أن يكون (وكانوا) عن جوابها غافلين كما تَقول : ما أغفَلَ فلاناً عما
يُرَادُ به.
* * *
وقوله : (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)
و (مِنْ حُلِيِّهِمْ) ومن حِلِيِّهِمْ .

(2/376)


فمن قرأ من (حَلْيِهم) فالحَلْيُ اسم لمَّا يُحَسَّن به من الذهب والفضة.
ومن قرأ (من حُلِيَهِمْ) بضم الحاءِ - فهو جمع حَلْيٍ على حُلِيٍّ مثل حَقْوٍ
وحُقِيٍّ ، ومن كسر الحاءِ فقال - من حِلِيِّهِمْ - أتْبَعَ الحاءِ كسر اللام.
ومعنى (من بَعْده) أي من بعد ما جَاءَ الميقات ، وخَلفَه هارون في قومه.
وكان لهم حَلْيٌ يجمعونه في أيام زِينتهم ، وكان لِلْقُبةِ حَلى عند بني إِسرائيل.
فقال لهم السامري ، وكانَ رجلًا مطاعاً فِيهم ذَا قَدْر ، وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إِلهاً يعبدونه كما رأوا قوم فرعون يَعْبًدُون الأصنامَ.
فجمع السامِرِي ذلك الحلى ، وهو قولهم :
(وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا) أي ألقيناها.
(فكذَلِكَ ألقَى السَّامِرِيُّ) أي وكذلك طرح السَّامِرِيُّ ما كان عندَه
من الحلي فصاغه في العجل.
فقال اللَّه تعالى :
(وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا).
والجسد هو الذي لا يعقل ولا يميز ، إِنما معنى الجَسَد معنى الجثة
فقط.
(لَهُ خُوَارٌ) : أي له صوت.
وقيل له خوار - بالحاءِ والجيم - وكلاهما من الصوت ، وكان قد عمله.
كما تعْمَل هذه الآلات التي تصوِّت بالْخَيْلِ ، فجعله في بيت وأعلمهمُ أن
إلَهَهمْ وإِله موسى عندى.
ويقال في التفسير إِنَّه سُمِعَ صَوْته مرةً واحدةً فقط.
فقال الله عزَّ وجلَّ :

(2/377)


(أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا).
أي لا يُبَين لهم طريقاً إِلى حجة.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)
يقال للرجل النادم على مَا فَعَلَ الْخَسِر عَلَى ما فرط منه ، قد سُقِطَ في
يده وأسْقِطَ ، وقد رُوِيتْ سُقِطَ في القراءَة ، فالمعنى : ولما سقط الندم في
أَيديهم ، كما تقول للذي يحصل على شيء - وَإِنْ كَانَ مما لا يكون في اليد - قد حصل في يده من هذا مكروه ، تُشَبِّهُ ما يحصُل في القلب وفي النفس بما
يرى بالعَيْنِ.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)
(غَضْبَانَ) منصوب على الحال ، وهو على مثال فعلان ، وله فَعْلى نحو
غَضْبَى - لم ينصرف ، لأن فيه الأَلفَ والنونَ ، كألفي حمراء ، والأسف :
الشديد الغضب ، قال الله جلَّ وعزَّ : (فَلَما آسَفُونَا انتقمنا منهم) ، أي فلما
أغضبونَا.
وقوله : (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ).
يقال عجلت الأمر والشيءَ سبقته ، وأعجلته استحثثته.
(قَالَ ابْنَ أُمَّ).
بالفتح وإِن شئت بن أُمِّ بالكسر ، فمن قَالَ ابْنَ أُمَّ بالفتح فإِنه إِنما فتحوا
في ابْنَ أُمِّ وابن عم لكثرة استعمالهم هذا الاسم.
وأن النداءَ كلام محتملٍ للحذف فجعلوا " ابن " و " أمَّ " شيئاً واحداً نحو خمسة عشر.
ومن قال ابن أمِّ - بالكسر - فإِنه أضافه إِلى نفسه بعدَ أن جعله اسماً واحداً ، ومن العرب من

(2/378)


يقول : يا ابن أمِّي بإثباتِ الياء.
قال الشاعر :
يا ابن أمي ويا شُسقَيقَ نَفْسِي . . . أنْتَ خَليْتَنِي لَدَهْر شَدِيد
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)
المعنى اتخذوا العجل إِلهاً.
وقوله : (وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
لحقتهم الذلة أنهم رأوا أنهم قد ضلوا وذَلًّوا ، والذَلَّةُ هو ما أمروا به مِنْ
قَتْل أنفُسِهِمْ ، وقيل إن الذَلَّة أخذ الجزيةِ ، وأخذ الجزية لم يقع في الذين
عبدوا العجل ، لأن الله جلَّ وعزَّ تاب عليهم بِقَتْلِهِمْ أنفُسهمْ.
* * *
وقوله : (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)
يقال سكت يسكُتُ سَكْتاً إِدْا هو سكن ، وسكت يسكتُ سُكُوتاً وَسَكْتاً
إِذا قطع الكلام ، ويقال : رجل سِكِّيت بيّنَ السُّكُوت والساكوتةِ إِذا كان كَثِيرَ السكوتِ ، وأصاب فلاناً سُكَّات إِذا أصابه داء منعه من الكلام ، والسُّكَيْتُ - بالتخفيف والتشديد - الذي يجيء آخِرَ الْخَيْلُ.
وروى بعضهم : " ولما سُكِتَ عن موسى الغضبُ " ولا تقرأن به لأنه خلاف المصحف.
قول بعضهم : (وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ) معناه : وَلَمَّا سَكَتَ موسَى عن الغضب ، على القلب ، كما قالوا : أدخَلْتُ الْقَلَنْسوَّةَ في رَأْسِي.
المعنى أدْخلت رأسي في الْقَلَنْسُوَةِ.
والقول الذي معناه سكن قول أهل العربية.
* * *
وقوله : (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)

(2/379)


معناه واختار موسى من قومه ، وكان موسى اختار من اثني عشر سِبطاً من
كل سبطٍ ستة رجال ، فبلغوا اثنين وسبعين رَجُلاً فَخَفَّفَ منهم رَجليْن.
ومعنى اختار قومه ، اختار من قومه فحذفت " من " وَوُصِلَ الفعلُ فَنُصِبَ.
يقال اخترت من الرجال زيد واخترت الرجال زيداً.
وأنشدوا :
ومنا الذي اختارَ الرجالَ سماحة . . . وجوداً إِذا هب الرياح الزعارع
وقوله : (فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ).
وهي الحركة الشديدة والزلزلة الشديدة.
يقال إِنه رجف بهم الجَبل فماتوا فقال :
(قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ).
أي لو شئت أمتَّهم من قبل أن تأْتيهم بما أوْجَبَ عليهم الرجفة.
* * *
وقوله : (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)
(إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ).
معناه تُبْنَا إِليك.
(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ).
أَي كل ما خَلَقْته فبرحمتي وفضلي يعيش ، فمعناه ورحمتي وَسِعَتْ كل
شيءٍ في الدنيا.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (فسَأَكتُبها للذينَ يَتَقُونَ).
في الآخرة ، أي أجازيهم بها في الآخرة .

(2/380)


قوله عزَّ وجلَّ : (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)
الْأُمِّيُّ : هو على خلقة الأمَّة ، لم يتعلم الكتاب فهو على جِبِلَّتِهِ.
وقوله : (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ).
وهذا أَبلغ في الاحتجاج عليهم لأنه إخبار بما في كُتُبهم.
والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يكتب ولا قرأ التوراة والِإنجيلَ ، ولا عَاشَر أهلَهما فإتيانه بما فيهما من آيات الله العظام.
ومُحال أن يجيءَ مُدَّع إِلى قوم فيقول لهم ذِكْرِي في
كتابكم ، وليس ذلك فيه . وذكره قد أنبأ من آمن من أهل الكتاب به.
وقوله : (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ).
يجوز أن يكون (يَأْمُرُهُمْ) مستأنفاً.
وقوله : (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ).
أي يحل لهم ما حُرِّمَ عليهم من طيباتِ الطَّعام.
ويجوز (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ) أي ما أخذ مِن وجْههِ طيِّباً.
(وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ).
والإصر ما عقدته من عَقْد ثقيل.
(وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)
والأغلال تمثيل ، أَلا ترى أنك تقول : جعلت هذا طوقاً في عُنقِك.
وليس هناك طوق ، وإِنما تأويله أني قَدْ وَلَّيتُكَ هذا وألزمتك القِيَامَ بِه ، فجعلتُ لزومَه لك كالطوق في عنقك.
والأغلال التي كانت عليهم : - كان عليهم أَنه من قتَلَ قُتِل ، لا يُقْبَلُ في
ذلك ديَة ، وكان عليهم إِذا أَصاب جلودَهُم شيءُ من البَوْل أَن يَقرِضُوه ، وكان عليهم ألا يَعْمَلُوا فىِ السبْتِ . فهذه الَأغْلال التي كانت عليهم .

(2/381)


وقوله : (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ).
أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم -.
(وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ).
اختلف أهل اللغة في معنى قوله : (وَعَزَّرُوهُ) وقوله : عَزَرْتُ فُلاناً أعزرُه
وأعزُره عزْراً ، قال بعضهم : معنى عَزَرْته رَدَدتُه ، وقال بعضهم معنَى عَزْرتُه
أَغَثْتُه ، وقال بعضهم : يقال عَزَرْتُ الرجلَ أعزِرُه إِذا لمتُهُ ، ويقال عزَّرْت فلاناً ، قال بعضهم عَزَّرْتْ فُلاناً نصرتُه ، وقال بعضهم منِعتُ منه.
فالمعنى : (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ) معنى عزَّروه منعوا أعداءه من الكُفْرِ به.
وقال بعضهم : عَزَّروه بمعنى نصروه ، والمعنى قريب لأن مَنْعَ الأعداء منه
نصرته.
ومعنى عزَّرْتُ فلاناً إِذا ضَرَبْتُه ضرباً دونَ الحدِّ ، يمنعه بِضَرْبه إِياه عن
مُعَاودَةِ مثل عمله.
وقوله : عَزَّرْتُه رَدَدْتُه يجوز أن يكون منه التعزيز ، أي فَعَلْتُ به ما يَرُدُّه عَنْ
المعْصيَةِ.
وقوله : (وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ).
أي واتَبَعَوا الحقَّ الذي بيانه في القلوب كبيان النورِ في العيون.
* * *
وقوله : (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)
أَي يَدْعُونَ الناس إِلى الهداية بالحق.
(وَبِهِ يَعْدِلُونَ).
أَي وبالحق يحكمون.
وقوله : (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)
(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا)
ويجوز عَشِرَةَ- بكسر الشين - المعنى قطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسْبَاطاً

(2/382)


من نعت " فرقة " كأنه قال : جَعَلْنَاهم أسباطاً وفرقناهم أَسْبَاطاً فيكون أَسباطاً
بدلاً من اثنتي عشرة . وهو الوجه.
وقوله : (أُمَمًا) من نعت (أَسباطاً).
قال بعضهم : " السِّبْطُ القرن الذي يجيءَ بَعْدَ قَرْنٍ ، والصحيح أَن
الأسباط في وَلَدِهِ إِسحاق بمنزلة الْقَبَائِل في وَلَدِ إِسْمَاعِيل " فَوَلَدُ كُل من وُلِدَ
من أولاد يعقوب سبط وَوَلَدُ كُل من وَلَدِهِ من وَلَدِ إِسماعيل قبيلة.
وإِنما سُمِّيَ هُؤلاءِ بالأسْبَاطِ ، وهؤُلاءِ بالقبائل ، لِيُفْصَل بين وَلدِ إِسْمَاعِيلَ وَوَلَد إِسْحَاقَ.
ومعنى القبيلة من وَلَدِ إِسماعيل معنى الجماعة يقال لِكل جماعة مِنْ
وَلدٍ قَبِيلَة وكذلك يقال لكل جمع على شيء واحد :
قبيلٌ ، قال اللَّه جلَّ وعزَّ : (إنَهُ يَرَاكمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ من حيث لا تَرَوْنَهُمْ).
فأما الأَسباط فهو مُشْتَق من السَّبَطِ ، والسُّبَطُ ضرب من الشَجر تُعْلفُة الِإبِلُ ، ويقال للشجرة لها قبائلُ.
فكذلك الأسباطُ من السَّبَط . كأنه جعَلَ إِسحاق بمنزلة شجرة ، وجعِلَ إسماعيلُ بمنزلة شجرة.
وكذلك يَفْعَلُ النسابُونَ في النسب يجعلون الوالد بمنزلة الشَّجَرَةِ
ويجعلون الأولاد بمنزلة أغصانها ، ويقال : طُوبِىَ لِطرْحِ فلانٍ ، وفلان من
شجرةٍ صَالِحَةٍ - فهذا - واللَّه أعلم - معنى الأسبَاطِ والسِّبْطِ.
* * *
وقوله جلّ ثناؤه : (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)

(2/383)


السؤَال على ضربين ، فأحد الضربين أن قال لِتَسْتَخْبرَ عما لَا تَعْلَمُ
لَتَعْلَمَ ، والضرب الثاني أن تسأل مستخبراً على وجه التقرير ، فتقولُ للرجُلِ أنا فعلتُ كذا ؛ وأنت تعلم أنك لم تفعل ، فإِنما تسأله لِتُقَررَهُ وَتُوَبخَهُ.
فمعنى أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل أهل الكتاب عن أهل هذه القرية - وقد أخبر الله جلَّ ثناؤُه
بِقِصتِهَا لِيُقررَهُم بقديم كفرهم ، وأن يُعْلِمهُمْ ما لا يُعْلم إِلَّا بكتاب أو وَحْىِ.
(إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ).
أي إِذ يظلمون فِي السبْتِ ، يقال أعَدَا ، فلان يَعدُو عُدْواناً ، وعِدَاءَ
وَعَدْواً ، وَعُدُوًّا - إِذَا ظَلَمَ.
وقوله : (إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ).
حيتان - جمع حوتٍ ، وَأكْثرُ ما تسَمًي العربُ السمَك الْحِيتَانَ
والنينان.
(إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ)
موضع " إِذ " نصبٌ ، المعنى سَلْهُم عن عُدُوهِمْ في السبْتِ ، أي سلهم عن
وقت ذلك.
(إِذ تَأَتِيهِمْ).
في موضع نصبٍ أَيْضاً ب (يعدون).
المعنى سلهم إِذ عَدَوْا في وقت الِإتْيانِ.
(شُرَّعًا).
أي ظاهرة ، وكانت الحيتان تأتي ظاهرة فكانوا يحتالون بِحَبْسِها في يوم
السبت ثم يأْخذونها في يوم الأحدت ويقال إِنهم جاهروا بأخذها في يوم
السبتِ .

