Translate فتح الباري وتفسير بن كثير كيكي520.

الجمعة، 13 مايو 2022

كتاب الأم مجلد 11. محمد بن إدريس الشافعي

 

11.

كتاب الأم مجلد 11. محمد بن إدريس الشافعي أبو عبد الله سنة الولادة 150/ سنة الوفاة 204 .

  بَنَاتِ خَالِهِ وَلَا بَنَاتِ خَالَاتِهِ امْرَأَةٌ وكان عِنْدَهُ عَدَدُ نِسْوَةٍ وَعَلَى أَنَّهُ أَبَاحَ له من الْعَدَدِ ما حَظَرَ على غَيْرِهِ ( 1 ) وَمَنْ لم يأتهب بِغَيْرِ مَهْرٍ ما حَظَرَهُ على غَيْرِهِ (1) قال الشَّافِعِيُّ فَمَنْ ايتهب ( ( ( اتهب ) ) ) مِنْهُنَّ فَهِيَ زوجه لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ وَمَنْ لم يأتهب فَلَيْسَ يَقَعُ عليها اسْمُ زَوْجَةٍ وَهِيَ تَحِلُّ له وَلِغَيْرِهِ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكٌ عن أبي حَازِمٍ عن سَهْلِ بن سَعْدٍ أَنَّ امْرَأَةً وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا فقال رَجُلٌ يا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إنْ لم يَكُنْ لَك بها حَاجَةٌ فذكر أَنَّهُ زَوَّجَهُ إيَّاهَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وكان مِمَّا خَصَّ اللَّهُ عز وجل بِهِ نَبِيَّهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَوْلُهُ { النبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ من أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } وقال { وما كان لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ من بَعْدِهِ أَبَدًا } فَحَرَّمَ نِكَاحَ نِسَائِهِ من بَعْدِهِ على الْعَالَمِينَ ليس هَكَذَا نِسَاءُ أَحَدٍ غَيْرِهِ وقال عز وجل { يا نِسَاءَ النبي لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ من النِّسَاءِ إنْ اتَّقَيْتُنَّ } فَأَثَابَهُنَّ بِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من نِسَاءِ الْعَالَمِينَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَوْلُهُ { وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } مِثْلُ ما وَصَفْت من اتِّسَاعِ لِسَانِ الْعَرَبِ وَأَنَّ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ تَجْمَعُ مَعَانِيَ مُخْتَلِفَةً وَمِمَّا وَصَفْت من أَنَّ اللَّهَ أَحْكَمَ كَثِيرًا من فَرَائِضِهِ بِوَحْيِهِ وَسَنِّ شَرَائِعَ وَاخْتِلَافِهَا على لِسَانِ نَبِيِّهِ وفي فِعْلِهِ فَقَوْلُهُ { أُمَّهَاتُهُمْ } يَعْنِي في مَعْنًى دُونَ مَعْنًى وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لهم نِكَاحُهُنَّ بِحَالٍ وَلَا يَحْرُمُ عليهم نِكَاحُ بَنَاتٍ لو كُنَّ لَهُنَّ كما يَحْرُمُ عليهم نِكَاحُ بَنَاتِ أُمَّهَاتِهِمْ اللَّاتِي وَلَدْنَهُمْ أو أَرْضَعْنَهُمْ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على ذلك فَالدَّلِيلُ عليه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم زَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَه وهو أبو الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ بِنْتُ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَوَّجَهَا عَلِيًّا رضي اللَّهُ عنه وَزَوَّجَ رُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ عُثْمَانَ وهو بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ تَزَوَّجَتْ وَأَنَّ الزُّبَيْرَ بن الْعَوَّامِ تَزَوَّجَ بِنْتَ أبي بَكْرٍ وَأَنَّ طَلْحَةَ تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ الْأُخْرَى وَهُمَا أُخْتَا أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَعَبْدَ الرحمن بن عَوْفٍ تَزَوَّجَ ابْنَةَ جَحْشٍ أُخْتَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ وَلَا يَرِثُهُنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَلَا يَرِثْنَهُمْ كما يَرِثُونَ أُمَّهَاتِهِمْ وَيَرِثْنَهُمْ وَيُشْبِهْنَ أَنْ يَكُنَّ أُمَّهَاتٍ لِعِظَمِ الْحَقِّ عليهم مع تَحْرِيمِ نِكَاحِهِنَّ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وقد يَنْزِلُ الْقُرْآنُ في النَّازِلَةِ يَنْزِلُ على ما يَفْهَمُهُ من أُنْزِلَتْ فيه كَالْعَامَّةِ في الظَّاهِرِ وَهِيَ يُرَادُ بها الْخَاصُّ وَالْمَعْنَى دُونَ ما سِوَاهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلْمَرْأَةِ تَرُبُّ أَمْرَهُمْ أُمَّنَا وَأُمَّ الْعِيَالِ وَتَقُولُ ذلك لِلرَّجُلِ يَتَوَلَّى أَنْ يَقُوتَهُمْ أُمَّ الْعِيَالِ بِمَعْنَى أَنَّهُ وَضَعَ نَفْسَهُ مَوْضِعَ الْأُمِّ التي تُرَبُّ أَمْرَ الْعِيَالِ ( 2 ) وقال تَأَبَّطَ شَرًّا وهو يَذْكُرُ غَزَاةً غَزَاهَا وَرَجُلٌ من أَصْحَابِهِ وَلِيَ قُوتَهُمْ % وَأُمُّ عِيَالٍ قد شَهِدْت تَقُوتُهُمْ % إذَا أحترتهم أَقْفَرَتْ وَأَقَلَّتْ % % تخاف ( ( ( تخالف ) ) ) عَلَيْنَا الْجُوعُ إنْ هِيَ أَكْثَرَتْ % وَنَحْنُ جِيَاعٌ أَيْ أَوَّل تَأَلَّتْ % % وما إنْ بها ضَنٌّ بِمَا في وِعَائِهَا % وَلَكِنَّهَا من خَشْيَةِ الْجُوعِ أَبْقَتْ %
قُلْت الرَّجُلُ يُسَمَّى أُمًّا وقد تَقُولُ الْعَرَبُ لِلنَّاقَةِ وَالْبَقَرَةِ وَالشَّاةِ وَالْأَرْضِ هذه أُمُّ عِيَالِنَا على مَعْنَى التي تَقُوتُ عِيَالَنَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ من نِسَائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إنْ أُمَّهَاتُهُمْ إلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ }
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ ثُمَّ جَعَلَ له في اللَّاتِي يَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ له أَنْ يأتهب وَيَتْرُكَ فقال { تُرْجِي من تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إلَيْك من تَشَاءُ } إلَى { عَلَيْك }

(5/141)


يَعْنِي أَنَّ اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ الْوَارِثَاتُ وَالْمَوْرُوثَاتُ الْمُحَرَّمَاتُ بِأَنْفُسِهِنَّ وَالْمُحَرَّمُ بِهِنَّ غَيْرُهُنَّ اللَّائِي لم يَكُنْ قَطُّ إلَّا أُمَّهَاتٍ ليس اللَّائِي يُحْدِثْنَ رَضَاعًا لِلْمَوْلُودِ فَيَكُنَّ بِهِ أُمَّهَاتٍ وقد كُنَّ قبل إرْضَاعِهِ غير أُمَّهَاتٍ له وَلَا أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَامَّةً يَحْرُمْنَ بِحُرْمَةٍ أَحْدَثْنَهَا أو يُحْدِثُهَا الرَّجُلُ أو أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اللَّائِي حُرِّمْنَ بِأَنَّهُنَّ أَزْوَاجُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَحْرُمْنَ بِشَيْءٍ يُحْدِثُهُ رَجُلٌ يُحَرِّمُهُنَّ أو يُحْدِثْنَهُ أو حَرَّمَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْأُمُّ تُحَرِّمُ نَفْسَهَا وَتَرِثُ وَتُورَثُ فَيَحْرُمُ بها غَيْرُهَا فَأَرَادَ بها الْأُمَّ في جَمِيعِ مَعَانِيهَا لَا في بَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ كما وَصَفْنَا مِمَّنْ يَقَعُ عليه اسْمُ الْأُمِّ غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَمِنْ ذلك أَنَّهُ أَرَادَ فِرَاقَ سَوْدَةَ فقالت لَا تُفَارِقْنِي وَدَعْنِي حتى يَحْشُرَنِي اللَّهُ في أَزْوَاجِك وأنا أَهَبُ لَيْلَتِي وَيَوْمِي لِأُخْتِي عَائِشَةَ ( قال ) وقد فَعَلَتْ ابْنَةُ مُحَمَّدِ بن مَسْلَمَةَ شَبِيهًا بهذا حين أَرَادَ زَوْجُهَا طَلَاقَهَا وَنَزَلَ فيها ذِكْرٌ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سُفْيَانُ عن الزُّهْرِيِّ عن بن الْمُسَيِّبِ في ذلك { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ من بَعْلِهَا نُشُوزًا } إلَى { صُلْحًا } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَهَذَا مَوْضُوعٌ في مَوْضِعِهِ بِحُجَجِهِ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا أَنَسُ بن عِيَاضٍ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه عن زَيْنَبَ ابْنَةِ أبي سَلَمَةَ عن أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبي سُفْيَانَ قالت قُلْت يا رَسُولَ اللَّهِ هل لَك في أُخْتِي بِنْتِ أبي سُفْيَانَ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَفْعَلُ مَاذَا قالت تَنْكِحُهَا قال أُخْتُك قالت نعم قال أو تحبين ذلك قالت نعم لَسْت لَك بِمُخَلِّيَةٍ وَأَحَبُّ من شَرِكَنِي في خَيْرٍ أُخْتِي قال فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لي فَقُلْت وَاَللَّهِ لقد أُخْبِرْت أَنَّك تَخْطُبُ ابْنَةَ أبي سَلَمَةَ قال ابْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ قالت نعم قال فَوَاَللَّهِ لو لم تَكُنْ رَبِيبَتِي في حِجْرِي ما حَلَّتْ لي إنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي من الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وأباها ( ( ( وإياها ) ) ) ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَكُلُّ ما وَصَفْت لَك مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَجَعَلَ له دُونَ الناس وَبَيَّنَهُ في كِتَابِ اللَّهِ أو قَوْلِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَفِعْلِهِ أو أَمْرٍ اجْتَمَعَ عليه أَهْلُ الْعِلْمِ عِنْدَنَا لم يَخْتَلِفُوا فيه - * ما جاء في أَمْرِ النِّكَاحِ - *
قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } إلَى قَوْلِهِ { يُغْنِهِمْ اللَّهُ من فَضْلِهِ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْأَمْرُ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامُ الناس يَحْتَمِلُ مَعَانِيَ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عز وجل حَرَّمَ شيئا ثُمَّ أَبَاحَهُ فَكَانَ أَمْرُهُ إحْلَالَ ما حَرَّمَ كَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } وَكَقَوْلِهِ { فإذا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا في الْأَرْضِ } الْآيَةَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَرَّمَ الصَّيْدَ على الْمُحْرِمِ وَنَهَى عن الْبَيْعِ عِنْدَ النِّدَاءِ ثُمَّ أَبَاحَهُمَا في وَقْتٍ غَيْرِ الذي حَرَّمَهُمَا فيه كَقَوْلِهِ { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } إلَى { مَرِيئًا } وَقَوْلِهِ { فإذا وَجَبَتْ جَنُوبُهَا فَكُلُوا منها وَأَطْعِمُوا } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَأَشْبَاهٌ لِهَذَا كَثِيرٌ في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ليس أَنَّ حَتْمًا أَنْ يَصْطَادُوا إذَا حَلُّوا وَلَا يَنْتَشِرُوا لِطَلَبِ التِّجَارَةِ إذَا صَلَّوْا وَلَا يَأْكُلُ من صَدَاقِ امْرَأَتِهِ إذَا طَابَتْ عنه بِهِ نَفْسًا وَلَا يَأْكُلُ من بَدَنَتِهِ إذَا نَحَرَهَا ( قال ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَلَّهُمْ على ما فيه رُشْدُهُمْ بِالنِّكَاحِ لِقَوْلِهِ عز وجل { إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ من فَضْلِهِ }
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ في هذا دَلَالَةٌ على أَشْبَاهٍ له من الْقُرْآنِ جَهِلَهَا من قَصَرَ عِلْمُهُ بِاللِّسَانِ وَالْفِقْهِ فَأَمَّا ما سِوَى ما وَصَفْنَا من أَنَّ لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم من عَدَدِ النِّسَاءِ أَكْثَرَ مِمَّا لِلنَّاسِ وَمَنْ اتَّهَبَ بِغَيْرِ مَهْرٍ وَمِنْ إن أَزْوَاجَهُ أُمَّهَاتُهُمْ لَا يَحْلُلْنَ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ وما في مِثْلِ مَعْنَاهُ من الْحُكْمِ بين الْأَزْوَاجِ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُنَّ وَيَحْرُمُ بِالْحَادِثِ وَلَا يَعْلَمُ حَالَ الناس يُخَالِفُ حَالَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في ذلك فَمِنْ ذلك أَنَّهُ كان يُقَسِّمُ لِنِسَائِهِ فإذا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بها معه وَهَذَا لِكُلِّ من له أَزْوَاجٌ من الناس
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرني محمد بن عَلِيٍّ أَنَّهُ سمع بن شِهَابٍ يحدث عن عُبَيْدِ اللَّهِ عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بين نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بها

(5/142)


يَدُلُّ على ما فيه سَبَبُ الْغِنَى وَالْعَفَافِ كَقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سَافِرُوا تَصِحُّوا وَتُرْزَقُوا فَإِنَّمَا هذا دَلَالَةٌ لَا حَتْمٌ أَنْ يُسَافِرَ لِطَلَبِ صِحَّةٍ وَرِزْقٍ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وما نهى اللَّهُ عنه فَهُوَ مُحَرَّمٌ حتى تُوجَدَ الدَّلَالَةُ عليه بِأَنَّ النَّهْيَ عنه على غَيْرِ التَّحْرِيمِ وَأَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْإِرْشَادُ أو تَنَزُّهًا أو أَدَبًا لِلْمَنْهِيِّ عنه وما نهى عنه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كَذَلِكَ أَيْضًا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ قال الْأَمْرُ على غَيْرِ الْحَتْمِ حتى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ حَتْمٌ انْبَغَى أَنْ تَكُونَ الدَّلَالَةُ على ما وُصِفَتْ من الْفَرْقِ بين الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وما وَصَفْنَا في مُبْتَدَأِ كِتَابِ اللَّهِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَأَشْبَاهٌ لِذَلِكَ سَكَتْنَا عنه اكْتِفَاءً بِمَا ذَكَرْنَا عَمَّا لم نَذْكُرْ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن مُحَمَّدِ بن عَجْلَانَ عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ فإنه إنَّمَا هَلَكَ من كان قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ على أَنْبِيَائِهِمْ فما أَمَرْتُكُمْ بِهِ من أَمْرٍ فائتوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ وما نَهَيْتُكُمْ عنه فَانْتَهُوا
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن أبي الزِّنَادِ عن الْأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مِثْلُ مَعْنَاهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وقد يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ في مَعْنَى النَّهْيِ فَيَكُونَانِ لَازِمَيْنِ إلَّا بِدَلَالَةِ أَنَّهُمَا غَيْرُ لَازِمَيْنِ وَيَكُونُ قَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فائتوا منه ما اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَقُولَ ( 1 ) عليهم إتْيَانُ الْأَمْرِ فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ لِأَنَّ الناس إنَّمَا كُلِّفُوا ما اسْتَطَاعُوا في الْفِعْلِ اسْتِطَاعَةَ شَيْءٍ لِأَنَّهُ شَيْءٌ مُتَكَلَّفٌ وَأَمَّا النَّهْيُ فَالتَّرْكُ لِكُلِّ ما أَرَادَ تَرْكُهُ يَسْتَطِيعُ لِأَنَّهُ ليس بِتَكَلُّفِ شَيْءٍ يَحْدُثُ إنَّمَا هو شَيْءٌ يُكَفُّ عنه + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْكِتَابِ وَمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ طَلَبُ الدَّلَائِلِ لِيُفَرِّقُوا بين الْحَتْمِ وَالْمُبَاحِ وَالْإِرْشَادِ الذي ليس بِحَتْمٍ في الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعًا ( قال ) فَحَتْمٌ لَازِمٌ لِأَوْلِيَاءِ الْأَيَامَى وَالْحَرَائِرِ البوالغ إذَا أَرَدْنَ النِّكَاحَ وَدُعُوا إلَى رِضًا من الْأَزْوَاجِ أَنْ يُزَوِّجُوهُنَّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنْ شَبَهَ على أَحَدٍ أَنَّ مُبْتَدَأَ الْآيَةِ على ذِكْرِ الْأَزْوَاجِ فَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ إنَّمَا نهى عن الْعَضْلِ الْأَوْلِيَاءَ لِأَنَّ الزَّوْجَ إذَا طَلَّقَ فَبَلَغَتْ الْمَرْأَةُ الْأَجَلَ فَهُوَ أَبْعَدُ الناس منها فَكَيْفَ يَعْضُلُهَا من لَا سَبِيلَ وَلَا شِرْكَ له في أَنْ يَعْضُلَهَا في بَعْضِهَا فَإِنْ قال قَائِلٌ قد تَحْتَمِلُ إذَا قَارَبْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل يقول لِلْأَزْوَاجِ { وإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } فَالْآيَةُ تَدُلُّ على أَنَّهُ لم يُرِدْ بها هذا الْمَعْنَى وَأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُهُ لِأَنَّهَا إذَا قَارَبَتْ بُلُوغَ أَجَلِهَا أو لم تَبْلُغْهُ فَقَدْ حَظَرَ اللَّهُ تَعَالَى عليها أَنْ تُنْكَحَ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حتى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ } فَلَا يَأْمُرُ بِأَنْ لَا يَمْنَعَ من النِّكَاحِ من قد مَنَعَهَا منه إنَّمَا يَأْمُرُ بِأَنْ لَا يَمْتَنِعَ مِمَّا أَبَاحَ لها من هو بِسَبَبٍ من مَنْعِهَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وقد حَفِظَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هذه الْآيَةَ نَزَلَتْ في مَعْقِلِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالنِّكَاحِ حَتْمًا وفي كُلٍّ الْحَتْمُ من الله الرُّشْدِ فَيَجْتَمِعُ الْحَتْمُ وَالرُّشْدُ وقال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْأَمْرُ كُلُّهُ على الْإِبَاحَةِ وَالدَّلَالَةِ على الرُّشْدِ حتى تُوجَدَ الدَّلَالَةُ من الْكِتَابِ أو السُّنَّةِ أو الْإِجْمَاعِ على أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْحَتْمُ فَيَكُونُ فَرْضًا لَا يَحِلُّ تَرْكُهُ كَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } فَدَلَّ على أَنَّهُمَا حَتْمٌ وَكَقَوْلِهِ { خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } وَقَوْلِهِ { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وَقَوْلِهِ { وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } فذكر الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ مَعًا في الْأَمْرِ وَأَفْرَدَ الْحَجَّ في الْفَرْضِ فلم يَقُلْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْعُمْرَةُ على الْحَتْمِ وَإِنْ كنا نُحِبُّ أَنْ لَا يَدَعَهَا مُسْلِمٌ وَأَشْبَاهُ هذا في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل كَثِيرٌ

(5/143)


بن يَسَارٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلًا فَطَلَّقَهَا وَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا ثُمَّ طَلَبَ نِكَاحَهَا وَطَلَبَتْهُ فقال زَوَّجْتُك دُونَ غَيْرِك أُخْتِي ثُمَّ طَلَّقْتهَا لَا أُنْكِحُك أَبَدًا فَنَزَلَتْ { وإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } إلَى { أَزْوَاجَهُنَّ } قال وفي هذه الْآيَةِ دَلَالَةٌ على أَنَّ النِّكَاحَ يَتِمُّ بِرِضَا الْوَلِيِّ مع الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَهَذَا مَوْضُوعٌ في ذِكْرِ الْأَوْلِيَاءِ وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ على ما يَدُلُّ عليه الْقُرْآنُ من أَنَّ على وَلِيِّ الْحُرَّةِ أَنْ يَنْكِحَهَا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن عبد اللَّهِ بن الْفَضْلِ عن نَافِعِ بن جُبَيْرٍ عن بن عَبَّاسٍ قال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا وقال أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ من لَا وَلِيَّ له (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَالرَّجُلُ يَدْخُلُ في بَعْضِ أَمْرِهِ في مَعْنَى الْأَيَامَى الَّذِينَ على الْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُنْكِحُوهُنَّ إذَا كان مَوْلًى بَالِغًا يَحْتَاجُ إلَى النِّكَاحِ وَيَقْدِرُ بِالْمَالِ فَعَلَى وَلِيِّهِ إنْكَاحُهُ فَلَوْ كانت الْآيَةُ وَالسُّنَّةُ في الْمَرْأَةِ خَاصَّةً لَزِمَ ذلك عِنْدِي الرَّجُلَ لِأَنَّ مَعْنَى الذي أُرِيدَ بِهِ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ الْعَفَافُ لِمَا خُلِقَ فيها من الشَّهْوَةِ وَخَوْفِ الْفِتْنَةِ وَذَلِكَ في الرَّجُلِ مَذْكُورٌ في الْكِتَابِ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ من النِّسَاءِ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا كان الرَّجُلُ وَلِيَّ نَفْسِهِ وَالْمَرْأَةِ أَحْبَبْت لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا النِّكَاحَ إذَا كان مِمَّنْ تَتُوقُ نَفْسُهُ إلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل أَمَرَ بِهِ وَرَضِيَهُ وَنَدَبَ إلَيْهِ وَجَعَلَ فيه أَسْبَابَ مَنَافِعَ قال { وَجَعَلَ منها زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إلَيْهَا } وقال اللَّهُ عز وجل وَاَللَّهُ { جَعَلَ لَكُمْ من أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ من أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً } وَقِيلَ إنَّ الْحَفَدَةَ الْأَصْهَارُ وقال عز وجل { فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } فَبَلَغَنَا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال تَنَاكَحُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمْ الْأُمَمَ حتى بِالسَّقْطِ وَبَلَغَنَا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال من أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي وَمِنْ سُنَّتِي النِّكَاحُ وَبَلَغَنَا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال من مَاتَ له ثَلَاثَةٌ من الْوَلَدِ لم تَمَسَّهُ النَّارُ وَيُقَالُ إنَّ الرَّجُلَ لَيُرْفَعُ بِدُعَاءِ وَلَدِهِ من بَعْدِهِ ( قال ) وَبَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه قال ما رَأَيْت مِثْلَ من تَرَكَ النِّكَاحَ بَعْدَ هذه الْآيَةِ { إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ من فَضْلِهِ }
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ أَنْ بن عُمَرَ أَرَادَ أَنْ لَا يَنْكِحَ فقالت له حَفْصَةُ تَزَوَّجْ فَإِنْ وُلِدَ لَك وَلَدٌ فَعَاشَ من بَعْدِك دَعَوْا لَك + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ لم تَتُقْ نَفْسُهُ ولم يَحْتَجْ إلَى النِّكَاحِ من الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ بِأَنْ لم تُخْلَقْ فيه الشَّهْوَةُ التي جُعِلَتْ في أَكْثَرِ الْخَلْقِ فإن اللَّهَ عز وجل يقول { زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ من النِّسَاءِ } أو بِعَارِضٍ أَذْهَبَ الشَّهْوَةَ من كِبَرٍ أو غَيْرِهِ فَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَدَعَ النِّكَاحَ بَلْ أُحِبُّ ذلك وَأَنْ يَتَخَلَّى لِعِبَادَةِ اللَّهِ وقد ذَكَرَ اللَّهُ عز وجل الْقَوَاعِدَ من النِّسَاءِ فلم يَنْهَهُنَّ عن الْقُعُودِ ولم يَنْدُبْهُنَّ إلَى نِكَاحٍ فقال { وَالْقَوَاعِدُ من النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غير مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ } الْآيَةَ وَذَكَرَ عَبْدًا أَكْرَمَهُ قال { وَسَيِّدًا وَحَصُورًا } وَالْحَصُورُ الذي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ ولم يَنْدُبْهُ إلَى نِكَاحٍ فَدَلَّ ذلك وَاَللَّهُ أَعْلَمُ على أَنَّ الْمَنْدُوبَ إلَيْهِ من يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِمَّنْ يَكُونُ مُحْصَنًا له عن الْمَحَارِمِ وَالْمَعَانِي التي في النِّكَاحِ فإن اللَّهَ عز وجل يقول { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَالرَّجُلُ لَا يَأْتِي النِّسَاءَ إذَا نَكَحَ فَقَدْ غَرَّ الْمَرْأَةَ وَلَهَا الْخِيَارُ في الْمُقَامِ أو فِرَاقِهِ إذَا جَاءَتْ سَنَةُ أَجَلِهَا من يَوْمِ يَضْرِبُ له السُّلْطَانُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) أُحِبُّ النِّكَاحَ لِلْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ اللَّاتِي لَا يَطَؤُهُنَّ سَادَاتُهُنَّ احْتِيَاطًا لِلْعَفَافِ وَطَلَبِ فَضْلٍ وَغِنًى فَإِنْ كان إنْكَاحُهُنَّ وَاجِبًا كان قد أَدَّى فَرْضًا وَإِنْ لم يَكُنْ وَاجِبًا كان مَأْجُورًا إذَا احْتَسَبَ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وإذا كانت أَحَقَّ بِنَفْسِهَا وكان النِّكَاحُ يَتِمُّ بِهِ لم يَكُنْ له مَنْعُهَا النِّكَاحَ وَقَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ من لَا وَلِيَّ له يَدُلُّ على أَنَّ السُّلْطَانَ يُنْكِحُ الْمَرْأَةَ لَا وَلِيَّ لها وَالْمَرْأَةُ لها وَلِيٌّ يَمْتَنِعُ من إنْكَاحِهَا إذَا أَخْرَجَ الْوَلِيُّ نَفْسَهُ من الْوِلَايَةِ بِمَعْصِيَتِهِ بِالْعَضْلِ وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مُثْبَتَانِ في كِتَابِ الْأَوْلِيَاءِ

(5/144)


نِيَّتَهُ على الْتِمَاسِ الْفَضْلِ بِالِاحْتِيَاطِ وَالتَّطَوُّعِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنْ يُحِلَّهُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حتى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ من فَضْلِهِ } فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونُوا إنَّمَا أُمِرُوا بِالِاسْتِعْفَافِ عن أَنْ يَتَنَاوَلَ الْمَرْءُ بِالْفَرْجِ ما لم يُبَحْ له بِهِ فَيَصْبِرُ إلَى أَنْ يُغْنِيَهُ اللَّهُ من فَضْلِهِ فَيَجِدُ السَّبِيلَ إلَى ما أَحَلَّ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وهو يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ في مِثْلِ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عز وجل في مَالِ الْيَتِيمِ { وَمَنْ كان غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ } وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالِاسْتِعْفَافِ أَنْ لَا يَأْكُلَ منه شيئا فَإِنْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مِلْكَ يَمِينٍ فقال فقال فَلِمَ لَا تَتَسَرَّى عَبْدَهَا كما يَتَسَرَّى الرَّجُلُ امته قُلْنَا إنَّ الرَّجُلَ هو النَّاكِحُ الْمُتَسَرِّي وَالْمَرْأَةَ الْمَنْكُوحَةُ المتسراة فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ بِالشَّيْءِ خِلَافُهُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُخَالِفُهُ قُلْنَا إذَا كان الرَّجُلُ يُطَلِّقُ الْمَرْأَةَ فَتَحْرُمُ عليه وَلَيْسَ لها أَنْ تُطَلِّقَهُ وَيُطَلِّقُهَا وَاحِدَةً فَيَكُونُ له أَنْ يُرَاجِعَهَا في الْعِدَّةِ وَإِنْ كَرِهَتْ دَلَّ على أَنَّ مَنْعَهَا له وَأَنَّهُ الْقَيِّمُ عليها وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ قَيِّمَةً عليه وَمُخَالِفَةً له فلم يَجُزْ أَنْ يُقَالَ لها أَنْ تَتَسَرَّى عَبْدًا لِأَنَّهَا المتسراة وَالْمَنْكُوحَةُ لَا الْمُتَسَرِّيَةُ وَلَا النَّاكِحَةُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ عز وجل لِمَنْ لَا زَوْجَةَ له أَنْ يَجْمَعَ بين أَرْبَعِ زَوْجَاتٍ قُلْنَا حُكْمُ اللَّهِ عز وجل يَدُلُّ على أَنَّ من طَلَّقَ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ له طَلَاقًا لَا يَمْلِكُ رَجْعَةً أو يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَلَيْسَ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ في عِدَّتِهَا منه حَلَّ له أَنْ يَنْكِحَ مَكَانَهُنَّ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ لَا زَوْجَةَ له وَلَا عِدَّةَ عليه وَكَذَلِكَ يَنْكِحُ أُخْتَ إحْدَاهُنَّ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَمَّا قال اللَّهُ عز وجل { فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } كان في هذه الْآيَةِ دَلِيلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ على أَنَّهُ إنَّمَا خَاطَبَ بها الاحرار دُونَ الْمَمَالِيكِ لِأَنَّهُمْ النَّاكِحُونَ بِأَنْفُسِهِمْ لَا المنكحهم غَيْرُهُمْ وَالْمَالِكُونَ لَا الَّذِينَ يَمْلِكُ عليهم غَيْرُهُمْ وَهَذَا ظَاهِرُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا أُوجِبُهُ إيجَابَ نِكَاحِ الْأَحْرَارِ لِأَنِّي وَجَدْت الدَّلَالَةَ في نِكَاحِ الْأَحْرَارِ وَلَا أَجِدُهَا في نِكَاحِ الْمَمَالِيكِ - * ما جاء في عَدَد ما يَحِلّ من الْحَرَائِر وَالْإِمَاء وما تَحِلّ بِهِ الْفُرُوج - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال قال الشَّافِعِيُّ قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { قد عَلِمْنَا ما فَرَضْنَا عليهم في أَزْوَاجِهِمْ وما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } وقال { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } وقال عز وجل { فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } فَأَطْلَقَ اللَّهُ عز وجل ما مَلَكَتْ الْأَيْمَانُ فلم يَحُدَّ فِيهِنَّ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ فَلِلرَّجُلِ أَنْ يَتَسَرَّى كَمْ شَاءَ وَلَا اخْتِلَافَ عَلِمْته بين أَحَدٍ في هذا وَانْتَهَى ما أَحَلَّ اللَّهُ بِالنِّكَاحِ إلَى أَرْبَعٍ وَدَلَّتْ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْمُبَيَّنَةُ عن اللَّهِ عز وجل على أَنَّ انْتِهَاءَهُ إلَى أَرْبَعٍ تَحْرِيمًا منه لَأَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ غَيْرُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بين أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ لَا أَنَّهُ يَحْرُمُ أَنْ يَنْكِحَ في عُمُرِهِ أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ إذَا كُنَّ مُتَفَرِّقَاتٍ ما لم يَجْمَعْ بين أَكْثَرَ مِنْهُنَّ وَلِأَنَّهُ أَبَاحَ الْأَرْبَعَ وَحَرَّمَ الْجَمْعَ بين أَكْثَرَ مِنْهُنَّ فقال لِغَيْلَانَ بن سَلَمَةَ وَنَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِمَا وَأَسْلَمُوا وَعِنْدَهُمْ أَكْثَرُ من أَرْبَعٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ وقال عز وجل { قد عَلِمْنَا ما فَرَضْنَا عليهم في أَزْوَاجِهِمْ وما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } وَذَلِكَ مُفَرَّقٌ في مَوَاضِعِهِ في الْقَسْمِ بَيْنَهُنَّ وَالنَّفَقَةِ وَالْمَوَارِيثِ وَغَيْرِ ذلك وَقَوْلُهُ { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا على أَزْوَاجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } دَلِيلٌ على أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ أَحَلَّ النِّكَاحَ وما مَلَكَتْ الْيَمِينُ وَالثَّانِي يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَبَاحَ الْفِعْلَ لِلتَّلَذُّذِ وَغَيْرِهِ بِالْفَرْجِ في زَوْجَةٍ أو ما مَلَكَتْ يَمِينٌ من الْآدَمِيِّينَ وَمِنْ الدَّلَالَةِ على ذلك قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذلك فَأُولَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ } وَإِنْ لم تَخْتَلِفْ الناس في تَحْرِيمِ ما مَلَكَتْ الْيَمِينُ من الْبَهَائِمِ فَلِذَلِكَ خِفْت أَنْ يَكُونَ الِاسْتِمْنَاءُ حَرَامًا من قِبَلِ أَنَّهُ ليس من الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ أُبِيحَا لِلْفَرْجِ