(2/384)


وقوله : (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
أي مثل هذا الاختبار الشديد نختبرُهُمْ.
وموضع الكاف نصب بقوله : (نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).
أي شددت عليهم المحنة بِفِسْقِهِمْ . ويحتمل - على بعد - أن يكون :
ويومِ لا يَسْبِتونَ لا تأْتيهم كذلك أي لا تأْتيهم شرعاً ، ويكون نَبلوهم
مستأْنفة ، وذلك القول الأول قول الناس وهو الجَيِّد.
* * *
(وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164)
الأصل لِمَا ، ولكن الألف تحذف مع حروف الجر نحو لِمَ وعَم وَبِمَ.
قال اللَه تعالى : (فبِمَ تُبَشِّرُونَ) ، (عَمَ يَتَسَاءَلُونَ).
ومعنى الآية أنهم لَامُوهُمْ في عظة قوم يعلمون أنهم غير مُقْلِعينَ.
هذا الأغلَب عليْهمِ في العلم بهم.
(اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا).
ومعنى (أَوْ) - واللَّه أعلم - أنهم أخبروهم - على قدر ما رأوا من
أعمالهم - أنهُم مًهْلَكُون في الدنيا أو معذبونَ في الآخرة لا محالة.
وقوله : (قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ).
المعنى قالوا موعظتنا إِياهم معذرة إِلى ربكم وَلَعَلهُمْ يتقُونَ.
فالمعنى أنهم قالوا : الأمر بالمعْروف وَاجبٌ علينا ، فعلينا موعظة هؤلاءِ
لعَلهُمْ يتقونَ ، أي وجائز عندنا أَن ينتفعوا بالمعذرة

(2/385)


ويجوز النصْبُ في " مَعْذِرَة " فيكُون المعنَى في قوله : (قالوا معذرة إِلى
رَبِّكم) على معنى يعتذرون مَعْذِرةً.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)
(نَسُوا) يجوز أن يكون في معنى تركوا ، ويجوز أن يكون تركهم بمنزلة
من نَسِيَ.
وقوله : (أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ).
أي شديد ، يقال بَئِس يَبؤُس بَأساً إِذَا اشْتَد ، وقيل إِنَّ القوم كانوا ثَلاثَ
فِرقٍ ، فرقةٌ عملت بالسوءِ ، وفرقة نهت عن السوءِ ، وفرقةٌ أمسكت عن النهي.
وقيل كانوا فرقتين ، فرقة نَهتْ عن السوءِ وفرقة عملت بالسوءِ ، وبعض الفرقة التي فيها من نهى عن السوءِ مؤمن غير راض بما فَعَل أهلُ السُّوءِ فدخلوا في النجاة مع الذين ينهون عن السوءِ ، ونَزَلَ العَذابُ بالذِينَ عَدَوْا في السبت.
* * *
وقوله : (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166)
العاتي : الشديدُ الدخولِ في الفساد ، المتمرد الذي لا يَقْبَلُ موعِظة.
وقوله : (قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
جائز أن يكونُوا أمروا بأن يكونوا كذلك بقول سُمِعَ ، فيكون أبلغ في
الآية والنازلة بِهِمْ ، وجائز أن يكون " فقلنا لهم " من قوله :
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82).
ومعنى " خَاسِئينَ " : أي مُبْعَدِينَ .

(2/386)


وقال قوم : جائز أن تكون هذه القردة المتوَلِّدةُ أصلها منهم
وقال قوم المسخُ لا يبقى ولا يَتَولد ، والجملة أنا أخْبِرْنَا بأنهُمْ جُعِلُوا قردة ، والقِردةُ هي التي نعرفها.
وهي أكثر شيءٍ في الحيوان شبهاً بابن آدم ، واللَّهُ أعلم كيف كانَ
أمْرُهُمْ بعدَ كونهم قِرَدَة.
* * *
وقوله : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)
قال بَعضهم : تَأَذَّنَ : تَألَّى ربك ليبعثن عَليْهم ، وقيل : إن تَأَذَّنَ أعلم.
والعرب تقول : تعلم أن هذا كذا ، في معنى أعلم.
قال زهير :
تَعلَّمْ أن شرَّ الناسِ حي . . . ينادي في شعارهمو يسار
وقال زهير أيضاً :
فقلت تَعَلَّمْ أن للصيد غِرةً . . . وإِلا تضيعها فإنك قَاتله.
وقوله : (لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ).
أي من يوليهم سوءَ العذاب.
فإِن قال قائل قد جعلوا قِردةً فكيف يبْقَون إِلى يوْمِ القِيَامَةِ ؟
فالمعنى أن الذكر لليهودِ ، فمنهم من مُسخ ، وجُعِل منهم القِردة والخنَازيرَ ومن بقي فمعانِدٌ لأمر اللَّه ، فهم مُذَلُّون بالقتل ، إِلا أن يُعْطُوا الجزية ، فهم مذَلَّون بها وهم في كل مكان أذلُّ أهلِه.
قال الله عزَّ وجلَّ : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ).

(2/387)


أي إِلا أن يعطوا الذَمَّةَ والعَهدَ.
* * *
وقوله : (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)
يقال للذي يجىءُ في أثر قرنٍ خَلْف.
والخَلَفُ ما أخْلفَ علَيْكَ بدَلًا مما أخذ منك ، وُيقَالُ : في هذا خَلَفٌ أيضاً ، فأمَّا ما أخلف عليك بدلًا مما ذهب منك فهو الخَلَفُ بفتح اللام.
وقوله : (وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى).
قيل إنهم كانوا يَرْتَشون على الحكم ، ويحكمون بجورٍ ، وقيل إِنهم كانوا
يرتشون ويحكمون بحق ، وكل ذلك عرَضٌ خسيس.
وقوله : (وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ).
فالفائدة أنهم كانوا يذنبون بأخذهم الرشِيَ ، ويقولوا سيغفر لنا من غير
أن يَتُوبُوا ، لأن قوله : (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ)
دليل على إِصرارهم على الذنب ، واللَّه جلَّ وعزَّ وَعَدَ بالمغْفِرَةِ في العظائم التي توجب النار مع التوبة . فقال :
(أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ).
أي فهم ذاكرون لما أخِذَ عليهم.
* * *
وقوله : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)
" الذين " في موضع رفع ، وفيها قولان ، أعني في (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) ، قال قوم : إِنا لا نضيع أجر المصلحين منهم ، وهو الذي نختار

(2/388)


لأن كل من كان غير مؤمن وأصلح فأجره ساقط ، قال اللَّه جلَّ وعزَّْ :
(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ).
وقال : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4).
فالمعنى : (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ) أي يؤمنون به ، ويحكمون بما فيه
إنا لا نضيع أجر المصلح منهم والمصلح المقيم على الِإيمان المؤَدَّى
فرائضه اعتقاداً وعَمَلاً ، ومثله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)
أي لا نضيع أجر من أحسن منهم عمَلاً.
وقال قوم : المصلحون لفظ يخالف لفظ الأول ، ومعناه معنى الأول فَعَادَ
الذكر في المعنى وإن لم يكن عائداً في اللفظ ، ولا يجيز هؤلاءِ زيد قام أبو
عمرو . لأن أبا عمرو لا يوجبه لفظ زيد.
فإن قال قائل : المؤْمن أنا أكرم من اتقى اللَّه ، جاز ، لأن معنى من اتقى
اللَّه معنى المؤمن ، فقد صار بمنزلة قولك زيد ضربته ، لأن الذكر إِذا تقدَّم
فالهاء عائدة عليه ، لا محالة ، وإِن كان لفظها غير لفظه ، لأن ضمير الغائب لا
يكون إلا هاءً في النصبِ.
* * *
وقوله : (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

(2/389)


موضع (إِذ) نصب . المعنى واذكر (إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ).
(مِنْ ظُهُورِهِمْ) بَدل من قوله : (مِنْ بَنِي آدَمَ) المعنى وإذ أخذ ربك
ذُزيتِهُمْ وذرياتِهمْ جميعاً.
وقوله : (وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى).
قال بعضهم : خلق اللَّه الناسَ كالذَّرِ من صلب آدَمَ ، وأشهدَهُمْ على
توحيده ، وهذا جائز أن يكون جعل لأمثَال الذَّرِ فهْماً تعقل به أمره.
كما قال :
(قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)
وكما قال : (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ).
وكل مولودٍ يُولَدُ على الفطرة معناه أنه يُولَدُ وفي قلبه توحيد
اللَّه ، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه.
وقال قوم : معناه أنَّ الله جَل ثَنَاؤُه ، أخرج بني آدم بعضهم من ظهور
بعض.
ومعنى (وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهم ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ).
أن كلَّ بالغ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ واحدٌ ، لأن كل ما خلق الله تعالى دليل على
توحيده ، وقالوا لولا ذلك لم تكن على الكافر حجة.
وقالوا فمعنى (وَأشْهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهم ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ) دَلَّهُمْ بخَلْقِه على توحيده.
* * *
وقوله : (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)
هذا نسق على ما قبله ، المعنى اتلُ عليهم إِذ أخذ ربك من بني آدم.
واتْلُ عَليهْمْ نبَأ الذِي آتَيْناهُ آياتِنَا فانْسَلَخَ منْها).
هذا فيه غير قول ، قيل إِنه كان عنده اسم اللَّه الأعظَم فدعا به على

(2/390)


موسى وأصحابه ، وقيل إنه أمَيَّةُ بن أبِي الصلت ، وكان عنده علم من الكتب ، وقيل إنه يعني به منافقو أهل الكتَاب.
وقوله : (فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ).
أي الفاسدين الهالكينَ.
* * *
وقوله : (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)
أي لو شئنا أن نحول بينه وبين المعْصِيةِ لفعلْنا ، (وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ).
معناه ولكنه سكن إلى الدنيا ، يقال أخْلدَ فلان إلى كذا وكذا ، وخلد إلى
كذا وكذا ، وأخْلدَ أكْثرُ في اللغة ، والمعنى أنه سكن إلى لذات الأرْض.
(وَاتبَعَ هَوَاهُ).
أي لم يرفعه بها لاتباعه هواه.
وقوله : (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ).
ضرب اللَّه عزَّ وجلَّ : بالتارِك لآياته والعَادِلِ عنها . أحسن مثل في أخَسِّ
أحْوالِه ، فقال عزْ وجل : (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) إذا كان الكلب لهثان ، وذلك أن الكلب إذا كان يلهث فهو لا يقدر لنفسه على ضَر وَلَا نَفْع ، لأن التمثيل به على أنه يلهث على كل حال حملت عليه أوتركته ، فالمعنى فمثله كمثل الكلب لاهثاً ثم قال :
(ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا).
* * *
وقال : (سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)
المعنى : ساءَ مثلاً مَثَلُ القوْم.
* * *
وقوله : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)
(أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
وصفهم بأنهم لا يُبْصرون بعُيُونهِم ولا يعقلون بقلوبهم . جَعَلَهُم في

(2/391)


تركهم الحق وإعراضهم عنه ، بمنزلة من لا يُبْصر ولا يعقل.
ثم قال جلَّ وعزَّ (بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
وذلك أن الأنعام تُبْصرُ منافِعَها ومضارَّها فتلزم بعض ما لا تُبصِرُه.
وهُؤلاءِ يعلم أكثَرُهُمْ أنَّه مُعَاندٌ فيقدمُ عَلى النَار.
وقال جلَّ وعزَّ : (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ)
أي على عمل أهل النار.
* * *
وقوله : (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)
لا ينبغي أن يدعوه أحد بما لم يصف نفسه به ، أو لم يسم به نَفْسَه.
فيقول في الدعاءِ . يا الله يَا رَحْمَنُ يَا جَوَادُ ، ولا ينبغي أن يقول :
" يا سبحان " لأنه لم يصف نفسه بهذه اللفظة . وتقول يا رحيم ، ولا
يقول : يا رفيق ، وتقول يا قوي ، ولا تقول يا جَلْدُ.
* * *
وقوله : (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)
أي ألم يَسْتدِلوا بما أنبأهم به من ملكوت السَّمَاواتِ والأرْض.
(وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ).
أي إن كانوا يُسَوفُونَ بالتوبة فعسى أن يكون قدْ اقترب أجَلهُمْ.
فالمعنى : أولمْ ينظروا فيما دَلَّهم اللَّه جل ثناؤه على توحيده فكفروا به
بذلك فَلعلَّهُم قد قرُبَتْ آجالُهم فيموتون على الكفر.
(فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ).

(2/392)


وقوله : (مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)
الطغيانُ : الغلو في الكفر.
ويعمهون : يتحيَّرون.
ويجوز الجزمُ والرفعُ في (يَذَرُهُمْ). فمن جَزَمَ عطف على موضع الفاء.
المعنى من يضلل الله يذرهُ في طغيانه عَامهاً.
ومن قرأ (ويذَرُهُمْ) فهو رفع على الاستئناف.
* * *
وقوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)
والساعة ههنا التي يموت فيها الخلق.
ومعنى مُرساها مُثَبِّتها ، يقال - رسا الشيء يرسو إِذا ثبت فهو راسٍ
وكذلك جبالٌ راسيات ، أي ثابتات . وأرْسيْته إِذا أثبتُّه.
فالمعنى يسألونك عن الساعة متى وقوعها.
وقوله : (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ).
أي لا يظهرها في وقتها إلا هو.
ومعنى : (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
قيل فيه قولان ، قال قوم : (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) ثقل وقوعها
على أهل السماوات والأرْضِ.
ثم أعلم جلَّ ثناؤه كيف وقوعها فقال جلَّ وعزَّ :
(لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً).
أي إلا فجأة.
وقوله : (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا).
المعنى - واللَّه أعلم - يسألونك عنها كأنك فَرحٌ بسَؤالهم ، يقال تحفيتُ بفلان

(2/393)


في المسْألَةِ إِذا سألت سؤالًا أظهرت فيه المحببَّةَ والبِربهِ ، وأحْفَى فُلان بفُلانٍ
في المسألة ، وإِنما تأويله الكثرة ويقال حَفِت الدَّابَّةُ تَحْفَى حَفىً ، مَقْصُور إذا
كثر المشي حتى يؤلمها
والحفاء ممدود أن يَمْشِيَ الرجُلُ بغيرِ نَعْلٍ.
وقيل : (كَأنَّكَ حَفِيٌ عَنْهَا) ، كأنك أكثرت المسألة عنها.
وقوله : (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ).
مَعْنَى (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) لا يعلمها إِلا هوَ.
* * *
وقوله : (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)
(وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ).
أي لادَّخَرتُ زمن الخِصْبِ لزمن الجَدْب.
وقيل (لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أي لو كنتُ أعلم ما أسأل عنه من الغيب في
الساعة وغيرها.
وقوله : (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).
أي لم يَلْحَقْني تكذيبٌ.
وقيل أيضاً : (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) أي ما بي من جُنُون ، لأنهم نسبوا
النبي - صلى الله عليه وسلم - إِلى الجنون ، فقال : (وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
ثم بَيَّن لهم مادَلَّهُم عَلى توحيدِ الله عزَّ وجلَّ فقال :
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ).
يعني آدمَ.
(وجَعَلَ مِنْها زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)
(فَلَمَّا تَغَشَّاهَا) .

(2/394)


كناية عن الجماع أحسن كناية.
(حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً).
يعني المَني ، والحمْل ما كان في البَطْن - بفَتْح الحاءِ - أو أخرجَته
الشجرة ، والحمْلُ بكسر الحاءِ ما يُحْمَلُ.
وقوله : (فَمَرَّتْ بِهِ).
معنى مرت به استمرت ، قعدت وقامت لَمْ يُثْقِلهَا.
(فَلَمَّا أَثْقَلَتْ).
أي دَنت ولَادَتُها ، لأنه أولَ أمره كان خفيفاً ، فلما جُعِل إنساناً ودنت
الولادة أثْقلتْ.
وقوله : (دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا).
أي دعا آدم وحواءٌ رَبهمَا.
(لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)
يروى في التفسير أنَّ إِبليس - عليه اللعنة - جاء إلى حواءَ فقال : أتدرين
ما في بطنك ؟ فقالت لا أدري ، قال فَلعله بهيمة ثم قال : إن دعوت الله أن
يجعله إِنساناً أتَسمِينَه باسمي ؟ : فقالت ، نعم فسمته عَبْد الحارِث ، وهو
الحارث . وهذا يروى في التفسير.
وقيل إن آدمَ وحواءَ أصْل . فضرب ، هذا مثلاً لمشركي العرب وَعُرَفُوا
كيف بَدَأ الخلقَ ، فقيل فلما آتاهما اللَّه - لكل ذَكر وأنْثى - آتاه اللَّهُ ولداً ذكراً أو أُنثى - هو خَلَقَه وصوَّره .