(5/145)


مَعْنَى الْآيَةِ وَإِنْ احْتَمَلَتْ أَنْ تَكُونَ على كل نَاكِحٍ وَإِنْ كان مَمْلُوكًا أو مَالِكًا وَهَذَا وَإِنْ كان مَمْلُوكًا فَهُوَ مَوْضُوعٌ في نِكَاحِ الْعَبْدِ وَتَسَرِّيه - * الْخِلَافُ في هذا الْبَابِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) قُلْت لِبَعْضِ من يقول هذا الْقَوْلَ هل لِمُطَلِّقِ نِسَائِهِ ثلاثا ( ( ( ثلاثة ) ) ) زَوْجَةٌ قال لَا قُلْت فَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ عز وجل لِمَنْ لَا زَوْجَةَ له أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا وَحَرَّمَ الْجَمْعَ بين الْأُخْتَيْنِ ولم يَخْتَلِفْ الناس في إبَاحَةِ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إذَا لم يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا على الِانْفِرَادِ فَهَلْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَّقَ إحْدَاهُمَا ثَلَاثًا وقد حَكَمَ اللَّهُ بين الزَّوْجَيْنِ أَحْكَامًا فقال { لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ من نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ } وقال { الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ من نِسَائِهِمْ } وقال { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } وقال { وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ } وقال { وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ } أَفَرَأَيْت الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا إنْ آلَى منها في الْعِدَّةِ أَيَلْزَمُهُ إيلَاءٌ قال لَا قُلْت فَإِنْ تَظَاهَرَ أَيَلْزَمُهُ الظِّهَارُ قال لَا قُلْت فَإِنْ قَذَفَ أَيَلْزَمُهُ اللِّعَانُ أو مَاتَ أَتَرِثُهُ أو مَاتَتْ أَيَرِثُهَا قال لَا قُلْت فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ التي حَكَمَ اللَّهُ عز وجل بها بين الزَّوْجَيْنِ تَدُلُّ على أَنَّ الزَّوْجَةَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَإِنْ كانت تَعْتَدُّ قال نعم قُلْت له فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَحْكَامٍ لِلَّهِ خَالَفْتهَا وَحَرَّمْت عليه أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا وقد أَبَاحَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى له وَأَنْ يَنْكِحَ أُخْتَ امْرَأَتِهِ وهو إذَا نَكَحَهَا لم يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا وَهِيَ في عَدَدِ من أَبَاحَ اللَّهُ له فَأَنْتَ تُرِيدُ زَعَمْت إبْطَالَ الْيَمِينِ مع الشَّاهِدِ بِأَنْ تَقُولَ تُخَالِفُ الْقُرْآنَ وَهِيَ لَا تُخَالِفُهُ وَهِيَ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ تُخَالِفُ أنت سَبْعَ آيَاتٍ من الْقُرْآنِ لَا تَدَّعِي فيها خَبَرًا عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا خَبَرًا صَحِيحًا عن أَحَدٍ من أَصْحَابِهِ قال قد قَالَهُ بَعْضُ التَّابِعِينَ قُلْت فإن من سَمَّيْت من التَّابِعِينَ وَأَكْثَرَ منهم إذَا قالوا شيئا ليس فيه كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ لم يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ لِأَنَّ الْقَوْلَ الذي يُقْبَلُ ما كان في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل أو سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو حَدِيثٍ صَحِيحٍ عن أَحَدٍ من أَصْحَابِهِ أو إجْمَاعٍ فَمَنْ كان عِنْدَك هَكَذَا يُتْرَكُ قَوْلُهُ لَا يُخَالِفُ بِهِ غَيْرَهُ أَتَجْعَلُهُ حُجَّةً على كِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَمَنْ قال قَوْلَك في أَنْ لَا يَنْكِحَ ما دَامَ الْأَرْبَعُ في الْعِدَّةِ وَجَعَلَهَا في مَعَانِي الْأَزْوَاجِ لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ يَلْحَقُهَا الْإِيلَاءُ وَالظِّهَارُ وَاللِّعَانُ وَيَتَوَارَثَانِ قال فما أَقُولُهُ قُلْت فَلِمَ لَا تَكُونُ في حُكْمِ الزَّوْجَةِ عِنْدَك في مَعْنًى وَاحِدٍ دُونَ الْمَعَانِي فقال أَقَالَ قَوْلَك غَيْرُك قُلْت نعم الْقَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ وَسَالِمُ بن عبيد ( ( ( عبد ) ) ) اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ دَارِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ حَرَمِ اللَّهِ عز وجل ما يَحْتَاجُ فيه إلَى أَنْ يحكى قَوْلَ أَحَدٍ لِثُبُوتِ الْحُجَّةِ فيها بِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَنْصُوصَةِ التي لَا يَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرِهَا لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غير ظَاهِرِهَا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن رَبِيعَةَ بن أبي عبد الرحمن عن الْقَاسِمِ وَعُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ في الرَّجُلِ عِنْدَهُ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَيُطَلِّقُ إحْدَاهُنَّ البتة إنه يَتَزَوَّجُ إنْ شَاءَ وَلَا يَنْتَظِرُ أَنْ تَمْضِيَ عِدَّتُهَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال فَإِنِّي إنَّمَا قُلْت هذا لِئَلَّا يَجْتَمِعَ مَاؤُهُ في أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ وَلِئَلَّا يَجْتَمِعَ في أُخْتَيْنِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَقُلْت له فَإِنَّمَا كان ( 1 ) لِلْعَالِمِينَ ذَوِي الْعُقُولِ من أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولُوا من خَبَرٍ أو قِيَاسٍ عليه وَلَا يَكُونَ لهم أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُمَا عِنْدَنَا وَعِنْدَك وَلَوْ كان لهم أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهُمَا كان لِغَيْرِهِمْ أَنْ يَقُولَ مَعَهُمْ قال أَجَلْ قُلْت أَفَقُلْت قَوْلَك هذا بِخَبَرٍ لَازِمٍ أو قِيَاسٍ فَهُوَ خِلَافُ هذا كُلِّهِ وَلَيْسَ لَك خِلَافٌ وَاحِدٌ منهم في أَصْلِ ما تَقُولُ قال يَتَفَاحَشُ أَنْ يَجْتَمِعَ مَاؤُهُ في أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ أو في أُخْتَيْنِ قُلْت الْمُتَفَاحَشُ أَنْ تُحَرِّمَ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال بَعْضُ الناس إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ أَرْبَعَ نِسْوَةٍ له ثَلَاثًا أو طَلَاقًا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ أو لَا رَجْعَةَ له على وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَلَا يَنْكِحُ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ وَلَا يَجْمَعُ مَاءَهُ في أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ وَلَوْ طَلَّقَ وَاحِدَةً ثَلَاثًا لم يَكُنْ له أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا في عِدَّتِهَا

(5/146)


عليه ما أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى له وَإِحْدَى الْأُخْتَيْنِ مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ عز وجل له وَقُلْت له لو كان في قَوْلِك لَا يَجْتَمِعُ مَاؤُهُ في أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ حُجَّةً فَكُنْت إنَّمَا حَرَّمْت عليه أَنْ يَنْكِحَ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الْأَرْبَعِ لِلْمَاءِ كُنْت مَحْجُوجًا بِقَوْلِك قال وَأَيْنَ قُلْت أَرَأَيْت إذَا نَكَحَ أَرْبَعًا فَأَغْلَقَ عَلَيْهِنَّ أو أَرْخَى الْأَسْتَارَ ولم يَمَسَّ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ أَعَلَيْهِنَّ الْعِدَّةُ قال نعم قُلْت أَفَيَنْكِحُ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ قبل أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ قال لَا قُلْت أَفَرَأَيْت لو دخل بِهِنَّ فَأَصَابَهُنَّ ثُمَّ غَابَ عَنْهُنَّ سِنِينَ ثُمَّ طَلَّقَهُنَّ وَلَا عَهْدَ له بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قبل الطَّلَاقِ بِثَلَاثِينَ سَنَةً أَيَنْكِحُ في عِدَّتِهِنَّ قال لَا قُلْت أَفَرَأَيْت لو كان يَعْزِلُ عَنْهُنَّ ثُمَّ طَلَّقَهُنَّ أَيَنْكِحُ في عِدَّتِهِنَّ قال لَا قُلْت له أَرَأَيْت لو كان قَوْلُك إنَّمَا حَرَّمْت عليه أَنْ يَنْكِحَ في عِدَّتِهِنَّ لِلْمَاءِ كما وَصَفْت أَتُبِيحُ له أَنْ يَنْكِحَ في عِدَّةِ من سَمَّيْت وفي عِدَّةِ الْمَرْأَةِ تَلِدُ فَيُطَلِّقُهَا سَاعَةً تَضَعُ قبل أَنْ يَمَسَّهَا وفي الْمَرْأَةِ يُطَلِّقُهَا حَائِضًا أَتُبِيحُ له أَنْ يَنْكِحَ بِمَا لَزِمَك في هذه الْمَوَاضِعِ وَقُلْت اعزل عَمَّنْ نَكَحْت وَلَا تُصِبْ مَاءَك حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ نِسَائِك اللَّاتِي طَلَّقْت قال أَفَأَقِفُهُ عن إصَابَةِ امْرَأَتِهِ فَقُلْت يَلْزَمُك ذلك في قَوْلِك قال وَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُنِي أَفَتَجِدُنِي أَقُولُ مثله قُلْت نعم أنت تَزْعُمُ أَنَّهُ لو نَكَحَ امْرَأَةً فَأَخْطَأَهَا إلَى غَيْرِهَا فَأَصَابَهَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَكَانَتْ امْرَأَةَ الْأَوَّلِ وَاعْتَزَلَهَا زَوْجُهَا حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا وَتَزْعُمَ أَنَّ له أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْرِمَةَ وَالْحَائِضَ وَلَا يُصِيبُ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَتَقُولُ له أَنْ يَنْكِحَ الْحُبْلَى من زِنًا وَلَا يُصِيبُهَا فَقُلْت له وما الْمَاءُ من النِّكَاحِ أَرَأَيْت لو أَصَابَهُنَّ وَفِيهِنَّ مَاؤُهُ ثُمَّ أَرَادَ الْعَوْدَ لِإِصَابَتِهِنَّ أَمَا ذلك مِمَّا يَحِلُّ له قال بَلَى قُلْت كما يُبَاحُ له لو لم يُصِبْهُنَّ قبل ذلك قال نعم فَقُلْت فإذا طَلَّقَهُنَّ وَفِيهِنَّ مَاؤُهُ ثَلَاثًا أَيَكُونُ له أَنْ يُعِيدَ فِيهِنَّ مَاءً آخَرَ وَإِنَّمَا أَقَرَّ فِيهِنَّ مَاءَهُ قبل ذلك بِسَاعَةٍ قال لَا وقد انْتَقَلَ حُكْمُهُ قُلْت فَالْمَاءُ ها هنا وَغَيْرُ الْمَاءِ سَوَاءٌ فِيمَا يَحِلُّ له وَيَحْرُمُ عليه قال نعم قُلْت فَكَيْفَ لَا يَكُونُ هَكَذَا في مِثْلِ هذا الْمَعْنَى وَمَعَهُ كِتَابُ اللَّهِ عز وجل وَقُلْت أَرَأَيْت الْمَرْأَةَ إذَا أُصِيبَتْ لَيْلًا في شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ أَصْبَحَ الزَّوْجَانِ جُنُبَيْنِ أَيُفْسِدُ صَوْمَهُمَا أو صَوْمَ الْمَرْأَةِ كَيْنُونَةُ الْمَاءِ فيها قال لَا قُلْت له فَكَذَلِكَ لو أَصَابَهَا ثُمَّ أَحْرَمَا جُنُبَيْنِ وَفِيهَا الْمَاءُ ثُمَّ حَجَّ بها وَفِيهَا الْمَاءُ قال نعم قُلْت وَلَيْسَ له أَنْ يُصِيبَهَا نَهَارًا وَلَا مُحْرِمًا حين تَحَوَّلَتْ حَالُهُ وَلَا يَصْنَعُ الْمَاءَ في أَنْ يَحِلَّهَا له وَلَا يُفْسِدُ عليه حَجًّا وَلَا صَوْمًا إذَا كان مُبَاحًا ثُمَّ انْتَقَلَتْ حَالُهُمَا إلَى حَالَةٍ حَظَرَتْ إصَابَتَهَا فيه شيئا قال نعم فَقُلْت له فَالْمَاءُ كان فِيهِنَّ وَهُنَّ أَزْوَاجٌ يَحِلُّ ذلك فِيهِنَّ ثُمَّ طَلَّقَهُنَّ ثَلَاثًا فَانْتَقَلَ حُكْمُهُ وَحُكْمُهُنَّ إلَى أَنْ كان غير ذِي زَوْجَةٍ وَكُنَّ أَبْعَدَ الناس منه غير ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ وَلَا يَحْلُلْنَ له إلَّا بِانْقِضَاءِ عِدَّةٍ وَنِكَاحِ غَيْرِهِ وَطَلَاقِهِ أو مَوْتِهِ وَالْعِدَّةِ منه وَالنِّسَاءُ سِوَاهُنَّ يَحْلُلْنَ له من سَاعَتِهِ فَحَرَّمْت عليه أَبْعَدَ النِّسَاءِ من أَنْ تَكُونَ زَوْجًا له إلَّا بِمَا يَحِلُّ له وَزَعَمْت أَنَّ الرَّجُلَ يَعْتَدُّ وقد خَالَفْت اللَّهَ بين حُكْمِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَجَعَلَ إلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ وَأَنْ يُنْفِقَ وَزَعَمْت أَنْ ليس له ما جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ وَلَا عليه ما فَرَضَتْ السُّنَّةُ عليه من النَّفَقَةِ وَأَنَّ عليه كُلَّ ما جُعِلَ له وَعَلَيْهِ ثُمَّ جَعَلَ اللَّهُ عليها أَنْ تَعْتَدَّ فَأَدْخَلْته مَعَهَا فِيمَا جُعِلَ عليها دُونَهُ فَخَالَفْت أَيْضًا حُكْمَ اللَّهِ فَأَلْزَمْتهَا الرَّجُلَ وَإِنَّمَا جَعَلَهَا اللَّهُ على الْمَرْأَةِ فَكَانَتْ هِيَ الْمُعْتَدَّةُ وَالزَّوْجُ الْمُطَلِّقُ أو الْمَيِّتُ فَتَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ بِقَوْلِهِ أو مَوْتِهِ ثُمَّ قُلْت في عِدَّتِهِ قَوْلًا مُتَنَاقِضًا قال وما قُلْت قُلْت إذَا جَعَلْت عليه الْعِدَّةَ كما جَعَلْتهَا عليها أَفَيُحِدُّ كما تُحِدُّ وَيَجْتَنِبُ من الطِّيبِ كما تَجْتَنِبُ من الصَّبْغِ وَالْحُلِيُّ مِثْلَهَا قال لَا قُلْت وَيَعْتَدُّ من وَفَاتِهَا كما تَعْتَدُّ من وَفَاتِهِ فَلَا يَنْكِحُ أُخْتَهَا وَلَا أَرْبَعًا سِوَاهَا حتى تَأْتِيَ عليه أَرْبَعَةُ أَشْهُرِ وَعَشْرُ قال لَا قُلْت وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ قبل دَفْنِهَا أُخْتَهَا إنْ شَاءَ وَأَرْبَعًا سِوَاهَا قال نعم قُلْت له هذا في قَوْلِك يَعْتَدُّ مَرَّةً وَيَسْقُطُ عنه في عِدَّتِهِ اجْتِنَابُ ما تَجْتَنِبُ الْمُعْتَدَّةُ وَلَا يَعْتَدُّ أُخْرَى أَفَيُقْبَلُ من أَحَدٍ من الناس مِثْلُ هذا الْقَوْلِ الْمُتَنَاقِضِ وما حُجَّتُك على جَاهِلٍ لو قال لَا تَعْتَدُّ من طَلَاقٍ وَلَكِنْ تَجْتَنِبُ الطِّيبَ وَتَعْتَدُّ من الْوَفَاةِ هل هو إلَّا أَنْ يَكُونَ عليه ما عليها من الْعِدَّةِ فَيَكُونَ مِثْلَهَا في كل حَالٍ أَمْ لَا يَكُونُ فَلَا يَعْتَدُّ بِحَالٍ
____________________

(5/147)


- * ما جاء في نِكَاحِ الْمَحْدُودَيْنِ - * قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أو مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلَّا زَانٍ أو مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلك على الْمُؤْمِنِينَ } (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَرُوِيَ من وَجْهٍ آخَرَ غَيْرِ هذا عن عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قال لَا يَزْنِي الزَّانِي إلَّا بِزَانِيَةٍ أو مُشْرِكَةٍ وَالزَّانِيَةُ لَا يَزْنِي بها إلَّا زَانٍ أو مُشْرِكٌ قال أبو عبد اللَّهِ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِهِ يَنْكِحُ أَيْ يُصِيبُ فَلَوْ كان كما قال مُجَاهِدٌ نَزَلَتْ في بَغَايَا من بَغَايَا الْجَاهِلِيَّةِ فَحُرِّمْنَ على الناس إلَّا من كان منهم زَانِيًا أو مُشْرِكًا فَإِنْ كُنَّ على الشِّرْكِ فَهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ على زُنَاةِ المسلمين ( ( ( المشركين ) ) ) وَغَيْرِ زُنَاتِهِمْ وَإِنْ كُنَّ أَسْلَمْنَ فَهُنَّ بِالْإِسْلَامِ مُحَرَّمَاتٌ على جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لهم وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالِاخْتِلَافُ بين أَحَدٍ من أَهْلِ الْعِلْمِ في تَحْرِيمِ الْوَثَنِيَّاتِ عَفَائِفَ كُنَّ أو زَوَانِيَ على من آمَنَ زَانِيًا كان أو عَفِيفًا وَلَا في أَنَّ الْمُسْلِمَةَ الزَّانِيَةَ مُحَرَّمَةٌ على الْمُشْرِكِ بِكُلِّ حَالٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ لَا يَزْنِي الزَّانِي إلَّا بِزَانِيَةٍ أو مُشْرِكَةٍ تَبْيِينُ شَيْءٍ إذَا زَنَى فَطَاوَعَتْهُ مُسْلِمًا كان أو مُشْرِكًا أو مُسْلِمَةً كانت أو مُشْرِكَةً فَهُمَا زَانِيَانِ وَالزِّنَا مُحَرَّمٌ على الْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ في هذا أَمْرٌ يُخَالِفُ ما ذَهَبْنَا إلَيْهِ فَنَحْتَجُّ عليه + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ قال هذا حَكَمَ بَيْنَهُمَا فَالْحُجَّةُ عليه بِمَا وَصَفْنَا من كِتَابِ اللَّهِ عز وجل الذي اجْتَمَعَ على ثُبُوتِ مَعْنَاهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ فَاجْتِمَاعُهُمْ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل { فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لهم وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } وَقَوْلُهُ عز وجل { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ من مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حتى يُؤْمِنُوا } فَقَدْ قِيلَ إنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ في مُشْرِكَاتِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ وقد قِيلَ في الْمُشْرِكَاتِ عَامَّةً ثُمَّ رَخَّصَ مِنْهُنَّ في حَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ولم يَخْتَلِفْ الناس فِيمَا عَلِمْنَا في أَنَّ الزَّانِيَةَ الْمُسْلِمَةَ لَا تَحِلُّ لِمُشْرِكٍ وَثَنِيٍّ وَلَا كِتَابِيٍّ وَأَنَّ الْمُشْرِكَةَ الزَّانِيَةَ لَا تَحِلُّ لِمُسْلِمٍ زَانٍ وَلَا غَيْرِهِ فَإِجْمَاعُهُمْ على هذا الْمَعْنَى في كِتَابِ اللَّهِ حُجَّةٌ على من قال هو حُكْمٌ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ في قَوْلِهِ إنَّ الزَّانِيَةَ الْمُسْلِمَةَ يَنْكِحُهَا الزَّانِي أو الْمُشْرِكُ وقد اعْتَرَفَ مَاعِزٌ عِنْدَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( 1 ) وقد حَلَّفَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِكْرًا في الزنى فَجَلَدَهُ وَجَلَدَ امْرَأَةً فَلَا نَعْلَمُهُ قال لِلزَّوْجِ هل لَك زَوْجَةٌ فَتَحْرُمُ عَلَيْك إذَا زَنَيْت وَلَا يُزَوَّجْ هذا الزَّانِي وَلَا الزَّانِيَةُ إلَّا زَانِيَةً أو زَانِيًا بَلْ يُرْوَى عنه صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ رَجُلًا شَكَا من امْرَأَتِهِ فُجُورًا فقال طَلِّقْهَا فقال إنِّي أُحِبُّهَا فقال اسْتَمْتِعْ بها وقد رُوِيَ عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ قال لِرَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً أَحْدَثَتْ وَتَذَكَّرَ حَدَثَهَا فقال عُمَرُ انْكِحْهَا نِكَاحَ الْعَفِيفَةِ الْمُسْلِمَةِ - * ما جاء فِيمَا يَحْرُمُ من نِكَاحِ الْقَرَابَةِ وَالرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ قال اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ إلَى
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ في هذه الْآيَةِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا وَاَلَّذِي يُشْبِهُهُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ما قال بن الْمُسَيِّبِ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سُفْيَانُ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قال هِيَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ من عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } فَهِيَ من أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا كما قال بن الْمُسَيِّبِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَعَلَيْهِ دَلَائِلُ من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سُفْيَانُ عن عبد اللَّهِ بن أبي يَزِيدَ عن بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قال في هذه الْآيَةِ إنَّهَا حَكَمٌ بَيْنَهُمَا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن مُجَاهِدٍ أَنَّ هذه الْآيَةَ نَزَلَتْ في بَغَايَا من بَغَايَا الْجَاهِلِيَّةِ كانت على مَنَازِلِهِمْ رَايَاتٌ

(5/148)


قَوْلِهِ إلَّا ما قد سَلَفَ إنَّ اللَّهَ كان غَفُورًا رَحِيمًا (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) إذَا حَرُمَ من الرَّضَاعِ ما حَرُمَ من الْوِلَادَةِ حَرُمَ لَبَنُ الْفَحْلِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) لو تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَمَاتَتْ أو طَلَّقَهَا ولم يَدْخُلْ بها فَلَا أَرَى له أَنْ يَنْكِحَ أُمَّهَا لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل قال { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ } ولم يَشْتَرِطْ فِيهِنَّ كما شَرَطَ في الرَّبَائِبِ وهو قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِمَّنْ لَقِيت من الْمُفْتِينَ وَكَذَلِكَ جَدَّاتُهَا وَإِنْ بَعُدْنَ لِأَنَّهُنَّ أُمَّهَاتُ امْرَأَتِهِ وإذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ فلم يَدْخُلْ بها حتى مَاتَتْ أو طَلَّقَهَا فَأَبَانَهَا فَكُلُّ بِنْتٍ لها وَإِنْ سَفُلَتْ حَلَالٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لم تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فَإِنْ دخل بِالْأُمِّ لم تَحِلَّ له الِابْنَةُ وَلَا وَلَدُهَا وَإِنْ تَسَفَّلَ كُلُّ من وَلَدَتْهُ قال اللَّهُ عز وجل { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ من أَصْلَابِكُمْ } فَأَيُّ امْرَأَةٍ نَكَحَهَا رَجُلٌ دخل بها أو لم يَدْخُلْ بها لم يَكُنْ لِلْأَبِ أَنْ يَنْكِحَهَا أَبَدًا وَمِثْلُ الْأَبِ في ذلك آبَاؤُهُ كلهم من قِبَلِ أبيه وَأُمِّهِ فَكَذَلِكَ كُلُّ من نَكَحَ وَلَدُ وَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَإِنْ سَفَلُوا لِأَنَّهُمْ بَنُوهُ قال اللَّهُ عز وجل { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَكَذَلِكَ امْرَأَةُ ابنة الذي أَرْضَعَ تَحْرُمُ هذه بِالْكِتَابِ وَهَذِهِ بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال يَحْرُمُ من الرَّضَاعِ ما يَحْرُمُ من الْوِلَادَةِ وَلَيْسَ هو خِلَافًا لِلْكِتَابِ لِأَنَّهُ إذَا حَرَّمَ حَلَائِلَ الْأَبْنَاءِ من الْأَصْلَابِ فلم يَقُلْ غير أَبْنَائِهِمْ من أَصْلَابِهِمْ وَكَذَلِكَ الرَّضَاعُ في هذا الْمَوْضِعِ يَقُومُ مَقَامَ النَّسَبِ فَأَيُّ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا رَجُلٌ دخل بها أو لم يَدْخُلْ بها لم يَكُنْ لِوَلَدِهِ وَلَا لِوَلَدِ وَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَإِنْ سَفَلُوا أَنْ يَنْكِحَهَا أَبَدًا لِأَنَّهَا امْرَأَةُ أَبٍ لِأَنَّ الْأَجْدَادَ آبَاءٌ في الْحُكْمِ وفي أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ لِأَنَّهُ لم يَسْتَثْنِ فِيهِمَا وَلَا في أُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَكَذَلِكَ أبو الْمُرْضَعِ له وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَالْأُمَّهَاتُ أُمُّ الرَّجُلِ وَأُمَّهَاتُهَا وَأُمَّهَاتُ آبَائِهِ وَإِنْ بعدن ( ( ( بعدت ) ) ) الْجَدَّاتُ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُنَّ اسْمُ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتُ بَنَاتُ الرَّجُلِ لِصُلْبِهِ وَبَنَاتُ بَنِيهِ وَبَنَاتُهُ وَإِنْ سَفُلْنَ فَكُلُّهُنَّ يَلْزَمُهُنَّ اسْمُ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتُ من وَلَدَ أَبُوهُ لِصُلْبِهِ أو أُمُّهُ بِعَيْنِهَا وَعَمَّاتُهُ من وَلَدِ جَدِّهِ وَجَدَّتِهِ وَمَنْ فَوْقَهُمَا من أَجْدَادِهِ وَجَدَّاتِهِ وَخَالَاتُهُ من وَلَدَتْهُ جَدَّتُهُ أُمُّ أُمِّهِ وَمَنْ فَوْقَهَا من جَدَّاتِهِ من قِبَلِهَا وَبَنَاتُ الْأَخِ كُلٌّ من وَلَدِ الْأَخِ لِأَبِيهِ أو لِأُمِّهِ أو لَهُمَا وَمِنْ وَلَدِ وَلَدِهِ وأولاد ( ( ( وأولاده ) ) ) بَنِي أَخِيهِ وَإِنْ سَفُلُوا وَهَكَذَا بَنَاتُ الْأُخْتِ وَحَرَّمَ اللَّهُ الْأُمَّ وَالْأُخْتَ من الرَّضَاعَةِ فَتَحْرِيمُهُمَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا إذَا ذَكَرَ اللَّهُ تَحْرِيمَهُمَا ولم يذكر في الرَّضَاعِ تَحْرِيمَ غَيْرِهِمَا لِأَنَّ الرَّضَاعَةَ أَضْعَفُ سَبَبًا من النَّسَبِ فإذا كان النَّسَبُ الذي هو أَقْوَى سَبَبًا قد يَحْرُمُ بِهِ ذَوَاتُ نَسَبٍ ذُكِرْنَ وَيُحِلُّ ذَوَاتُ نَسَبِ غَيْرِهِنَّ إنْ سَكَتَ عَنْهُنَّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ هَكَذَا وَلَا يَحْرُمُ بِهِ إلَّا الْأُمُّ وَالْأُخْتُ وقد تَحْرُمُ على الرَّجُلِ أُمُّ امْرَأَتِهِ وَإِنْ لم يَدْخُلْ بِامْرَأَتِهِ وَلَا تَحْرُمُ عليه ابْنَتُهَا إذَا لم يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَالْمَعْنَى الثَّانِي إذَا حَرَّمَ اللَّهُ الْأُمَّ وَالْأُخْتَ من الرَّضَاعَةِ كما حَرَّمَ اللَّهُ الْوَالِدَةَ وَالْأُخْتَ التي وَلَدُهَا أَحَدُ الْوَالِدَيْنِ أو هُمَا ولم يُحَرِّمْهُمَا بِقَرَابَةِ غَيْرِهِمَا وَلَا بِحُرْمَةِ غَيْرِهِمَا كما حَرَّمَ ابْنَةَ امْرَأَتِهِ بِحُرْمَةِ امْرَأَتِهِ وَامْرَأَةَ الإبن بِحُرْمَةِ الإبن وَامْرَأَةَ الْأَبِ بِحُرْمَةِ الْأَبِ فَاجْتَمَعَتْ الْأُمُّ من الرَّضَاعَةِ إذْ حُرِّمَتْ بِحُرْمَةِ نَفْسِهَا وَالْأُخْتُ من الرَّضَاعَةِ إذْ حُرِّمَتْ نَصًّا وَكَانَتْ ابْنَةَ الْأُمِّ أَنْ تَكُونَ من سِوَاهَا من قَرَابَتِهَا تَحْرُمُ كما تَحْرُمُ بِقَرَابَةِ الْأُمِّ الْوَالِدَةِ وَالْأُخْتِ لِلْأَبِ او الْأُمِّ أو لَهُمَا فلما احْتَمَلَتْ الْآيَةُ الْمَعْنَيَيْنِ كان عَلَيْنَا أَنْ نَطْلُبَ الدَّلَالَةَ على أَوْلَى الْمَعْنَيَيْنِ فَنَقُولَ بِهِ فَوَجَدْنَا الدَّلَالَةَ بِسُنَّةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على أَنَّ هذا الْمَعْنَى أَوْلَاهُمَا فَقُلْنَا يَحْرُمُ من الرَّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ من النَّسَبِ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكٌ عن عبد اللَّهِ بن دِينَارٍ عن سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال يَحْرُمُ من الرَّضَاعَةِ ما يَحْرُمُ من الْوِلَادَةِ