(2/395)


(جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ) يعني الذين عبدوا الأصنام.
(فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
الأول هو الذي عليه التفسير ، ومن قرأ " شِرْكاً "
فهو مصدرُ شَرِكْتً الرجلَ أشركه شِرْكاً.
قال بعضُهم : كان يَنْبغِي أنْ يكونَ على قراءَة من قرأ شِرْكاً جعلا لَغَيرِه
شِرْكاً ، يقول لأنهما لا ينكران أن الأصل الله عزَّ وجلَّ فالشرك إِنما يجعل
لغيره ، وهذا على معنى جعلا له ذَا شرْك فحذف ذا مثل (وَاسْأَل الْقَرْيَةَ) (1).
* * *
وقوله : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)
والعفوُ الفضل ، والعفوُ ما أتى بغير كُلْفَة.
(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ).
أي بالمعروف.
(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ).
* * *
وقوله : (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200)
لادنى حركة تكون ، تقوك : قد نَزَغْتهُ إِذَا حركْته.
فالمعنى إِنْ نَالَك مِن الشيطان أدْنى نزغ أي وسْوسة.
وقوله : (مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ).
يقال : طفْت أطُوفُ ، وطاف الخيالُ يَطيفً.
وقوله : (تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ).
أي تفكروا فيما هو أوضح لهم من الحجة.
(فإِذا هم مُبْصِرونَ) على بصيرة.
* * *
وقوله : (وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)
__________
(1) قال الإمام فخر الدين الرَّازي ما نصُّه :
اعلم أنه تعالى رجع في هذه الآية إلى تقرير أمر التوحيد وإبطال الشرك وفيه مسائل :
المسألة الأولى :
المروي عن ابن عباس {هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة} وهي نفس آدم {وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا} أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام من غير أذى {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا} آدم {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَلَمَّا أَثْقَلَت} أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال : ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة وما يدريك من أين يخرج ؟ أمن دبرك فيقتلك أو ينشق بطنك ؟ فخافت حواء ، وذكرت ذلك لآدم عليه السلام ، فلم يزالا في هم من ذلك ، ثم أتاها وقال : إن سألت الله أن يجعله صالحاً سوياً مثلك ويسهل خروجه من بطنك تسميه عبد الحرث ، وكان اسم إبليس في الملائكة الحرث فذلك قوله : {فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما} أي لما آتاهما الله ولداً سوياً صالحاً جعلا له شريكاً أي جعل آدم وحواء له شريكاً ، والمراد به الحرث هذا تمام القصة.
واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه : الأول : أنه تعالى قال : {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة.
الثاني : أنه تعالى قال بعده : {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [ الأعراف : 191 ] وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى ، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.
الثالث : لو كان المراد إبليس لقال : (أيشركون من لا يخلق شيئاً) ، ولم يقل (ما لا يخلق شيئاً) ، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة «من» لا بصيغة «ما» الرابع : أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس ، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى : {وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا} فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث ؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم ؟ الخامس : أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح ، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار.
فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله : {وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا} [ البقرة : 31 ] وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس ، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها السادس : أن بتقدير أن آدم عليه السلام ، سماه بعبد الحرث ، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له ، أو جعله صفة له ، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله.
فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً بالله لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة ، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك ، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم ، وذلك لا يقوله عاقل.
فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه.

إذا عرفت هذا فنقول : في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد.
التأويل الأول : ما ذكره القفال فقال : إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم ، وقولهم بالشرك ، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول : هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية ، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل ، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك.
فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً ، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما ، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين ، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين ، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام.
ثم قال تعالى : {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تنزه الله عن ذلك الشرك ، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد.
التأويل الثاني : بأن يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم آل قصي ، والمراد من قوله : هو الذى خلقكم من نفس قصي وَجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها ، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف ، وعبد العزى ، وعبد قصي ، وعبد اللات ، وجعل الضمير في {يُشْرِكُونَ} لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك.
التأويل الثالث : أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه : الأول : أن المشركين كانوا يقولون إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ، ويرجع في طلب الخير ودفع الشر إليها ، فذكر تعالى قصة آدم وحواء عليهما السلام ، وحكى عنهما أنهما قالا : {لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} أي ذكرا أنه تعالى لو آتاهما ولداً سوياً صالحاً لاشتغلوا بشكر تلك النعمة ، ثم قال : {فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء} فقوله : {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء} ورد بمعنى الاستفهام على سبيل الإنكار والتبعيد ، والتقرير : فلما آتاهما صالحاً أجعلا له شركاء فيما آتاهما ؟ ثم قال : {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام ، ونظيره أن ينعم رجل على رجل بوجوه كثيرة من الأنعام ، ثم يقال لذلك المنعم : أن ذلك المنعم عليه يقصد ذمك وإيصال الشر إليك ، فيقول ذلك المنعم : فعلت في حق فلان كذا وأحسنت إليه بكذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ، ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة والبغي ؟ على التبعيد فكذا ههنا.
الوجه الثاني : في الجواب أن نقول : أن هذه القصة من أولها إلى آخرها في حق آدم وحواء ولا إشكال في شيء من ألفاظها إلا قوله : {فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما} فنقول : التقدير ، فلما آتاهما ولداً صالحاً سوياً جعلا له شركاء أي جعل أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، وكذا فيما آتاهما ، أي فيما آتى أولادهما ونظيره قوله : {واسئل القرية} [ يوسف : 82 ] أي واسأل أهل القرية.
فإن قيل : فعلى هذا التأويل ما الفائدة في التثنية في قوله : {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء }.
قلنا : لأن ولده قسمان ذكر وأنثى فقوله : {جَعَلاَ} المراد منه الذكر والأنثى مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين ، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع ، وهو قوله تعالى : {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ }.
الوجه الثالث : في الجواب سلمنا أن الضمير في قوله : {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما} عائد إلى آدم وحواء عليهما السلام ، إلا أنه قيل : إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفاً على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق.
ثم بدا لهم في ذلك ، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها ، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته.
وهذا العمل وإن كان منا قربة وطاعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فلهذا قال تعالى : {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} والمراد من هذه الآية ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال حاكياً عن الله سبحانه : « أنا أغنى الأغنياء عن الشرك ، من عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته وشركه » وعلى هذا التقدير : فالإشكال زائل.
الوجه الرابع : في التأويل أن نقول : سلمنا صحة تلك القصة المذكورة ، إلا أنا نقول : إنهم سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث ، وقد يسمى المنعم عليه عبداً للمنعم.
يقال في المثل : أنا عبد من تعلمت منه حرفاً ، ورأيت بعض الأفاضل كتب على عنوان : كتابة عبد وده فلان.
قال الشاعر :
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا . . ولا شيمة لي بعدها تشبه العبدا
فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيهاً على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه ، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه ، إلا أنا قد ذكرنا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتباً في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد ، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه الآية.
أ هـ {مفاتيح الغيب حـ 15 صـ 70 - 72}

(2/396)


هذا معناه التًقْدِيمُ ، المعنى (لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).
(وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ).
يعني الشياطين ، لأنَّ الكفار إخوانُ الشياطين ، والْغَيُّ الْجَهْلً ، والوقوع
في الحركة . ويقال أقصر يُقصِرُ ، وقَصَّرَ ، يُقَصر.
* * *
وقوله : (وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
أي هلا اختلقتها ، أي هلا أتَيْتَ بها من نفسك ، فأعْلمَهُم - صلى الله عليه وسلم - أن الآيات من قِبل اللَّه جل ثناؤه.
وقوله : (إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ).
أي هذا القرآن الذي أتَيْت به بصائر من ربكم ، واحدة البصائر بصيرة.
والبصيرة والبصائر طرائق الدَّم ، قال الأشْعَر الْجُعْفِي.
راحوا بصائرهم على أكْتَافِهمْ . . . وَبَصِيرَتي يَعْدُو بها عَتَدُ وَأيُّ
والبصيرة التُّرْس ، وجمعها بصائر.
وجميع هذا أيضاً معناه ظهور الشيء وبيانه .

(2/397)


وقوله : (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)
يروى أن الكلام في الصلاة كان جائِزاً ، فكان يدخل الرجلُ فيقول : كم
صَلَّيْتُمْ فيقال : صلينا كذا . فلما نزلت فاستمعوا له وأنصِتوا حرم الكلامُ في
الصلاة إِلا ما كان مما يتقرب به إِلى اللَّه جل ثناؤُه . ومما ذكَرَتْهُ الفقهاءُ نحو
التسبيح والتهليل والتكبير والاستغفار وما أشبه ذلك . من ذكر الله جلَّ وعز
ومسألته العفو.
ويجوز أن يكون فاستمعوا له وأنصِتُوا ، اعملوا بما فيه ولا تجاوزوا لأن
معنى قول القائل : سمع اللَّه دُعاءَكَ . تأويله : أجاب الله دعَاءَك ، لأن اللَّه
جلّ ثناؤُه سميع عليم.
* * *
وقوله : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205)
(بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
الآصال جمع . أصُلٍ ، والأصل جمع أصيل ، فالآصال جمع الجمع.
والآصال العَشِيات.
* * *
وقوله : (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)
يعنى به الْملاَئكة.
(وَيُسَبِّحُونَهُ) ينزهُونَهُ عَن السوءِ.
فإِن قال قائل : الله جل ثناؤُه في كل مكانٍ ، قال الله تعالى : (وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ)
فمن أين قيل للملائكة : (عِنْدَ رَبِّكَ) ، فتأويله إنَهُ من قَرُب من رحمة الله وَمِنْ تَفَضُلِهِ وإِحسانه .

(2/398)


سورة الأنفال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله جلَّ وعزَّ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)
(الأنْفَال) الْغَنَائِم ، واحدها نَفَل ، قال لبيد :
إِن تقوى ربنا خير نَفَل . . . وبإِذن الله رَيْثِي وَعَجَلْ
وإِنما يَسْألوا عَنْهَا لأنَّهَا فيما رُوِيَ كانت حَراماً عَلَى من كَانَ قبلهم.
ويُروى أن الناسَ في غَزَاةِ بَدْرٍ كانوا قليلين ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لمن جاءَ بأسير غنْماً ومن جاءَ بأسيرين على حسب ذلك.
وقيل أيضاً انه نفل في السرايا فقال الله جلَّ وعز : (الأنفَال للَّهِ والرسُولِ).
* * *
وقوله : (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5)
أي بالحق الواجب ، ويكون تأويله : (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ).
كذلك نَنْفل من رأيْنَا وإِن كرِهوا . لأن بعض الصحابة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين جعل لكل مَن أتى بأسير شيئاً ، قال يبقى أكثر الناس بغير شيءٍ .

(2/399)


فموضع الكاف في " كما " نصب ، المعنى الأنفال ثابتة لك مثل إِخْراج
ربِّكَ إِياك مِن بَيتكَ بالحق.
وقوله : (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).
معنى (ذَاتَ بَيْنِكُمْ) حقيقة وصْلِكُم ، والبَيْنُ : الوَصْلُ ، قال تعالى :
(لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ) أي وصلكم.
فالمعنى : اتقُوا اللَّهَ وكُونوا مُجْتَمعينَ على ما أمر الله ورسُولُه ، وكذلك
اللهم أصلح ذات البَيْن ، أي أصلح الحال التي بها يجتمع المسلمون.
وقوله : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
أي اقبَلُوا ما أمِرْتُمْ بِه في الغنائم وغيرها.
* * *
وقوله : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)
تأويله : إذا ذكِرَت عظمةُ اللَّهِ وقُدْرَتُه ، وما خوَّف به مَنْ عصاه ، وَجلَتْ
قلُوبُهُم أي فَزِعَتْ لذلك قال الشاعِر :
لعمرك ما أدري وإِني لأوجل . . . على أيِّنا تعدو المنية أول
يقال : وَجِل يَوْجل وَجَلاً ، ويقال في معنى يوجَل ياجَلُ يِيجل وييْجَل ،

(2/400)


هذه أربع لغَات حكاها سيبويه وأجودُهَا يَوْجَل ، قال اللَّه عزَّ وجلَّ : (لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53)).
وقوله : (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).
تأويل : الإيمان التصديق ، وكل ما تلى عليهم من عند اللَّه صدقوا به
فزاد تصديقهم ، بذلك زيادَة إيمانهم.
وقوله : (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)
(حَقًّا) منصوب بمعنى دلَّت عليه الجملةُ.
والجملة هي (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ) حقا.
فالمعنى أحُق ذَلك حقا.
وقوله : (لَهُمْ دَرَجَات عِندَ رَبِّهِمْ)
أي لهم مَنَازِل في الرفعة على قدر منازلهم.
* * *
وقوله : (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6)
وعدهم الله جلَّ وعزَّ في غَزَاةِ بدر أنَّهُم يظفرون بأهل مكة وبالعِيرِ وهي
الإبل لِكراهَتِهم القِتالَ ، فَجَادَلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقالوا إنما خرجنا إِلى العير.
وقوله : (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ).
أي وهم كانوا في خروجهم للقتال كأنهم يساقون إِلى الموت لِقلَّة
عدَدهم وأنهم رَجَّالَة ، يروى أنهم إنما كان فيهم فارسان فخافوا.
* * *
وقوله : (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)
المعنى : واذكروا إذ يعدكم الله أن لكم إِحدى الطائفتين .

(2/401)


(أَنَّهَا لَكُمْ) في موضع نَصْبٍ على البدَل من (إحدى) ومثله قرله :
(وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ)
المعنى : ولولا أن تطؤوهم.
وقوله : (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ).
أي تودُّون أنَّ الطائفة التي ليسَت فيها حرب وَلا سِلاح ، وهي الإبلِ
تكونُ لكم ، وذاتُ الشوْكةِ ذاتُ السِلاح ، يقال : فلان شَاك في السلاح.
وشائِك في السلاح وشَالٌّ السلاح بتشديد الكاف من الشكَةِ ، ومثل شاكي
قول الشاعر :
فَتَعَرَّفوني إنَّني أنا ذاكُمُ . . . شاكٍ سِلاحِي في الحوادِثِ مُعلِمُ
وقوله : (وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ).
أي ظفركم بذات الشوكة أقطعُ لدابرهم.
* * *
وقوله : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)
لما رأوا أنفسهم في قلة عَدَدٍ استغاثوا فَأمَدَّهم اللَّه بالملائكة.
قال اللَّه - عزَّ وجلَّ - : (أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ).
يقال : رَدِفت الرجلَ إذا ركبْت خَلْفَهُ ، وَأرْدَفته إذا أرْكَبْته خلفي ، ويقال :
هذه دابة لا ترادِف ، ولا يقال لا تُرْدَفُ ، ويقال أردَفْتُ الرجُلَ إذا جئتُ
بعده ، فمعنى (مُرْدِفِين) يأتون فرقة بعد فِرْقة ، ويقرأ مُرْدَفِين ، ويجوز في اللغة

(2/402)


(مَردَّفِين) ، ويجوز مُرِدِّفين ومُرَدَّفِين . يَجوز في الراءِ مع تشديد الدال : كسرُها وفتحها وَضمها ، والدال مُشدَّدَة مكسورة على كل حال :
قال سيبويه : الأصل مُرْتَدِفِينَ . فأدغمت التاءُ في الدال فصارت مُرَدَّفينَ ، لأنك طرحت حركة التاءِ على الراءِ ، قال : وإن شئت لم تطرح حركة التاءِ وكسرت الراءَ لالتقاءِ السَّاكنين ، والذين ضموا الراءَ جعلوها تابعة لضمة الميم.
* * *
وقوله : (وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)
أي ما جعل اللَّه المدَدَ إلا بشرى.
* * *
وقوله : (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11)
" إذْ " مَوْضِعُها نصبٌ على معنى وما جعله اللَّه إلا بشرى في ذلك
الوقت ، ويجوز على أن يكون : اذكروا إذ يغشيكم النعاس.
يقال : نَعَسَ الرجل يَنْعَسُ نُعَاساً وهو نَاعس ، وبعضهم يقول : نَعْسان
ولكنْ لا أشتهيها.
وَ (أمَنَةً) منصوب مفعول له كقولك : فعلت ذلك حَذَرَ الشر.
والتاوِبل أن اللَّه أمَّنهم أمْناً حتى غشيهم النعاس لِمَا وَعَدهم من النَصر.
يقال : قد آمنتُ آمَنُ أمْناً - بفتح الألف - وَأمَاناً وأمَنَةً.
وقوله : (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ).
كان المشركون قد نزلوا على الماءِ وسبقوا المسلمين ، ونزل المسلمون
في رَمْلٍ تسوخ فيه الأرجُلُ ، وأصابت بعضهم الجنابة فوسوس لهم الشيطانُ
بأن عَدُوَّهم يقدرون على الماء وهم لا يقدرون على الماءِ ، وَخيلَ إِليهم أن

(2/403)


ذلك عَوْنٌ من اللَّه لعدوهم ، فأمطر اللَّه المكان الذي كانوا فيه فَتَطَهرُوا من
الماءِ ، واستوت الأرض التي كانوا عليها حتى أمكن الوقوفُ فيها والتصرفُ.
وهذا من آيات اللَّه جل ثناؤُه التي تدل على نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأمْر بدر كان من أعظم الآيات لأن عَدَدَ الْمُسْلِمين كان قليلاً جداً ، وكانوا رجَّالةً فأيدهم الله ، وكان المشركون أضْعَافَهُم ، وَأمَدَّهُم اللَّه بالملائكة.
قال بعضهم : كان الملائكة خمسةَ آلاف ، وقال بعضهم تسعة آلاف.
وقوله : (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشيْطَانِ).
أي وَسَاوِسَهُ وخطاياه.
(وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ).
أي وَيُثَبِّتَ بالماءِ الذي أنزله على الرمْل حَتى اسْتَوى ، وجائز أن يكون
زين به للربط على قلوبهم ، فيكون المعنى " وَليْرْبطَ عَلَى قُلُوبكُمْ وَيُثَبِّتَ"
بالربط الأقدام.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)
" إذ " في موضع نصب على " وَليَرْبِطَ إذْ يُوحِي " ويجوز أن يكون على
" اذكر وا ".
(فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا).
جائز أن يكون أنهم يُثَبتُوهم بأشياءَ يلقُونَهَا في قُلُوبِهِمْ تَقْوَى بها.
وَجَائِزَ أن يكونوا يَرَوْنهم مدَداً ، فإذا عاينوا نصر الملائكة ثبتوا .