(5/149)


- * ما يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ من النِّسَاءِ في قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَأَنْ تَجْمَعُوا بين الْأُخْتَيْنِ } - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا يُجْمَعُ بين أُخْتَيْنِ أَبَدًا بِنِكَاحٍ وَلَا وَطْءِ مِلْكٍ وَكُلُّ ما حَرُمَ من الْحَرَائِرِ بِالنَّسَبِ وَالرَّضَاعِ حَرُمَ من الْإِمَاءِ مِثْلُهُ إلَّا الْعَدَدَ وَالْعَدَدُ ليس من النَّسَبِ وَالرَّضَاعِ بِسَبِيلٍ فإذا نَكَحَ امْرَأَةً ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا فَنِكَاحُ الاخرة بَاطِلٌ وَنِكَاحُ الْأُولَى ثَابِتٌ وَسَوَاءٌ دخل بها أو لم يَدْخُلْ بها وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخِرَةِ وإذا كانت عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا لم يَكُنْ له وَطْءُ الْأُخْتِ إلَّا بِأَنْ يَحْرُمَ عليه فَرْجُ التي كان يَطَأُ بِأَنْ يَبِيعَهَا أو يُزَوِّجَهَا أو يُكَاتِبَهَا أو يُعْتِقَهَا
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكٌ عن أبي الزِّنَادِ عن الْأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لَا يَجْمَعُ الرَّجُلُ بين الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بين الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَأَيَّتُهُمَا نَكَحَ أَوَّلًا ثُمَّ نَكَحَ عليها أُخْرَى فَسَدَ نِكَاحُ الْآخِرَةِ وَلَوْ نَكَحَهُمَا في عُقْدَةٍ كانت الْعُقْدَةُ مَفْسُوخَةً وَيَنْكِحُ أَيَّتَهمَا شَاءَ بَعْدُ وَلَيْسَ في أَنْ لَا يَجْمَعَ بين الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ عز وجل لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ من تَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ من النِّسَاءِ وَمَنْ يَحْرُمُ بِكُلِّ حَالٍ إذَا فُعِلَ في غَيْرِهِ شَيْءٌ مِثْلُ الرَّبِيبَةِ إذَا دخل بِأُمِّهَا حُرِّمَتْ بِكُلِّ حَالٍ وَكَانُوا يَجْمَعُونَ بين الْأُخْتَيْنِ فَنُهُوا عن ذلك وَلَيْسَ في نَهْيِهِ عنه إبَاحَةُ ما سِوَى جَمْعًا بين غَيْرِ الْأُخْتَيْنِ لِأَنَّهُ قد يَذْكُرُ الشَّيْءَ في الْكِتَابِ فَيُحَرِّمُهُ وَيُحَرِّمُ على لِسَانِ نَبِيِّهِ غَيْرَهُ كما ذَكَرَ الْمَرْأَةَ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا فقال { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ له من بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } فَبَيَّنَ على لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يُصِيبَهَا وَإِلَّا لم تَحِلَّ له مع كَثِيرٍ بَيَّنَهُ اللَّهُ على لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال ) وَكَذَلِكَ ليس في قَوْلِهِ { وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ } إبَاحَةَ غَيْرِهِ مِمَّا حَرَّمَ في غَيْرِ هذه الْآيَةِ على لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَلَا تَرَى أَنَّهُ يقول { فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } وقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِرَجُلٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ فَبَيَّنَتْ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ انْتِهَاءَ اللَّهِ إلَى أَرْبَعٍ حَظَرَ أَنْ يَجْمَعَ بين أَكْثَرَ مِنْهُنَّ فَلَوْ نَكَحَ رَجُلٌ خَامِسَةً على أَرْبَعٍ كان نِكَاحُهَا مَفْسُوخًا وَيَحْرُمُ من غَيْرِ جِهَةِ الْجَمْعِ كما حَرُمَ نِسَاءٌ مِنْهُنَّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلَاثًا وَمِنْهُنَّ الْمُلَاعَنَةُ وَيَحْرُمُ إصَابَةُ الْمَرْأَةِ بِالْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ فَكُلُّ هذا مُتَفَرِّقٌ في مَوَاضِعِهِ * وما حَرُمَ على الرَّجُلِ من أُمِّ امْرَأَتِهِ أو بِنْتِهَا أو امْرَأَةِ أبيه أو امْرَأَةِ ابْنِهِ بِالنِّكَاحِ فَأُصِيبَتْ من غَيْرِ ذلك بالزنى لم تَحْرُمْ لِأَنَّ حُكْمَ النِّكَاحِ مُخَالِفٌ حُكْمَ الزنى وقال اللَّهُ عز وجل { وَالْمُحْصَنَاتُ من النِّسَاءِ إلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } وَالْمُحْصَنَاتُ اسْمٌ جَامِعٌ فَجِمَاعُهُ أَنَّ الْإِحْصَانَ الْمَنْعُ وَالْمَنْعُ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ مُخْتَلِفَةٍ منها الْمَنْعُ بِالْحَبْسِ وَالْمَنْعُ يَقَعُ على الْحَرَائِرِ بِالْحُرِّيَّةِ وَيَقَعُ على الْمُسْلِمَاتِ بِالْإِسْلَامِ وَيَقَعُ على الْعَفَائِفِ بِالْعَفَافِ وَيَقَعُ على ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ بِمَنْعِ الْأَزْوَاجِ فَاسْتَدْلَلْنَا بِأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ لم يَخْتَلِفُوا فِيمَا عَلِمْت بِأَنَّ تَرْكَ تَحْصِينِ الْأَمَةِ وَالْحُرَّةِ بِالْحَبْسِ لَا يُحَرِّمُ إصَابَةَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِنِكَاحٍ وَلَا مِلْكٍ وَلِأَنِّي لم أَعْلَمْهُمْ اخْتَلَفُوا في أَنَّ الْعَفَائِفَ وَغَيْرَ الْعَفَائِفِ فِيمَا يَحِلُّ مِنْهُنَّ بِالنِّكَاحِ وَالْوَطْءِ بِالْمِلْكِ سَوَاءٌ على أَنَّ هَاتَيْنِ لَيْسَتَا بِالْمَقْصُودِ قَصْدُهُمَا بِالْآيَةِ وَالْآيَةُ تَدُلُّ على أَنَّهُ لم يُرِدْ بِالْإِحْصَانِ ها هنا الْحَرَائِرَ فبين أَنَّهُ إنَّمَا قَصَدَ بِالْآيَةِ قَصَدَ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ ثُمَّ دَلَّ الْكِتَابُ وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ من الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ مُحَرَّمَاتٌ على غَيْرِ أَزْوَاجِهِنَّ حتى يُفَارِقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ بِمَوْتٍ أو فُرْقَةِ طَلَاقٍ أو فَسْخِ نِكَاحٍ إلَّا السَّبَايَا فَإِنَّهُنَّ مُفَارِقَاتٌ لَهُنَّ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمَمَالِيكَ غَيْرُ السَّبَايَا لِمَا وَصَفْنَا من هذا وَمِنْ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ غير السَّبِيَّةِ إذَا بِيعَتْ أو أُعْتِقَتْ لم يكن بيعها طلاقا لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خَيَّرَ بَرِيرَةَ حين أُعْتِقَتْ في الْمُقَامِ مع زَوْجِهَا أو فِرَاقِهِ وَلَوْ كان زَوَالُ الْمِلْكِ الذي فيه الْعُقْدَةِ يُزِيلُ عُقْدَةَ النِّكَاحِ كان الْمِلْكُ إذَا زَالَ بِعِتْقٍ أَوْلَى أَنْ يَزُولَ الْعَقْدُ منه إذَا زَالَ بِبَيْعٍ وَلَوْ زَالَ بِالْعِتْقِ لم يُخَيِّرْ بَرِيرَةَ وقد زَالَ مِلْكُ بَرِيرَةَ بِأَنْ بِيعَتْ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَأَنْ تَجْمَعُوا بين الْأُخْتَيْنِ }

(5/150)


فَأُعْتِقَتْ فَكَانَ زَوَالُهُ بِمَعْنَيَيْنِ ولم يَكُنْ ذلك فُرْقَةً لِأَنَّهَا لو كانت فُرْقَةً لم يَقُلْ لَك الْخِيَارُ فِيمَا لَا عَقْدَ له عَلَيْك أَنْ تُقِيمِي معه أو تُفَارِقِيهِ
( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ أخبرنا مَالِكٌ عن رَبِيعَةَ بن أبي عبد الرحمن عن الْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ فَخَيَّرَهَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال ) فإذا لم يَحِلَّ فَرْجُ ذَاتِ الزَّوْجِ بِزَوَالِ الْمِلْكِ في الْعِتْقِ وَالْبَيْعِ فَهِيَ إذَا لم تُبَعْ لم تَحِلَّ بِمِلْكِ يَمِينٍ حتى يُطَلِّقَهَا زَوْجُهَا وَتُخَالِفُ السَّبِيَّةُ في مَعْنًى آخَرَ وَذَلِكَ أنها إنْ بِيعَتْ أو وُهِبَتْ فلم يُغَيَّرْ حَالُهَا من الرِّقِّ وَإِنْ عَتَقَتْ تَغَيَّرَ بِأَحْسَنَ من حَالِهَا الْأَوَّلِ وَالسَّبِيَّةُ تَكُونُ حُرَّةَ الْأَصْلِ فإذا سُبِيَتْ سَقَطَتْ الْحُرِّيَّةُ وَاسْتُوْهِبَتْ فَوُطِئَتْ بِالْمِلْكِ فَلَيْسَ انْتِقَالُهَا من الْحُرِّيَّةِ بِسَبَائِهَا بِأَوْلَى من فَسْخِ نِكَاحِ زَوْجِهَا عنها وما صَارَتْ بِهِ في الرِّقِّ بُعْدٌ أَكْثَرُ من فُرْقَةِ زَوْجِهَا - * الْخِلَافُ في السَّبَايَا - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَقُلْت له سَبَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نِسَاءَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَنِسَاءَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ وَأَوْطَاسَ وَغَيْرِهِ فَكَانَتْ سُنَّتُهُ فِيهِمْ أَنْ لَا تُوطَأَ حَامِلٌ حتى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حتى تَحِيضَ وَأَمَرَ أَنْ يستبرءان ( ( ( يستبرئان ) ) ) بِحَيْضَةٍ حَيْضَةٍ وقد أَسَرَ رِجَالًا من بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهَوَازِنَ فما عَلِمْنَاهُ سَأَلَ عن ذَاتِ زَوْجٍ وَلَا غَيْرِهَا فَاسْتَدْلَلْنَا على أَنَّ السَّبَاءَ قَطْعٌ لِلْعِصْمَةِ وَالْمَسْبِيَّةُ إنْ لم يَكُنْ السِّبَاءُ يَقْطَعُ عِصْمَتَهَا من زَوْجِهَا إذَا سُبِيَ مَعَهَا لم يَقْطَعْ عِصْمَتَهَا لو لم يُسْبَ مَعَهَا وَلَا يَجُوزُ لِعَالِمٍ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْكُلَ عليه بِدَلَالَةِ السُّنَّةِ إذْ لم يَسْأَلْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن ذَاتِ زَوْجٍ وَلَا غَيْرِهَا وقد عَلِمَ أَنَّ فِيهِنَّ ذَوَاتَ أَزْوَاجٍ بِالْحَمْلِ وَأَذِنَ بِوَطْئِهِنَّ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ وقد أَسَرَ من أَزْوَاجِهِنَّ مَعَهُنَّ أَنَّ السِّبَاءَ قَطْعٌ لِلْعِصْمَةِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فقال إنِّي لم أَقُلْ هذا بِخَبَرٍ وَلَكِنِّي قُلْته قِيَاسًا فَقُلْت فَعَلَى مَاذَا قِسْته قال قِسْته على الْمَرْأَةِ تَأْتِي مُسْلِمَةً مع زَوْجِهَا فَيَكُونَانِ على النِّكَاحِ وَلَوْ أَسْلَمَتْ قَبْلَهُ وَخَرَجَتْ من دَارِ الْحَرْبِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ فَقُلْت له وَاَلَّذِي قِسْت عليه أَيْضًا خِلَافُ السُّنَّةِ فَتُخْطِئُ خِلَافَهَا وَتُخْطِئُ الْقِيَاسَ قال وَأَيْنَ أَخْطَأْت الْقِيَاسَ قُلْت أَجَعَلْت إسْلَامَ الْمَرْأَةِ مِثْلَ سَبْيِهَا قال نعم قُلْت أَفَتَجِدُهَا إذَا أَسْلَمَتْ ثَبَتَتْ على الْحُرِّيَّةِ فَازْدَادَتْ خَيْرًا بِالْإِسْلَامِ قال نعم قُلْت أَفَتَجِدُهَا إذَا سُبِيَتْ رَقَّتْ وقد كانت حُرَّةً قال نعم قُلْت أَفَتَجِدُ حَالَهَا وَاحِدَةً قال أَمَّا في الرِّقِّ فَلَا وَلَكِنْ في الْفَرْجِ فَقُلْت له فَلَا يَسْتَوِيَانِ في قَوْلِك في الْفَرْجِ قال وَأَيْنَ يَخْتَلِفَانِ قُلْت أَرَأَيْت إذَا سُبِيَتْ الْحُرَّةُ في دَارِ الْحَرْبِ فَاسْتُؤْمِنَتْ وَهَرَبَ زَوْجُهَا وَحَاضَتْ حَيْضَةً وَاحِدَةً أَتُوطَأُ قال أَكْرَهُ ذلك فَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ قُلْت وَهِيَ لَا تُوطَأُ إلَّا وَالْعِصْمَةُ مُنْقَطِعَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا قال نعم قُلْت وَحَيْضَةُ اسْتِبْرَاءٍ كما لو لم يَكُنْ لها زَوْجٌ قال وَتُرِيدُ مَاذَا قُلْت أُرِيدُ إنْ قُلْت تَعْتَدُّ من زَوْجٍ اعْتَدَّتْ عِنْدَك حَيْضَتَيْنِ إنْ أَلْزَمْتهَا الْعِدَّةَ بِأَنَّهَا أَمَةٌ وَإِنْ أَلْزَمْتهَا بِالْحُرِّيَّةِ فَحَيْضٌ قال لَيْسَتْ بِعِدَّةٍ قُلْت أَفَتَبَيَّنَ لَك أَنَّ حَالَهَا في النِّسَاءِ إذَا صَارَتْ سَبْيًا بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ فِيمَا يَحِلُّ بِهِ من فَرْجِهَا سَوَاءٌ كانت ذَاتَ زَوْجٍ أو غير ذَاتِ زَوْجٍ قال إنَّهَا الْآنَ تُشْبِهُ ما قُلْت قُلْت له فَالْحُرَّةُ تُسْلِمُ قبل زَوْجِهَا بِدَارِ الْحَرْبِ قال فَهُمَا على النِّكَاحِ الْأَوَّلِ حتى تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ فَإِنْ أَسْلَمَ قبل أَنْ تَحِيضَ ثَلَاثَ حِيَضٍ كَانَا على النِّكَاحِ الْأَوَّلِ قُلْت فَلِمَ خَالَفْت بَيْنَهُمَا في الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ قال
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) ذَكَرْت لِبَعْضِ الناس ما ذَهَبْت إلَيْهِ في قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { إلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } فقال هذا كما قُلْت ولم يَزَلْ يقول بِهِ وَلَا يُفَسِّرُهُ هذا التَّفْسِيرَ الْوَاضِحَ غير أَنَّا نُخَالِفُك منه في شَيْءٍ قُلْت وما هو قال نَقُولُ في الْمَرْأَةِ يَسْبِيهَا الْمُسْلِمُونَ قبل زَوْجِهَا تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ وَتُصَابُ ذَاتُ زَوْجٍ كانت أو غير ذَاتِ زَوْجٍ قال وَلَكِنْ إنْ سُبِيَتْ وَزَوْجُهَا مَعَهَا فَهُمَا على النِّكَاحِ

(5/151)


ما وَجَدْت من ذلك بُدًّا قُلْت له فَلِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سُنَّةٌ في الْحَرَائِرِ يُسْلِمْنَ وَأُخْرَى في الْحَرَائِرِ يُسْبَيْنَ فَيَسْتَرْقِين وَالْأُخْرَى في الْإِمَاءِ لَا يَسْبِينِ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ تَصْرِفَ سُنَّةً إلَى سُنَّةٍ وَهُمَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ سُنَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ بِاخْتِلَافِ حَالَاتِ النِّسَاءِ فِيهِمَا وَقُلْت له فَالْحُرَّةُ تُسْلِمُ قبل زَوْجِهَا أو زَوْجُهَا قَبْلَهَا أَيُّهُمَا أَسْلَمَ قبل الْآخَرِ ثُمَّ أَسْلَمَ الْآخَرُ قبل انْقِضَاءِ عِدَّةِ الْمَرْأَةِ فَالنِّكَاحُ الْأَوَّلُ ثَابِتٌ فَإِنْ انْقَضَتْ الْعِدَّةُ قبل إسْلَامِ الْآخَرِ مِنْهُمَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُمَا وَسَوَاءٌ في ذلك كان إسْلَامُ الْمَرْأَةِ قبل الرَّجُلِ أو الرَّجُلِ قبل الْمَرْأَةِ إذَا افْتَرَقَتْ دَارُهُمَا أو لم تَفْتَرِقْ وَلَا تَصْنَعُ الدَّارُ فِيمَا يَحْرُمُ من الزَّوْجَيْنِ بِالْإِسْلَامِ شيئا سَوَاءٌ خَرَجَ الْمُسْلِمُ مِنْهُمَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أو صَارَتْ دَارُهُ دَارَ الْإِسْلَامِ أو كان مُقِيمًا بِدَارِ الْكُفْرِ لَا تُغَيِّرُ الدَّارُ من الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا شيئا (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على ذلك قِيلَ له أَسْلَمَ أبو سُفْيَانَ بن حَرْبٍ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَهِيَ دَارُ خُزَاعَةُ وَخُزَاعَةُ مُسْلِمُونَ قبل الْفَتْحِ في دَارِ الْإِسْلَامِ فَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ وَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ مُقِيمَةٌ على غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَأَخَذَتْ بِلِحْيَتِهِ وَقَالَتْ اُقْتُلُوا الشَّيْخَ الضَّالَّ ثُمَّ أَسْلَمَتْ هِنْدُ بَعْدَ إسْلَامِ أبي سُفْيَانَ بِأَيَّامٍ كَثِيرَةٍ وقد كانت كَافِرَةً مُقِيمَةً بِدَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ يَوْمئِذٍ وَزَوْجُهَا مُسْلِمٌ في دَارِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ في دَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ صَارَتْ مَكَّةُ دَارَ الْإِسْلَامِ وأبو سُفْيَانَ بها مُسْلِمٌ وَهِنْدٌ كَافِرَةٌ ثُمَّ أَسْلَمَتْ قبل انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَاسْتَقَرَّا على النِّكَاحِ لِأَنَّ عِدَّتَهَا لم تَنْقَضِ حتى أَسْلَمَتْ وكان كَذَلِكَ حَكِيمُ بن حِزَامٍ وَإِسْلَامُهُ وَأَسْلَمَتْ امْرَأَةُ صَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ وَامْرَأَةُ عِكْرِمَةَ بن أبي جَهْلٍ بِمَكَّةَ فَصَارَتْ دَارُهُمَا دَارَ الْإِسْلَامِ وَظَهَرَ حُكْمُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِمَكَّةَ وَهَرَبَ عِكْرِمَةُ إلَى الْيَمَنِ وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ وَصَفْوَانُ يُرِيدُ الْيَمَنَ وَهِيَ دَارُ حَرْبٍ ثُمَّ رَجَعَ صَفْوَانُ إلَى مَكَّةَ وَهِيَ دَارُ إسْلَامِ وَشَهِدَ حُنَيْنًا وهو كَافِرٌ ثُمَّ أَسْلَمَ فَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَرَجَعَ عِكْرِمَةُ وَأَسْلَمَ فَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ أَنَّ عِدَّتَهُمَا لم تَنْقَضِ فَقُلْت له ما وَصَفْت لَك من أَمْرِ أبي سُفْيَانَ وَحَكِيمِ بن حِزَامٍ وَأَزْوَاجِهِمَا وَأَمْرُ صَفْوَانَ وَعِكْرِمَةَ وَأَزْوَاجِهِمَا أَمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي فَهَلْ تَرَى ما احْتَجَجْت بِهِ من أَنَّ الدَّارَ لَا تُغَيِّرُ من الْحُكْمِ شيئا إذَا دَلَّتْ السُّنَّةُ على خِلَافِ ما قُلْت وقد حَفِظَ أَهْلُ الْمَغَازِي أَنَّ امْرَأَةً من الْأَنْصَارِ كانت عِنْدَ رَجُلٍ بِمَكَّةَ فَأَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ إلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَ زَوْجُهَا وَهِيَ في الْعِدَّةِ فَأَسْلَمَ فَاسْتَقَرَّا على النِّكَاحِ وَنَحْنُ وَأَنْتَ نَقُولُ إذَا كَانَا في دَارِ حَرْبٍ فَأَيُّهُمَا أَسْلَمَ قبل الْآخَرِ لم يَحِلَّ الْجِمَاعُ وَكَذَلِكَ لو كَانَا في دَارِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يُمْنَعُ أَحَدُهُمَا من الْآخَرِ في الْوَطْءِ بِالدِّينِ لِأَنَّهُمَا لو كَانَا مُسْلِمَيْنِ في دَارِ حَرْبٍ حَلَّ الْوَطْءُ فقال إنَّ من أَصْحَابِك من يُفَرِّقُ بين الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وأنا أَقُومُ بِحُجَّتِهِ فَقُلْت له الْقِيَامُ بِقَوْلٍ تَدِينُ بِهِ أَلْزَمُ لَك فَإِنْ كُنْت عَجَزْت عنه فَلَعَلَّك لَا تَقْوَى على غَيْرِهِ قال فَأَنَا أَقُومُ بِهِ فَأَحْتَجُّ بِأَنَّ اللَّهَ عز وجل قال { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } فَقُلْت له أَيَعْدُو قَوْلُ اللَّهِ عز وجل { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } أَنْ يَكُونَ إذَا أَسْلَمَ وَزَوْجَتُهُ كَافِرَةٌ كان الْإِسْلَامُ قَطْعًا لِلْعِصْمَةِ بَيْنَهُمَا حين يُسْلِمُ لِأَنَّ الناس لَا يَخْتَلِفُونَ في أَنَّهُ ليس له أَنْ يَطَأَهَا في تِلْكَ الْحَالِ إذَا كانت وَثَنِيَّةً أو يَكُونُ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } إذَا جَاءَتْ عَلَيْهِنَّ مُدَّةٌ لم يُسْلِمْنَ فيها أو قَبْلَهَا قال ما يَعْدُو هذا قُلْت فَالْمُدَّةُ هل يَجُوزُ بِأَنْ تَكُونَ هَكَذَا أَبَدًا إلَّا بِخَبَرٍ في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل أو سُنَّةٍ أو إجْمَاعٍ قال لَا قُلْت وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا لو قال مُدَّتُهَا سَاعَةٌ وقال الْآخَرُ يوما ( ( ( يوم ) ) ) وقال آخَرُ سَنَةٌ وقال آخَرُ مِائَةُ سَنَةٍ لم يَكُنْ ها هنا دَلَالَةٌ على الْحَقِّ من ذلك إلَّا بِخَبَرٍ قال نعم قُلْت وَالرَّجُلُ يُسْلِمُ قبل امْرَأَتِهِ ( 1 ) فَقُلْت بِأَيِّهِمَا شِئْت وَلَيْسَ قَوْلُك من حَكَيْت قَوْلَهُ دَاخِلًا في وَاحِدٍ من هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ قال فَهُمْ يَقُولُونَ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَهَا وَتَقَارَبَ ما بين إسْلَامِهِمَا قُلْت أَلَيْسَ قد أَسْلَمَ وَصَارَ من سَاعَتِهِ لَا يَحِلُّ له إصَابَتُهَا ثُمَّ أَسْلَمَتْ فَقَرَّتْ معه على النِّكَاح

(5/152)


الْأَوَّلِ في قَوْلِهِمْ قال بَلَى قُلْت فَلِمَ تَقْطَعُ بِالْإِسْلَامِ بَيْنَهُمَا وَقَطَعْتَهَا بِمُدَّةٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ قال نعم وَلَكِنَّهُ يقول كان بين إسْلَامِ أبي سُفْيَانَ وَهِنْدَ شَيْءٌ يَسِيرٌ قُلْت أَفَتَحُدُّهُ قال لَا وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ قُلْت لو كان أَكْثَرَ منه انْقَطَعَتْ عِصْمَتُهَا منه قال وما عَلِمْته يَذْكُرُ ذلك قُلْت فَإِسْلَامُ صَفْوَانَ بَعْدَ إسْلَامِ امْرَأَتِهِ بِشَهْرٍ أو أَقَلَّ منه وَإِسْلَامُ عِكْرِمَةَ بَعْدَ إسْلَامِ امْرَأَتِهِ بِأَيَّامٍ فَإِنْ قُلْنَا إذَا مَضَى الْأَكْثَرُ وهو نَحْوٌ من شَهْرٍ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بين الزَّوْجَيْنِ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَرَكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَرَكَ صَفْوَانُ أَيَجُوزُ ذلك قال لَا قُلْت هُمْ يَقُولُونَ إنَّ الزُّهْرِيَّ حَمَلَ حَدِيثَ صَفْوَانَ وَعِكْرِمَةَ وقال في الحديث غير هذا قُلْت فقال الزُّهْرِيُّ إلَّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا وَهِيَ في الْعِدَّةِ فَجَعَلَ الْعِدَّةَ غَايَةَ انْقِطَاعِ ما بين الزَّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ فَلِمَ لَا يَكُونُ هَكَذَا إذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ وَالزُّهْرِيُّ لم يَرْوِ في حديث مَالِكٍ أَمْرَ أبي سُفْيَانَ وهو أَشْهَرُ من أَمْرِ صَفْوَانَ وَعِكْرِمَةَ وَالْخَبَرُ فِيهِمَا وَاحِدٌ وَالْقُرْآنُ فِيهِمْ وَالْإِجْمَاعُ وَاحِدٌ قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لهم وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } فلم يُفَرِّقْ بين الْمَرْأَةِ تُسْلِمُ قبل زَوْجِهَا وَلَا الرَّجُلِ يُسْلِمُ قبل امْرَأَتِهِ قُلْت فَحَرَّمَ اللَّهُ عز وجل على الْكُفَّارِ نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ لم يُبِحْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِحَالٍ ولم يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ في ذلك وَحَرَّمَ على رِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ نِكَاحَ الْكَوَافِرِ إلَّا حَرَائِرَ الْكِتَابِيِّينَ منهم فَزَعَمَ أَنَّ إحْلَالَ الْكَوَافِرِ اللَّاتِي رَخَّصَ في بَعْضِهِنَّ لِلْمُسْلِمِينَ أَشَدُّ من إحْلَالِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لم يُرَخِّصْ لهم في مُسْلِمَةٍ بِمَا وَصَفْنَا من قَوْلِهِمْ إذَا أَسْلَمَتْ الْمَرْأَةُ لم يَنْفَسِخْ النِّكَاحُ إلَّا لِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ وإذا أَسْلَمَ الزَّوْجُ انْفَسَخَ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ قبل الْعِدَّةِ وَلَوْ كان يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خَبَرٍ كان الذي شَدَّدُوا فيه أَوْلَى أَنْ يُرَخِّصُوا فيه وَاَلَّذِي رَخَّصُوا فيه أَوْلَى أَنْ يُشَدِّدُوا فيه وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ - * الْخِلَافُ فِيمَا يُؤْتَى بالزنى - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال وَقُلْنَا إذَا نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً حُرِّمَتْ على ابْنِهِ وَأَبِيهِ وَحُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا بِمَا حَكَيْت من قَوْلِ اللَّهِ عز وجل ( قال ) فَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ أو أُمِّ امْرَأَتِهِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَا تَحْرُمُ عليه امْرَأَتُهُ وَلَا على أبيه وَلَا على ابْنِهِ امْرَأَتُهُ لو زَنَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا حَرَّمَ بِحُرْمَةِ الْحَلَالِ تعزيزا ( ( ( تعزيرا ) ) ) لِحَلَالِهِ وَزِيَادَةً في نِعْمَتِهِ بِمَا أَبَاحَ منه بِأَنْ أَثْبَت بِهِ الْحُرُمَ التي لم تَكُنْ قَبْلَهُ وَأَوْجَبَ بها الْحُقُوقَ وَالْحَرَامُ خِلَافُ الْحَلَالِ وقال بَعْضُ الناس إذَا زَنَى الرَّجُلُ بِامْرَأَةٍ حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَابْنَتُهَا وَإِنْ زَنَى بِامْرَأَةِ أبيه أو ابْنِهِ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا امْرَأَتَاهُمَا وَكَذَلِكَ إنْ قَبَّلَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا أو لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ فَهُوَ مِثْلُ الزنى وَالزِّنَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ فقال لي لِمَ قُلْت إنَّ الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ الْحَلَالَ فَقُلْت له اسْتِدْلَالًا بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَالْقِيَاسُ على ما أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عليه بِمَا هو في مَعْنَاهُ وَالْمَعْقُولُ وَالْأَكْثَرُ من قَوْلِ أَهْلِ دَارِ السُّنَّةِ وَالْهِجْرَةِ وَحَرَّمَ اللَّهُ قال فَأَوْجَدَنِي ما وَصَفْت قُلْت قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آبَاؤُكُمْ من النِّسَاءِ } وقال تَعَالَى { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ } وقال { وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللَّاتِي في حُجُورِكُمْ من نِسَائِكُمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } أَفَلَسْت تَجِدُ التَّنْزِيلَ إنَّمَا حَرَّمَ من سَمَّى بِالنِّكَاحِ أو النِّكَاحِ وَالدُّخُولِ قال بَلَى قُلْت أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسمه ( ( ( باسمه ) ) ) حَرَّمَ بِالْحَلَالِ شيئا فَأُحَرِّمُهُ بِالْحَرَامِ وَالْحَرَامُ ضِدُّ الْحَلَالِ فقال لي فما فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قُلْت فَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمَا قال فَأَيْنَ قُلْت وَجَدْت اللَّهَ عز وجل نَدَبَ إلَى النِّكَاحِ وَأَمَرَ بِهِ وَجَعَلَهُ سَبَبَ النَّسَبِ وَالصِّهْرِ وَالْأُلْفَةِ وَالسَّكَنِ وَأَثْبَتَ بِهِ الْحُرُمَ وَالْحَقَّ لِبَعْضٍ على بَعْضٍ بِالْمَوَارِيثِ وَالنَّفَقَةِ وَالْمَهْرِ وَحَقِّ الزَّوْجِ بِالطَّاعَةِ وَإِبَاحَةِ ما كان مُحَرَّمًا قبل النِّكَاحِ قال نعم قُلْت وَوَجَدْت اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الزنى فقال { وَلَا تَقْرَبُوا الزنى إنَّهُ كان فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا }
____________________

(5/153)


فقال أَجِدُ جِمَاعًا وَجِمَاعًا فَأَقِيسُ أَحَدَ الْجِمَاعَيْنِ بِالْآخَرِ قُلْت فَقَدْ وَجَدْت جِمَاعًا حَلَالًا حَمِدْت بِهِ وَوَجَدْت جِمَاعًا حَرَامًا رَجَمْت بِهِ صَاحِبَهُ أَفَرَأَيْتُك قِسْته بِهِ فقال وما يُشْبِهُهُ فَهَلْ تُوَضِّحُهُ بِأَكْثَرَ من هذا قُلْت في أَقَلَّ من هذا كِفَايَةٌ وَسَأَذْكُرُ لَك بَعْضَ ما يَحْضُرُنِي منه قال ما ذَاكَ قُلْت جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمَهُ الصِّهْرَ نِعْمَةً فقال { فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا } قال نعم قُلْت وَجَعَلَك مُحَرَّمًا لِأُمِّ امْرَأَتِك وَابْنَتِهَا وَابْنَتُهَا تُسَافِرُ بها قال نعم قُلْت وَجَعَلَ الزنى نِقْمَةً في الدُّنْيَا بِالْحَدِّ وفي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ إنْ لم يَعْفُ قال نعم قُلْت أَفَتَجْعَلُ الْحَلَالَ الذي هو نِعْمَةٌ قِيَاسًا على الْحَرَامِ الذي هو نِقْمَةٌ أو الْحَرَامَ قِيَاسًا عليه ثُمَّ تُخْطِئُ الْقِيَاسَ وَتَجْعَلُ الزنى لو زَنَى بِامْرَأَةٍ مُحَرِّمًا لِأُمِّهَا وَابْنَتِهَا قال هذا أَبْيَنُ ما احْتَجَجْت بِهِ منه قُلْت فإن اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قال في الْمُطَلَّقَةِ الثَّالِثَةِ { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ له من بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِأَنْ يُصِيبَهَا الزَّوْجُ الذي نَكَحَ فَكَانَتْ حلالا ( ( ( حلاله ) ) ) له قبل الثَّلَاثِ وَمُحَرَّمَةً عليه بَعْدَ الثَّلَاثِ حتى تَنْكِحَ ثُمَّ وَجَدْنَاهَا تَنْكِحُ زَوْجًا وَلَا تَحِلُّ له حتى يُصِيبَهَا الزَّوْجُ وَوَجَدْنَا الْمَعْنَى الذي يُحِلُّهَا الْإِصَابَةَ أَفَرَأَيْت إنْ احْتَجَّ بهذا عَلَيْك رَجُلٌ يَغْبَى غَبَاءَك عن مَعْنَى الْكِتَابِ فقال الذي يُحِلُّهَا لِلزَّوْجِ بَعْدَ التَّحْرِيمِ هو الْجِمَاعُ لِأَنِّي قد وَجَدْتهَا مُزَوَّجَةً فَيُطَلِّقُهَا الزَّوْجُ أو يَمُوتُ عنها فَلَا تَحِلُّ لِمَنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا إذَا لم يُصِبْهَا الزَّوْجُ الْآخَرُ وَتَحِلُّ إنْ جَامَعَهَا فَإِنَّمَا مَعْنَى الزَّوْجِ في هذا الْجِمَاعُ وَجِمَاعٌ بِجِمَاعٍ وَأَنْتَ تَقُولُ جِمَاعُ الزنى يُحَرِّمُ ما يُحَرِّمُ جِمَاعَ الْحَلَالِ فَإِنْ جامعها ( ( ( جاء ) ) ) رَجُلٌ بِزِنًا حَلَّتْ له قال إذًا يُخْطِئُ قُلْت وَلِمَ أَلَيْسَ لِأَنَّ اللَّهَ أَحَلَّهَا بِزَوْجٍ وَالسُّنَّةُ دَلَّتْ على إصَابَةِ الزَّوْجِ فَلَا تَحِلُّ حتى يَجْتَمِعَ الْأَمْرَانِ فَتَكُونُ الْإِصَابَةُ من زَوْجٍ قال نعم قُلْت فَإِنْ كان اللَّهُ إنَّمَا حَرَّمَ بِنْتَ الْمَرْأَةِ وَأُمَّهَا وَامْرَأَةَ الْأَبِ بِالنِّكَاحِ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ تُحَرِّمَهَا بالزنى وَقُلْت له قال اللَّهُ تَعَالَى { إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } وقال { فَإِنْ طَلَّقَهَا } فَمَلَكَ الرِّجَالُ الطَّلَاقَ وَجَعَلَ على النِّسَاءِ الْعَدَدَ قال نعم قُلْت أَفَرَأَيْت الْمَرْأَةَ إذَا أَرَادَتْ تُطَلِّقَ زَوْجَهَا أَلَهَا ذلك قال لَا قُلْت فَقَدْ جَعَلْت لها ذلك قال وَأَيْنَ قُلْت زَعَمْت أنها إذَا كَرِهَتْ زَوْجَهَا قَبَّلَتْ ابْنَهُ بِشَهْوَةٍ فَحُرِّمَتْ على زَوْجِهَا بِتَقْبِيلِهَا ابْنَهُ فَجَعَلْت إلَيْهَا ما لم يَجْعَلْ اللَّهُ إلَيْهَا فَخَالَفْت حُكْمَ اللَّهِ ها هنا وفي الْآيِ قَبْلَهُ فقال قد تَزْعُمُ أنت أنها إنْ ارْتَدَّتْ عن الْإِسْلَامِ حُرِّمَتْ على زَوْجِهَا قُلْت وَإِنْ رَجَعَتْ وَهِيَ في الْعِدَّةِ فَهُمَا على النِّكَاحِ أَفَتَزْعُمُ أنت هذا في التي تُقَبِّلُ بن زَوْجِهَا قال لَا قُلْت فَإِنْ مَضَتْ الْعِدَّةُ ثُمَّ رَجَعَتْ إلَى الْإِسْلَامِ كان لِزَوْجِهَا أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدُ أَفَتَزْعُمُ في التي تُقَبِّلُ بن زَوْجِهَا أَنَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَنْكِحَهَا بَعْدُ بِحَالٍ قال لَا قُلْت فَأَنَا أَقُولُ إذَا ثَبَتَتْ على الرِّدَّةِ حَرَّمْتهَا على الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ لِأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِثْلَهَا عليهم أَفَتُحَرِّمُ التي تُقَبِّلُ بن زَوْجِهَا على الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ قال لَا قُلْت وأنا أَقْتُلُ الْمُرْتَدَّةَ وَأَجْعَلُ مَالَهَا فَيْئًا أَفَتَقْتُل أنت التي تُقَبِّلُ بن زَوْجِهَا وَتَجْعَلُ مَالَهَا فَيْئًا قال لَا قُلْت فَبِأَيِّ شَيْءٍ شَبَّهْتهَا بها قال إنَّهَا لَمُفَارِقَةٌ لها قُلْت نعم في كل أَمْرِهَا وَقُلْت له أَرَأَيْت لو طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا أَتَحْرُمُ عليه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ قال نعم قُلْت فَإِنْ زَنَى بها ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَتَحْرُمُ عليه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ قال لَا قُلْت فَأَسْمَعُك قد حَرَّمْت بِالطَّلَاقِ إذَا طَلُقَتْ زَوْجَةُ حَلَالٍ ما لم تُحَرِّمْ بالزنى لو طَلَّقَ مع الزنى قال لَا يَشْتَبِهَانِ قُلْت أَجَلْ وَتَشْبِيهُك إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى الذي أَنْكَرْنَا عَلَيْك قال أَفَيَكُونُ شَيْءٌ يُحَرِّمُهُ الْحَلَالُ لَا يُحَرِّمُهُ الْحَرَامُ قُلْت نعم قال وما هو قُلْت ما وَصَفْنَاهُ وَغَيْرُهُ أَرَأَيْت الرَّجُلَ إذَا نَكَحَ امْرَأَةً أَيَحِلُّ له أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا أو عَمَّتَهَا عليها قال لَا قُلْت فإذا نَكَحَ أَرْبَعًا أَيَحِلُّ له أَنْ يَنْكِحَ عَلَيْهِنَّ خَامِسَةً قال لَا قُلْت أَفَرَأَيْت لو زَنَى بِامْرَأَةٍ له أَنْ يَنْكِحَ أُخْتَهَا أو عَمَّتَهَا من سَاعَتِهِ أو زَنَى بِأَرْبَعٍ في سَاعَةٍ أَيَكُونُ له أَنْ يَنْكِحَ أَرْبَعًا سِوَاهُنَّ قال نعم ليس يَمْنَعُهُ الْحَرَامُ مِمَّا يَمْنَعُهُ الْحَلَالُ وَقُلْت له قال اللَّهُ عز وجل { وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مع اللَّهِ إلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ له الْعَذَابُ يوم الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فيه مُهَانًا }
____________________

(5/154)


ثُمَّ حَدُّ الزَّانِي الثَّيِّبِ على لِسَانِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صلى اللَّهُ عليه وسلم وفي فِعْلِهِ أَعْظَمُ حَدًّا حَدُّهُ الرَّجْمُ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَتْلَ بِغَيْرِ رَجْمٍ أَخَفُّ منه وَهَتَكَ بالزنى حُرْمَةَ الدَّمِ فَجَعَلَ حَقًّا أَنْ يُقْتَلَ بَعْدَ تَحْرِيمِ دَمِهِ ولم يَجْعَلْ فيه شيئا من الْأَحْكَامِ التي أَثْبَتَهَا بالحلال ( ( ( بإحلال ) ) ) فلم يُثْبِتْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا أَحَدٌ من أَهْلِ دِينِ اللَّهِ بالزنى نَسَبًا وَلَا مِيرَاثًا وَلَا حَرَمًا أَثْبَتَهَا بِالنِّكَاحِ وَقَالُوا في الرَّجُلِ إذَا نَكَحَ الْمَرْأَةَ فَدَخَلَ بها كان مَحْرَمًا لِابْنَتِهَا يَدْخُلُ عليها وَيَخْلُو بها وَيُسَافِرُ وَكَذَلِكَ أُمُّهَا وَأُمَّهَاتُهَا وَكَذَلِكَ يَكُونُ بَنُوهُ من غَيْرِهَا مَحْرَمًا لها يُسَافِرُونَ بها وَيَخْلُونَ وَلَيْسَ يَكُونُ من زَنَى بِامْرَأَةٍ مَحْرَمًا لِأُمِّهَا وَلَا ابْنَتِهَا وَلَا بَنُوهُ مَحْرَمًا لها بَلْ حَمِدُوا بِالنِّكَاحِ وَحَكَمُوا بِهِ وَذَمُّوا على الزنى وَحَكَمُوا بِخِلَافِ حُكْمِ الْحَلَالِ وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ أُمَّ الْمَرْأَةِ وَامْرَأَةَ الْأَبِ وَالِابْنِ بِحُرْمَةٍ أَثْبَتَهَا اللَّهُ عز وجل لِكُلٍّ على كُلٍّ وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ فَأَمَّا مَعْصِيَةُ اللَّهِ بالزنى فلم يَثْبُتْ بها حُرْمَةٌ بَلْ هُتِكَتْ بها حُرْمَةُ الزَّانِيَةِ وَالزَّانِي فقال ما يَدْفَعُ ما وَصَفْت فَقُلْت فَكَيْفَ امرتني أَنْ أَجْمَعَ بين الزنى وَالْحَلَالِ وقد فَرَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ رَسُولُهُ ثُمَّ الْمُسْلِمُونَ بين أَحْكَامِهِمَا قال فَهَلْ فيه حُجَّةٌ مع هذا قُلْت بَعْضُ هذا عِنْدَنَا وَعِنْدَك يَقُومُ بِالْحُجَّةِ وَإِنْ كانت فيه حُجَجٌ سِوَى هذا قال وما هِيَ قُلْت أَرَأَيْت الْمَرْأَةَ يَنْكِحُهَا وَلَا يَرَاهَا حتى تَمُوتَ أو يُطَلِّقُهَا أَتَحْرُمُ عليه أُمُّهَا وَأُمَّهَاتُهَا وَإِنْ بَعُدْنَ وَالنِّكَاحُ كَلَامٌ قال نعم قُلْت وَيَكُونُ بِالْعُقْدَةِ مَحْرَمًا لِأُمِّهَا يُسَافِرُ وَيَخْلُو بها قال نعم قُلْت أَفَرَأَيْت الْمَرْأَةَ يُوَاعِدُهَا الرَّجُلُ بالزنى تَأْخُذُ عليه الْجُعْلَ وَلَا يَنَالُ منها شيئا أَتَحْرُمُ عليه أُمُّهَا بِالْكَلَامِ بالزنى وَإِلَّا تُعَادُ بِهِ وَبِالْيَمِينِ لَتَفِيَنَّ له بِهِ قال لَا وَلَا تَحْرُمُ إلَّا بالزنى وَاللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ بِالشَّهْوَةِ قُلْت أَرَأَيْت الْمَرْأَةَ إذَا نَكَحَهَا رَجُلٌ ولم يَدْخُلْ بها وَيَقَعْ عليها وَقَذَفَهَا أو نَفَى وَلَدَهَا أَوَيُحَدُّ لها وَيُلَاعِنُ أو آلَى منها أَيَلْزَمُهُ إيلَاءٌ أو ظَاهَرَ أَيَلْزَمُهُ ظِهَارٌ أو مَاتَ أَتَرِثُهُ أو مَاتَتْ ايرثها قال نعم قُلْت فَإِنْ طَلَّقَهَا قبل أَنْ يَدْخُلَ بها وَقَعَ عليها طَلَاقُهُ قال نعم قُلْت أَفَرَأَيْت إنْ زَنَى بها ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَتَحْرُمُ عليه كما حَرَّمَ اللَّهُ عز وجل الْمَنْكُوحَةَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أو قَذَفَهَا أَيُلَاعِنُهَا أو آلَى منها أو تَظَاهَرَ أو مَاتَ أَتَرِثُهُ أو مَاتَتْ أَيَرِثُهَا قال لَا قُلْت وَلِمَ أَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ له بِزَوْجَةٍ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ اللَّهُ عز وجل هذا بين الزَّوْجَيْنِ قال نعم قُلْت له وَلَوْ نَكَحَ امْرَأَةً حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَأُمَّهَاتُهَا وَإِنْ لم يَدْخُلْ بِالْبِنْتِ قال نعم قُلْت له وَلَوْ نَكَحَ الْأُمَّ فلم يَدْخُلْ بها حتى تَمُوتَ أو يُفَارِقَهَا حَلَّتْ له الْبِنْتُ قال نعم فَقُلْت قد وَجَدْت الْعُقْدَةَ تُثْبِتُ لَك عليها أُمُورًا منها لو مَاتَتْ ورثها لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ وَتُثْبِتُ بَيْنَك وَبَيْنَهَا ما يَثْبُتُ بين الزَّوْجَيْنِ من الظِّهَارِ وَالْإِيلَاءِ وَاللِّعَانِ فلما افْتَرَقْتُمَا قبل الدُّخُولِ حُرِّمَتْ عَلَيْك أُمُّهَا ولم تُحَرَّمْ عَلَيْك بِنْتُهَا فَلِمَ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا وَحَرَّمْت مَرَّةً بِالْعُقْدَةِ وَالْجِمَاعِ وَأُخْرَى بِالْعُقْدَةِ دُونَ الْجِمَاعِ قال لَمَّا أَحَلَّ اللَّهُ تَعَالَى الرَّبِيبَةَ إنْ لم يَدْخُلْ بِالْأُمِّ وَذَكَرَ الْأُمَّ مُبْهَمَةً فَرَّقْت بَيْنَهُمَا قُلْت فَلِمَ لم تَجْعَلْ الْأُمَّ قِيَاسًا على الرَّبِيبَةِ وقد أَحَلَّهَا غَيْرُ وَاحِدٍ قال لَمَّا أَبْهَمَ اللَّهُ الْأُمَّ أَبْهَمْنَاهَا فَحَرَّمْنَاهَا بِغَيْرِ الدُّخُولِ وَوَضَعْت الشَّرْطَ في الرَّبِيبَةِ وهو الْمَوْضِعُ الذي وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى فيه ولم يَكُنْ اجْتِمَاعُهُمَا في أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا زَوْجَةٌ حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَزْوَاجِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُحَرِّمُ صَاحِبَتَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ يُوجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ بَيْنَهُمَا في غَيْرِهِ إذَا لم يَدُلَّ على اجْتِمَاعِهِمَا خَبَرٌ لَازِمٌ قُلْت له فَالْحَلَالُ أَشَدُّ مُبَايَنَةً لِلْحَرَامِ أَمْ الْأُمِّ لِلِابْنَةِ قال بَلْ الزنى لِلْحَلَالِ أَشَدُّ فِرَاقًا قُلْت فَلِمَ فَرَّقْت بين الْأُمِّ وَالِابْنَةِ وقد اجتمعتا ( ( ( اجتمعنا ) ) ) في خِصَالٍ وافترقتا ( ( ( وافترقنا ) ) ) في وَاحِدَةٍ وَجَمَعْت بين الزنى وَالْحَلَالِ وهو مُفَارِقٌ له عِنْدَك في أَكْثَرِ أَمْرِهِ وَعِنْدَنَا في كل أَمْرِهِ فقال فإن صَاحِبَنَا قال يُوجِدُكُمْ الْحَرَامُ يُحَرِّمُ الْحَلَالَ قُلْت له في مِثْلِ ما اخْتَلَفْنَا فيه من أَمْرِ النِّسَاءِ قال لَا وَلَكِنْ في غَيْرِهِ من الصَّلَاةِ وَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالنِّسَاءِ قِيَاسٌ عليه قُلْت له أَفَتُجِيزُ لِغَيْرِك أَنْ يَجْعَلَ الصَّلَاةَ قِيَاسًا على النِّسَاءِ وَالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ قال أَمَّا في كل شَيْءٍ فَلَا فَقُلْت له الْفَرْقُ لَا يَصْلُحُ إلَّا بِخَبَرٍ أو قِيَاسٍ على خَبَرٍ لَازِمٍ قُلْت فَإِنْ قال قَائِلٌ فَأَنَا أَقِيسُ الصَّلَاةَ بِالنِّسَاءِ وَالنِّسَاءَ بِالْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ حَيْثُ تُفَرِّقُ وَأُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا حَيْثُ تَقِيسُ فما الْحُجَّةُ عليه قال ليس
____________________

(5/155)


له أَنْ يُفَرِّقَ إلَّا بِخَبَرٍ لَازِمٍ قُلْت وَلَا لَك قال أَجَلْ قُلْت له وَصَاحِبُك قد أَخْطَأَ الْقِيَاسَ أن قَاسَ شَرِيعَةً بِغَيْرِهَا وَأَخْطَأَ لو جَازَ له في ذلك الْقِيَاسُ قال وَأَيْنَ أَخْطَأَ قُلْت صِفْ قِيَاسَهُ قال قال الصَّلَاةُ حَلَالٌ وَالْكَلَامُ فيها حَرَامٌ فإذا تَكَلَّمَ فيها فَسَدَتْ صَلَاتُهُ فَقَدْ أَفْسَدَ الْحَلَالَ بِالْحَرَامِ فَقُلْت له لِمَ زَعَمْت أَنَّ الصَّلَاةَ فَاسِدَةٌ لو تَكَلَّمَ فيها الصَّلَاةُ لَا تَكُونُ فَاسِدَةً وَلَكِنَّ الْفَاسِدَ فِعْلُهُ لَا هِيَ وَلَكِنِّي قُلْت لَا تُجْزِئُ عَنْكَ الصَّلَاةُ ما لم تَأْتِ بها كما أُمِرْت فَلَوْ زَعَمْت أنها فَاسِدَةٌ كانت على غَيْرِ مَعْنَى ما أَفْسَدْت بِهِ النِّكَاحَ قال وَكَيْفَ قُلْت أنا أَقُولُ له عُدْ لِصَلَاتِك الْآنَ فَائْتِ بها كما أُمِرْت وَلَا أَزْعُمُ أَنَّ حَرَامًا عليه أَنْ يَعُودَ لها وَلَا أَنَّ كَلَامَهُ فيها يَمْنَعُهُ من الْعَوْدَةِ إلَيْهَا وَلَا تَفْسُدُ عليه صَلَاتُهُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَلَا يُفْسِدُهَا إفْسَادُهُ إيَّاهَا على غَيْرِهِ وَلَا نَفْسِهِ قال وأنا أَقُولُ ذلك قُلْت وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ إذَا قَبَّلَ امْرَأَةً حُرِّمَتْ عليه أُمُّهَا وَابْنَتُهَا أَبَدًا قال أَجَلْ قُلْت وَتَحِلُّ له هِيَ قال نعم قُلْت وَتَحْرُمُ على أبيه وَابْنِهِ قال نعم قُلْت وَهَكَذَا قُلْت في الصَّلَاةِ قال لَا قُلْت أَفَتَرَاهُمَا يَشْتَبِهَانِ قال أَمَّا الْآنَ فَلَا وقد قال صَاحِبُنَا الْمَاءُ حَلَالٌ وَالْخَمْرُ حَرَامٌ فإذا صَبَّ الْمَاءَ في الْخَمْرِ حَرُمَ الْمَاءُ وَالْخَمْرُ فَقُلْت له أَرَأَيْت إذَا صَبَبْت الْمَاءَ في الْخَمْرِ أَمَا يَكُونُ الْمَاءُ الْحَلَالُ مُسْتَهْلَكًا في الْحَرَامِ قال بَلَى قُلْت أَفَتَجِدُ الْمَرْأَةُ التي قَبَّلَهَا لِلشَّهْوَةِ وَابْنَتَهَا كَالْخَمْرِ وَالْمَاءِ قال وَتُرِيدُ مَاذَا قُلْت أَتَجِدُ الْمَرْأَةَ مُحَرَّمَةً على كل أَحَدٍ كما تَجِدُ الْخَمْرَ مُحَرَّمَةً على كل أَحَدٍ قال لَا قُلْت أَوَتَجِدُ الْمَرْأَةَ وَابْنَتَهَا تَخْتَلِطَانِ اخْتِلَاطَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ حتى لَا تَعْرِفَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا من صَاحِبَتِهَا كما لَا يُعْرَفُ الْخَمْرُ من الْمَاءِ قال لَا قُلْت أَفَتَجِدُ الْقَلِيلَ من الْخَمْرِ إذَا صُبَّ في كَثِيرِ الْمَاءِ نَجَّسَ الْمَاءَ قال لَا قُلْت أَفَتَجِدُ قَلِيلَ الزنى وَالْقُبْلَةِ لِلشَّهْوَةِ لَا تُحَرِّمُ وَيُحَرِّم كَثِيرُهَا قال لَا وَلَا يُشْبِهُ أَمْرُ النِّسَاءِ الْخَمْرَ وَالْمَاءَ قُلْت فَكَيْفَ قَاسَهُ بِالْمَرْأَةِ وَلَوْ قَاسَهُ كان يَنْبَغِي أَنْ يُحَرِّمَ الْمَرْأَةَ التي قَبَّلَهَا وَزَنَى بها وَابْنَتَهَا كما حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَاءَ قال ما يَفْعَلُ ذلك وما هذا بِقِيَاسٍ قُلْت فَكَيْفَ قَبِلْت هذا منه قال ما وَجَدْنَا أَحَدًا قَطُّ بَيَّنَ هذا لنا كما بَيَّنْته وَلَوْ كَلَّمَ صَاحِبُنَا بهذا لَظَنَنْت أَنَّهُ لَا يُقِيمُ على قَوْلِهِ وَلَكِنَّهُ ( 1 ) عَقْلٌ وَضَعْفٌ من كلمه قُلْت أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ في رَجُلٍ يَعْصِي اللَّهَ في امْرَأَةٍ فَيَزْنِي بها فَلَا يُحَرِّمُ الزنى عليه أَنْ يَنْكِحَهَا وَهِيَ التي عَصَى اللَّهَ فيها إذَا أَتَاهَا بِالْوَجْهِ الذي أَحَلَّهُ اللَّهُ له وَتَحْرُمُ عليه ابْنَتُهَا وهو لم يَعْصِ اللَّهَ في ابْنَتِهَا فَهَلْ رَأَيْت قَطُّ عَوْرَةً أَبْيَنَ من عَوْرَةِ هذا الْقَوْلِ قال فَالشَّعْبِيُّ قال قَوْلُنَا قُلْت فَلَوْ لم يَكُنْ في قَوْلِنَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا ما أَوْجَدْنَاك من الْقِيَاسِ وَالْمَعْقُولِ أَكَانَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ عِنْدَك حُجَّةً قال لَا وقد روي عن عِمْرَانَ بن الْحُصَيْنِ قُلْت من وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ قال نُقِلَ وَرُوِيَ عن بن عَبَّاسٍ قَوْلُنَا (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَرَجَعَ عن قَوْلِهِمْ وقال الْحَقُّ عِنْدَك وَالْعَدْلُ في قَوْلِكُمْ ولم يَصْنَعْ أَصْحَابُنَا شيئا وَالْحُجَّةُ عَلَيْنَا بِمَا وَصَفْت وَأَقَامَ أَكْثَرُهُمْ على خِلَافِ قَوْلِنَا وَالْحُجَّةُ عليهم بِمَا وَصَفْت ( قال ) فقال لي فَاجْمَعْ في هذا قَوْلًا قُلْت إذَا حُرِّمَ الشَّيْءُ بِوَجْهٍ اسْتَدْلَلْنَا على أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ بِاَلَّذِي يُخَالِفُهُ كما إذَا أُحِلَّ شَيْءٌ بِوَجْهٍ لم يَحِلَّ بِاَلَّذِي يُخَالِفُهُ وَالْحَلَالُ ضِدُّ الْحَرَامِ وَالنِّكَاحُ حَلَالٌ وَالزِّنَا ضِدُّ النِّكَاحِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَحِلُّ لَك الْفَرْجُ بِالنِّكَاحِ وَلَا يَحِلُّ لَك بالزنى الذي يُخَالِفُهُ فقال لي منهم قَائِلٌ فَإِنَّا رَوَيْنَا عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ قال مَكْتُوبٌ في التَّوْرَاةِ مَلْعُونٌ من نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا ( قال ) قُلْت له وَلَا يَدْفَعُ هذا وَأَصْغَرُ ذَنْبًا من الزَّانِي بِالْمَرْأَةِ وَابْنَتِهَا وَالْمَرْأَةِ بِلَا ابْنَةٍ مَلْعُونٌ قد لُعِنَتْ الْوَاصِلَةُ وَالْمَوْصُولَةُ وَالْمُخْتَفِي ( قال الرَّبِيعُ ) الْمُخْتَفِي النَّبَّاشُ وَالْمُخْتَفِيَةُ فالزنى ( ( ( فالزنا ) ) ) أَعْظَمُ من هذا كُلِّهِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مَلْعُونًا بالزنى بِأَحَدِهِمَا وَإِنْ لم يَنْظُرْ إلَى فَرْجِ أُمٍّ وَلَا ابْنَتِهَا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قد أَوْعَدَ على الزنى وَلَوْ كُنْت إنَّمَا حَرَّمْته من أَجْلِ أَنَّهُ مَلْعُونٌ من نَظَرَ إلَى فَرْجِ امْرَأَةٍ وَابْنَتِهَا لم يَجُزْ أَنْ تُحَرِّمَ على الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ إنْ زَنَى بها أَبُوهُ فإنه لم يَنْظُرْ مع فَرْجِ امْرَأَتِهِ إلَى فَرْجِ أُمِّهَا وَلَا ابْنَتِهَا وَلَوْ كُنْت حَرَّمْته لِقَوْلِهِ مَلْعُونٌ لَزِمَك مَكَانُ هذا في آكِلِ الرِّبَ