(2/404)


وقوله : (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ).
أباحهم اللَّه قتلهم بكل نوع في الحرب . . وَاحِدُ الْبَنانِ : بَنَانَة ، وَمَعْناهُ
ههنا الأصابعُ وغيرها من جميع الأعضاء.
وإِنما اشتقاق البنان من قولهم أبَنَّ بِالمكان إذا أقَام به ، فالبناءُ به يَعْتَملُ
كلَ ما يَكُونُ للإقامة والحياةِ.
* * *
وقوله : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13)
(شَاقُّوا). جانبوا ، صَارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ الْمؤمِنِينَ ، وَمثلُ شَاقُوا جَانَبُوا
وَحَازَبوا وَحَارَبوا.
معنى حَازَبوا صارَهُؤلاءِ حِزْباً وهُؤلاءِ حِزْباً.
(وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
(يُشَاقِقْ ، وَيُشاقِّ) جميعاً ، إِلا أنها ههنا يشاقق ، بإظهار التضعيف مع
الجزم وهي لغة أهل الحجاز ، وغيرهم يدغِم ، فإِذا أدْغمَتَ قلتَ : من يُشاقَّ
زيداً أهِنْه ، بفتح القاف ، لأن القافين ساكنتان فحركت الثانية بالفتح لالتقاءِ
السَّاكنين ولأن قبلها ألفاً ، وإِن شئت كَسَرْتَ فقلتَ يُشاقِّ زَيْداً ، كسرت القاف لأن أصل التقاءِ السَّاكنين الكسر.
فإذا استقبلتها ألف ولام اخترت الكَسْر فقلت
(وَمَنْ يُشاقِّ اللَّه). ولا أعلم أحداً قرَأ بها.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15)
يقال : أزحَفْتُ للْقَوْمِ إِذا ثَبَت لهم ، فالمعنى : إِذا وَاقَفْتموهم للقتال.
(فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ).
أي لا تنهزموا حتى تُدْبِرُوا .

(2/405)


وقوله : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)
يعني يوم حربهم.
(إِلَّا مُتَحَرِّفًا) . منصوب على الحال ويجوز أن يكون النصب في متحرف ، ومتحيز على الاستثناءِ ، أي إلا رجلاً متحيزاً ، أي
يكون منفرداً فينحاز ليكون مع المقاتلة . .
وأصل (مُتَحَيِّز) متَحَيْوزِ فأدْغمت الياءُ في الواو.
* * *
وقوله : (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)
ويقرأ ، وَلَكِنِ اللَّهُ قَتَلَهُمْ ، فمن شَدَّدَ نَصَبَ لَنَصْبِ (لكنَّ) وَمَنْ خفف
أبطل عملها ورفع قولَه : (اللَّهُ) بالابتداءِ.
أضافَ اللَّهُ قتلهم إليه ، لأنه هو الذي تَوَلى نَصْرَهُمْ ، وَأظْهَرَ فِي ذلك
الآيات المعجزات.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ).
ليس هذا نَفْيَ رمي النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن العرب خوطبت بما تعقل.
ويروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر الصديق : ناولني كفا من بَطْحاءَ ، فناوله كفًّا فرمى بها فلم يبق منهم أحدٌ - أعني من الْعَدُو إِلا شُغِلَ بعينه فأعلم اللَّه - جلَّ وعزَّ - أن كفًّا من تُراب أوْ حصًى لاَ يَمْلأ عيونَ ذلك الجيش الكثير

(2/406)


برَمْية بَشَرٍ ، وأنه عزَّ وجلَّ تولى إيصَال ذلكَ إلى أبْصَارِهم ، فقال عزَّ وجلَّ : (وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ). أي لَمْ يُصِبْ رَمْيُكَ ذَاكَ ويبلغْ ذلك المبلغ بكَ ، إنما اللَّه عزَ وجل تولى ذلك ، فهذا مجازُ (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى).
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا).
أي لينصرهم نصراً جميلاً ، ويختبرهم بالتي هي أحسن.
ومعنى يبليهم ههنا يُسْديَ إليْهم.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)
بتشديد الهاءِ والنصب في (كَيْدِ) ويجوز الجر في (كَيْدِ) وإضافة (مُوهِن)
إليه . ففيه أرْبَعة أوجُه . في النصب وجهان ، وفي الجر وجهان.
وموضع (ذلكم) رفع ، المعنى الأمر ذلكم وأن اللَّه ، والأمرُ أن اللَّه موهن.
وقوله : (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ).
موضع (ذلكم) رفع على إضمار الأمر ، المعنى : الأمر ذلكم فذقوه ، فمن
قال : إنه يَرْفعُ ذلكم بما عادَ عليه من الهاءِ أو بالابتداءِ وجعل الخبر فذُوقوه.
فقد أخطأ من قبل أن مَا بَعدَ الفاءِ لا يكونُ خبراً لمبتدأ.
لا يجوز زيد فمنطلق ، ولا زيد فاضربُه ، إلا أن تضمر " هذا " تريد هذا زيد فاضربه.
قال الشاعر :
وقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فتاتَهُمْ . . . وأُكْرُومَةُ الحَيّيْنِ خِلْوٌ كما هِيا

(2/407)


وذكر بعضهم : أن تكون في موضع نصب على إضمار واعلموا أن
للكافرين عذاب النار . ويلزم على هذا أن يقال : زيد منطلق وعمرا قائماً.
على معنى وَاعْلَمْ عمراً قائماً ، بل يلزمه أن يقول عمراً منطلقاً ، لأن المخبر
مُعْلِم ، وَلَكِنهُ لَمْ يَجُز إِضمار أعلم ههنا ، لأن كل كلام يُخبَر به أو يستخبر فيه فأنت مُعْلِمٌ به . فاستغنى عن إِظهار العلم أو إِضماره.
وهذا القول لَمْ يَقُلْه أحَد مِنَ النَحَويين.
* * *
وقوله : (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)
معناه : إِن تستنصروا فقد جاءَكم النصر ، ويجوز أن يكون معناه إِن
تستحكموا فقد جاءَكم الحُكْم . ؛ وقد أتى التفسير بالمعنيين جميعاً.
رووا أن أبا جهل قال يوم بدرٍ : " اللهم أقْطَعُنَا للرحم ، وأفسَدُنَا للجماعة
فأحنه اليومَ " فسأل الله أن يحكُمَ بحيْنُ من كان كذلك ، فنصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ونال الحَيْنُ أبا جهلٍ وأصحابه ، فقال اللَّه جلَّ وعزَّ :
(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) أي إِن تَستَقْضُوا فقد جاءَكم القضاءُ.
وقيل إِنه قال : اللهم انصر أحبَّ الفِئَتَينْ إِليك ، فهذا يَدلُّ على أن
معناه : إِنْ تَسْتَنْصِروا . وكلا الوجهين جَيدٌ.
* * *
وقوله : (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21)
يُعنَى به الذين قالوا : قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقلْنَا مِثْل هَذَا.
فسماهم اللَّه جل ثناؤُه لَا يَسْمعونَ ، لأنهمْ اسْتَمَعُوا استماعَ عداوة
وبغضاءَ ، فلم يتفهموا ، ولم يتفكرُوا . فكانوا بمنزلة من لم يسمَعْ.
* * *
وقوله : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22)

(2/408)


يعنى به هؤُلاءِ الذين يسمعون ويفهمون فيكونون في ترك القبول بمنزلة
من لم يسمع ولم يَعْقِل.
* * *
(وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)
أي لوعلم اللَّه فيهم خيراً لأسمَعَهُم جوابَ كل ما يَسألونَ عَنْهُ.
ثم قال جلَّ وعزَّ :
(وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ).
أي لو بَيَّن لَهُم كل ما يعتلجُ في نفوسهم لتوَلَّوْا - وَهُمْ مُعْرضُونَ -
لمعانَدَتِهِمْ.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)
أي لما يكون سبباً للحياة وهو العلم . وجائز أن يكون لما يكون
سبَباً للحياة الدائمة ، في نعيم الآخرة.
ومعنى استجيبوا في معنى أجيبوا.
قال الشاعر :
وداع دعا يا من يجيب إِلى الندا . . . فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي فلم يُجبْه.
وقوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).
قيل فيه ثلاثةُ أقوال ، قال بعضهم يَحُول بينَ المؤْمِنِ والكُفْر ، ويحول
بين الكافِر والإيمان بالموت ، أي يحول بين الإِنسان وما يسوف به نفسه
بالموت ، وقيل : (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)
معناه : واعلموا أن الله مع المرءِ في القرب بهذه المنزلة.
كما قال : جلَّ وعزّ : (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
وقيل إِنهم كانوا يفكرُون في كَثْرَةِ عَدُوهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِهِمْ فيدخل في

(2/409)


قلوبهم الخوفُ ، فأعلمَ اللَّهُ جلَّ ثناؤه أنه يحول بين المرءِ وَقَلْبِهِ بأن يبدُله
بالخوفِ الأمن ، ويُبَدِّلَ عَدُوَّهم - بظنهم أنهم قادرون عليْه - الجُبْنَ والخَوَرَ.
* * *
(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)
أي اتقوا أن يُبَدَلَ الظالمون بنقمة من اللَّه ، يُعنى بهذا مَرَدَة المنافِقِينَ
الذين كانوا يصدُّونَ عن الإيمان باللَّهِ.
وزعم بعض النحويين أنَّ الكلام جزاء فيه طرف من النهي ، فَإِذَا
قلْتَ : أنزِل عن الدابة لا تَطْرَحْكَ ولا تَطْرَحَنك ، فهذا جواب الأمر بلفظ
النهي ، فالمعنى : إنْ تَنْزل عنها لا تطرحك فإِذا أتيت بالنُون الخفيفة أو
الثقيلة كان أوكَدَ للكلام.
ومثله : (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ)
إِنها أمَرتْ بالدخول ثم نَهَتْهُم أن يُحْطِمَهُم سليمانُ فقالت : (لَا يَحْطِمنكمْ سلَيْمَانُ وجنودُه). فلفظ النهي لِسلَيْمانَ ، ومعناه للنمْلِ ، كما تقول :
لا أريَنكَ هَهنَا ، فلفظ النهي لنَفْسِكَ ومعناه : " لا تَكُونَن هَهُنَا فإِني أراك ".
* * *
وقوله : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)
المعنى : واذْكُرْ إِذ يمكُرُ بك الذِين كفروا . فأذكَرَه اللَّه جل ثناؤُه نِعْمَةَ مَا
أنعَمَ عليه من النَّصْرِ والطفَرِ يوم بدْرٍ ذلك فقال (وَإِذْ يمكُرُ بكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي اذكر تلكَ الخلال.
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
لأن مكر الله إِنما هو مجازاة ونصر للمؤْمنين ، فاللَّه خير الماكرين .

(2/410)


(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)
وقد دُعوا بأن يَأتوا بِسُورَةٍ واحِدَةٍ من مثل القرآن فلم يَأْتُوا.
وقوله : (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ).
واحدتها أسطورة ، يعنون ما سَطَّرَة الأوَلُونَ من الأكاذيب.
ثم قالوا :
(اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32)
القراءَة على نصب (الْحَقَّ) على خَبَرِ " كان " وَدَخَلَتْ " هُوَ " للفَصْل.
وقد شرحنا هذا فيما سلف من الكتاب.
وَاعْلَمْ أن (هُوَ) لا موضع لها في قولنا ، وأنها بمنزلة " ما " المؤَكَدَة.
ودخلت ليُعْلَم أن الحق ليس بصفة لهذا أو أنه خبر ، ويجوز هو الحق مِنْ
عِنْدكَ ولا أعلم أحداً قرأ بها.
ولا اختلاف بين النحويين في إِجازتها ولكن القراءَة سُنَّة
لا يقرأ فيها إِلا بقراءَة مَرْويةٍ.
وقوله : (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
المعنى : واذكر إِذ قالوا هذا القولَ ، وقالوا على وجه الدفع لهُ وقالوه
والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرهم . فأعلَمَ الله إنَّه لم يكن ليُعَذِبَهمْ وَرَسُوله بين أظهرهم.
فقال :
(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)

(2/411)


أي : وَمَا كَانَ اللَّهُ ليعذبهم ومنهم من يؤول أمرُه إِلى الِإسلام.
قال : (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34)
المعنى : أي شيءٍ لهم في ترك العذاب ، أي في دَفْعِه عَنهُم.
(وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ).
المعنى : وهم يَصُدُّونَ عن المسجدِ الحَرام أولياءَهُ وما كانوا أولياءَه.
(إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ).
المعنى : ما أولياؤُهُ إِلا المتقون.
فأعلم الله النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لم يكن ليعذِبَهم بالعذاب الذي وقع بهم من القتل والسبي وهو بَيْن أظهُرهِم ، ولا لِيُوقع ذلك العذاب بمن يؤُول أمْرُه إِلى الِإسلامِ مِنْهُمْ ، وأعلمه إنَّه لا يدفع العذاب عن جملتهم الذي أوقعه بِهِمْ ، ثم أعلم أنهم ما كانوا مع صَدِّهِمْ أولياءَ الْمسجدِ الحرام وَأولياءَ اللَّه ، إِنهم إِنما كانَ تَقَربُهُمْ إِلى الله جلَّ وعزَّ بالصفير والتصفيق فقال جلَّ وعزَّ : (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)
فالمكَاءُ الصفير ، والتصدِيَةُ التصفيق.
* * *
وقوله : (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37)
أي ليميز ما أَنفقه المؤْمنون في طاعة الله مما أَنفقه المشركون في
معصية اللَّه ، (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا).