(5/156)


وَمُؤْكِلِهِ وَأَنْتَ لَا تَمْنَعُ من أَرْبَى إذَا اشْتَرَى بِأَجَلٍ أَنْ يَحِلَّ له غَيْرُ السِّلْعَةِ التي أَرْبَى فيها وَلَا إذَا اخْتَفَى قَبْرًا من الْقُبُورِ أَنْ يَحِلَّ له أَنْ يَحْفِرَ غَيْرَهُ وَيَحْفِرَ هو إذَا ذَهَبَ الْمَيِّتُ بِالْبِلَى قال أَجَلْ قُلْت فَكَيْفَ لم تَقُلْ لَا يَمْنَعُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ كما قُلْت في الذي أَرْبَى وَاخْتَفَى - * ما جاء في نِكَاحِ إمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِمَائِهِمْ - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ لَا تَحِلُّ مُشْرِكَةٌ من غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِنِكَاحٍ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَنْكِحَ من أَهْلِ الْكِتَابِ إلَّا حُرَّةً وَلَا من الْإِمَاءِ إلَّا مُسْلِمَةً وَلَا تَحِلُّ الْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ حتى يَجْتَمِعَ الشَّرْطَانِ مَعًا فَيَكُونَ نَاكِحُهَا لَا يَجِدُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَيَكُونَ يَخَافُ الْعَنَتَ إنْ لم يَنْكِحْهَا وَهَذَا أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَأَحَبُّ إلَيَّ لو تَرَكَ نِكَاحَ الْكِتَابِيَّةِ وَإِنْ نَكَحَهَا فَلَا بَأْسَ وَهِيَ كَالْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ في الْقَسْمِ لها وَالنَّفَقَةِ وَالطَّلَاقِ وَالْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ وَالْعِدَّةِ وَكُلِّ أَمْرٍ غير أَنَّهُمَا لَا يَتَوَارَثَانِ وَتَعْتَدُّ منه عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَعِدَّةَ الطَّلَاقِ وَتَجْتَنِبُ في عِدَّتِهَا ما تَجْتَنِبُ الْمُعْتَدَّةُ وَكَذَلِكَ الصَّبِيَّةُ وَيُجْبِرُهَا على الْغُسْلِ من الْجَنَابَةِ وَالتَّنْظِيفِ فَأَمَّا الْأَمَةُ الْمُسْلِمَةُ فَإِنْ نَكَحَهَا وهو يَجِدُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ فُسِخَ النِّكَاحُ وَلَكِنَّهُ إنْ لم يَجِدْ طَوْلًا ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ أَيْسَرَ لم يُفْسَخْ النِّكَاحُ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ انْعَقَدَتْ صَحِيحَةً فَلَا يُفْسِدُهَا ما بَعْدَهَا وَلَوْ عَقَدَ نِكَاحَ حُرَّةٍ وَأَمَةٍ فَقَدْ قِيلَ تَثْبُتُ عُقْدَةُ الْحُرَّةِ وَعُقْدَةُ الْأَمَةِ مَفْسُوخَةٌ وقد قِيلَ هِيَ مَفْسُوخَةٌ مَعًا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرٍو عن أبي الشَّعْثَاءِ قال لَا يَصْلُحُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ الْيَوْمَ لِأَنَّهُ يَجِدُ طَوْلًا إلَى حُرَّةٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال بَعْضُ الناس لِمَ قُلْت لَا يَحِلُّ نِكَاحُ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُلْت اسْتِدْلَالًا بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل قال وَأَيْنَ ما اسْتَدْلَلْت به منه فَقُلْت قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ من مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } وقال { إذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ } الْآيَةَ فَقُلْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ لَا يُحِلُّ لِمَنْ لَزِمَهُ اسْمُ كُفْرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ حُرَّةٍ وَلَا أَمَةٍ بِحَالٍ أَبَدًا وَلَا يَخْتَلِفُ في هذا أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ من الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْآيَتَيْنِ عَامَّتَانِ وَاسْمَ الْمُشْرِكِ لَازِمٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ من الْمُشْرِكِينَ وَوَجَدْنَا اللَّهَ عز وجل قال { وَالْمُحْصَنَاتُ من الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } فلم نَخْتَلِفْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ أَنَّهُنَّ الْحَرَائِرُ من أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً إذَا خُصِّصَ وَتَكُونُ الْإِمَاءُ مِنْهُنَّ من جُمْلَةِ الْمُشْرِكَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ فقال إنَّا نَقُولُ قد يُحِلُّ اللَّهُ الشَّيْءَ وَيَسْكُتُ عن غَيْرِهِ غير مُحَرِّمٍ لِمَا سَكَتَ عنه وإذا أَحَلَّ حَرَائِرَهُمْ دَلَّ ذلك على إحْلَالِ إمَائِهِمْ وَدَلَّ ذلك على أَنَّهُ عَنَى بِالْآيَتَيْنِ الْمُشْرِكِينَ غَيْرَهُمْ من أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَقُلْت أَرَأَيْت إنْ عَارَضَك مُعَارِضٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك التي قُلْت فقال وَجَدْت في أَهْلِ الْكِتَابِ حُكْمًا مُخَالِفًا حُكْمَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ فَوَجَدْت اللَّهَ عز وجل أَبَاحَ نِكَاحَ حَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا تُقَاسُ إمَاؤُهُمْ بِحَرَائِرِهِمْ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { إذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لهم وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } وقال تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ من مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } الْآيَةَ فَنَهَى اللَّهُ عز وجل في هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عن نِكَاحِ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ كما نهى عن إنْكَاحِ رِجَالِهِمْ 0 قال ) وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَحْتَمِلَانِ مَعْنَيَيْنِ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِمَا مُشْرِكُو أَهْلِ الْأَوْثَانِ خَاصَّةً فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِحَالِهِ لم يُنْسَخْ وَلَا شَيْءٌ منه لِأَنَّ الْحُكْمَ في أَهْلِ الْأَوْثَانِ أَنْ لَا يَنْكِحَ مُسْلِمٌ منهم امْرَأَةً كما لَا يَنْكِحُ رَجُلٌ منهم مُسْلِمَةً ( قال ) وقد قِيلَ هذا فيها وَفِيمَا هو مِثْلُهُ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ اعلم بِهِ ( قال ) وَتَحْتَمِلَانِ أَنْ تَكُونَا في جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَتَكُونُ الرُّخْصَةُ نَزَلَتْ بَعْدَهَا في حَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً كما جَاءَتْ في ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ من بَيْنِ الْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } الْآيَةَ وقال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ } إلَى قَوْلِهِ { ذلك لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ }

(5/157)


فَكَذَلِكَ أنا أَقِيسُ رِجَالَهُمْ بِنِسَائِهِمْ فَأَجْعَلُ لِرِجَالِهِمْ أَنْ يَنْكِحُوا الْمُسْلِمَاتِ إذَا كَانُوا خَارِجِينَ من الْآيَتَيْنِ قال ليس ذلك له وَالْإِرْخَاصُ في حَرَائِرِ نِسَائِهِمْ ليس الْإِرْخَاصُ في أَنْ يَنْكِحَ رِجَالُهُمْ الْمُسْلِمَاتِ قُلْت فَإِنْ قال لَك وَلَكِنَّهُ في مِثْلِ مَعْنَاهُ قِيَاسًا عليه قال وَلَا يَكُونُ عليه قِيَاسًا وَإِنَّمَا قُصِدَ بِالتَّحْلِيلِ عَيْنٌ من جُمْلَةٍ مُحَرَّمَةٍ قُلْت فَهَذِهِ الْحُجَّةُ عَلَيْك لِأَنَّ إمَاءَهُمْ غَيْرُ حَرَائِرِهِمْ كما رِجَالُهُمْ غَيْرُ نِسَائِهِمْ وَإِنَّمَا حَرَائِرُهُمْ مُسْتَثْنَوْنَ من جُمْلَةٍ مُحَرَّمَةٍ قال قد اجْتَمَعَ الناس على أَنْ لَا يَحِلَّ لِرَجُلٍ منهم أَنْ يَنْكِحَ مُسْلِمَةً قُلْت فَإِجْمَاعُهُمْ على ذلك حُجَّةٌ عَلَيْك لِأَنَّهُمْ إنَّمَا حَرَّمُوا ذلك بِكِتَابِ اللَّهِ عز وجل فَرَخَّصُوا في الْحَرَائِرِ بِكِتَابِ اللَّهِ قال قد اخْتَلَفُوا في الْإِمَاءِ من أَهْلِ الْكِتَابِ قُلْت فإذا اخْتَلَفُوا فَالْحُجَّةُ عِنْدَهُ وَعِنْدَك لِمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَمَنْ حَرَّمَهُنَّ فَقَدْ وَافَقَ مَعْنَى كِتَابِ اللَّهِ لِأَنَّهُنَّ من جُمْلَةِ الْمُشْرِكَاتِ وَبَرِئُوا من أَنْ يَكُونُوا من الْحَرَائِر الْمَخْصُوصَات بِالتَّحْلِيلِ ( قال ) وَقُلْنَا لَا يَحِلُّ نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ إلَّا بِأَنْ لَا يَجِدَ نَاكِحُهَا طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَلَا تَحِلُّ وَإِنْ لم يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ حتى يَخَافَ الْعَنَتَ فَيَجْتَمِعُ فيه الْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ لَهُمَا أُبِيحَ له نِكَاحُ الْأَمَةِ وَخَالَفَنَا فقال يَحِلُّ نِكَاحُ الْأَمَةِ بِكُلِّ حَالٍ كما يَحِلُّ نِكَاحُ الْحُرَّةِ فقال لنا ما الْحُجَّةُ فيه فَقُلْت كِتَابُ اللَّهِ الْحُجَّةُ فيه وَالدَّلِيلُ على أَنْ لَا يَحِلَّ نِكَاحُ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ مع ما وَصَفْنَا من الدَّلَالَةِ عليه فَقُلْت له قد حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ فقال { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } وَاسْتَثْنَى إحْلَالَهُ لِلْمُضْطَرِّ أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لَمَّا حَلَّتْ الْمَيْتَةُ بِحَالٍ لِوَاحِدٍ مَوْصُوفٍ وهو الْمُضْطَرُّ حَلَّتْ لِمَنْ ليس في صِفَتِهِ قال لَا قُلْت وقد أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِالطَّهُورِ وَأَرْخَصَ في السَّفَرِ وَالْمَرَضِ أَنْ يَقُومَ الصَّعِيدُ مَقَامَ الْمَاءِ لِمَنْ يَعُوزُهُ الْمَاءُ في السَّفَرِ وَلِلْمَرِيضِ مِثْلُ الْمَحْذُورِ في السَّفَرِ وَالْحَضَرِ بِغَيْرِ إعْوَازٍ أَفَيَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ أُجِيزَ له التَّيَمُّمُ في السَّفَرِ على غَيْرِ إعْوَازٍ كما يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ قال لَا يَجُوزُ أَبَدًا إلَّا لِمَعُوزٍ مُسَافِرٍ وإذا أُحِلَّ شَيْءٌ بِشَرْطٍ لم يَحْلُلْ إلَّا بِالشَّرْطِ الذي أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَاحِدًا كان أو اثْنَيْنِ قُلْت وَكَذَلِكَ حين أَوْجَبَ عِتْقَ رَقَبَةٍ في الظِّهَارِ ثُمَّ قال { فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } لم يَكُنْ له أَنْ يَصُومَ وهو يَجِدُ عِتْقَ رَقَبَةٍ قال نعم فَقُلْت له قد أَصَبْت فَإِنْ كانت لَك بهذا حُجَّةٌ على أَحَدٍ لو خَالَفَك فَكَذَلِكَ هِيَ عَلَيْك في إحْلَالِك نِكَاحَ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى في حَرَائِرِهِمْ وَنِكَاحِ إمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنَّمَا أَذِنَ اللَّه فِيهِنَّ لِمَنْ لم يَجِدْ طَوْلًا وَلِمَنْ يَخَافُ الْعَنَتَ وما يَلْزَمُهُ في هذا أَكْثَرُ مِمَّا وَصَفْنَا وَفِيمَا وَصَفْت كِفَايَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قال فَمِنْ أَصْحَابِك من قال يَجُوزُ نِكَاحُ الْإِمَاءِ الْمُسْلِمَاتِ بِكُلِّ حَالٍ قُلْت فَالْحُجَّةُ على من أَجَازَ نِكَاحَ إمَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ الْحُجَّةُ عَلَيْك وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ على أَنْ لَا يَجُوزَ نِكَاحُهُنَّ إلَّا بِمَعْنَى الضَّرُورَةِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ النَّاكِحُ طَوْلًا لِحُرَّةٍ وَيَخَافَ الْعَنَتَ فَمَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ كِتَابَ اللَّهِ عز وجل كان معه الْحَقُّ - * بَابُ التَّعْرِيضِ في خِطْبَة النِّكَاح - * ( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) كِتَابُ اللَّهِ يَدُلُّ على أَنَّ التَّعْرِيضَ في الْعِدَّةِ جَائِزٌ لِمَا وَقَعَ عليه اسْمُ التَّعْرِيضِ إلَّا ما نهى اللَّهُ عز وجل عنه من السِّرِّ وقد ذَكَرَ الْقَاسِمُ بَعْضَهُ وَالتَّعْرِيضُ كَثِيرٌ وَاسِعٌ جَائِزٌ كُلُّهُ وهو خِلَافُ التَّصْرِيحِ وهو ما يُعَرِّضُ بِهِ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ مِمَّا يَدُلُّهَا على أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ خِطْبَتَهَا بِغَيْرِ تَصْرِيحٍ وَالسِّرُّ الذي نهى اللَّهُ عنه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَجْمَعُ بين أَمْرَيْنِ أَنَّهُ تَصْرِيحٌ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال اللَّهُ عز وجل { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ من خِطْبَةِ النِّسَاءِ أو أَكْنَنْتُمْ في أَنْفُسِكُمْ } الْآيَةَ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ عن أبيه أَنَّهُ كان يقول في قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ من خِطْبَةِ النِّسَاءِ } أن ( ( ( أنه ) ) ) يقول الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ في عِدَّتِهَا من وَفَاةِ زَوْجِهَا إنَّك عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ وإني فِيك لَرَاغِبٌ فإن اللَّهَ لَسَائِقٌ إلَيْك خَيْرًا وَرِزْقًا وَنَحْوَ هذا من الْقَوْلِ

(5/158)


وَالتَّصْرِيحُ خِلَافُ التَّعْرِيضِ وَتَصْرِيحٌ بِجِمَاعٍ وَهَذَا كَأَقْبَحِ التَّصْرِيحِ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على أَنَّ السِّرَّ الْجِمَاعُ قِيلَ فَالْقُرْآنُ كَالدَّلِيلِ عليه إذَا أَبَاحَ التَّعْرِيضَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ جَائِزٌ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فإذا كان هذا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ أَنَّ السِّرَّ سِرُّ التَّعْرِيضِ وَلَا بُدَّ من مَعْنًى غَيْرِهِ وَذَلِكَ الْمَعْنَى الْجِمَاعُ وقال امْرُؤُ الْقَيْسِ % أَلَا زَعَمْت بَسْبَاسَةُ الْقَوْمِ أَنَّنِي % كَبُرْت وَأَنْ لَا يُحْسِنَ السِّرَّ أَمْثَالِي % % كَذَبْت لقد أَصْبَى على الْمَرْءِ عُرْسُهُ % وَأَمْنَعُ عُرْسِي أَنْ يَزْنِ بها الْخَالِي % وقال جَرِيرٌ يَرْثِي امْرَأَتَهُ % كانت إذَا هَجَرَ الْخَلِيلُ فِرَاشَهَا % خَزْنَ الحديث وَعَفَّتْ الأسرارا ( ( ( الأسرار ) ) ) % (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } وقال عز وجل { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } وقال { أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غير مُسَافِحِينَ فما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } وقال { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ } وقال { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وآتيتم ( ( ( وءاتيتم ) ) ) } الْآيَةَ وقال { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ على النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا من أَمْوَالِهِمْ } وقال { وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حتى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ من فَضْلِهِ } فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَزْوَاجَ أَنْ يُؤْتُوا النِّسَاءَ أُجُورَهُنَّ وَصَدُقَاتِهِنَّ وَالْأَجْرُ هو الصَّدَاقُ وَالصَّدَاقُ هو الْأَجْرُ وَالْمَهْرُ وَهِيَ كَلِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ تُسَمَّى بِعِدَّةِ أَسْمَاءٍ فَيَحْتَمِلُ هذا أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالصَّدَاقِ من فَرَضَهُ دُونَ من لم يَفْرِضْهُ دخل أو لم يَدْخُلْ لِأَنَّهُ حَقٌّ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ وَلَا يَكُونُ له حَبْسٌ لِشَيْءٍ منه إلَّا بِالْمَعْنَى الذي جَعَلَهُ اللَّهُ له وهو أَنْ يُطَلِّقَ قبل الدُّخُولِ قال اللَّهُ عز وجل { وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ من قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وقد فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلَّا أَنْ يَعْفُونَ أو يَعْفُوَ الذي بيده عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَجِبُ بِالْعُقْدَةِ وَإِنْ لم يُسَمِّ مَهْرًا ولم يَدْخُلْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَهْرُ لَا يَلْزَمُ إلَّا بِأَنْ يَلْزَمَهُ الْمَرْءُ نَفْسُهُ أو يَدْخُلَ بِالْمَرْأَةِ وَإِنْ لم يُسَمِّ لها مَهْرًا فلما احْتَمَلَ الْمَعَانِيَ الثَّلَاثَ كان أَوْلَاهَا أَنْ يُقَالَ بِهِ ما كانت عليه الدَّلَالَةُ من كِتَابِ اللَّهِ أو سُنَّةٍ أو إجْمَاعٍ فَاسْتَدْلَلْنَا بِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ } على أَنَّ عُقْدَةَ النِّكَاحِ تَصِحُّ بِغَيْرِ فَرِيضَةِ صَدَاقٍ وَذَلِكَ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ إلَّا على من تَصِحُّ عُقْدَةُ نِكَاحِهِ وإذا جَازَ أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَيَثْبُتُ بهذا دَلِيلٌ على أَنَّ الْخِلَافَ بين النِّكَاحِ وَالْبُيُوعِ الْبُيُوعُ لَا تَنْعَقِدُ إلَّا بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ وَالنِّكَاحُ يَنْعَقِدُ بِغَيْرِ مَهْرٍ وإذا جَازَ أَنْ يَنْعَقِدَ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَيَثْبُتُ اسْتِدْلَالُنَا على أَنَّ الْعُقْدَةَ تَصِحُّ بِالْكَلَامِ وَأَنَّ الصَّدَاقَ لَا يُفْسِدُ عُقْدَةَ النِّكَاحِ أَبَدًا وإذا كان هَكَذَا فَلَوْ عَقَدَ النِّكَاحَ بِمَهْرٍ مَجْهُولٍ أو حَرَامٍ ثَبَتَتْ الْعُقْدَةُ بِالْكَلَامِ وكان للمراة مَهْرُ مِثْلِهَا إذَا أُصِيبَتْ على أَنَّهُ لَا صَدَاقَ على من طَلَّقَ إذَا لم يُسَمِّ مَهْرًا ولم يَدْخُلْ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَجِبُ بِالْعُقْدَةِ وَالْمَسِيسِ وَإِنْ لم يُسَمِّ مَهْرًا بِالْآيَةِ وَبِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إنْ أَرَادَ النبي أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لك من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } يُرِيدُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالنِّكَاحِ وَالْمَسِيسِ بِغَيْرِ مَهْرٍ على أَنَّهُ ليس لِأَحَدٍ غَيْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَنْكِحَ فَيَمَسَّ إلَّا لَزِمَهُ مَهْرٌ مع دَلَالَةِ الْآيِ قَبْلَهُ وَدَلَّ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } على أَنْ لَا وَقْتَ في الصَّدَاقِ كَثُرَ أو قَلَّ لِتَرْكِهِ النَّهْيَ عن الْقِنْطَارِ وهو كَثِيرٌ وَتَرْكِهِ حَدًّا لِلْقَلِيلِ وَدَلَّتْ عليه السُّنَّةُ وَالْقِيَاسُ على الْإِجْمَاعِ فَنَقُولُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فإذا عَلِمَ أَنَّ حَدِيثَهَا مَخْزُونٌ فَخَزْنُ الحديث أَنْ لَا يُبَاحَ بِهِ سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً فإذا وَصَفَهَا فَلَا مَعْنَى لِلْعَفَافِ غير الْإِسْرَارِ وَالْإِسْرَارُ الْجِمَاعُ - * ما جاء في الصَّدَاقِ - *

(5/159)


أَقَلُّ ما يَجُوزُ في الْمَهْرِ أَقَلُّ ما يَتَمَوَّلُ الناس مِمَّا لو اسْتَهْلَكَهُ رَجُلٌ لِرَجُلٍ كانت له قِيمَةٌ وما يَتَبَايَعُهُ الناس بَيْنَهُمْ فَإِنْ قال قَائِلٌ وما دَلَّ على ذلك قِيلَ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَدُّوا الْعَلَائِقَ قِيلَ وما الْعَلَائِقُ يا رَسُولَ اللَّهِ قال ما تَرَاضَى عليه الْأَهْلُونَ وَلَا يَقَعُ اسْمُ عَلَقٍ إلَّا على ما يُتَمَوَّلُ وَإِنْ قَلَّ وَلَا يَقَعُ اسْمُ مَالٍ إلَّا على ما له قِيمَةٌ يُبَاعُ بها وَتَكُونُ إذَا اسْتَهْلَكَهَا مُسْتَهْلِكٌ أَدَّى قِيمَتَهَا وَإِنْ قَلَّتْ وما لَا يَطْرَحُهُ الناس من أَمْوَالِهِمْ مِثْلُ الْفَلْسِ وما أَشْبَهَ ذلك الذي يَطْرَحُونَهُ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَالْخَاتَمُ من الْحَدِيدِ لَا يَسْوَى دِرْهَمًا وَلَا قَرِيبًا منه وَلَكِنْ له ثَمَنٌ قَدْرُ ما يَتَبَايَعُ بِهِ الناس على ما وَصَفْنَا في الذي قبل هذا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سُفْيَانُ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ أَنَّ عَبْدَ الرحمن بن عَوْفٍ تَزَوَّجَ على وَزْنِ نَوَاةٍ - * بَابُ الْخِلَافِ في الصَّدَاقِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عز وجل الصَّدَاقَ غير مؤقت وَاخْتَلَفَ الصَّدَاقُ في زَمَنِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَارْتَفَعَ وَانْخَفَضَ وَأَجَازَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم منه ما وَصَفْنَا من خَاتَمِ الْحَدِيدِ وقال ما تَرَاضَى بِهِ الْأَهْلُونَ وَرَأَيْنَا الْمُسْلِمِينَ قالوا في التي لَا يُفْرَضُ لها إذَا أُصِيبَتْ لها مَهْرُ مِثْلِهَا اسْتَدْلَلْنَا على أَنَّ الصَّدَاقَ ثَمَنٌ من الْأَثْمَانِ وَالثَّمَنُ ما تَرَاضَى بِهِ من يَجِبُ له وَمَنْ يَجِبُ عليه من مَالِهِ من قَلَّ أو كَثُرَ فَعَلِمْنَا أَنَّ كُلَّ ما كانت له قِيمَةٌ قَلَّتْ أو كَثُرَتْ فَتَرَاضَى بِهِ الزَّوْجَانِ كان صَدَاقًا وَخَالَفَنَا بَعْضُ الناس في هذا فقال لَا يَكُونُ الصَّدَاقُ أَقَلَّ من عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَسَأَلْنَا عن حُجَّتِنَا بِمَا قُلْنَا فَذَكَرْنَا له ما قُلْنَا من هذا الْقَوْلِ فِيمَا كَتَبْنَا وَقُلْنَا بِأَيِّ شَيْءٍ خَالَفْتنَا قال رَوَيْنَا عن بَعْضِ أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَكُونُ الصَّدَاقُ أَقَلَّ من عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَذَلِكَ ما تُقْطَعُ فيه الْيَدُ قُلْت قد حَدَّثْنَاكَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَدِيثًا ثَابِتًا وَلَيْسَ في أَحَدٍ مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حُجَّةٌ وَحَدِيثُك عَمَّنْ حَدَّثْت عنه لو كان ثَابِتًا لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكَيْفَ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ قال فَيَقْبُحُ أَنْ نُبِيحَ فَرْجًا بِشَيْءٍ تَافِهٍ قُلْنَا أَرَأَيْت رَجُلًا لو اشْتَرَى جَارِيَةً بِدِرْهَمٍ أَيَحِلُّ له فَرْجُهَا قال نعم قُلْت فَقَدْ أَحْلَلْت الْفَرْجَ بِشَيْءٍ تَافِهٍ وَزِدْت مع الْفَرْجِ رَقَبَةً وَكَذَلِكَ تُبِيحُ عَشْرَ جَوَارٍ بِدِرْهَمٍ في الْبَيْعِ وَقُلْت له أَرَأَيْت شَرِيفًا يَنْكِحُ امْرَأَةً دَنِيَّةً سَيِّئَةَ الْحَالِ بِدِرْهَمٍ أَدِرْهَمٌ أَكْثَرُ لها على قَدْرِهَا وَقَدْرِهِ أو عَشَرَةُ دَرَاهِمَ لِامْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ جَمِيلَةٍ فَاضِلَةٍ من رَجُلٍ دَنِيءٍ صَغِيرِ الْقَدْرِ قال بَلْ عَشْرَةٌ لِهَذِهِ لِقَدْرِهَا أَقَلَّ قُلْت فَلِمَ تُجِيزُ لها التَّافِهَ في قَدْرِهَا وَأَنْتَ لو فَرَضْت لها مَهْرًا فَرَضْته الْأَقَلَّ وَلَوْ فَرَضْت لِأُخْرَى لم تُجَاوِزْ بها عَشَرَةَ دَرَاهِمَ لِأَنَّ ذلك كَثِيرٌ لها وَلَا يُجَاوِزُ بِهِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالْقَصْدُ في الْمَهْرِ أَحَبُّ إلَيْنَا واستحب أَنْ لَا يَزِيدَ في الْمَهْرِ على ما أَصْدَقَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نِسَاءَهُ وَبَنَاتِهِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ طَلَبُ الْبَرَكَةِ في كل أَمْرٍ فَعَلَهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا عبد الْعَزِيزِ بن مُحَمَّدٍ عن يَزِيدَ بن الْهَادِ عن مُحَمَّدِ بن إبْرَاهِيمَ عن أبي سَلَمَةَ قال سَأَلْت عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها كَمْ كان صَدَاقُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قالت كان صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشَّ قالت أَتَدْرِي ما النَّشُّ قُلْت لَا قالت نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَذَاكَ صَدَاقُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَزْوَاجِهِ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكٌ عن أبي حَازِمٍ عن سَهْلِ بن سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فقالت إنِّي وَهَبْت نَفْسِي لَك فَقَامَتْ قِيَامًا طَوِيلًا فَقَامَ رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيهَا إنْ لم يَكُنْ لَك بها حَاجَةٌ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هل عِنْدَك شَيْءٌ تَصْدُقُهَا إيَّاهُ فقال ما عِنْدِي إلَّا إزَارِي هذا فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنْ أَعْطَيْتهَا إيَّاهُ جَلَسْت لَا إزَارَ لَك قال فَالْتَمِسْ شيئا قال ما أَجِدُ شيئا فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا من حَدِيدٍ