(2/412)


والركْمُ أن يَجْعَلَ بعضَ الشيءِ على بعض ، ويقال رَكمتُ الشيءَ أركُمهُ
ركماً ، والرُّكام الاسم.
(فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ).
أي يجعل بعض ما أنفقه المشركون على بعض ، ويجْعَلُ عليهم في
النارِ ، فيكون مما يُعذبُونَ بِه ، كما قال جلَّ وعزَّ : (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ).
* * *
وقوله : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39)
أَي حَتى لا يُفْتَنَ الناسُ فتنة كُفْر.
ويدلُّ على معنى فتنة كفر قوله عز وجلَّ : (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ).
* * *
وقوله : (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)
المعنى : فإِن أقاموا على كفرهم وعَدَاوتهم فاعْلَمُوا أن الله مولاكم ، أي
هو المولى لكم ، فلا تضركُم مُعَادَاتهم.
* * *
وقوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
كثر اختلاف الناس في تأْوِيل هذه الآية والعمل بها وجُمْلَتُها أنَّها مال من
الأمْوَالِ التي فَرَضَ الله جل ثناؤُه فيها الفُروضَ ، والأموال التي جرى فيها ذكَر الفُروض للفقراءِ والمسَاكينِ وَمَنْ أَشْبهم ثلاثة أصنافٍ.
سمى الله كل صنف منها ، فسمى ما كان من الأموال التي يأخدْها المسلمون من المشركين في حال الحرب أَنْفَالَاَ وغَنَائِمَ ، وسمى ما صار إِلى المسلمين مما لم يُؤخَذ في الحرب من الخراج والجزية فيئاً ، وسَمَى ما خرج أَموال المسلمين

(2/413)


كالزكاة ، وما نذووا من نذر ، وتقربوا به إِلى الله جلَّ وعزَّ صَدَقَةً ، فهذه جملة تسمية الأموال.
ونحن نبين في هذه الآية ما قاله جمهوو الفقهاء وما توجبه اللغة إِن شاءَ
اللَّه.
قال أبو إسحاق : اجمعت الفقهاء أن أربَعةَ أخماس الغنيمة لأهل الحرب
خاصة ، والخمس الذي سُمِّي في قوله : (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) إِلى آخر الآية في الاختلاف.
فأما الشافعي فذكر أن هَذَا الخُمس مقسوم على ما سمَّى اللَّه جلَّ وعزَّ
من أهل قسمته وجعل قوله : (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) افتتاحُ كلامٍ.
قال أبو إِسحاق ، وأحسب معنى " افتتاح كلام " عنده " هذا أن الأشياءَ
كلها لِلَّهِ عزَّ وجلَّ ، فابتدأ وافتتح الكلام.
فإنَ قال قائل : (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) كما قال (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) ، ثم قَسّم هذا الخمس على خمْسَةِ أَنْصِبَاءَ ، خمسٍ للنبي - صلى الله عليه وسلم - وخمس ليتامى المسلمين لا ليتامى آل النبي - صلى الله عليه وسلم - وخمس في المساكين - مَساكين المسْلمين لا مساكين النبي - صلى الله عليه وسلم - وخمس لابن السمبيل.
ولا يرى الشَافعي أن يَتْركَ صنفاً من هذه الأصناف بغيرِ حظ في القسمة.
قال أبو إسحاق : وبلغني أنه يرى أن يُفضَّلَ بعضهُم على بعض على
قدر الحاجة ، ويرى في سهم الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - أن يصرف إلى ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرفه فيه.
والذي رُوِيَ أنَّه كان يصرف الخمس في عُدَدٍ للمسلمين نحو اتخاذ

(2/414)


السلاح الذي تقوى به شوكتهم . فهذا مذهب الشافعي وهو على لفظ ما في
الكتاب.
فأما أبو حنيفة - ومن قال : بقوله - فيقسم هذا الخمس على ثلاثة
أصناف ، يسقط ما للرسول من القسمة ، وما لذوي القُرْبَى ، وحجته في هذا أن أبا بكر وعمرَ لم يعطيا سَهْمَ ذوي القربى ، وأن سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ذهب بوفاته ، لأن الأنبياء لا تورثُ . فيُقَسَّم على اليتامى والمساكين وابن السبيل على قدر حاجة كل فريق منهم ويعطي بعضاً دون بعض منهم خاصةً ، إِلَّا إنَّه لا يخرج القَسْم عن هُؤلاءِ الثلاثة.
وأما مذهب مَالِك فيُرْوَى أن قوله في هذا الخمس ، وفي الفيءِ أنه إنما
ذكر هُؤلاءِ المُسَمَّوْنَ لأنهم من أهم مَنْ يدفع إليهم ، فهو يجِيزُ أن يَقْسِمَ بينهم ، ويجيز أن يُعْطِيَ بعضاً دون بعض ، ويجوز أن يُخْرِجَهُمْ مِن القسم إِن كان أمرُ غيرهم أهمَّ من أمرهم ، فيفعل هذا على قدر الحاجة.
وحجته في هذا أن أمرَ الصدَقاتِ لم يزل يجري في الاستعمال على ما
يراه الناس.
وقال الله عزَّ وجلَّ : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ). فلو أن رَجُلاً وجبت عليه خمسة دراهم لأخرجها إِلى صنف
من هذه أو إِلى ما شاءَ من هذه الأصناف ، ولو كان دْكر التسْمِية يوجب الحق للجماعة لما جاز أن يُخَصَّ وَاحد دون غيره ، ولا أن يُنْقَصَ واحد مما يُعَطى غَيْرُه

(2/415)


قال أبو إسحاق : مِنْ - حجَج مالك في أن ذكر هؤلاءِ إنما وقع للخصوص.
قوله تعالى : (مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ).
فذكر جملة الملائكة ، فقد دخل جبريل وميكال في الجملة وذكِرَا بأسمائهم
لخصوصِهِمَا ، وكذلك ذكر هؤلاءِ في القسمة والفيءِ والصدقة ، لأنهم من أهم مَنْ يصرف إليه الأموال من البر والصدقة.
قال أبو إسحاق : ومن الحجةِ لمالك أيضاً قول الله عزَّ وجلَّ :
(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ).
فللرجل أن ينفق في البر على هذه الأصناف وعلى صنف
منها ، وله أن يخرج عن هذه الأصناف ، لا اختلاف بين الناس في ذلك.
قال أبو إسحاق : هذا جهلة ما علمناه من أقوال الفقهاءِ في هذه الآية.
وقوله عزْ وجلَّ : (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا).
يجوز أن يكون " إنْ كنْتمْ " مُعَلقَةً بقوله : (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40) . . . إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)
فأيقِنوا أن اللَّه نَصَرَكم إِذ كنتم قد شاهدتم مِنْ نَصْره ما
شاهدتم.
ويجوز أنْ يَكُونَ (إِنْ كُنتمْ آمَنتُمْ بِاللَّه) معناها : اعلموا أن مَا غَنِمْتمْ من
شيءٍ فأن للَّه خمسه وللرسول يأمران فيه بما يريدان إنْ كنتم آمَنْتمْ باللَّه فأقبلوا ما أمِرْتم به في الغنيمة.
* * *
وقوله جلَّ وعزَّ : (يَوْمَ الْفُرْقَانِ).
هو يوم بدر ، لأن الله عزَّ وجلَّ أظهر فيه مِنْ نَصْرِهِ بإرداف الملائكة

(2/416)


والِإمداد بهم للمسْلِمِينَ مَا كانَ فيه فرْقانَّ بين الحق والباطل ، ثم أكد التبينَ في
ذلك فقال عزَّ وجلَّ : (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)
(إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا)
أي الدنيا منكم ، والعدوة شفير الوادي ، يقال : عِدْوة ، وعُدْوَة
وعدى الوادي مقصور ، فالمعنى إِذ أنتم بالعدْوَةِ الدُّنْيَا ، أي بشفير الوادى
الذي يلي المدينة.
(وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقصْوَى).
بشفير الوادي الذي يلي مكَةَ.
(وَالركْبُ أسْفَلَ منْكمْ).
الركْبُ : العير التي كان فيها أبو سفيان على شاطئ البحر.
فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أن نَصْرَ المؤمنين وهم في هذا الموضع فرقان.
قال أبو إِسحاق : قد بيَّنَّا أنه كان رَمْلًا تسوخ فيه الأرْخل ، ولم يكونوا على
ماءٍ ، وكان المشرِكونَ نَازِلينَ على موْضِع فيه الماءُ ، وهم مع ذلك يُحامونَ عن العِيرِ ، فهو أشدُّ لِشوْكَتِهِمْ ، فجعل اللَّه جلَّ وعزَّ النصرَ في هذه الحال ، مع قلة عَدَدِ المسلمين وكَثْرَة عَدَد المشركين وشِدةِ شَوكَتِهِم ، فرقَاناً.
ويجوز فىٍ قوله : (وَالركْبُ أسْفَلَ منْكمْ) وجهان :
الوجه أن تنصب (أسْفَلَ) ، وعلَيه القراءَة.
ويجَوز أن ترفع (أسْفَلُ) على أنك تريد والركبُ أسْفَلُ
منكم أي أشَد تَسَفُلاً.
ومن نصب أرادَ والركب مكاناً (أسْفَلَ) منكم .

(2/417)


وقوله : (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).
جعل اللَّه عزَّ وجل القاصِدَ للحق بمنزلة الحيِّ ، وجعل الضَالَّ بمنزلة
الهَالِك ، ويجوز حَيِي بياءَين ، وحَيَّ بياءٍ مشددَة مدْغَمة ، وقد قرئ بهما
جميعاً . فأمَّا الخليل وسيبويه فيجيزان الِإدغام والِإظهار إِذا كانت الحركة في
الثاني لَازِمةً ، فأمَّا من أدغَم فلاجتماع حرفين من جنس واحد.
وأمَّا من أظهر فلأن الحرف الثاني ينتقل عن لفظ الياءِ ، تقول حَييَ يَحْيَا ، والمحيا والممات.
فعلى هذا يجوز ُ الِإظهارُ . فأمَّا قوله عزَّ وجلَّ : (هُوَ يحْيي وُيميتُ)
وقوله : (أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40).
فلا يجوز فيه عند جميع البصريين إلا يُحْيي بياءيْنِ ظاهرَتَيْنِ
وأجاز بعضهم . يُحيّ بياءَ واحدة مشددة مُدْغَمة.
وذكر أن بعضهم أنشد :
وكأنها بين النساءِ سبيكة . . . تمشي بسدة بَيْتِهَا فَتَعي
ولو كان هذا المنشد المستشهد أعلمنا من هذا الشاعر ، ومن أي القبائل
هو وهل هو مِمَن يْؤخذ بشعره أم لا مَا كان يضره ذلك.
وليس ينبغي أن يُحْمل كتاب الله على " أنشدني بعضُهُمْ " ولا على بيْت شَاذ لو عرف قائله وكان مِمنْ يْؤخذ بقوله لم يجز.
وهذا عندنا لا يجوز في كلامٍ ولا شِعْرٍ ، لأن الحرفَ الثانِيَ إِذَا كانَ

(2/418)


يسكن من غير المعتل نحو : " لم يَوَدَّ " فالاختيار إِظهار التضعيف ، فكيف إِذا
كان من المعتل.
* * *
وقوله : (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43)
رويت عن الحسن أن معناها في عينك التي تنام بها.
وكثير من أصحابِ النحو يذهبون إِلى هذا المَذْهَب.
ومعناه عندهم : إِذ يريكهم الله في موضع منامك أي بِعَيْنك ثم حذف الموضِعُ ، وأقام المقام مكانه ، وهذا مَذْهَبٌ حسن.
ولكنه قد جاءَ في التفسير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآهم في النوم قَلِيلًا ، وقص الرؤْيا على - أصحابه فقالوا : صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ يا رسول اللَّه ، وهذا المذهب أسوغ في العربية ، لأنَّه قَد جاءَ :
(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ)
فدَل بهذا أن هذا رؤْية الالتقاءِ ، وأن تلك رؤْيةُ النوم.
ويجوز على هذا المذهب الأول أن يكون الخطاب الأول للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأن الخطاب الثاني لجميع من شاهدَ الحربَ وللنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله : (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ).
أي لتأخرتم عن حربهمْ وكِعْتُمْ وَجَبُنْتُمْ ، يقال فشِلَ فشَلاً إِذَا جَبنَ
وهابَ أن يَتَقدم.
* * *
وقوله : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55)
عنى أن هؤلاءِ لا يُؤمنون أبداً ، كما قال لنُوح : (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ).
* * *
وقوله : (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)

(2/419)


معناه افعل بِهِمْ فعلاً من القَتْلِ تُفَرِقُ به مَنْ خَلْفَهمْ.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (تَثْقَفَنَّهُمْ) معناه تصادفَنهُمْ وَتَلْقينَّهُمْ.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58)
أي نقضاً للعهد.
(فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ).
أي انبذ عهدهم الذي عاهَدْتهم عليه أي ارم به.
على سواءَ ، أَي لِتكُونَ وَهُمْ سَواءً في العداوة.
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ).
أي الذين يخونون في عهدهم وغيره.
* * *
وقوله : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم).
معناه عادةُ هُؤلاءِ في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم ، فجوزي هُؤلاءِ
بالقتل والسَّبىِ كما جوزيَ آل فرعونَ بالإِغراق والإِهْلَاكِ ، كذا قال بعض أهل اللغة ، فِي الدأَب أَنه العادة.
وقال أَبو إِسحاق : وحقيقة الداب إِدَامَة العَمَل ، تقول : فلان يداب في
كذا وكذا أَىِ يداوم عليه ويواظب ، وُيتْعِبُ نفسه فيه.
وهذا التفسير معنى العادة إِلا أن هذا أَبيَنُ وأَكشفُ.
* * *
وقوله : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48)
موضع " إِذْ " نصبٌ ، المعنى : اذكر إِذ زيَنَ لهم الشيطان أَعمالهم.
(وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ).
تمثل لهم إِبليس في صورة رَجُل يقالُ له سُراقة بنُ مالك بنُ جُعْثُم من
كنانة ، وقال لهم : لَنْ يَغْلِبكم أَحَدٌ ، وَأَنَا جَارٌ لكم من بني كنانة.
(فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ) .

(2/420)


توافَقَتَا حتَى رَأت كُل وَاحِدةٍ الأخْرَى ، فَبَصرَ إِبليسُ بالمَلائكَة تنزل من
السّماءِ فنكص على عقبيه.
(وَقَالَ إِنَّي بَرِيءٌ مِنْكمْ).
وذلك أَنه عُنِّفَ لهَرَبِه ، فقال :
(إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
ومعنى نكص رجع بِخِزْيٍ.
فإِن قال قائل : كيف يقول إِبليس : (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ) وهو كافِر ؟
فالجواب في ذلك أنَّه ظن الوقت الذي أُنْظِرَ إِليْه قَدْ حَضر.
* * *
وقوله : (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (59)
معناها : لَا يَحْسَبَنَّ من أفلت من هذه الحرب قَدْ سَبَق إِلى الحياة.
والقراءَة الجيدةُ (وَلَا تَحْسَبَنَّ) بالتاءِ على مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكون " تَحْسَبَنَّ " عاملة في الذين ، ويكون (سبقوا) الخبر.
ويجوز فتح السين وكسرها ، وقد قرأ بعض القراءِ ، ولا يحسَبَنَ الذين
كفروا ، بالياء وَوَجهها ضعيف عند أهل العربية إِلا أنَّها جائزة على أن يكون
المعنى ، ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، لأنها في حرف ابن مسعود إنهم
سبقوا ، فإِذا كانت كذلك فهو بمنزلة قولك : حسبت أن أقوم وحسبت أقومُ على حذف (أن) وتكون أقوم وقام تنوب عن الاسم والخبر
كما أنك إِذا قلت : ظننت لَزَيْد خَيْر مِنْكَ.
فقد نابت الجملةُ عن اسم الظَنِّ وخَبرِه وفيها وجه آخر :
ولا يحسبَنَ قبيلُ المُؤْمِنينَ الَّذِينَ كَفَروا سَبَقُوا .