(5/160)


مَهْرَ مِثْلِهَا قال رَضِيت بِهِ قُلْت فَلَوْ كان أَقَلَّ من مَهْرِ مِثْلِهَا مِائَةَ مَرَّةٍ أَجَزْته لها وَعَلَيْهَا قال نعم قُلْت أَلَيْسَ لِأَنَّهَا رَضِيَتْ بِهِ قال بَلَى قُلْت قد رَضِيت الدَّنِيئَةَ بِدِرْهَمٍ وهو لها بِقَدْرِهَا أَكْثَرُ فَزِدْتهَا عليه تِسْعَةَ دَرَاهِمَ قُلْت أَرَأَيْت لو قال لَك قَائِلٌ لو أَنَّ امْرَأَةً كان مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا فَرَضِيَتْ بِمِائَةٍ أَلْحَقْتهَا بِمَهْرِ مِثْلِهَا وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً كان مَهْرُ مِثْلِهَا أَلْفًا فَأَصْدَقَهَا رَجُلٌ عَشْرَةَ آلَافٍ رَدَدْتهَا إلَى أَلْفٍ حتى يَكُونَ الصَّدَاقُ موقتا على أَلْفٍ قَدْرَ مَهْرِ مِثْلِهَا قال ليس ذلك له قُلْت وَتَجْعَلُهُ ها هنا كَالْبُيُوعِ تُجِيزُ فيه التَّغَابُنَ لِأَنَّ النَّاكِحَ رضي بِالزِّيَادَةِ وَالْمَنْكُوحَةَ رَضِيَتْ بِالنُّقْصَانِ وَأَجَزْت على كُلٍّ ما رضي بِهِ قال نعم قُلْت فَكَذَلِكَ لو نَكَحَتْ بِغَيْرِ مَهْرٍ فَأَصَابَهَا جَعَلْت لها مَهْرَ مِثْلِهَا عَشْرَةً كان أو أَلْفًا قال نعم قُلْت فَأَسْمَعُك تُشَبِّهُ الْمَهْرَ بِالْبَيْعِ في كل شَيْءٍ بَلَغَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَتُجِيزُ فيه ما تَرَاضَيَا عليه ثُمَّ تَرُدُّهُ إلَى مَهْرِ مِثْلِهَا إذَا لم يَكُنْ بِصَدَاقٍ وَتُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبُيُوعِ في أَقَلَّ من عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَتَقُولُ إذَا رَضِيت بِأَقَلَّ من عَشَرَةِ دَرَاهِمَ رَدَدْتهَا حتى أَبْلُغَ بها عَشْرَةَ وَالْبَيْعُ عِنْدَك إذَا رضي فيه بِأَقَلَّ من دِرْهَمٍ أَجَزْته قُلْت أَرَأَيْت لو قال لَك قَائِلٌ لَا أَرَاك قُمْت من الصَّدَاقِ على شَيْءٍ يَعْتَدِلُ فيه قَوْلُك فَأَرْجِعُ بِك في الصَّدَاقِ إلَى أَنَّ اللَّهَ عز وجل قال { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا } وَذِكْرُ الصَّدَاقِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ من الْقُرْآنِ سَوَاءٌ فلم يحد ( ( ( يجد ) ) ) فيه حَدًّا فَتَجْعَلُ الصَّدَاقَ قِنْطَارًا لَا أَنْقَصَ منه وَلَا أَزْيَدَ عليه قال ليس ذلك له لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل لم يَفْرِضْهُ على الناس وَأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَصْدَقَ أَقَلَّ منه وَأَصْدَقَ في زَمَانِهِ وَأَجَازَ أَقَلَّ منه فَقُلْنَا قد أَوْجَدْنَاك رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَجَازَ في الصَّدَاقِ أَقَلَّ من عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَتَرَكْته وَقُلْت بِخِلَافِهِ وَقُلْت ما تُقْطَعُ فيه الْيَدُ وما لِلْيَدِ وَالْمَهْرُ وَقُلْت أَرَأَيْت لو قال قَائِلٌ أُحِدُّ الصَّدَاقَ وَلَا أُجِيزُ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ من مَهْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ أو قال هو ثَمَنٌ لِلْمَرْأَةِ لَا يَكُونُ أَقَلَّ من خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ أو قال في الْبِكْرِ كَالْجِنَايَةِ فَفِيهِ أَرْشُ جَائِفَةٍ أو قال لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِمَّا تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ وهو مِائَتَا دِرْهَمٍ أو عِشْرُونَ دِينَارًا ما الْحُجَّةُ عليه قال ليس الْمَهْرُ من هذا بِسَبِيلٍ قُلْت أَجَلْ وَلَا مِمَّا تُقْطَعُ فيه الْيَدُ بَلْ بَعْضُ هذا أَوْلَى أَنْ يُقَاسَ عليه مِمَّا تُقْطَعُ فيه الْيَدُ إنْ كان هذا منه بَعِيدًا - * بَابُ ما جاء في النِّكَاحِ على الْإِجَارَةِ - * (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّدَاقُ ثَمَنٌ من الْأَثْمَانِ فَكُلُّ ما يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا صَلُحَ أَنْ يَكُونَ صَدَاقًا وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ الرَّجُلِ على أَنْ يَخِيطَ لها الثَّوْبَ وَيَبْنِيَ لها الْبَيْتَ وَيَذْهَبَ بها الْبَلَدَ وَيَعْمَلَ لها الْعَمَلَ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على هذا قِيلَ إذَا كان الْمَهْرُ ثَمَنًا كان في مَعْنَى هذا وقد أَجَازَهُ اللَّهُ عز وجل في الْإِجَارَةِ في كِتَابِهِ وَأَجَازَهُ الْمُسْلِمُونَ وقال اللَّهُ عز وجل { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } وقال عز وجل { وَعَلَى الْمَوْلُودِ له رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وَذَكَرَ قِصَّةَ شُعَيْبٍ وَمُوسَى صلى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وسلم في النِّكَاحِ فقال { قالت إحداهما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ من اسْتَأْجَرْت الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قال إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك إحْدَى ابْنَتَيْ هَاتَيْنِ } الْآيَةَ وقال { فلما قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ من جَانِبِ الطُّورِ نَارًا } قال وَلَا أَحْفَظُ من أَحَدٍ خِلَافًا في أَنَّ ما جَازَتْ عليه الْإِجَارَةُ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فَمَنْ نَكَحَ بِأَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا فَعَمِلَهُ كُلَّهُ ثُمَّ طَلَّقَ قبل الدُّخُولِ رَجَعَ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَمَلِ وَمَنْ لم يَعْمَلْهُ ثُمَّ طَلَّقَ قبل الدُّخُولِ عَمِلَ نِصْفَهُ فَإِنْ فَاتَ الْمَعْمُولُ بِأَنْ يَكُونَ ثَوْبًا فَهَلَكَ كان لِلْمَرْأَةِ مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ خِيَاطَةِ الثَّوْبِ أو عَمَلِهِ ما كان ( قال الرَّبِيعُ ) رَجَعَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فقال يَكُونُ لها نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِهَا غير أَنَّ بَعْضَ الناس قال يَجُوزُ هذا في كل شَيْءٍ غير تَعْلِيمِ الْخَيْرِ فإنه لَا أَجْرَ على تَعْلِيمِ الْخَيْرِ وَلَوْ نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً على أَنْ يُعَلِّمَهَا خَيْرًا كان لها مَهْرُ مِثْلِهَا لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ رَجُل

(5/161)


رَجُلًا على أَنْ يُعَلِّمَهُ خَيْرًا قُرْآنًا وَلَا غَيْرَهُ وَلَوْ صَلُحَ هذا كان تَعْلِيمُ الْخَيْرِ كَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ يَجُوزُ النِّكَاحُ عليه وَيَكُونُ الْقَوْلُ فيه كَالْقَوْلِ في خِيَاطَةِ الثَّوْبِ إذَا عَلَّمَهَا الْخَيْرَ وَطَلَّقَهَا رَجَعَ عليها بِنِصْفِ أَجْرِ تَعْلِيمِ ذلك الْخَيْرِ وَإِنْ طَلَّقَهَا قبل أَنْ يُعَلِّمَهَا رَجَعَتْ عليه بِنِصْفِ أَجْرِ تَعْلِيمِ ذلك الْخَيْرِ لِأَنَّهُ ليس له أَنْ يَخْلُوَ بها وَيُعَلِّمَهَا وَهَذَا قَوْلٌ صَحِيحٌ على السُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ مَعًا لو تَابَعْنَا في تَجْوِيزِ الْأَجْرِ على تَعْلِيمِ الْخَيْرِ ( رَجَعَ الشَّافِعِيُّ فقال لها مَهْرُ مِثْلِهَا ) قال الرَّبِيعُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ إذَا تَزَوَّجَهَا على أَنْ يَخِيطَ لها ثَوْبًا بِعَيْنِهِ أو يُعْطِيَهَا شيئا بِعَيْنِهِ فَطَلَّقَهَا قبل أَنْ يَدْخُلَ بها فَهَلَكَ الثَّوْبُ قبل أَنْ يَخِيطَهُ أو هَلَكَ الشَّيْءُ الذي بِعَيْنِهِ رَجَعَتْ عليه بِنِصْفِ صَدَاقِ مِثْلِهَا وَاحْتَجَّ بِأَنَّ من اشْتَرَى شيئا بِدِينَارٍ فَهَلَكَ الشَّيْءُ قبل أَنْ يَقْبِضَهُ رَجَعَ بِدِينَارِهِ فَأَخَذَهُ فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ إنَّمَا مَلَكَتْ خِيَاطَةَ الثَّوْبِ بِبُضْعِهَا فلما هَلَكَ الثَّوْبُ قبل أَنْ تَقْبِضَهُ فلم يَقْدِرْ على خِيَاطَتِهِ رَجَعَتْ عليه بِمَا مَلَكَتْ بِهِ الْخِيَاطَةَ وهو بُضْعُهَا وهو الثَّمَنُ الذي اشْتَرَتْ بِهِ الْخِيَاطَةَ ( قال الرَّبِيعُ ) وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وهو آخِرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - * بَابُ النَّهْيِ أَنْ يَخْطُب الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ رضي اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لَا يَخْطُبُ أحدكم على خِطْبَةِ أَخِيهِ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكٌ عن أبي الزِّنَادِ وَمُحَمَّدِ بن يحيى بن حِبَّانَ عن الْأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لَا يَخْطُبُ أحدكم على خِطْبَةِ أَخِيهِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْت له قد أَخْبَرَتْهُ فَاطِمَةُ أَنَّ رَجُلَيْنِ خَطَبَاهَا وَلَا أَحْسِبُهُمَا يَخْطُبَانِهَا إلَّا وقد تَقَدَّمَتْ خِطْبَةُ أَحَدِهِمَا خِطْبَةَ الاخر لِأَنَّهُ قَلَّ ما يَخْطُبُ اثْنَانِ مَعًا في وَقْتٍ فلم تَعْلَمْهُ قال لها ما كان يَنْبَغِي لَك أَنْ يَخْطُبَك وَاحِدٌ حتى يَدَعَ الْآخَرُ خِطْبَتَك وَلَا قال ذلك لهما ( ( ( لها ) ) ) وَخَطَبَهَا هو صلى اللَّهُ عليه وسلم على غَيْرِهِمَا ولم يَكُنْ في حَدِيثِهَا أنها رَضِيَتْ وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَا سَخِطَتْهُ وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ على أنها مُرْتَادَةٌ وَلَا رَاضِيَةٌ بِهِمَا وَلَا بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمُنْتَظِرَةٌ غَيْرَهُمَا أو مُمِيلَةٌ بَيْنَهُمَا فلما خَطَبَهَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على أُسَامَةَ وَنَكَحَتْهُ دَلَّ على ما وَصَفْت من أَنَّ الْخِطْبَةَ وَاسِعَةٌ لِلْخَاطِبَيْنِ ما لم تَرْضَ الْمَرْأَةُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَحْتَمِلَانِ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مِنْهُمَا إذَا خَطَبَ غَيْرُهُ امْرَأَةً أَنْ لَا يَخْطُبَهَا حتى تَأْذَنَ أو يَتْرُكَ رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ الْخَاطِبَ أو سَخِطَتْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عنه إنَّمَا هو عِنْدَ رِضَا الْمَخْطُوبَةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كان الْخَاطِبُ الْآخَرُ أَرْجَحَ عِنْدَهَا من الْخَاطِبِ الْأَوَّلِ الذي رَضِيَتْهُ تَرَكَتْ ما رَضِيَتْ بِهِ الْأَوَّلَ فَكَانَ هذا فَسَادًا عليه وفي الْفَسَادِ ما يُشْبِهُ الْإِضْرَارَ بِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فلما احْتَمَلَ الْمَعْنَيَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كان أَوْلَاهُمَا أَنْ يُقَالَ بِهِ ما وَجَدْنَا الدَّلَالَةَ تُوَافِقُهُ فَوَجَدْنَا الدَّلَالَةَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على أَنَّ أَنْهَى أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ إذَا كانت الْمَرْأَةُ رَاضِيَةً ( قال ) وَرِضَاهَا إنْ كانت ثَيِّبًا أَنْ تَأْذَنَ بِالنِّكَاحِ بِنَعَمْ وَإِنْ كانت بِكْرًا أَنْ تَسْكُتَ فَيَكُونَ ذلك إذْنَهَا وقال لي قَائِلٌ أنت تَقُولُ الْحَدِيثُ على عُمُومِهِ وَظُهُورِهِ وَإِنْ احْتَمَلَ مَعْنًى غير الْعَامِّ وَالظَّاهِرِ حتى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ خَاصٌّ دُونَ عَامٍّ وَبَاطِنٌ دُونَ ظَاهِرٍ قُلْت فَكَذَلِكَ أَقُولُ قال فما مَنَعَك أَنْ تَقُولَ في هذا الحديث لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ وَإِنْ لم تُظْهِرْ الْمَرْأَةُ رِضَا أَنَّهُ لَا يَخْطُبُ حتى يَتْرُكَ الْخِطْبَةَ فَكَيْفَ صِرْت فيه إلَى ما لَا يَحْتَمِلُهُ الْحَدِيثُ بَاطِنًا خَاصًّا دُونَ ظَاهِرٍ عَامٍّ قُلْت بِالدَّلَالَةِ قال وما الدَّلَالَةُ قُلْت
أخبرنا مَالِكٌ عن عبد اللَّهِ بن يزيد ( ( ( زيد ) ) ) مولى الْأَسْوَدِ بن سُفْيَانَ عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن عن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لها إذَا حَلَلْت فَآذِنِينِي قالت فلما حَلَلْت أَخْبَرْته أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي فقال أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ له وَأَمَّا أبو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عن عَاتِقِهِ انْكِحِي أُسَامَةَ فَكَرِهَتْهُ فقال انْكِحِي أُسَامَةَ فَنَكَحْته فَجَعَلَ اللَّهُ لي فيه خَيْرًا وَاغْتَبَطْت بِهِ

(5/162)


(1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ { فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ من النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ } فَانْتَهَى عَدَدُ ما رَخَّصَ فيه لِلْمُسْلِمِينَ إلَى أَرْبَعٍ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَجْمَعَ بين أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ إلَّا ما خَصَّ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم دُونَ الْمُسْلِمِينَ من نِكَاحِ أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ يَجْمَعُهُنَّ وَمِنْ النِّكَاحِ بِغَيْرِ مَهْرٍ فقال عز وَعَلَا { خَالِصَةً لَك من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ }
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا الثِّقَةُ أَحْسِبُهُ إسْمَاعِيلَ بن إبْرَاهِيمَ شَكَّ الشَّافِعِيُّ عن مَعْمَرٍ عن الزُّهْرِيِّ عن سَالِمٍ عن أبيه أَنَّ غَيْلَانَ بن سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فقال له النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عن أبي الزِّنَادِ عن عبدالمجيد بن سُهَيْلِ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ عن عَوْفِ بن الحرث عن نَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ الديلي ( ( ( الديلمي ) ) ) قال أَسْلَمْت وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فَسَأَلْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال فَارِقْ وَاحِدَةً وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا فَعَمَدْت إلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَجُوزًا عَاقِرًا مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَفَارَقْتهَا
أخبرنا الشَّافِعِيُّ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وقال أرايت إنْ قُلْت هذا مُخَالِفٌ حَدِيثَ لَا يَخْطُبُ الْمَرْءُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ وهو نَاسِخٌ له فَقُلْت له أَوَيَكُونُ نَاسِخٌ أَبَدًا إلَّا ما يُخَالِفُهُ الْخِلَافُ الذي لَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا قال لَا قُلْت أَفَيُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا على ما وَصَفْت من أَنَّ الْحَالَ التي يَخْطُبُ الْمَرْءُ على خِطْبَةِ أَخِيهِ بَعْدَ الرِّضَا مَكْرُوهَةٌ وَقَبْلَ الرِّضَا غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْمَرْأَةِ قبل الرِّضَا وَبَعْدَهُ قال نعم قُلْت له فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُطْرَحَ حَدِيثٌ وقد يُمْكِنُ أَنْ لَا يُخَالِفَهُ وَلَا يدرى أَيُّهُمَا النَّاسِخُ أَرَأَيْت إنْ قال قَائِلٌ حَدِيثُ فَاطِمَةَ النَّاسِخُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ بِكُلِّ حَالٍ ما حُجَّتُك عليه إلَّا مِثْلُ حُجَّتِك على من خَالَفَك فقال أنت وَنَحْنُ نَقُولُ إذَا احْتَمَلَ الْحَدِيثَانِ أَنْ يُسْتَعْمَلَا لم يُطْرَحْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ فَأَبِنْ لي ذلك قُلْت له نهى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَكِيمَ بن حِزَامٍ عن بَيْعِ ما ليس عِنْدَهُ وَأَرْخَصَ في أَنْ يُسْلِفَ في الْكَيْلِ الْمَعْلُومِ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَهَذَا بَيْعُ ما ليس عِنْدَ الْبَائِعِ فَقُلْت النَّهْيُ عن بَيْعِ ما ليس عِنْدَك بِعَيْنِهِ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْك فَأَمَّا الْمَضْمُونُ فَهُوَ بَيْعُ صِفَةٍ فَاسْتَعْمَلْنَا الْحَدِيثَيْنِ مَعًا قال هَكَذَا نَقُولُ قُلْت هذه حُجَّةٌ عَلَيْك قال فإن صَاحِبَنَا قال لَا يَخْطُبُ رَضِيَتْ أو لم تَرْضَ حتى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قُلْت فَهَذَا خِلَافَ الحديث ضَرَرٌ على الْمَرْأَةِ في أَنْ يَكُفَّ عن خِطْبَتِهَا حتى يَتْرُكَهَا من لَعَلَّهُ يُضَارُّهَا وَلَا يَتْرُكُ خِطْبَتَهَا أَبَدًا قال هذا أَحْسَنُ مِمَّا قال أَصْحَابُنَا وأنا أَرْجِعُ إلَيْهِ وَلَكِنْ قد قال غَيْرُك لَا يَخْطُبُهَا إذَا رَكَنَتْ وَجَاءَتْ الدَّلَالَةُ على الرِّضَا بِأَنْ تَشْتَرِطَ لِنَفْسِهَا فَكَيْفَ زَعَمْت بِأَنَّ الْخَاطِبَ لَا يَدَعُ الْخِطْبَةَ في هذه الْحَالِ وَلَا يَدَعُهَا حتى تَنْطِقَ الثَّيِّبُ بِالرِّضَا وَتَسْكُتَ الْبِكْرُ فَقُلْت له لَمَّا وَجَدْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَرُدُّ خِطْبَةَ أبي جهم ( ( ( جهيم ) ) ) وَمُعَاوِيَةَ فَاطِمَةَ وَيَخْطُبُهَا على أُسَامَةَ على خِطْبَتِهِمَا لم يَكُنْ لِلْحَدِيثِ مَخْرَجٌ إلَّا ما وَصَفْت من أنها لم تَذْكُرْ رِضًا ولم يَكُنْ بين النُّطْقِ بِالرِّضَا وَالسُّكُوتِ عنه عِنْدَ الْخِطْبَةِ مَنْزِلَةٌ مُبَايِنَةٌ لِحَالِهَا الْأُولَى عِنْدَ الْخِطْبَةِ فَإِنْ قُلْت الرُّكُونُ وَالِاشْتِرَاطُ قُلْت له أَوَيَجُوزُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا عِنْدَ الرُّكُونِ وَالِاشْتِرَاطِ قال لَا حتى تَنْطِقَ بِالرِّضَا إنْ كانت ثَيِّبًا وَتَسْكُتَ إنْ كانت بِكْرًا فَقُلْت له أَرَى حَالَهَا عِنْدَ الرُّكُونِ وَبَعْدَ غَيْرِ الرُّكُونِ بَعْدَ الْخِطْبَةِ سَوَاءٌ لَا يُزَوِّجُهَا الْوَلِيُّ في وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قال أَجَلْ وَلَكِنَّهَا رَاكِنَةٌ مُخَالِفَةٌ حَالَهَا غير رَاكِنَةٍ قُلْت أَرَأَيْت إذَا خَطَبَهَا فَشَتَمَتْهُ وَقَالَتْ لَسْت لِذَلِكَ بِأَهْلٍ وَحَلَفَتْ لَا تَنْكِحُهُ ثُمَّ عَاوَدَ الْخِطْبَةَ فلم تَقُلْ لَا وَلَا نعم أحالها ( ( ( أحال ) ) ) الْأُخْرَى مُخَالِفَةٌ لِحَالِهَا الْأُولَى قال نعم قُلْت أَفَتَحْرُمُ خِطْبَتُهَا على الْمَعْنَى الذي ذَكَرْت لِاخْتِلَافِ حَالِهَا قال لَا لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَغَيَّرُ في جَوَازِ تَزْوِيجِهَا إنَّمَا تَسْتَبِينُ في قَوْلِك إذَا كَشَفَ ما يَدُلُّ على أَنَّ الْحَالَةَ التي تَكُفُّ فيها عن الرِّضَا غَيْرُ الْحَالِ التي تَنْطِقُ فيها بِالرِّضَا حتى يَجُوزَ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا فيها قال هذا أَظْهَرُ مَعَانِيهَا قُلْت فَأَظْهَرُهَا أَوْلَاهَا بِنَا وَبِك - * ما جاء في نِكَاحِ الْمُشْرِكِ - *

(5/163)


قال أخبرني بن أبي يحيى عن إِسْحَاقَ بن عبد اللَّهِ عن أبي وَهْبٍ الْجَيَشَانِيَّ عن أبي خِرَاشٍ عن الدَّيْلَمِيِّ أو بن الدَّيْلَمِيِّ قال أسلمك ( ( ( أسلمت ) ) ) وَتَحْتِي أُخْتَانِ فَسَأَلْت النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَ أَيَّتَهمَا شِئْت وَأُفَارِقَ الْأُخْرَى (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا أُبَالِي كُنَّ في عُقْدَةٍ وَاحِدَةٍ أو عُقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ أو أَيَّتُهُنَّ فَارَقَ الْأُولَى مِمَّنْ نَكَحَ أَمْ الْآخِرَةَ إذَا كان من يَمْسِكُ مِنْهُنَّ غير ذَاتِ مَحْرَمٍ يَحْرُمُ عليه في الْإِسْلَامِ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَهَا بِكُلِّ وَجْهٍ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُسْلِمَ وَعِنْدَهُ أُخْتَانِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفَارِقَ أَيَّتَهمَا شَاءَ لِأَنَّ مُحَرَّمًا بِكُلِّ وَجْهٍ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا في الْإِسْلَامِ وَمِثْلُهُ أَنْ يَكُونَ نَكَحَ امْرَأَةً وَابْنَتَهَا فَأَصَابَهُمَا فَيَحْرُمُ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا في الْإِسْلَامِ وقد أَصَابَهُمَا بِالنِّكَاحِ الذي قد يَجُوزُ مِثْلُهُ وَلَوْ نَكَحَ أُخْتَيْنِ مَعًا ولم يَدْخُلْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قُلْت له فَارِقْ أَيَّتَهمَا شِئْت وَأَمْسِكْ الْأُخْرَى وَلَا أَنْظُرُ في ذلك إلَى أَيَّتِهِمَا نَكَحَ أَوَّلًا وَهَذَا الْقَوْلُ كُلُّهُ مُوَافِقٌ لِمَعْنَى السُّنَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ اسلم رَجُلٌ وَعِنْدَهُ يَهُودِيَّةٌ أو نَصْرَانِيَّةٌ كَانَا على النِّكَاحِ لِأَنَّهُ يَحِلُّ له نِكَاحُ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وهو مُسْلِمٌ وَلَوْ اسلم وَعِنْدَهُ وَثَنِيَّةٌ أو مَجُوسِيَّةٌ لم يَكُنْ له إصَابَتُهَا إلَّا أَنْ تُسْلِمَ قبل أَنْ تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ وَلَهُ وَطْءُ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّة بِالْمِلْكِ وَلَيْسَ له وَطْءُ وَثَنِيَّةٍ وَلَا مَجُوسِيَّةٍ بِمِلْكٍ إذَا لم يَحِلَّ له نِكَاحُهَا لم يَحِلَّ له وَطْؤُهَا وَذَلِكَ لِلدِّينِ فِيهِمَا وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وطىء سَبِيَّةً عَرَبِيَّةً حتى أَسْلَمَتْ وَإِذْ حَرَّمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على من أَسْلَمَ أَنْ يَطَأَ امْرَأَةً وَثَنِيَّةً حتى تُسْلِمَ في الْعِدَّةِ دَلَّ ذلك على أَنْ لَا تُوطَأَ من كانت على دِينِهَا حتى تُسْلِمَ من حُرَّةٍ أو أَمَةٍ - * بَابُ الْخِلَافِ في الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال لي بَعْضُ الناس ما حُجَّتُك أَنْ يُفَارِقَ ما زَادَ على أَرْبَعٍ وَإِنْ فَارَقَ اللَّاتِي نَكَحَ أَوَّلًا ولم تَقُلْ يَمْسِكُ الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ وَيُفَارِقُ سَائِرَهُنَّ فَقُلْت له بِحَدِيثِ الدَّيْلَمِيِّ وَحَدِيثِ نَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ قال أَفَرَأَيْت ( 1 ) لو لم يَكُنْ ثَابِتًا أو كَانَا غير ثَابِتَيْنِ أَيَكُونُ لَك في حديث بن عُمَرَ حُجَّةٌ قُلْت نعم وما على فِيمَا يَثْبُتُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يُقَالَ هل فيه حُجَّةٌ غَيْرُهُ بَلْ عَلَيَّ وَعَلَيْك التَّسْلِيمُ وَذَلِكَ طَاعَةُ اللَّهِ عز وجل قال هذا كُلُّهُ كما قُلْت وَعَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ بِهِ إنْ كان ثَابِتًا قُلْت إنْ كُنْت لَا تُثْبِتُ مثله وَأَضْعَفَ منه فَلَيْسَ عَلَيْك حُجَّةٌ فيه فَارْدُدْ ما كان مثله قال فَأُحِبُّ أَنْ تُعْلِمَنِي هل في حديث بن عُمَرَ حُجَّةٌ لو لم يَأْتِ غَيْرُهُ قُلْت نعم قال وَأَيْنَ هِيَ قُلْت لَمَّا أَعْلَمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم غَيْلَانَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ له أَنْ يَمْسِكَ أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ ولم يَقُلْ له الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ اسْتَدْلَلْنَا على أَنَّهُ لو بَقِيَ فِيمَا يَحِلُّ له وَيَحْرُمُ عليه مَعْنًى غَيْرُهُ عَلَّمَهُ إيَّاهُ لِأَنَّهُ مُبْتَدِئٌ للاسلام لَا عِلْمَ له قبل إسْلَامِهِ فَيَعْلَمُ بَعْضًا وَيَسْكُتُ له عَمَّا يَعْلَمُ في غَيْرِهِ قال أو ليس قد يُعَلِّمُهُ الشَّيْئَيْنِ فَيُؤَدِّي أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ قُلْت بَلَى قال فَلِمَ جَعَلْت هذا حُجَّةً وقد يُمْكِنُ فيه ما قُلْت قُلْت له في حديث النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا الْعَفْوُ عَمَّا فَاتَ من ابْتِدَاءِ عُقْدَةِ النِّكَاحِ وَمَنْ يَقَعُ عليه النِّكَاحُ من الْعَدَدِ فلما لم يَسْأَلْ عَمَّا وَقَعَ عليه الْعَقْدُ أَوَّلًا ولم يَسْأَلْ عن أَصْلِ عُقْدَةِ نِكَاحِهِنَّ وكان أَهْلُ الْأَوْثَانِ لَا يَعْقِدُونَ نِكَاحًا إلَّا نِكَاحًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُبْتَدَأَ في الْإِسْلَامِ فَعَفَاهُ وإذا عَفَا عَقْدًا وَاحِدًا فَاسِدًا لِأَنَّهُ فَائِتٌ في الشِّرْكِ فَسَوَاءٌ كُلُّ عَقْدٍ فَاسِدٍ فيه بِأَنْ يَنْكِحَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَبِغَيْرِ شُهُودٍ وما أَشْبَهَ ذلك مِمَّا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُ في الْإِسْلَامِ فَأَكْثَرُ ما في النِّكَاحِ الزَّوَائِدُ على الْأَرْبَعِ في الشِّرْكِ بِأَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُنَّ فَاسِدًا كَفَسَادِ ما وَصَفْنَا فإذا كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَعْفُو عن ذلك
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَبِهَذَا نَقُولُ إذَا أَسْلَمَ الْمُشْرِكُ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَمْسَكَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا أَيَّتَهنَّ شَاءَ وَفَارَقَ سَائِرَهُنَّ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ له غَيْرُ ذلك لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل وما جاء عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ لَا يُجْمَعَ بين أَكْثَرَ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ في الْإِسْلَامِ

(5/164)


لِكُلِّ من أَسْلَمَ من أَهْلِ الشِّرْكِ وَيُقِرُّهُمْ على نِكَاحِهِمْ وَإِنْ كان فَاسِدًا عِنْدَنَا فَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَحْبِسَ ما عَقَدَ بَعْدَ الْأَرْبَعِ في الشِّرْكِ يَجُوزُ ذلك له لِأَنَّ أَكْثَرَ حَالَاتِهِنَّ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُنَّ فَاسِدًا وَلَا شَيْءَ أَوْلَى أَنْ يُشَبَّهَ بِشَيْءٍ من عَقْدٍ فَاسِدٍ يُعْفَى عنه بِعَقْدٍ يُعْفَى عنه وَلَوْ لم يَكُنْ في هذا حُجَّةٌ غَيْرُ هذا لاكتفي بها فَكَيْفَ وَمَعَهُ تَخْيِيرُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إيَّاهُ وَتَرَكَ مَسْأَلَتَهُ عن الْأَوَائِلِ وَالْأَوَاخِرِ كما تَرَكَ مَسْأَلَةَ من أَسْلَمَ من أَهْلِ الشِّرْكِ عن نِكَاحِهِ لِيَعْلَمَ أَفَاسِدٌ أَمْ صَحِيحٌ وهو مَعْفُوٌّ يَجُوزُ كُلُّهُ والاخر أَنَّهُ حَظَرَ عليه في الْإِسْلَامِ ما لَا يَجُوزُ أَنْ يُجَاوِزَ بَعْدَهُ أَرْبَعًا وَمِنْ الْجَمْعِ بين الْأُخْتَيْنِ فَحَكَمَ في الْعَقْدِ بِفَوَاتِهِ في الْجَاهِلِيَّةِ حُكْمَ ما قَبَضَ من الرِّبَا قال اللَّهُ تَعَالَى { اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فَحَكَمَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِحُكْمِ اللَّهِ في أَنْ لم يَرُدَّ ما قُبِضَ من الرِّبَا لِأَنَّهُ فَاتَ وَرَدَّ ما لم يُقْبَضْ منه لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَدْرَكَهُ غير فَائِتٍ فَكَذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ عز وجل في عَقْدِ النِّكَاحِ في الْجَاهِلِيَّةِ إنْ لم يُرِدْهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَنَّهُ فَاتَ إنَّمَا هو شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ فَيُجَازُ بَعْضُهُ وَيُرَدُّ بَعْضُهُ وَحَكَمَ فِيمَنْ أَدْرَكَهُ الْإِسْلَامُ من النِّسَاءِ عُقْدَةَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ فلم يَجُزْ أَنْ يَجْمَعَ بين أَكْثَرَ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَلَا أَنْ يَجْمَعَ بين الْأُخْتَيْنِ لِأَنَّ هذا غَيْرُ فَائِتٍ أَدْرَكَهُنَّ الْإِسْلَامُ معه كما أَدْرَكَ ما لم يَفُتْ من الرِّبَا بِقَبْضٍ قال أَفَتُوجِدُنِي سِوَى هذا ما يَدُلُّ على أَنَّ الْعُقْدَةَ في النِّكَاحِ تَكُونُ كَالْعُقْدَةِ في الْبُيُوعِ وَالْفَوْتُ مع الْعُقْدَةِ فَقُلْت فِيمَا أَوْجَدْتُك كِفَايَةٌ قال فَاذْكُرْ غَيْرَهُ إنْ عَلِمْته قُلْت أَرَأَيْت امْرَأَةً نَكَحْتهَا بِغَيْرِ مَهْرٍ فَأَصَبْتهَا أو بِمَهْرٍ فَاسِدٍ قال فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ لَا يَنْفَسِخُ قُلْت له وَلَوْ عَقَدْت الْبَيْعَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ مُسَمًّى أو ثَمَنٍ مُحَرَّمٍ رُدَّ الْبَيْعُ إنْ وُجِدَ فَإِنْ هَلَكَ في يَدَيْك كان عَلَيْك قِيمَتُهُ قال نعم قُلْت أَفَتَجِدُ عَقْدَ النِّكَاحِ ها هنا أُخِذَ كَعَقْدِ الْبَيْعِ يَرْبُونَهُ قال نعم قُلْت فما مَنَعَك في عَقْدِ النِّكَاحِ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ تَقُولَ هو كَفَائِتِ ما اقْتَسَمُوا عليه وَقَبَضُوا الْقَسْمَ وما أَرْبَوْا فَمَضَى قَبْضُهُ وَلَا أَرُدُّهُ وَقُلْت أرايت قَوْلَك أنظر إلَى الْعُقْدَةِ فَإِنْ كانت لو اُبْتُدِئَتْ في الْإِسْلَامِ جَازَتْ أَجَزْتهَا وَإِنْ كانت لو اُبْتُدِئَتْ في الْإِسْلَامِ رُدَّتْ رَدَدْتهَا أَمَّا ذلك فِيمَا جاء عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في حديث بن الدَّيْلَمِيِّ وَنَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ ما قَطَعَ عَنْك مَوْضِعَ الشَّكِّ قال فَإِنَّمَا كَلَّمْتُك على حديث الزُّهْرِيِّ لِأَنَّ جُمْلَتَهُ قد يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا على ما وَصَفْت وَإِنْ لم يَكُنْ عَامًّا في الحديث فَقُلْت له هذا لو كان كان أَشَدَّ عَلَيْك وَلَوْ لم يَكُنْ فيه إلَّا حَدِيثُ بن عُمَرَ ولم يَكُنْ في حديث بن عُمَرَ دَلَالَةٌ كُنْت مَحْجُوجًا على لِسَانِك مع أَنَّ في حديث بن عُمَرَ دَلَالَةً عِنْدَنَا على قَوْلِنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قال فَأَوْجَدَنِي ما يَدُلُّ على خِلَافِ قَوْلِي لو لم يَكُنْ في حديث بن عُمَرَ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ قُلْت أَرَأَيْت رَجُلًا ابْتَدَأَ في الْإِسْلَامِ نِكَاحًا بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ أَيَجُوزُ قال لَا وَلَا بِشَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِأَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ على الْمُسْلِمِينَ قُلْت أَفَرَأَيْت غَيْلَانَ بن سَلَمَةَ أَمِنْ أَهْلِ الْأَوْثَانِ كان قبل الْإِسْلَامِ قال نعم قُلْت أَفَرَأَيْت أَحْسَنَ ما كان عِنْدَهُ أَلَيْسَ أَنْ يَنْكِحَ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ قال بَلَى قُلْت فإذا زَعَمْت أَنْ يُقِرَّ مع أَرْبَعٍ وَأَحْسَنُ حَالِهِ فِيهِنَّ أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُنَّ بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْأَوْثَانِ أَمَا خَالَفْت أَصْلَ قَوْلِك قال إنَّ هذا لَيَلْزَمُنِي قُلْت فَلَوْ لم يَكُنْ عَلَيْك حُجَّةٌ غَيْرُهُ كُنْت مَحْجُوجًا مع أَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُمْ كَانُوا يَنْكِحُونَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَبِغَيْرِ شُهُودٍ وفي الْعِدَّةِ قال إنَّ هذا لَيُمْكِنُ فِيهِمْ وَيُرْوَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْكِحُونَ بِغَيْرِ شُهُودٍ وفي الْعِدَّةِ قال أَجَلْ وَلَكِنْ لم أَسْمَعْ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كَيْفَ سَأَلَهُمْ أَصْلَ نِكَاحِهِمْ قُلْت أَفَرَأَيْت إنْ قال لَك قَائِلٌ كما قُلْت لنا قد يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَأَلَهُمْ ولم يُؤَدِّ إلَيْك في الْخَبَرِ قال إذًا يَكُونُ ذلك له عَلَيَّ قُلْت له أَفَتَجِدُ بُدًّا من أَنْ يَكُونَ لِمَا لم يُؤَدِّ في الْخَبَرِ أَنَّهُ سَأَلَهُمْ عن اصل الْعُقْدَةِ كان ذلك عَفْوًا عن الْعُقْدَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ لِأَهْلِ الْأَوْثَانِ إلَّا على ما لا يَصْلُحُ أَنْ يَبْتَدِئَهَا في الْإِسْلَامِ مُسْلِمٌ أو تَكُونُ تَقُولُ في الْعُقْدَةِ قَوْلَك
____________________

(5/165)


في عَدَدِ النِّسَاءِ أَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ من تَحْرُمُ بِكُلِّ وَجْهٍ عليه فَتَقُولُ يَبْتَدِئُونَ مَعًا لِلنِّكَاحِ في الْإِسْلَامِ قال لَا أَقُولُهُ قُلْت وما مَنَعَك أَنْ تَقُولَهُ أَلَيْسَ بِأَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ على أَنَّ الْعُقْدَةَ مَعْفُوَّةٌ لهم قال بَلَى قُلْت وإذا كانت مَعْفُوَّةً لم يَنْظُرْ إلَى فَسَادِهَا كما لَا يَنْظُرُ إلَى فَسَادِ نِكَاحِ من لَا يَجُوزُ نِكَاحُهُ وَلَا الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَلَا ما جَاوَزَتْ أَرْبَعًا قال وَالْعُقْدَةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا قال قُلْت فَكَيْفَ جَمَعْت بين الْمُخْتَلِفِ وَنَظَرْت إلَى فَسَادِهَا مَرَّةً ولم تَنْظُرْ إلَيْهِ أُخْرَى فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إلَى قَوْلِنَا قال يُمْسِكُ أَرْبَعًا أَيَّتَهنَّ شَاءَ وَيُفَارِقُ سَائِرَهُنَّ وَعَابَ قَوْلَ أَصْحَابِهِ وقال نَحْنُ نُفَرِّقُ بين ما لَا يَتَفَرَّقُ في الْعُقُولِ بِقَوْلِ الرَّجُلِ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكَيْفَ إذَا جاء قَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو الذي أَلْزَمَنَاهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَكِنْ حُدَّ لي فيه حَدًّا قُلْت في نِكَاحِ الشِّرْكِ شَيْئَانِ عُقْدَةٌ وما يَحْرُمُ مِمَّا تَقَعُ عليه الْعُقْدَةُ بِكُلِّ وَجْهٍ وَمُجَاوَزَةُ أَرْبَعٍ فلما رَدَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ما جَاوَزَ أَرْبَعًا دَلَّ على أَنَّهُ يَرُدُّ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ على النَّاكِحِ وَذَلِكَ في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَلَمَّا لم يَسْأَلْ عن الْعُقْدَةِ عَلِمْت أَنَّهُ عَفَا عن الْعُقْدَةِ فَعَفَوْنَا عَمَّا عَفَا عنه وَانْتَهَيْنَا عن إفْسَادِ عَقْدِهَا إذَا كانت الْمَعْقُودُ عليها مِمَّنْ تَحِلُّ بِحَالٍ وَلَوْلَا ذلك رَدَدْنَا نِكَاحَ أَهْلِ الْأَوْثَانِ كُلَّهُ وَقُلْنَا ابتدءوه ( ( ( ابتدئوه ) ) ) في الْإِسْلَامِ حتى يُعْقَدَ بِمَا يَحِلَّ في الْإِسْلَامِ - * بَابُ نِكَاحِ الْوُلَاةِ وَالنِّكَاحُ بِالشَّهَادَةِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَهَذِهِ الْآيَةُ أَبْيَنُ آيَةٍ في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل دَلَالَةً على أَنْ ليس للمراة الْحُرَّةِ أَنْ تَنْكِحَ نَفْسَهَا فَإِنْ قال قَائِلٌ نرى ( ( ( ترى ) ) ) ابْتِدَاءَ الْآيَةِ مُخَاطَبَةُ الْأَزْوَاجِ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يقول { وإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ } فَدَلَّ على أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ غير الْأَزْوَاجِ من قِبَلِ أَنَّ الزَّوْجَ إذَا انْقَضَتْ عِدَّةُ الْمَرْأَةِ بِبُلُوغِ أَجَلِهَا لَا سَبِيلَ له عليها فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } إذَا شَارَفْنَ بُلُوغَ أَجَلِهِنَّ لِأَنَّ الْقَوْلَ لِلْأَزْوَاجِ { فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو سرحوهن ( ( ( فارقوهن ) ) ) بِمَعْرُوفٍ } نَهَيَا أَنْ يَرْتَجِعَهَا ضِرَارًا لِيَعْضُلَهَا فَالْآيَةُ تَدُلُّ على أَنَّهُ لم يُرِدْ بها هذا الْمَعْنَى لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُهُ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ الْمُشَارِفَةَ بُلُوغَ أَجَلِهَا ولم تَبْلُغْهُ لَا يَحِلُّ لها أَنْ تَنْكِحَ وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ من النِّكَاحِ بِآخِرِ الْعِدَّةِ كما كانت مَمْنُوعَةً منه بِأَوَّلِهَا فإن اللَّهَ عز وجل يقول { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا } فَلَا يُؤْمَرُ بِأَنْ يَحِلَّ إنْكَاحُ الزَّوْجِ إلَّا من قد حَلَّ له الزَّوْجُ وقال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إنَّ هذه الْآيَةَ نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بن يَسَارٍ زَوَّجَ أُخْتَهُ فَطَلَّقَهَا زَوْجُهَا فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَأَرَادَ زَوْجُهَا أو أَرَادَتْ أَنْ يَتَنَاكَحَا فَمَنَعَهُ مَعْقِلُ بن يَسَارٍ أَخُوهَا وقال زَوَّجْتُك أُخْتِي وَآثَرْتُك على غَيْرِك ثُمَّ طَلَّقْتهَا فَلَا أُزَوِّجُكَهَا أَبَدًا فَنَزَلَتْ { فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } وفي هذه الْآيَةِ الدَّلَالَةُ على أَنَّ النِّكَاحَ يَتِمُّ بِرِضَا الْوَلِيِّ وَالْمُنْكَحَةِ وَالنَّاكِحِ وَعَلَى أَنَّ على الْوَلِيِّ أَنْ لَا يَعْضُلَ فإذا كان عليه أَنْ لَا يَعْضُلَ فَعَلَى السُّلْطَانِ التَّزْوِيجُ إذَا عَضَلَ لِأَنَّ من مَنَعَ حَقًّا فَأَمْرُ السُّلْطَانِ جَائِزٌ عليه أَنْ يَأْخُذَهُ منه وَإِعْطَاؤُهُ عليه وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ على ما دَلَّ عليه الْقُرْآنُ وما وَصَفْنَا من الْأَوْلِيَاءِ وَالسُّلْطَانِ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال حدثنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن سُلَيْمَانَ بن مُوسَى عن بن شِهَابٍ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال أَيُّمَا امراة نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثًا فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ من فَرْجِهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ من لَا وَلِيَّ له + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَفِي سُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم دَلَالَاتٌ منها أَنَّ لِلْوَلِيِّ شِرْكًا في بُضْعِ الْمَرْأَةِ وَلَا يَتِمُّ النِّكَاحُ إلَّا بِهِ ما لم يَعْضُلْهَا ثُمَّ لَا نَجِدُ لِشِرْكِهِ في بُضْعِهَا
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ على النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } وقال في الْإِمَاءِ { فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } وقال عز وجل { وإذا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ }

(5/166)


مَعْنَى تَمَلُّكِهِ وهو مَعْنَى فَضْلٍ نُظِرَ بِحِيَاطَةِ الْمَوْضِعِ أَنْ يَنَالَ الْمَرْأَة من لَا يُسَاوِيهَا وَعَلَى هذا الْمَعْنَى اعْتَمَدَ من ذَهَبَ إلَى الْأَكْفَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَدْعُوَ الْمَرْأَةَ الشَّهْوَةُ إلَى أَنْ تَصِيرَ إلَى ما لَا يَجُوزُ من النِّكَاحِ فَيَكُونُ الْوَلِيُّ أَبْرَأَ لها من ذلك فيها وفي قَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْبَيَانُ من أَنَّ الْعُقْدَةَ إذَا وَقَعَتْ بِغَيْرِ وَلِيٍّ فَهِيَ مُنْفَسِخَةٌ لِقَوْلِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَالْبَاطِلُ لَا يَكُونُ حَقًّا إلَّا بِتَجْدِيدِ نِكَاحِ غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ لو أَجَازَهُ الْوَلِيُّ أَبَدًا لِأَنَّهُ إذَا انْعَقَدَ النِّكَاحُ بَاطِلًا لم يَكُنْ حَقًّا إلَّا بِأَنْ يَعْقِدَ عَقْدًا جَدِيدًا غير بَاطِلٍ وفي السُّنَّةِ دَلَالَةٌ على أَنَّ الْإِصَابَةَ إذَا كانت بِالشُّبْهَةِ فَفِيهَا الْمَهْرُ وَدُرِئَ الْحَدُّ لِأَنَّهُ لم يذكر حَدًّا وَفِيهَا أَنَّ على الْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَ إذَا رَضِيَتْ الْمَرْأَةُ وكان الْبَعْلُ رِضًا فإذا مَنَعَ ما عليه زَوَّجَ السُّلْطَانُ كما يُعْطِي السُّلْطَانُ وَيَأْخُذُ ما مَنَعَ مِمَّا عليه
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن عبد اللَّهِ بن الْفَضْلِ عن نَافِعٍ عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ عن بن عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) زَوَّجَهُ إيَّاهَا أَبُوهَا فَدَلَّ ذلك على أَنَّ أَبَا الْبِكْرِ أَحَقُّ بِإِنْكَاحِهَا من نَفْسِهَا لِأَنَّ ابْنَةَ سَبْعِ سِنِينَ وَتِسْعٍ لَا أَمْرَ لها في نَفْسِهَا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِ الْآبَاءِ أَنْ يُزَوِّجُوا بِكْرًا حتى تَبْلُغَ وَيَكُونَ لها أَمْرٌ في نَفْسِهَا فَإِنْ قال قَائِلٌ فَلِمَ لَا تَقُولُ في وَلِيٍّ غَيْرِ الْأَبِ له أَنْ يُزَوِّجَ الْبِكْرَ وَإِنْ لم تَأْذَنْ وَجَعَلْتهَا فِيمَنْ بَقِيَ من الْأَوْلِيَاءِ بِمَنْزِلَةِ الثَّيِّبِ قُلْت فإن الْوَلِيَّ الْأَبُ الْكَامِلُ بِالْوِلَايَةِ كَالْأُمِّ الْوَالِدَةِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ الْوِلَايَةُ بَعْدَ الْأَبِ لِغَيْرِهِ بِمَعْنَى فَقْدِهِ أو إخْرَاجِهِ نَفْسَهُ من الْوِلَايَةِ بِالْعَضْلِ كما تَصِيرُ الْأُمُّ غير الْأُمِّ كَالْوَالِدَةِ بِمَعْنَى رَضَاعٍ أو نِكَاحِ أَبٍ أو ما يَقَعُ عليه اسْمُ الْأُمِّ لِأَنَّهَا إذَا قِيلَ أُمٌّ كانت الْأُمُّ التي تُعْرَفُ الْوَالِدَةَ أَلَا تَرَى أَنْ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ مع أَبٍ وَمَنْ كان وَلِيًّا بَعْدَهُ ( 1 ) فَقَدْ يُشْرِكُهُ في الْوِلَايَةِ غير الْإِخْوَةِ وَبَنُو الْعَمِّ مع
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَفِي هذا الحديث دَلَالَةٌ على الْفَرْقِ بين الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ في أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا ما يَكُونُ فيه إذْنُهُمَا وهو أَنَّ إذْنَ الْبِكْرِ الصَّمْتُ فإذا كان إذْنُهَا الصَّمْتَ فَإِذْنُ التي تُخَالِفُهَا الْكَلَامُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الصَّمْتِ وَهِيَ الثَّيِّبُ وَالثَّانِي أَنَّ أَمَرَهُمَا في وِلَايَةِ أَنْفُسِهِمَا لِأَنْفُسِهِمَا مُخْتَلِفٌ فَوِلَايَةُ الثَّيِّبِ أنها أَحَقُّ من الْوَلِيِّ وَالْوَلِيُّ ها هنا الْأَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ دُونَ الْأَوْلِيَاءِ وَمِثْلُ هذا حَدِيثُ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ حين زَوَّجَهَا أَبُوهَا ثَيِّبًا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَرَدَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نِكَاحَهُ وَالْبِكْرُ مُخَالِفَةٌ لها حين اخْتَلَفَ في أَصْلِ لَفْظِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فإذا خَالَفَتْهَا كان الْأَبُ أَحَقَّ بِأَمْرِهَا من نَفْسِهَا فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على ذلك قِيلَ اللَّفْظُ بِالْحَدِيثِ يَدُلُّ على فَرْقٍ بَيْنَهُمَا إذْ قال الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا وَأَمَرَ في الْبِكْرِ أَنْ تُسْتَأْذَنَ وَلَوْ كَانَتَا مَعًا سَوَاءٌ كان اللَّفْظُ هُمَا أَحَقُّ بِأَنْفُسِهِمَا وَإِذْنُ الْبِكْرِ الصَّمْتُ وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ أَمَرَ بِاسْتِئْمَارِهَا فَاسْتِئْمَارُهَا يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْأَبِ تَزْوِيجُهَا إلَّا بِأَمْرِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسْتَأْمَرَ على مَعْنَى اسْتِطَابَةِ نَفْسِهَا وَأَنْ تَطَّلِعَ من نَفْسِهَا على أَمْرٍ لو أَطْلَعَتْهُ لِأَبٍ كان شَبِيهًا أَنْ يُنَزِّهَهَا بِأَنْ لَا يُزَوِّجَهَا فَإِنْ قال قَائِلٌ فَلِمَ قُلْت يَجُوزُ نِكَاحُهَا وَإِنْ لم يَسْتَأْمِرْهَا قِيلَ له بِمَا وَصَفْت من الِاسْتِدْلَالِ بِفَرْقِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بين الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ إذْ قال الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا ثُمَّ قال وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا فَلَا يَجُوزُ عِنْدِي إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ حَالُهُمَا في أَنْفُسِهِمَا وَلَا يُفَرَّقُ حَالُهُمَا في أَنْفُسِهِمَا إلَّا بِمَا قُلْت من ان لِلْأَبِ على الْبِكْرِ ما ليس له على الثَّيِّبِ كما اسْتَدْلَلْنَا إذْ قال في الْبِكْرِ وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا ولم يَقُلْ في الثَّيِّبِ إذْنُهَا الْكَلَامُ على أَنَّ إذْنَ الثَّيِّبِ خِلَافُ الْبِكْرِ وَلَا يَكُونُ خِلَافَ الصَّمْتِ إلَّا النُّطْقُ بِالْإِذْنِ قال فَهَلْ على ما وَصَفْت من دَلَالَةٍ قِيلَ نعم
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن هِشَامٍ عن أبيه عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها قالت تَزَوَّجَنِي رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وأنا ابْنَةُ سَبْعٍ وَبَنَى بِي وأنا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ

(5/167)


الْمَوْلَى يَكُونُونَ شُرَكَاءَ في الْوِلَايَةِ وَلَا يُشْرِكُ الْأَبُ أحد ( ( ( أحدا ) ) ) في الْوِلَايَةِ بِانْفِرَادِهِ بِالْوِلَايَةِ بِمَا وَجَبَ له من اسْمِ الْأُبُوَّةِ مُطْلَقًا له دُونَ غَيْرِهِ كما أَوْجَبَ لِلْأُمِّ الْوَالِدَةِ اسْمَ الْأُمِّ مُطْلَقًا لها دُونَ غَيْرِهَا فَإِنْ قال قَائِلٌ فَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِالِاسْتِئْمَارِ من له أَمْرٌ في نَفْسِهِ يُرَدُّ عنه إنْ خُولِفَ أَمْرُهُ وَسَأَلَ عن الدَّلَالَةِ على ما قُلْنَا من أَنَّهُ قد يُؤْمَرُ بِالِاسْتِئْمَارِ من لَا يَحِلُّ مَحَلَّ أَنْ يَرُدَّ عنه خِلَافَ ما أُمِرَ بِهِ فَالدَّلَالَةُ عليه أَنَّ اللَّهَ عز وجل يقول لِنَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم { فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لهم وَشَاوِرْهُمْ في الْأَمْرِ } فَإِنَّمَا افْتَرَضَ عليهم طَاعَتَهُ فيما أَحَبُّوا وَكَرِهُوا وَإِنَّمَا أُمِرَ بِمُشَاوَرَتِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِجَمْعِ الْأُلْفَةِ وَأَنْ يَسْتَنَّ بِالِاسْتِشَارَةِ بَعْدَهُ من ليس له من الْأَمْرِ ما له وَعَلَى أَنَّ أَعْظَمَ لِرَغْبَتِهِمْ وَسُرُورِهِمْ أَنْ يُشَاوِرُوا لَا على أَنَّ لِأَحَدٍ من الادميين مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَرُدَّهُ عنه ( ( ( عنده ) ) ) إذَا عَزَمَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على الْأَمْرِ بِهِ وَالنَّهْيِ عنه أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عز وجل { فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عن أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقال عز وجل { النبي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ من أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ } وَقَوْلُهُ { فَلَا وَرَبِّك لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَرَ نُعَيْمًا أَنْ يُؤَامِرَ أُمَّ ابْنَتِهِ فيها وَلَا يَخْتَلِفُ الناس أَنْ ليس لِأُمِّهَا فيها أَمْرٌ وَلَكِنْ على مَعْنَى اسْتِطَابَةِ النَّفْسِ وما وَصَفْت أَوَّلًا تَرَى أَنَّ في حديث نُعَيْمٍ ما بَيَّنَ ما وَصَفْت لِأَنَّ ابْنَةَ نُعَيْمٍ لو كان لها أَنْ تَرُدَّ أَمْرَ أَبِيهَا وَهِيَ بِكْرٌ أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بمسئلتها ( ( ( بمسألتها ) ) ) فَإِنْ أَذِنَتْ جَازَ عليها وَإِنْ لم تَأْذَنْ رَدَّ عنها كما رَدَّ عن خَنْسَاءَ ابنة ( ( ( بنت ) ) ) خذام ( ( ( خدام ) ) ) وَلَوْ كان نُعَيْمٌ اسْتَأْذَنَ ابْنَتَهُ وكان شَبِيهًا أَنْ لَا يُخَالِفَ أُمَّهَا وَلَوْ خَالَفَهَا أو تَفَوَّتَ عليها فَكَانَ نِكَاحُهَا بِإِذْنِهَا كانت أُمُّهَا شَبِيهًا أَنْ لَا تُعَارِضَ نُعَيْمًا في كَرَاهِيَةِ إنْكَاحِهَا من رَضِيَتْ وَلَا أَحْسِبُ أُمَّهَا تَكَلَّمَتْ إلَّا وقد سَخِطَتْ ابْنَتُهَا أو لم تَعْلَمْهَا رَضِيَتْ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكٌ عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ عن أبيه عن عبد الرحمن وَمُجَمِّعٍ ابْنَيْ يَزِيدَ بن حَارِثَةَ عن خَنْسَاءَ بِنْتِ خذام ( ( ( خدام ) ) ) الْأَنْصَارِيَّةِ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذلك فَأَتَتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَرَدَّ نِكَاحَهَا (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَرُوِيَ عن الْحَسَنِ بن أبي الْحَسَنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَهَذَا وَإِنْ كان مُنْقَطِعًا دُونَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فإن أَكْثَرَ اهل الْعِلْمِ يقول بِهِ وَيَقُولُ الْفَرْقُ بين النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ الشُّهُودُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وهو ثَابِتٌ عن بن عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما وَغَيْرِهِ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَالنِّكَاحُ يَثْبُتُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ الْوَلِيُّ وَرِضَا الْمَنْكُوحَةِ وَرِضَا النَّاكِحِ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ إلَّا ما وَصَفْنَا من الْبِكْرِ يُزَوِّجُهَا الْأَبُ وَالْأَمَةُ يُزَوِّجُهَا السَّيِّدُ بِغَيْرِ رِضَاهُمَا فَإِنَّهُمَا مُخَالِفَانِ ما سِوَاهُمَا وقد تَأَوَّلَ فيها بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ قَوْلَ اللَّهِ عز وجل أو يَعْفُوَ الذي بيده عُقْدَةُ النِّكَاحِ وقال الْأَبُ في ابْنَتِهِ الْبِكْرِ وَالسَّيِّدُ في أَمَتِهِ وقد خَالَفَهُ غَيْرُهُ فِيمَا تَأَوَّلَ وقال هو الزَّوْجُ يَعْفُو فَيَدَعُ مَالَهُ من أَخْذِ نِصْفِ الْمَهْرِ وفي الْآيَةِ كَالدَّلَالَةِ على أَنَّ الذي بيده عُقْدَةُ النِّكَاحِ هو الزَّوْجُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَهَذَا مَكْتُوبٌ في كِتَابِ الطَّلَاقِ فإذا كان يَتِمُّ بِأَشْيَاءَ فَنَقَصَ منها وَاحِدٌ فَهُوَ غَيْرُ تَامٍّ وَلَا جَائِزٍ فَأَيُّ هذه الْأَرْبَعَةِ نَقَصَ لم يَجُزْ معه النِّكَاحُ وَيَجِبُ خَامِسَةً أَنْ يسمى الْمَهْرَ وَإِنْ لم يَفْعَلْ كان النِّكَاحُ جَائِزًا فِيمَا ذَكَرْنَا من حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى في الْمُهُورِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا مُوَافِقٌ قَوْلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا وَالدَّلِيلُ على ما قُلْنَا من أَنْ ليس للمراة أَنْ تَنْكِحَ إلَّا بِإِذْنِ وَلِيٍّ وَلَا لِلْوَلِيِّ أَنْ يُزَوِّجَهَا إلَّا بِإِذْنِهَا وَلَا يَتِمُّ نِكَاحٌ إلَّا بِرِضَاهُمَا مَعًا وَرِضَا الزَّوْجِ