(2/421)


ويجوز فيها أوجُهٌ لَم يُقْرأ بِهَا ، يجوز " ولا يُحْسَبَنَّ الذينَ كفروا سبقوا "
و " لا يَحْسبُنَّ الذين كفروا ".
أي لا يحسب المؤمنون الذين كفروا سبقوا.
ولكن القراءَة سنة ، لا يُقْرأ إِلا بما قرأت به القراءُ.
ويجوز إِنهم بكسر إِنَّ ، ويجوز أنَّهم.
فيكون المعنى : ولا يَحْسَبَنَ الَّذِينَ كفروا أَنهم يعجزون.
ويكون (أن) بَدَلًا مِن (سَبقُوا).
قال أبو إسحاق : هذا الوجه ضعيف ، لأن " لا " لا تكون لَغْواً في موضع
يجوز أن تقع فيه غير لغوٍ.
وقوله : (يُعْجِزُونَ) فتحُ النون الاختيارُ ، ويجوز كسرها على أن يكون
المعنى أنهم لا يَعجزُونَنِي ، بحذف النون الأولى لاجتماع النونين.
قال الشاعر :
رأته كالنعام يُعَلُّ مِسْكاً . . . يسوءُ الغاليات إِذا فَلَينِي
يريد فلينني.
* * *
وقوله : (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60)
(وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ).
(وَآخَرِينَ) عطف على قوله (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ).
أي وترهبون آخرين منْ دُونهِمْ.
* * *
وقوله : (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61)
السَّلْمُ : الصلح والمسالمة ، يقال : سِلْمٌ وسَلَمٌ وسَلَم في معنى واحِد.
أي إِن مالُوا إِلى الصلح فَمِلْ إِلَيْه.
* * *
(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62)
أي إِن أرَادُوا بإِظهارِ الصلْح خَدِيعَتك ، (فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ).

(2/422)


أي فإِن الذي يتولى كفايتك اللَّه.
(وَمَنِ اتبَعَكَ مِنَ الْمؤمِنِينَ).
موضع " مَنْ " نصبٌ ورَفْعٌ ، أما مَنْ نَصب فعلى تأْويل الكاف ، المعنى
فإِن اللَّه يكفيك ويكفي من اتبَعَكَ من المؤْمنين ، ومن رفع فعلى العطف على
اللَّه والمعنى : فإن حسبك اللَّهَ وتُبَّاعُك مِن المؤْمنينَ.
(هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ).
ومعنى (أَيَّدَكَ) قَوَاكَ.
(وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)
أي جمعهم على المودة على الِإيمان.
وقوله : (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا).
(جَمِيعًا) منصوب على الحال.
(مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ).
أعلم الله جلَّ وعزَّ أن تأليف قلوب المؤمنين من الآيات العظام وذلك أن
النبي - صلى الله عليه وسلم - بُعِث إِلى قوم أنَفتهم شديدةٌ ، ونصرة بعضهم بعضاً ومعاوَنَتُه أبلغ نصرةٍ وَمعَاوَنَةٍ ، كان يُلْطَم من القبيلة لطمةً فيقاتل عنه حَتَى يُدْرَكَ ثَأرهُ ، فألَّف الايمان بين قلوبهم حتى قاتل الرجل أباه وأخاه وابنه ، فأَعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أن هذا ما تَوَلَّاة منهم إِلا هو.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65)
تأويله حُثَّهم على القتال.
وتأويل التحريض في اللغة أن يحث الِإنسان على الشَيء حثًّا يعلم معه
أنه حَارضٌ إِن تخلف عنه ، والحارض الذي قدْ قَارَبَ الهلاكَ ، وقَوله تعالى :

(2/423)


(حَتَى تَكُونَ حَرَضاً) أي حتى تَذوب غَمًّا فتقارب الهلاك فتكون من
الهالكين.
* * *
وقوله : (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ).
لا يجوز إِلا كسر العين . وزعم أهل اللغة أن أول عشرين كسِرَ كما كُسِرَ
أولُ اثنين ، لأن عِشْرين من عَشْرةٍ مثل اثنين من واحِدٍ.
ودليلهم على ذلك فتحهم ثلاثِين كفتح ثلاثةٍ.
وكسرة تِسعين ككسرة تسعة.
* * *
وقوله : (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)
(وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا).
قرئَت على ثلاثةِ أوْجُهٍ : قُرئت ضَعْفاً بفتح الضادِ ، وضُعْفاً بضم الضادِ
والمعنى واحِدٌ ، يقال هوِ الضعفُ والضُّعْف ، والمَكْثُ والمُكْثُ ، والفَقْرُ
والفُقْر ، وباب فَعْلٍ وفعْل بمعنَى واحِدٍ في اللغة كثير.
وقرأ بعض الشيخة : وعلم أن فيكم ضُعَفَاءَ على فُعَلَاءَ ، على جمع
ضعيف وضعَفاءَ ولم يَصْرفْ ولم يُنَوَّنْ لأن فعلاءَ في آخرها ألف التأنيث.
(فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ).
وقُرئت " فإِن تكن " بالتاءِ ، فمن أنث فلأن لفظَ المائة مَؤنث ، ومن ذكَّر
فلأنَّ المائة وقعت على عَدَد فذكِّر.
* * *
وقوله : (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)
ويقرأ أسُارَى ، فمن قرأ أسْرَى فهو جمع أسِير وأسْرَى.
وَفعْلى جمع لكل ما أصِيبوا به في أبدانهم وعُقُولهم ، يقال : هالك
وهلكى ، ومريض ومَرْضَى ، وأحمق وحَمْقَى ، وسَكْران وسَكرى .

(2/424)


ومن قرأ أسارَى فهو جمع الجمعِ ، تقول أَسير وأسارى.
قال أبو إِسحاق : ولا أعلم أحداً قرأها أسارى.
وهي جائزة ولا تقرأن بها إِلا أن تثبت رواية صحيحة.
(حَتَى يثْخِنَ فِي الأرْضِ).
معناه حتى يبالغ في قتل أعدائه ، ويجوز أن يكون حتى يتمكن في
الأرض.
والِإثخان في كل شيء قوة الشيء وشدته يقال قد أثخنته.
* * *
ومعنى : (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)
(وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ).
أي بعضهم في المواريث أولى ببعض.
وهذه المواريث في الولاية بالهجرة منسوخة ، نسخها ما في سورة النساءِ
من الفرائض.
* * *
وقوله : (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).
معناه تذهب صَوْلتكم وقوتكم ، ويقال في الأولِ : الريحُ معَ فُلان ، أي
الدَّوْلَةُ .

(2/425)


سورة براءة
قوله جلَّ وعزَّ (بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)
سُئل أبَيُّ بنَّ كعب : ما بال براءَة لم تفتتح بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
فقال : لأنها نزلت في آخر ما نزل من القرآن ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر في أول كل سورة بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ :
ولم يأمر في سورة براءَة بذلك فَضُمَّتْ إلى سورة الأنفال لشبهها بها.
يعني أن أمْرَ العهودِ مذكور في سورة الأنفال وهذه نزلت بنقض العهود
فكانت ملتبسة بالأنفال في الشبه.
قال أبو إِسحاق : أخبرنا بعض أصحابنا عن صاحبنا أبي العباس محمد
ابن يزيد المبرد أنَّه قال : لم تفتتح ب " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " ، لأن " بسم اللَّه " افتتاح للخير . وأول " براءَة " وَعيدٌ ونقض عُهود ، فلذلك لم تفتتح بـ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
و (براءَة) نزلت في سنة تسع من الهجرة ، وافتتحت مكة في سَنَةِ ثمان.
وَوَلَّى رسولً الله - صلى الله عليه وسلم - عَتَابَ بنَ أسَيدٍ للوقوف بالناس في الموسم فاجتمع في

(2/427)


تلك السنة في الموقف ومعالم الحج وأسبابه المسلمون والمشركون ، فلما كان
في سنة تسع وَلى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق الوقوفَ بالناس وأمر بتلاوة براءَة ، وولى تلاوتها عَلياً وقال في ذلك : لن يُبَلِّغَ عني إِلا رجُل مني ، وذلك لأن العربَ جَرت عادتها في عقد عقودها ونقضها أن يتولى ذلك على القبيلة رَجلٌ منها ، فكان جائزاً أن يقول العربُ إِذا تلى عليها نقض . العهد من الرسول :
هذا خِلاف ما نعرف فينا في نقض العهود ، فأزاح رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هذه العِلَّةَ ، فَتًليَتْ براءَة في الموقف :
(بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1)
أي قدْ بَرِئ من إِعطائهم العهودَ والوفاءَ لهم ، ذلك أن نكثوا.
(بَرَاءَةٌ) مرتفعة على وجهين أحدهما على خبر الابتداء ، على معنى هذه
الآيات براءَة من الله ورسوله ، وعلى الابتداء ، يكون الخبر (إِلى الذين
عاهدتم) لأَن براءَة موصولة بِـ مِنْ ، وصار كقولك : القصد إِلى زيد ، والتبرؤُ إِليك ، وكلاهما جائز حسن ، يقالي بَرئْتُ في الرجلِ والدين براءَةً ، . وبرِئْتُ من المرَضِ وبَرَات أيضاً بُرْءَاً ، وقد روَوْا برات ابرُؤَ بُرُوءاً ، ولم نجد فيما لامه همزة فعَلْت أفعُل ، نحو قرأت أقرا ، وهنأت البعير أهنؤُه .

(2/428)


وقد استقصى العلماء باللغة هذا فلم يجدوه إِلا في هذا الحرف
وُيقال برَيْت القَلمَ - وكل شَيءٍ نَحَتُه - أبْرِيه بَرْيَا ، غير مهموز ، وكذلك
بَرَاةُ السيْرُ غير مهموز ، والبُرَةُ حَلَقَة من حَدِيد في أنف الناقة ، فإِذا كانت من شعر فهي خِزَامَةُ.
والذي في انف البعير من خَشب يقال له الخِشَاش ، يقال أبريت الناقة
أبْرِيها براءَ إِذا جَعَلْت لها بُرَةً.
ولا يقال إِلا بالألف أبْريْتُ ، ومن الخزامة خَزَمْتُ - بغير ألف - وكذلك
من الخِشاش خَشَشْتُ ، والبُرَةُ الخلخال من هذا ، وتجمع البرةُ بُرين والبُريَ.
* * *
وقوله : (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2)
أي اذهبوا ؛ وأقبلوا وَأدبِرُوا أربعةَ أشْهُرٍ.
(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ).
أي وإِن أجَّلْتُم هذه الأربعة الأشهر فلن تفوتوا اللَّه
(وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ).
الأجْوَدُ فتح (أَنَّ) علَى معنى اعلموا أن الله مخزي الكافرين ، ويجوز
كَسْرها على معنى الاستئناف ، وهذا ضمان من الله عزَّ وجلَّ بنَصْرِهِ المؤْمنين
على الكافرين.
* * *
(وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)
عطف على (بَرَاءَة) ومعناه : وإعلان من الله ورسوله ، يقال آذنته بالشيء
إِذا أعلمته به.
(إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
قيل يَومُ الحج الأكبر هو يوم عرفة ، والحج الأكبر الوُقوف بعرفة.
وقيل الحج الأصغر العمرة .

(2/429)


والِإجماع أنَّه من فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج.
وقال بعضهم إِنما سُمي يومَ الحج الأكبر لأنه اتفقت فيه أعياد أهل المِلَّةِ ، كان اتفق في ذلك اليوم عيدُ النصارى واليهودِ والمجوسِ وهذا لا يُسمى بهِ يومُ الحج الأكبر ، لأنه أعيادُ غير المسلمين ، إِنما فيها تعظم كفر باللَّه ، فليست من الحج الأكبر في شيءِ.
إجماع المسلمين على أن الوقوف بعرفة أكْبَرُ الحجِّ.
* * *
وقوله : (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)
" الذين " في موضع نصب ، أي وقعت البراءَة من المعاهدين الناقضين
للعهود.
(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ).
أي ليسوا داخلين في البراءَة ما لم ينقضوا العهود.
* * *
وقوله : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
أي اقتلوا هؤلاءَ الذين نقضوا العهدَ ، وَنُقِضَ عَهْدُهُمْ وَأحِلوا هذه المدةَ.
ويقال إِن الأربَعةَ الأشْهرِ كانت عشرين من ذي الحجة والمحرم وصفر
وربيعاً الأول ، وعشرا من ربيع الآخر ، لأن البراءَة وقعت في يوم عرفة ، فكان هذا الوقت ابتداءَ الأجل.
(وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ).
قال أبو عبَيْدَة : المعنى كل طريقٍ.
قال أبو الحسن الأخْفَش " على " محذوفة.
المعنى اقعدوا لهم على كل مَرْصد
وأنشد :
نُغالي اللَّحمَ للأَضْيافِ نِيئاً . . . ونُرْخِصُهُ إِذا نَضِجَ القَديرُ

(2/430)


المعنى نغالي باللحم ، فحذف الباءَ ههنا ، وكذلك حذف (على).
قال أبو إسحاق : كل مَرصَد ظرف ، كقولك ذهبت مَذْهَباً.
وذهبت طريقاً ، وذهبت كل طريق . فلست تحتاج أن تقول في هذا إلا
ما تقوله في الظروف مثل خلف وأمام وقدام.
وقوله : (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ).
أي إِن تابوا وآمنوا فهم مثلكم ، قد درأ عَنْهم إِيمانهم وَتَوْبَتهمْ إثمَ كفرهم
ونكثهِم العهودَ.
* * *
وقوله : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6)
المعنى إن طلب منك أحد منهم أن تجيرَه منَ القَتْل إلى أن يسمع كلام
اللَّه (فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ).
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ).
أي الأمر ذلك ، أي وجب أن يعرفوا وأن يُجَازوا بجَهْلِهمْ وبِمَا يَتَبينُونَ
الإسلام.
وأما الإِعراب في أحَد معِ " إِنْ " فالرفع بفِعل مُضْمر الذي ظهر يفسرُه.
المعنى وإن استجارك أحد.
ومن زعم أنه يرفع أحَداً بالابتداءِ فخطأ.
لأن الجزاءَ لا يتخطى ما يرفع بالابتداء ويعمل فيما بعده .

(2/431)


فلو أظهرت المستقبل لقلت : إِن أحدٌ يقمْ أكرمهُ ولا يجوز إِنْ يَقمُ أحدٌ
زَيُدٌ يَقُمْ . لا يجوز أن ترفع زيْداً بفعل مضمر الذي ظهر يفسِّرُه ويَجزم.
وإِنما جاز في " إن ، لأن " إن ، يلزمها الفِعْلُ.
وجواب الجزاءِ يكون بالفِعْل وغيره.
ولا يجوز أن تُضْمِرَ وتجزم بعد المبتدأ.
لأنك تقول ههنا إن تأتني فزيد يقوم ، فالموضع موضع ابتداءٍ.
وإنما يجوز الفصل في باب " إنْ " لأن " إِنْ " أمُّ الجزاءِ ، ولا تزول عنه
إلى غيره ، فأما أخَواتُها فلا يجوز ذلك فيها إلا في الشِعر.
قال عدي بن زيد.
فمتى واغل يزرهم يُحيوه . . . وتُعطَفْ عليه كأسُ السَّاقي
* * *
وقوله : (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7)
(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).
أي ليس العهد إلا لهُؤلاءِ الذين لم ينكثوا.
فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ).
أي ما أقاموا على الوفاءِ بعَهْدهِمْ ، وموضع " الذين " نصب بالاستثناءِ .

(2/432)


وقوله : (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)
وحذف مع كيف جملة " يكون لهم عهد " لأنه قد ذكر قبل ذلك.
قال الشاعر يرثي أخاً له مات :
وخَبرتُمانِي أنما الموت بالقُرَى . . . فكيف وهاتا هَضبة وقليب
أي فكيف مات وليس بقرية . ومثله قول الحطيئة :
وكيف ولم أعْلمْهمُوخَذَلُوكُمُو . . . عَلَى مُعْظَم ولَا أدِيمَكُمُو قَدُّوا
أي فكيف تَلومونني على مدح قوم ، وتَذُمونَهُمْ ، واستغنى عن ذكر
" ذَلِك " مع ذكر كيف ، لأنه قد جرى في القصيدة ما يدل على ما أضْمِرَ.
قال أبو عبيدة الإل : العهدُ ، والذِّمَّة ما يتذَمم منه ، وقال غيره : الذمة.
العهد ، وقيل في الإل غير قول.
قيل : الإل : القرابة ، وقيل : الِإل : الحلف ، وقيل : الِإل : العهْدُ ، وقيل
الإل اسم من أَسماءِ اللَّه ، وهذا عندنا ليس بالوجه لأن أسماءَ اللَّه جلَّ وعز
معروفة معلومة كما سمعَت في القرآن وتُلِيَتْ في الأخبار قال الله جلَّ وعزَّ :
(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا).
فالداعي يقول : يا اللَّه ، يا رحمن ، يا ربُّ ، يا مْؤمِن ، يَا مهيَمن .

(2/433)


ولم يَسْمَعْ " يا إلُّ في الدعاءِ.
وحقيقة " الإلّ " عندي على ما تُوحيه اللغة تحديد الشيءِ فمن ذلك :
الإلَّةُ : الحربة ، لأنَّها محدَّدَة ، ومن ذلك : إذُن مُؤلَّلة ، إذا كانت محدَّدَة.
والأل يُخرَجُ في جميع ما فُسِرَ من العهْدِ والجوار على هذا ، وكذلك
القرابَة ، فإِذا قلت في العهد بَيْنَهُما إِلٌّ فمعناه جواز يحاد الإنسان ، وإذا قُلْتَهُ في القرابة فتأوِيله القرابَة الدانِية التي تحادُّ الإنسانَ.
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12)
أي رؤساءَ الكافرين ، وقادتهم ، لأن الِإمام متبَع.
وهذه الآية توجب قَتلَ الذِميِّ إذا أظْهَرَ الطعنَ في الإسلام لأن العهد
معقود عليه بألَّا يطعَنَ ، فإِذا طعنَ فقد نكث.
وقوله : (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) فيها عند النحويين لُغة واحدة : أيمة بهمزة وياء
والقرَاءُ يقرَأون (أَئِمَّةَ) بهمزتين ، وأيمة بهمزة وياء فأما النحويون فلا يجيزون
اجتماع الهمزتين ههنا ، لأنهما لا يجتمعان في كلمة ، ومن قرأ أئمة -
بهمزتين - فينبغي أن يقرأ يا بني أأدم ، والاجتماع أن آدم فيه همزة واحدة.
فالاختلاف راجع إلى الإِجماع ، إلا أن النحويين يستصعِبون هذه المسألة.
ولهم فيها غير قول :
يقولون إِذا فضلنا رجلاً في الإمَامة : هذا أوَمُّ من هذا ويقول بعضهم أيُمَّ
من هذا ، فالأصل في اللغة أأْمِمَةٌ لأنه جمع إِمامٍ ، مثل مِثَال وأمْثلَةٍ ، ولكن

(2/434)


الميمين لما اجتمعتا أدغمت الأولى في الثانية وألغِيت حركتها على الهمزة.
فصار أئِمة ، فأبدل النحويون من الهمزة الياء.
ومن قال : هذا أيَمَّ من هذا جعل هذه الهمزة كلما تحركت أبْدَلَ مِنها
قال أبو إسحاق : والذي قال : (هَذا أوَمُّ مِن هذا) كانت عنده أصلها أَأَم.
فلم يمكِنْه أن يُبدِلَ منها ألِفاً لاجتماع السَّاكنين ، فجعلها واواً مفتُوحة ، لأنه
قال : إذا جمعت آدمَ قُلتَ أوادِمَ.
وهذا هو القياس الذي جعلها ياءً.
قال : قد صارت الياءُ في أئمة بدَلاً لازماً.
وهذا مذهب الأخفشِ ، والأول مذهب المازني.
قال أبو إسحاق وأظنه أقْيَسَ الوَجْهَين ، أعني : هذا أوَمُّ مِنْ هَذَا ، فأما
أئِمة باجتماع الهمزتين ، فليس من مذاهب أصحابنا ، إلا ما يحكى عن ابن
إسحاق فإنه كان يحب اجتماعهما وليس ذلك عندي جائزاً ، لأن هذا الحرف
في أئمة قد وقع فيه التضعيف والإدغام ، فلما أدغم وقعت علة في الحرف.
وطرحت حركته على الهمزة فكان تركها دليلاً على أنها همزة قد وقع عليها
حركة ما بعدها ، وعلى هذا القياسِ يجوز : هذا أأمُّ مِنْ هذا والذي بدأنا به هو الاختيار من أن لا تجتمع همزتان.
* * *
وقوله : (إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ).
وتقرأ (لا إِيمان لَهُمْ) فمن قرأ : (لا أيمَان لهمْ) بالفتح فقد وصفهم بالنكث
في العهد ، وهو أجودُ القراءَتين ، ومن قرأ " لا إيمَانَ لهم " فقد وصفهم بالردةِ ، أي لا إِسْلامَ لَهم ، ويجوز أن يكون نَفَى عنهم الإيمان لأنهم لم يُؤمنوا ، كما
تقول : لا عِلْمَ لِفُلانٍ .

(2/435)


ويجوز أن يكون لا أيمَانَ لَهُمْ إذَا كنتمْ أنْتُمْ آمَنْتُموهُمْ ، فنقضوا هم
عَهدكُم ، فقد بطل الأمان الذي أعطيتموهم ، أي لا إيمانَ لَهُمْ : على
" آمنتُ إيماناً على المصدر ".
(لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
أي لِيُرْجَى منهم الانتهاء والنكث : النقض في كل شي.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13)
هذا على وجه التوبيخ ، ومعناه الحضُّ على قتالهم ، وقيل في قوله :
(وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
أنهم كانوا قاتلوا حُلفاء الرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله : (أتَخْشَوْنَهُمْ).
معناه أتَخْشَونَ أنْ يَنَالَكُمْ مِنْ قِتَالِهم مَكْرُوهٌ.
(فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ).
أي فمكرُوهُ عَذابِ اللَّهِ أحق أن يُخْشَى.
(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أيْ مصدقِينَ بعقاب اللَّه وثوابه.
* * *
وقوله : (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14)
(وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ).
فيه دليل أنه اشتد غضبهم للَّهِ عزَّ وجلَّ ، فوعد اللَّه في هذه الآية النصْرَ.
وفيها دليل على تثبيت النُبُوة ، لأنه قال عزَّ وجلَّ : (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ).
فوعدهم اللَّه النصْرَ وَوَفَّى به ، ودل على صدق ما أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله تعالى : (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

(2/436)


(وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ)
ليس بجواب لقوله : (قَاتِلُوهُمْ) ولكنه مستأنف ، لأن (يتوب) ليس من
جنس ما يُجاب به (قاتلوهم).
* * *
وقوله : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)
الله جلَّ وعزَّ قد علم قَبْلَ أمْرهم بالقِتَالِ من يُقَاتلُ مِمنْ لَا يُقَاتِلُ ولكنه
كان يعلم ذلك غيباً ، فأرادَ العلمَ الذي يُجازي عَلَيْهِ لأنه جلَّ وعزَّ إنما يجازي
على ما عملوا.
وسورة " براءَة " كانت تُسَمَّى الْحافِرةَ ، لأنها حَفَرت عن قلوبِ المنافقين.
وذلك أنه لما فُرِضَ القِتالُ تبين المنافقُ من غيره ، ومن يُوالي المؤمِنين مِمن
يوالي أعداءَهم فقال جلَّ وعزَّ :
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً).
والوَليجة : البِطَانَةُ ، وهي مأخوذة مِنْ وَلَجَ الشيء يلِجُ إِذا دَخَلَ.
أي ولم يَتَخِذوا بينهم وبينَ الكافرين دَخيلَةَ مَوَدةٍ.
* * *
وقوله : (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)
(شَاهِدِينَ) حال . المعنى ما كانت لهم عمارةُ المسجد الحرام في حال
إِقرارهم بالكفر.
(أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ).
أي كُفْرُهُمْ قد أذهبَ ثوابَْ أعمالهم.
* * *
وقوله : (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18)

(2/437)


ولم يذكر الرسول في هذَا ، لأن فيه دليلاً بقوله وأقَامَ الصلاةَ التي أتى
بتحديدها الرسول.
(وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ).
تأويله لم يخف في باب الدين إلا اللَّه.
(فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
عسى واجبة من اللَّه.
* * *
وقوله : (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)
المعنى أجعلتم أهل سِقَايَةَ الحَاجِّ وأهَلَ عِمَارَةِ المَسْجِدِ الحرامِ كمن
آمن باللَّه واليوم الآخِر وجَاهَد.
واختلف الناس في تفسير هذه الآية :
فقيل : إنه سأل المشركون إليهودَ فقالوا نحن سُقَاةُ الحَاجِّ وَعُمَّارُ المسجد
الحَرامِ . أفَنَحْنُ أفْضَلُ أم محمد وأصحابه ؟
فقالت لهم إليهود عناداً للنبي - صلى الله عليه وسلم - : أنتم أفضل.
وقيل إنه تفاخر المسلمون المجاهدون والذين لم يهاجروا ولم يجاهدوا.
فأعلم الله جلَّ وعزَّ أن المجاهدينَ والمهاجرين أعظمُ دَرَجَةً عند اللَّه ، فقال :
(الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)
(درجةً) منصوب على التمييز ، المعنى أعظمُ من غَيْرهمْ درَجَة.
(وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).

(2/438)


والفائز الذي يظفر بأمنيته من الخير.
* * *
(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21)
أي يُعْلِمْهم في الدنيا ما لهم في الآخرة.
وقوله : (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)
أي وفي حنين ، أي ونصركم في يوم حنين ، وحنين : اسمُ وَادٍ بين مكة
والطائفِ.
وقوله : (فِي مَوَاطِنَ كَثيرةٍ) أي في أمكنةٍ ، كقولك في مقامَاب.
تقول استوطن فلان بالمكان إذا أقام فيه.
وزعم بعضُ النحويينَ أن (مواطن) لم ينصرف ههنا لأنه جَمْع.
وأنها لا تُجْمَعُ.
قال أبو إِسحاق : وإنما لم تُجْمَعْ لأنها لا تدخل عليها الألف والتاءُ ، لا
نقول مَوَاطِنات ، ولا حَدَائدات إلا في شعْر ، وإِنما سمعَ قَوْلَ الخليل أنه
جمع لا يكون عنى مثال الواحد ، وتأويله عند الخليل أن الجموع أبَداً تَتَنَاهى
إِليه فليس بعده جمع ، لو كسرت أي جمعت على التكسير أقوال ، فقلت
أقاوِيل لم يتهيأ لك أن تكَسر أقاوِيل ، ولكنك قد تقول أقاويلات.
قال الشاعر :
فَهُنَّ يَعْلَكِنَّ حَدائداتها

(2/439)


وإنما لم ينصرف (مواطن) عند الخليل لأنه جمع وأنه ليس على مثال.
الواحدِ ومعنى ليس على مثال الواحد ، أي ليس في ألفاظ الواحد ما جاءَ على
لفظه وأنه لا يجمع كما يحمع الواحد جمعَ تكْسِيرٍ.
ومعنى الآية أن اللَّه جلَّ وعزَّ أعْلَمهم أنَّه ليس بكثرتهم يَغْلِبُون وأنهم
إنما يغلبون بنصر اللَّه إياهم فقال جلَّ وعزَّْ :
(وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا).
يروى أنهم كانوا اثنى عشر ألفاً في ذلك اليوم ، وقال بعضهم : كانوا
عَشَرة آلاف فأعجبوا بكثرتهم ، فجعل الله عقوبتهم على إعجابهم بالكثرة -
وَقَوْلهم : " لن نغْلَب اليومَ مِنْ قلَّةٍ بأن رَعَّبهم حتى وَلَّوْا مُدْبِرِين ، فلم
يبق مع رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - إلا العَبَاسُ بنُ عبدِ المطلِب وأبو سُفيانَ بن حَرْبٍ ، ثم أنْزَلَ اللَّه عليهم السكينة حتى عادوا وَظَفِرُوا فأراهم اللَّه في ذلك اليوم من آياتِه ما زادهم تَبْييناً بنُبُوة النبيِ - صلى الله عليه وسلم -.
وقوله : (إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ).
وقرئت مَسْجِدَ اللَّه ، فمن قرأ (مَسجِدَ اللَّهٍِ) عَنَى به المسجدَ الحرامَ
ودَخَل معه غيْرُه ، كما تقول : ما أسْهَلَ عَلَى فُلانٍ إنْفاقَ الدِّرْهَم والدينَارِ ، أيْ هَذَا الجنس سَهْل عَليْه إِنفَاقُه.
ويجوز أن يكون مساجد الله يعني به المسجد الحرام ، كما تقول إِذا

(2/440)


ركب الرجل الفرس ، قد صار فلان يركب الخَيْلَ ، فعلى هذا تجري الأسماءُ
التي تُعَبِّرُ عَنِ الأجْنَاسَ.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28)
يقال لكل مُسْتَقْذرٍ نَجَس ، فإِذا ذكرتَ الرجسَ قلتَ : هو رِجْس نَجِسٌ.
وهذا وقع في سنةِ تسع من الهجرةِ ، أمِرَ المسلمون بمنع المشركين من
الحج وَبِقتْلِهِمْ حيثُ ثقِفُوهُمْ.
(وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ).
كان لأهل مكة مكسبة ، ورفق ممن كان يحج من المشركين.
فأعْلَمَهُمُ اللَّه أنه يعوضهم من ذلك.
والعيلة : الفقر.
قال الشاعر :
وما يدري الفقير متى غناهُ . . . وما يدري الغني متى يعيلُ
* * *
وقوله - جلَّ وعزَّ -: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)
معناه : الذين لا يؤمنون باللَّه إِيمانَ الموحّدِين ، لأنهم أقروا بأن اللَّه
خالِقُهم ، وأنه له ولدٌ.
وأشرك المشركون معه الأصنام ، فأعلم الله عزَّ وجلَّ أن
هذا غيرُ إيمانٍ باللَّه ، وأن إيمانهم بالبعث ليس على جهة إِيماننا لأنهم لا
يقرون بأن أهل الجنة يأكلون ويشربُون وليس يقرون باليوم الآخر كما أعلم اللَّه جلَّ وعزَّْ وليس يدينون بدين الحق ، فأمر الله بقتل الكافرين كافةً إِلا أن يُعْطُوا الجِزيَةَ عَنْ يَدٍ ، وَفُرِض قَبُولُ الجِزْيَةِ من أهلِ الكتابِ وهم النَّصَارى واليهود .

(2/441)


وَسَنَ رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في المجوس والصابئين أن يجروا مجرى أهل الكتاب في قبول الجزية.
فأمَّا عَبَدَةُ الأوثان من العرب فليس فيهم إِلا القتْلُ.
وكذلك مِنْ غَيْرِهِمْ.
وقوله : (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ).
قيل معنى (عَنْ يَدٍ) عَنْ ذلٍّ ، وقيل عن يَدٍ عن قهر وذُلٍّ ، كما تقول اليد
في هذا لِفلان . أي الأمر النافذ . لفُلانٍ.
وقيل (عَنْ يَدٍ) أي عن إنْعَامٍ عليهم بذلك ، لأن قبول الجزية منهم وتركَ
أنْفسِهِم نعمة عليهم ، ويد من المعروف جزيلة.
* * *
وقوله : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)
قرئتْ (عُزَيْرٌ) بالتنوين وبغير تنوين ، والوجه إِثبات التنوين لأن " ابْناً " خبَر.
وإِنما يحذف التنوين في الصفةِ نحو قولك : جاءَني زيد بن عمروٍ ، فيحذف
التنوين لالتقاء السَّاكنين وأنَّ ابناً مضاف إِلى عَلَم وأن النعت والمنْعُوتَ
كالشيء الواحد . فإِذا كان خبراً فالتنوين وقد يجوز حذف التنوين على
ضعف لالتقاء السَّاكنين وقد قرئت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2).
بحذف التنوين ، لسكونها وسكون الباءِ في قوله : (عُزيْر ابن اللَّهِ).
وفيه وجه آخر : أن يكون الخبر محذوفاً ، فيكون معناها عزير ابن اللَّه
معبودنا ، فيكون " ابْنُ " نَعْتاً.
ولا اختلاف بين النحويين أن إثبات التنوين أجود.
* * *
وقوله : (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ).

(2/442)


إن قال قائل : كل قول هو بالفم فما الفائدة في قوله بأفواههم ؟
فالفَائِدَة فِيه عظيمة بيِّنَة.
المعنى أنَّه ليس فيه بيان ولا برهان إِنما هو قول بالفم لا معنى
تحته صحيح ، لأنهم معترفون بأن الله لم يتخذْ صَاحِبَة فكيف يَزْعمونَ لَه
ولَداً ، فإِنما هو تَكذُّبٌ وقولٌ فقط.
وقوله ة (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ).
أي يشَابِهون في قولهم هذا ما تقدم مِنْ كَفَرَتِهِمْ ، أي إِنما قالوه اتباعاً
لمن تقدم من كَفَرَتِهِمْ . الدليل على ذلك قوله :
(اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ).
أي قبلوا مِنْهمْ أن العزَيْرَ والمسيحَ ابنا الله تعالى.
وهذا معنى : (يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)
وقرئ يضَاهُونَ ، وأصل المضاهاة في اللغة المشابهة ، والأكثر تَرْكُ الهمزةِ ، واشتقاقه من قولهم : امْرَأةْ ضيْهَاء.
وهي التي لا ينبت لها ثدي ، وقيل هي التي لا تحيض.
وإنما معناها أنها أشبهت الرجال في أنَّها لا ثدْيَ لها ، وكذلك إِذا لم تحض . وضهياء فعلاء.
الهمزة زائدة كما زيدت في شمأل ، وغرقئ البيضة ، ولا نعلم
أنها زيدت غير أول ، إِلا في هذه الأشياءَ.
ويجوز أن تكون " فَعْيَل " وإِن كانت بِنِيَةً ليس لها في الكلام نظير.
فإِنا قد نعرف كثيراً مما لا ثَاني له . من ذلك قولهم كَنَهْبَل وهو الشجر
العظام ، تقديره فَنَعْلل ، وكذلك قَرَنْفل ، لا نظير له وتقديره فَعَنْلُل.
وقد قيل :

(2/443)


إبِل لا نظير له وإن كان قد جاءَ إطِل وهو الخصْرُ ، وقالوا إِيْطِل ثم حذفوا فقالوا إطِلِ ، فيجوز أن يكون " يُضاهِئون " من هذا بالهمز ، وتكون همزة ضهياءَ أصلًا في الهمز.
* * *
وقوله : (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ).
معناها تنزيهاً له من شركهم.
* * *
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)
(وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)
أكثر التفسير إنما هو للمشركين ، وقد قيل إِنها فيمن منع الزكاة من أهل
القِبْلة لأن من أدى من ماله زكاته فقد أنفق في سبيل الله ما يجب من ماله.
وقوله : (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ).
دخلت إلا ، ولا جُحْدَ في الكلام ، وأنت لا تقول ضربت إِلا زَيْداً ، لأن
الكلام غير دال عَلَى المحذوف.
وإذا قلت : (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ).
فالمعنى يأبى اللَّه كل شيءَ إلا أن يُتم نورَه
وزعم بعض النحويين أن في " يأبى " طرفاً من الجحد ، والجَحْدُ والتحقيق
ليسا بذي أطراف ، وآلةُ الجحد لا ، وَمَا ، ولم ، ولن ، وليس ، فهذه لا
أطراف لها . ينطق بها على حالها ، ولا يكون الِإيجاب جُحْداً ولو جاز هذا
على أن فيه طرفاً من الجحد لجاز : كرهت إِلا أخاك ، ولا دليل ههنا على

(2/444)


المكروه ، ما هو ولا من هو ، فكرهتُ مثل أبَيْتُ ، إلا أن أبيتُ الحذف مستعمل
وقوله : (وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
فقال : (الذهب والفضَة) ولم يقل ولا ينفُقُونَهما في سبيل اللَّه ، فإِنما جاز
ذلك لأن المعنى يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقون المكنوز في سبيل الله.
ويجوز أن يكون محمولًا على الأموال ، فيكون : (ولا ينفقونها) ، ولا ينفقون
الأموال ، ويجوز أن يكون : ولا ينفقونها . ولا ينفقون الفضة ، وحذف الذهب لأنه داخل في الفضَّةِ كما قال الشاعر :
نحن بما عندنا وأنت بما . . . عندك راضٍ والرأي مختلف.
يريد نحن بما عندنا راضون ، وأنت بما عندك راضٍ.
فحذف " راضون " فكذلك يكون المعنى :
والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونه في سبيل اللَّه ، والفضة ولا ينفقونها في سبيل اللَّه.
* * *
وقوله : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)
أعلم اللَّه جلَّ وعزَّ : أن عدة شهور المسلمين ، الذين تُعُبِّدُوا بَأن يجعلوا
لِسَنَتِهِمْ - اثنا عشر شهراً ، على منازل القمر ، فجعل حجهم وَأعيَادَهمْ

(2/445)


وصلَاتهمْ في أعبادهم هذا العَدَد ، فالحج والصوم يكون مرة في الشتاءِ ومرة
في الصيف ، وفي فصول الأزمان على قدر الشُهور ودَوَرَان السنِين ، وكانت
أعياد أهل الكتاب وَمتعَبَّدَاتهمْ في سنَتِهم يَعْملونَ فيها على أن السنة ثلاثمائة
يوم وخمسة وستون يوماً وبعضُ يوم ، على هذا يجري أمر النصارى واليهود.
فأعلم اللَّه جلَّ وعزَّ أن سِنِي المسْلِمِينَ على الأهِلَّةِ.
وقوله : (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)
الأربعة الحرم : المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة.
(فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ).
قيل في الأربعة ، وقيل في الاثني عشر . فمن قال في الأربعة قال : أراد
تعظيم شأن المعاصي -
كما قال جلَّ وعزَّ : (فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)
فالفسوق لا يجوز في حج ولا غيره ، ولكنه عزَّ وجلَّ عرف الأيام التي
تكون فيها المعَاصِي أَكْثَرَ إثماً وعقاباً.
وقوله : (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً).
فـ " كافَّةً " منصوب على الحال ، وهو مصدر عَلَى فَاعِله كما قالوا العاقِبة
والعافِية . وهو في موضع قَاتِلوا المشركين محيطين بهم باعتقاد مقاتَلِتِهمْ.
وهذا مشتق من كُفَّةِ الشيء ، وهي حَرْفُه ، وإِنما أخذ من أن الشيءَ إذا
انتهى إِلى ذلك كُفَّ عن الزيادة ، ولا يجوز أنْ يُثَنَّى ولا يَجْمَع ، ولا يقال
قاتلوهم كافَّاتٍ ولا كافِّين ، كما أنك إِذا قلت : قاتلوهم عامَّة لم تثَنِّ ولم
تجمَعْ ، وكذلك خَاصََّةً .

(2/446)


هذا مذهب النحويين.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ الْمَتقِينَ).
تأويله أنه ضامن لهم النصْر.
* * *
وقوله : (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)
النسيء - هذا - تأخير الشيء ، وكانوا يُحَرمونَ القتال في المحرم فإِذا
عزموا على أن يقاتلوا فيه جعلوا صفراً كالمحرم ، وقاتلوا في المحرم وأبدلوا
صَفَراً منه ، فأعلمَ اللَّهُ جلَّ وعزَّ أن ذلك زيادة في الكفر.
(لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ).
فيجعلوا صَفَراً كالمحرم في العدةِ ، ويقولوا : إن هذه أربعة بمنزلة
أربعة.
والمواطأة المماثلة والاتفاق على الشيء.
* * *
وقوله عزَّ وجلَّ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)
الِإجماع في الروايات أن هذا كان في غَزْوَةِ تَبًوكَ ، وذلك أن الناس
خرجوا فيه على ضَيْقَةٍ شديدة شاقةٍ.
وقوله عزَّ وجلَّ : (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ).
المعنى تثاقلتم ، إلا أن التاءَ ادْغِمَتْ في التَاءِ ، فصارت ثاءَ ساكنة.
فابتدئت بألف الوصل - الابتداء -.
وفي (اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) عندي غير وجه.
منها أن مَعْنَاهُ تثاقلْتُمْ إِلى الِإقامة بأرضِكم ، ومنها اثَّاقَلْتُمْ إِلى شهوات
الدنيا.
وقوله : (أرضِيتمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ).
أي أرضِيتمْ بنعيم الحياة الدُنيا من نعيم الآخرة

(2/447)


(فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ).
أي ما يتمتع به في الدنيا قليل عندما يتمتع به أولياءُ اللَّهِ في الجَنة.
وقوله : (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)
هذا وعيد شديد في التخلف عن الجهاد ، وأعلم انَه يستبدل لِنَصْرِ دينه
ونبيه قوماً غيرَ مُثاقِلِين عنِ النصْرِ إِلى أعدائه إِذ أعلمهم اللَّه عزَّ وجل أنهم إن
تركوا نصره فلن يَضُرهُ ذلك شيئاً كما لم يضرره إذ كان بمكة لا ناصرين له.
فقال عزْ وجل :
(إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
وكان المشركون قد أجمعوا على قتله - صلى الله عليه وسلم - فمضى هو وأبو بكر الصديق هارباً منهم في الليل ، وترك عَلِياً عَلَى فِراشِهِ ليرَوْا شخصه على الفراش فلا يعلمون وقت مُضيِّهِ ، وأطلعا أسماءَ بنت أبي بكر على مكانهما في الغَار ، وَمَر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ثُمَامَة ، وهي شجرة صغيرةٌ ضعيفة فأمر أبا بكر أن يأخذها معه ، فلما صارا إِلى الغار ، أمر أبا بكرٍ فجعلها عَلَى باب الغار ، ثم سبق أبو بكر إِلى دُخُولِ الغارِ فانبطح فيه ، وألقى نفسه ، فقال رسول اللَّه : لم فَعَلْتَ ذلك ؟
فقال : لأنَّ هَذِه الغِيرَان تكون فيها الهوامُّ المؤْذية والسباع فأحْبَبْتُ إِن
كان فيها شيء أن أقيكَ بِنَفْسِي يا رسول اللَّه.
ونظر أبو بكر إِلى جحر في الغار فسدَّه برجله ، وقال إِنْ خَرَجَ منه ما يؤذِي وقيتُكَ منه.
فلما أصبح المشركون اجتازوا بالغار فبكى أبو بكر الصديق فقال له
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يُبكيك ؟
فقال : أخاف أنْ تُقْتَلَ فلا يُعْبد اللَّه بَعْدَ اليوم.
فقال له رسول اللَّه : (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) أي إِنَّ الله تعالى يمنعُهُم مِنا وَيَنْصُرُنَا ،

(2/448)


فقال : أهكذا يا رسول اللَّه : قال نَعمْ فرقأ دمعُ أبو بكر وسكن.
وقال المشركون حين اجتازوا بالغار : لو كان فيه أحَد لم تكُنْ ببابه هذه الثمامة.
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا).
أيده بملائكة يَصْرِفون وجوهَ الكُفَار وأبْصَارَهُمْ عن أنْ يَرَوْه.
وقوله : (سَكِينَتهُ عَلَيْهِ).
يجوز أن تكون الهاءَ التي في عليه لأبي بكر ، وجائز أن تكون ترجع
على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن اللَّه جل ثناؤُه ألقى في قلبه ما سَكَن بِه وعلم أنهمْ غيرُ وَاصِلين إليه.
فأعلم الله أنهم إنْ تَركوا نصْرَه ، نَصَرَه كما نصره في هذه الحال.
وَثَانِيَ اثنين مَنصُوبٌ على الحال.
المعنى فقد نَصَرَهُ الله أحدَ اثنين.
أي نصرَهُ منفرداً إلا مِنْ أبِي بكر - رضي الله عنه -.
* * *
وقال جلَّ وعزَّ : (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41)
فقيل (خِفَافًا وَثِقَالًا) أي مُوسِرين ومُعْسِرين.
وقيل (خِفَافًا وَثِقَالًا) خفَتْ عليكم الحركة أوْ ثقلت ، وقيل ركباناً ومُشاة ، وقيل أيضاً شباباً وشيوخاً.
وُيروَى أن ابنَ أمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إِلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أعَليَّ أن أنفر ، فقال نَعَم ، حتى أنزل اللَّه عزَّ وجلَّ : (لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ).
* * *
(لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42)
العرَضُ كل ما عرض لك من منافع الدنيا ، فالمعنى : لو كانت غنيمة
قريبة ، أي لو كان ما دُعُوا إِليه غُنْماً ، وسفراً قاصِداً أي سَهْلاً قريباً لاتبعوك
لَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ .

(2/449)


أي بعدت عليهم الغاية التي تقصدها . وكان هذا حين دُعُوا إلى غزوَةِ
تبوك ، فَثَقلَ عَلَيهِمُ الخروجُ . إلى نواحي الشام.
* * *
وقوله : (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43)
أي حتى يَتبين لك من يُنَافِق مِمن يصُحِّح . ثم أعلمه جل وعلا أن
عَلامة النفاق في ذلك الوقت الاستئذان في التخففِ عن الجهاد فقال :
(لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44)
موضع " أن " نَصْبٌ.
المعنى لا يستأذنك هُؤلاءِ في أن يجاهدوا ، ولكن " في " حُذِفتْ فأفضى الفعلُ فنَصَبَ " أن ".
قال سيبويه ، ويجوز أن يكونَ موضعها جَرا ، لأن حَذْفها هَهُنا إِنما جاز مع ظهور " أن " فلو أظهرت المصدَر لم تحذف في " لا يستاذنك القوم الجهادَ " حتى تقول في الجهاد
ويجوز لا يستأذنك القوم أن يجاهدوا.
* * *
وقوله : (إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45)
وأعْلَمَ اللَّهُ جل ثنَاؤهُ أنَّ مَنِ ارْتَابَ وشكَّ في اللَّهِ وفي البَعْثِ فهو كافر.
* * *
(وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)
أي فَتَرْكَهُمْ العدة دليل على إِرَادَتهم التَخفَف.
(وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ).
والتَثْبِيط ردُّكَ الِإنسانَ عَنِ الشيءِ يفعله ، أي كره الله أن يخرجوا معكم
فردهم عن الخروج.
ثم أعلم عزَّ وجلَّ : (لم كره ذلك فقال :
(لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47)

(2/450)


والخبال الفساد ، وذهاب الشيء.
قَال الشاعر :
أبني لُبيْني لَستُمَا بِيَدِ . . . إلا يداً مخبولة العَضُد
أي فاسدة العَضُدِ.
(وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ).
يقال أوْضعتُ في السير إذا أسرعت ، ولأسرعوا فيما يخل بكم.
(يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ).
أي فيكم من يسمع ويؤدي إليهمِ ما يريدونَ.
وجائز أن يكون (سَمَّاعُونَ لَهُمْ) من يقبل مِنهُمْ.
وفي المصحف مكتوب " ولأوضَعوا) ولا أوضعوا ، ومثله في القرآن :
(أَوْ لا أذْبَحنَّهُ " بزيادة ألف أيضاً ، وهذا إِنما حَقُّه على اللفظ وَلأوْضَعُوا.
ولكن الفتحة كانت تكتبُ قبل العرَبى ألفاً . والكتاب أبتدئ به في
العربي بقرب نزولِ القرآنِ فوقع فيه زيادات في أمكنة واتباع الشيء بنقص عن الحروف . فكتبت " ولا أوضعوا " بلام وألف ، بدلاً من الفتحة ، وبهمزة.
فهذا مجاز ما وقع من هذا النحو في الكتاب.
* * *
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)
أي لا تؤثمني بأمرك إِياي بالخروج ، وذلك غير متيسر لي فآثم.
وقيل إِن المنافقين هزئوا بالمسلمين في غزوة تبوك ، فقالوا أتريدون بنات

(2/451)


الأصْفَر : فقال : (لَا تَفْتِنِّي) أي (لَا تَفْتِنِّي) ببنات الأصفر.
فأعلمَ اللَّهُ تعالى أنهم قد سقطوا في الفتنة أي سقطوا في الإثم.
* * *
(إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْه¡