(5/168)


- * الْخِلَافُ في نِكَاح الْأَوْلِيَاءِ وَالسُّنَّة في النِّكَاحِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَقُلْت له وَإِنَّمَا فَارَقْت قَوْلَ صَاحِبِك وَرَأَيْته مَحْجُوجًا بِأَنَّهُ يُخَالِفُ الحديث وَإِنَّمَا الْقِيَاسُ الْجَائِزُ أَنْ يُشَبِّهَ ما لم يَأْتِ فيه حَدِيثٌ بِحَدِيثٍ لَازِمٍ فَأَمَّا أَنْ تَعْمِدَ إلَى حَدِيثٍ وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فَتَحْمِلُهُ على أَنْ يُقَاسَ فما لِلْقِيَاسِ وَلِهَذَا الْمَوْضِعِ إنْ كان الْحَدِيثُ يُقَاسُ فَأَيْنَ الْمُنْتَهَى إذَا كان الْحَدِيثُ قِيَاسًا قُلْت من قال هذا فَهُوَ منه جَهْلٌ وَإِنَّمَا الْعِلْمُ اتِّبَاعُ الحديث كما جاء قال نعم قُلْت فَأَنْتَ قد دَخَلْت في بَعْضِ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِك قال وَأَيْنَ قُلْت زَعَمْت أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَالنِّكَاحُ مَوْقُوفٌ حتى يُجِيزَهُ السُّلْطَانُ إذَا رَآهُ احْتِيَاطًا أو يَرُدَّهُ قال نعم قُلْت فَقَدْ خَالَفْت الحديث يقول النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَعُمَرُ رضي اللَّهُ عنه يَرُدُّهُ فَخَالَفْتهمَا مَعًا فَكَيْفَ يُجِيزُ السُّلْطَانُ عُقْدَةً إذَا كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَبْطَلَهَا قال وَكَيْفَ تَقُولُ قُلْت يَسْتَأْنِفُهَا بِأَمْرٍ يُحْدِثُهُ فإذا فَعَلَ ذلك فَلَيْسَ ذلك بِإِجَازَةِ الْعُقْدَةِ الْفَاسِدَةِ بَلْ الِاسْتِئْنَافِ وهو نِكَاحٌ جَدِيدٌ يَرْضَيَانِ بِهِ قُلْت أَرَأَيْت رَجُلًا نَكَحَ امْرَأَةً على أَنَّهُ بِالْخِيَارِ أو هِيَ أَيَجُوزُ الْخِيَارُ قال لَا قُلْت وَلِمَ لَا يَجُوزُ كما يَجُوزُ في الْبُيُوعِ قال ليس كَالْبُيُوعِ قُلْت وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْجِمَاعَ كان مُحَرَّمًا قبل الْعُقْدَةِ فلما انْعَقَدَتْ حَلَّ الْجِمَاعُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعُقْدَةُ التي بها يَكُونُ الْجِمَاعُ بِالنِّكَاحِ تَامًّا أَبَدًا إلَّا وَالْجِمَاعُ مُبَاحٌ وَإِنْ كان غير مُبَاحٍ فَالْعُقْدَةُ غَيْرُ ثَابِتَةٍ لِأَنَّ الْجِمَاعَ ليس بِمِلْكِ مَالٍ يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي هِبَتُهُ لِلْبَائِعِ وَلِلْبَائِعِ هِبَتُهُ لِلْمُشْتَرِي إنَّمَا هِيَ إبَاحَةُ شَيْءٍ كان مُحَرَّمًا يَحِلُّ بها لَا شَيْءَ يَمْلِكُهُ مِلْكَ الْأَمْوَالِ قال ما فيه فَرْقٌ أَحْسَنُ من هذا وَإِنَّمَا دُونَ هذا الْفَرْقِ قُلْت له تَرَكْت في الْمَرْأَةِ تُنْكَحُ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيٍّ الحديث وَالْقِيَاسَ وَزَعَمْت أَنَّ الْعُقْدَةَ مَرْفُوعَةٌ وَالْجِمَاعَ غَيْرُ مُبَاحٍ فَإِنْ أَجَازَهَا الْوَلِيُّ جَازَتْ وقد كان الْعَقْدُ فيها غير تَامٍّ ثُمَّ زَعَمْت هذا أَيْضًا في الْمَرْأَةِ يُزَوِّجُهَا الْوَلِيُّ بِغَيْرِ إذْنِهَا فَقُلْت إنْ أَجَازَتْ النِّكَاحَ جَازَ وَإِنْ رَدَّتْهُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَخَالَفَنَا بَعْضُ الناس في الْأَوْلِيَاءِ فقال إذَا نَكَحَتْ الْمَرْأَةُ كفؤا ( ( ( كفئا ) ) ) بِمَهْرِ مِثْلِهَا فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَإِنْ لم يُزَوِّجْهَا وَلِيٌّ وَإِنَّمَا أُرِيدَ بهذا أَنْ يَكُونَ ما يُفْعَلُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ حَظَّهَا فإذا أَخَذَتْهُ كما يَأْخُذُهُ الْوَلِيُّ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَذَكَرْت له بعض ( ( ( لبعض ) ) ) ما وَصَفْت من الْحُجَّةِ في الْأَوْلِيَاءِ وَقُلْت له أَرَأَيْت لو عَارَضَك مُعَارِضٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك فقال إنَّمَا أُرِيدَ من الْإِشْهَادِ أَنْ لَا يتجاحد الزَّوْجَانِ فإذا نَكَحَهَا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ فَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ فَهُوَ كَالْبُيُوعِ تَثْبُتُ وَإِنْ عُقِدَتْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ قال ليس ذلك له قُلْنَا وَلِمَ قال لِأَنَّ سُنَّةَ النِّكَاحِ الْبَيِّنَةُ فَقُلْت له الْحَدِيثُ في الْبَيِّنَةِ في النِّكَاحِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُنْقَطِعٌ وَأَنْتَ لَا تُثْبِتُ الْمُنْقَطِعَ وَلَوْ أَثْبَتَّهُ دخل عَلَيْك الْوَلِيُّ قال فإنه عن بن عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ مُتَّصِلٌ قُلْت وَهَكَذَا أَيْضًا الْوَلِيُّ عَنْهُمْ وَالْحَدِيثُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ وَعَنْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه أَنَّهُ رَدَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيٍّ وَعَنْ غَيْرِهِ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكَيْفَ أَفْسَدْت النِّكَاحَ بِتَرْكِ الشَّهَادَةِ فيه وَأَثْبَته بِتَرْكِ الْوَلِيِّ وهو أَثْبَت في الْإِخْبَارِ من الشَّهَادَةِ ولم تَقُلْ إنَّ الشُّهُودَ إنَّمَا جُعِلُوا لِاخْتِلَافِ الْخَصْمَيْنِ فَيَجُوزُ إذَا تَصَادَقَ الزَّوْجَانِ وَقُلْت لَا يَجُوزُ لِعِلَّةٍ في شَيْءٍ جَاءَتْ بِهِ سُنَّةٌ وما جَاءَتْ بِهِ سُنَّةٌ فإنه يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُقَاسَ على سُنَّةٍ أُخْرَى لِأَنَّا لَا نَدْرِي لَعَلَّهُ أَمَرَ بِهِ لِعِلَّةٍ أَمْ لِغَيْرِهَا وَلَوْ جَازَ هذا لنا أَبْطَلْنَا عَامَّةَ السُّنَنِ وَقُلْنَا إذَا نَكَحَتْ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَرَضِيَتْ لم يَكُنْ لها صَدَاقٌ وَإِنْ دخل بها لِأَنَّا إنَّمَا نَأْخُذُ الصَّدَاقَ لها وَأَنَّهَا إذَا عَفَتْ الصَّدَاقَ جَازَ فَنُجِيزُ النِّكَاحَ وَالدُّخُولَ بِلَا مَهْرٍ فَكَيْفَ لم تَقُلْ في الْأَوْلِيَاءِ هَكَذَا قال فَقَدْ خَالَفْت صَاحِبِي في قَوْلِهِ في الْأَوْلِيَاءِ وَعَلِمْت أَنَّهُ خِلَافُ الحديث فَلَا يَكُونُ النِّكَاحُ إلَّا بِوَلِيٍّ

(5/169)


فَهُوَ مَرْدُودٌ وفي الرَّجُلِ يُزَوِّجُ الْمَرْأَةَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ إنْ أَجَازَ النِّكَاحَ جَازَ وَإِنْ رَدَّهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَأَجَزْت أَنْ تَكُونَ الْعُقْدَةُ مُنْعَقِدَةً وَالْجِمَاعُ غير مُبَاحٍ وَأَجَزْت الْخِيَارَ في النِّكَاحِ وهو خِلَافُ السُّنَّةِ وَخِلَافُ أَصْلٍ من ذلك قال فما تَقُولُ أنت قُلْت كُلُّ عِدَّةٍ انْعَقَدَتْ غير تَامَّةٍ ( 1 ) يَكُونُ الْجِمَاعُ بها مُبَاحًا فَهِيَ مَفْسُوخَةٌ لَا نُجِيزُهَا بِإِجَازَةِ رَجُلٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا سُلْطَانٍ وَلَا بُدَّ فيها من اسْتِئْنَافٍ بِالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ عليها وَكُلُّ ما زَعَمْت أنت من هذا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ على رِضَا امْرَأَةٍ أو رَجُلٍ أو وَلِيٍّ أو سُلْطَانٍ فَهُوَ مَفْسُوخٌ عِنْدِي وَقُلْت له قال صَاحِبُك في الصَّبِيَّةِ يُزَوِّجُهَا غَيْرُ الْأَبِ النِّكَاحُ ثَابِتٌ وَلَهَا الْخِيَارُ إذَا بَلَغَتْ فَجَعْلُهَا وَارِثَةً مَوْرُوثَةً يُحِلُّ جِمَاعَهَا وَتَخْتَارُ إذَا بَلَغَتْ فَأَجَازَ الْخِيَارَ بَعْدَ إبَاحَةِ جِمَاعِهَا إذَا احْتَمَلَتْ الْجِمَاعَ قبل تَبْلُغَ قال فَقَدْ خَالَفْنَاهُ في هذا فَقُلْنَا لَا خِيَارَ لها وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ فَقُلْت له وَلِمَ أَثْبَتَّ النِّكَاحَ على الصَّغِيرَةِ لِغَيْرِ الْأَبِ فَجَعَلْتهَا يَمْلِكُ عليها أَمْرَهَا غَيْرُ أَبِيهَا وَلَا خِيَارَ لها وقد زَعَمْت أَنَّ الْأَمَةَ إنَّمَا جُعِلَ لها الْخِيَارُ إذَا عَتَقَتْ لِأَنَّهَا كانت لَا تَمْلِكُ نَفْسَهَا بِأَنْ تَأْذَنَ فَيَجُوزُ عليها وَلَا تُرَدُّ فَيَرُدُّ عنها فلم يَصْلُحْ عِنْدَك أَنْ تَتِمَّ عليها عُقْدَةٌ انْعَقَدَتْ قبل أَنْ يَكُونَ لها الْأَمْرُ ثُمَّ يَكُونَ لها أَمْرٌ فَلَا تَمْلِكُ النِّكَاحَ وَلَا رَدَّ إجَازَتِهِ قال فَتَقُولُ مَاذَا قُلْت لَا يُثْبِتُ على صَغِيرَةٍ وَلَا صَغِيرٍ إنْكَاحَ أَحَدٍ غَيْرُ أَبِيهَا وَأَبِيهِ وَلَا يَتَوَارَثَانِ قال فَإِنَّا إنَّمَا أَجَزْنَاهُ عليها على وَجْهِ النَّظَرِ لها قُلْت فَيَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ لها نَظَرًا يَقْطَعُ بِهِ حَقَّهَا الذي أَثْبَته لها الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ من أَنَّهُ ليس لِغَيْرِ الْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ حُرَّةً بَالِغَةً إلَّا بِرِضَاهَا وَذَلِكَ أَنَّ تَزْوِيجَهَا إثْبَاتُ حَقٍّ عليها لَا تَخْرُجُ منه فَإِنْ زَوَّجَهَا صَغِيرَةً ثُمَّ صَارَتْ بَالِغَةً لَا أَمْرَ لها في رَدِّ النِّكَاحِ فَقَدْ قَطَعَتْ حَقَّهَا الْمَجْعُولَ لها وَإِنْ جَعَلْت لها الْخِيَارَ دَخَلَتْ في الْمَعْنَى الذي عِبْت من أَنْ تَكُونَ وَارِثَةً مَوْرُوثَةً وَلَهَا بَعْدُ خِيَارٌ (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال لي فَقَدْ يَدْخُلُ عَلَيْك في الْأَمَةِ مِثْلُ ما دخل عَلَيَّ قُلْت لَا الْأَمَةُ أنا أُخَيِّرُهَا عِنْدَ الْعَبْدِ بِالِاتِّبَاعِ وَلَا أُخَيِّرُهَا عِنْدَ الْحُرِّ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَأَنَّ الْعَبْدَ لو انْتَسَبَ حُرًّا فَتَزَوَّجَهَا على ذلك خَيَّرْتهَا لِأَنَّهُ لَا يَصِلُ من أَدَاءِ الْحَقِّ لها وَالتَّوَصُّلِ إلَيْهَا إلَى ما يَصِلُ إلَيْهِ الْحُرُّ وَالْأَمَةُ مُخَالِفَةٌ لها وَالْأَمَةُ الثَّيِّبُ الْبَالِغُ يُزَوِّجُهَا سَيِّدُهَا كَارِهَةً وَلَا يُزَوِّجُ الْبَالِغَةَ الْبِكْرَ وَلَا الصَّغِيرَةَ غَيْرُ الْأَبِ كَارِهَةً قال فما تَرَى لو كانت فَقِيرَةً فَزُوِّجَتْ نظرا ( ( ( نظيرا ) ) ) لها أَنَّ النِّكَاحَ جَائِزٌ قُلْت أَيَجُوزُ أَنْ أَنْظُرَ إلَيْهَا بِأَنْ أَقْطَعَ الْحَقَّ الذي جُعِلَ لها في نَفْسِهَا هل رايت فَقِيرًا يَقْطَعُ حقه حَقَّهُ في نَفْسِهِ وَلَا يَقْطَعُ حَقَّ الْغَنِيِّ قال فَقَدْ بِيعَ عليها في مَالِهَا قُلْت فِيمَا لَا بُدَّ لها منه وَكَذَلِكَ أَبِيعُ على الْغَنِيَّةِ وفي النَّظَرِ لَهُمَا أَبِيعُ وَحَقُّهُمَا في أَمْوَالِهِمَا مُخَالِفٌ حَقَّهُمَا في أَنْفُسِهِمَا قال فما فَرْقٌ بَيْنَهُمَا قُلْت أَفَرَأَيْت لو دَعَتْ الْمَرْأَةُ الْبَالِغَةُ أو الرَّجُلُ الْبَالِغُ الْمَوْلَى عَلَيْهِمَا إلَى بَيْعِ شَيْءٍ من أَمْوَالِهِمَا إمْسَاكُهُ خَيْرٌ لَهُمَا بِلَا ضَرُورَةٍ في مَطْعَمٍ وَلَا غَيْرِهِ أَتَبِيعُهُ قال لَا قُلْت وَلَوْ وَجَبَ على أَحَدِهِمَا أو اُحْتِيجَ إلَى بَيْعِ بَعْضِ مَالِهِ في ضَرُورَةٍ نَزَلَتْ بِهِ أو حَقٍّ يَلْزَمُهُ أَتَبِيعُهُ وهو كَارِهٌ قال نعم قُلْت فَلَوْ دعت ( ( ( دعيت ) ) ) الْبَالِغُ إلَى مُنْكِحٍ كُفْءٍ أَتَمْنَعُهَا قال لَا قُلْت وَلَوْ خَطَبَهَا فَمَنَعْته أَتُنْكِحُهَا قال لَا قُلْت أَفَتَرَى حَقَّهَا في نَفْسِهَا يُخَالِفُ حَقَّهَا في مَالِهَا قال نعم وقد يَكُونُ النِّكَاحُ لِلْفَقِيرَةِ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ سَوَاءً قُلْت له وَكَيْفَ زَعَمْت أَنْ لَا نَفَقَةَ لها حتى تَبْلُغَ الْجِمَاعَ فَعَقَدْت عليها النِّكَاحَ ولم تَأْخُذْ لها مَهْرًا وَلَا نَفَقَةً وَمَنَعْتهَا بِذَلِكَ من غَيْرِ من زَوَّجْته إيَّاهَا وَلَعَلَّ غَيْرَهُ خَيْرٌ لها أو أَحَبُّ إلَيْهَا أو أَوْفَقُ لها في دِينٍ أو خُلُقٍ أو غَيْرِ ذلك فَلَسْت أَرَى عَقْدَك عليها إلَّا خِلَافَ النَّظَرِ لها لِأَنَّهَا لو كانت بَالِغًا كانت أَحَقَّ بِنَفْسِهَا مِنْك كان النَّظَرُ يَكُونُ بِوُجُوهٍ منها أَنْ تُوضَعَ في كَفَاءَةٍ أو عِنْدَ ذِي دِينٍ أو عِنْدَ ذِي خُلُقٍ أو عِنْدَ ذِي مَالٍ أو عِنْدَ من تَهْوَى فَتُعَفُّ بِهِ عن التَّطَلُّعِ إلَى غَيْرِهِ وكان أَحَدٌ لَا يَقُومُ في النَّظَرِ لها في الْهَوَى وَالْمَعْرِفَةِ وَالْمُوَافَقَةِ لها مَقَامَ نَفْسِهَا لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ ذَاتَ نَفْسِهَا من الناس إلَّا هِي

(5/170)


فَإِنْكَاحُهَا وَإِنْ كانت فَقِيرَةً قد يَكُونُ نَظَرًا عليها وَخِلَافُ النَّظَرِ لها قال أَمَّا في مَوْضِعِ الْهَوَى في الزَّوْجِ فَنَعَمْ قُلْت فَهِيَ لو كانت بَالِغَةً فَدَعَوْتهَا إلَى خَيْرِ الناس وَدَعَتْ إلَى دُونِهِ إذَا كان كفؤا ( ( ( كفئا ) ) ) كان الْحَقُّ عِنْدَك أَنَّ زَوْجَهَا من دَعَتْ إلَيْهِ وَكَانَتْ أَعْلَمَ بِمَنْ يُوَافِقُهَا وَحَرَامٌ عِنْدَك أَنْ تَمْنَعَهَا إيَّاهُ وَلَعَلَّهَا تُفْتَتَنُ بِهِ أَلَيْسَ تَزَوَّجُهُ قال نعم قُلْت فَأَرَاهَا أَوْلَى بِالنَّظَرِ لِنَفْسِهَا مِنْك وَأَرَى نَظَرَك لها في الْحَالِ التي لَا تَنْظُرُ فيه لِنَفْسِهَا قد يَكُونُ عليها قُلْت أَفَتُزَوِّجُ الصَّغِيرَةَ الْغَنِيَّةَ قال نعم قُلْت قد يَكُونُ تَزْوِيجُهَا نَظَرًا عليها تَمُوتُ فَيَرِثُهَا الذي زَوَّجْتهَا إيَّاهُ وَتَعِيشُ عُمُرًا غير مُحْتَاجَةٍ إلَى مَالِ الزَّوْجِ وَمُحْتَاجَةٍ إلَى مُوَافَقَتِهِ وَتَكُونُ أَدْخَلْتهَا فِيمَا لَا يوافقها ( ( ( توافقها ) ) ) وَلَيْسَتْ فيها الْحَاجَةُ التي اعْتَلَلْت بها في الْفَقِيرَةِ قال فَيَقْبُحُ أَنْ نَقُولَ تُزَوَّجُ الْفَقِيرَةُ وَلَا تُزَوَّجُ الْغَنِيَّةُ قُلْت كِلَاهُمَا قَبِيحٌ قال فَقَدْ تَزَوَّجَ بَعْضُ التَّابِعِينَ قُلْت قد نُخَالِفُ نَحْنُ بَعْضَ التَّابِعِينَ بِمَا حُجَّتُنَا فيه أَضْعَفُ من هذه الْحُجَّةِ وَأَنْتَ لَا تَرَى قَوْلَ أَحَدٍ من التَّابِعِينَ يَلْزَمُ فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِهِ ( 1 ) قُلْت له أَرَأَيْت إذَا جَامَعْتَنَا في أَنْ لَا نِكَاحَ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَاكْتَفَيْنَا إذَا قُلْت بِشَاهِدَيْنِ إني إنَّمَا أَرَدْت الشَّاهِدَيْنِ اللذين ( ( ( الذين ) ) ) تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا فَأَمَّا من لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَلَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِهِ كما يَكُونُ من شَهِدَ بِحَقٍّ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ غير مَأْخُوذٍ بِشَهَادَتِهِ حَقٌّ فَقُلْت أنت تُجِيزُ النِّكَاحَ بِغَيْرِ من تَجُوزُ شَهَادَتُهُ إذَا وَقَعَ عليها اسْمُ الشَّهَادَةِ فَكَيْفَ قُلْت بِالِاسْمِ دُونَ الْعَدْلِ هُنَا ولم تَقُلْ هُنَاكَ قال لَمَّا جاء الْحَدِيثُ فلم يذكر عَدْلًا قُلْت هذا مَعْفُوٌّ عن الْعَدْلِ فيه فَقُلْت له قد ذَكَرَ اللَّهُ عز وجل شُهُودَ الزنى وَالْقَذْفِ وَالْبَيْعِ في الْقُرْآنِ ولم يذكر عَدْلًا وَشَرَطَ الْعَدْلَ في مَوْضِعٍ غَيْرِ هذا الْمَوْضِعِ أَفَرَأَيْت إنْ قال لَك رَجُلٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك إذَا سَكَتَ عن ذِكْرِ الْعَدْلِ وَسَمَّى الشُّهُودَ اكْتَفَيْت بِتَسْمِيَةِ الشُّهُودِ دُونَ الْعَدْلِ قال ليس ذلك له إذَا ذَكَرَ اللَّهُ الشُّهُودَ وَشَرَطَ فِيهِمْ الْعَدَالَةَ في مَوْضِعٍ ثُمَّ سَكَتَ عن ذِكْرِ الْعَدَالَةِ فِيهِمْ في غَيْرِهِ اسْتَدْلَلْت على أَنَّهُ لم يُرِدْ بِالشُّهُودِ إلَّا أَنْ يَكُونُوا عُدُولًا قُلْت وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت لِرَجُلٍ في حَقٍّ ائْتِ بِشَاهِدَيْنِ لم تَقْبَلْ إلَّا عُدُولًا قال نعم قُلْت أَفَيَعْدُو النِّكَاحُ أَنْ يَكُونَ كَبَعْضِ هذا فَلَا يُقْبَلُ فيه إلَّا الْعَدْلُ وَكَالْبُيُوعِ لَا يُسْتَغْنَى فيه عن الشَّهَادَةِ إذَا تَشَاجَرَ الزَّوْجَانِ أو يَكُونُ فيه خَبَرٌ عن أَحَدٍ يَلْزَمُ قَوْلُهُ فينتهى إلَيْهِ قال ما فيه خَبَرٌ وما هو بِقِيَاسٍ وَلَكِنَّا اسْتَحْسَنَّاهُ وَوَجَدْنَا بَعْضَ أَصْحَابِك يقول قَرِيبًا منه فَقُلْت له إذَا لم يَكُنْ خَبَرًا وَلَا قِيَاسًا وَجَازَ لَك أَنْ تَسْتَحْسِنَ خِلَافَ الْخَبَرِ فلم يَبْقَ عِنْدَك من الْخَطَأِ شَيْءٌ إلَّا قد أَجَزْته قال فَقَدْ قال بَعْضُ أَصْحَابِك إذَا أُشِيدَ بِالنِّكَاحِ ولم يَعْقِدْ بِالشُّهُودِ جَازَ وَإِنْ عَقَدَ بِشُهُودٍ ولم يَشِدْ بِهِ لم يَجُزْ قال الرَّبِيعُ أُشِيدُ يَعْنِي إذَا تَحَدَّثَ الناس بَعْضُهُمْ في بَعْضٍ فُلَانٌ تَزَوَّجَ وَفُلَانَةُ خِدْرٌ فَقُلْت له أَفَتَرَى ما احْتَجَجْت بِهِ من هذا فَتُشْبِهُ بِهِ على أَحَدٍ قال لَا هو خِلَافُ الحديث وَخِلَافُ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَا يَعْدُو أَنْ يَكُونَ كَالْبُيُوعِ فَالْبُيُوعُ يُسْتَغْنَى فيها عن الشُّهُودِ وَعَنْ الْإِشَادَةِ وَلَا يَنْقُضُهَا الْكِتْمَانُ أو تَكُونُ سُنَّتُهُ الشُّهُودَ وَالشُّهُودُ إنَّمَا يَشْهَدُونَ على الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ ما لم يُعْقَدْ فإذا وَقَعَ الْعَقْدُ بِلَا شُهُودٍ لم تُجْزِهِ الْإِشَادَةُ وَالْإِشَادَةُ غَيْرُ شَهَادَةٍ قُلْت له فإذا كان هذا الْقَوْلُ خَطَأً عِنْدَك فَكَيْفَ احْتَجَجْت بِهِ وَبِالسُّنَّةِ عليه قال غَيْرُهُ من أَصْحَابِهِ فَإِنْ احْتَجَجْت بِاَلَّذِي قال بِالْإِشَادَةِ فَقُلْت إنَّمَا أُرِيدَ بِالْإِشَادَةِ أَنْ يَكُونَ يُذْهِبُ التُّهْمَةَ وَيَكُونُ أَمْرُهُمَا عِنْدَ غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ أَنَّهُمَا زَوْجَانِ قُلْت فَإِنْ قال لَك قَائِلٌ هذا في الْمُتَنَازِعَيْنِ في الْبَيْعِ فَجَاءَ الْمُدَّعِي بِمَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ سمع في الْإِشَادَةِ أَنَّ فُلَانًا اشْتَرَى دَارَ فُلَانٍ أَتَجْعَلُ هذه بَيْعًا قال لَا قُلْت فَإِنْ كَانُوا أَلْفًا قال فَإِنِّي لَا أَقْبَلُ إلَّا الْبَيِّنَةَ الْقَاطِعَةَ قُلْت فَهَكَذَا نَقُولُ لَك في النِّكَاحِ بَلْ النِّكَاحُ أَوْلَى لِأَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِالْبَيِّنَةِ وَأَصْلَ الْبَيْعِ يَحِلُّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ وَقُلْت أَرَأَيْت لو أُشِيدَ بِنِكَاحِ امْرَأَةٍ وَأَنْكَرَتْ الْمَرْأَةُ النِّكَاحَ أَكُنَّا نُلْزِمُهَا النِّكَاحَ بِلَا بَيِّنَةٍ
____________________

(5/171)


- * بَابُ طُهْرِ الْحَائِضِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { وَيَسْأَلُونَك عن الْمَحِيضِ قُلْ هو أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ } يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا فَاعْتَزِلُوهُنَّ في غَيْرِ الْجِمَاعِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ في الْجِمَاعِ فَيَكُونُ اعْتِزَالُهُنَّ من وَجْهَيْنِ وَالْجِمَاعُ أَظْهَرُ مَعَانِيه لِأَمْرِ اللَّهِ بِالِاعْتِزَالِ ثُمَّ قال { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ } فَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ أَمْرًا بَيِّنًا وَبِهَذَا نَقُولُ لِأَنَّهُ قد يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَمَرَ بِاعْتِزَالِهِنَّ وَيَعْنِي أَنَّ اعْتِزَالَهُنَّ الِاعْتِزَالُ في الْجِمَاعِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَإِنَّمَا قُلْنَا بِمَعْنَى الْجِمَاعِ مع أَنَّهُ ظَهْرَ الْآيَةِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالسُّنَّةِ - * الْخِلَافُ في اعْتِزَالِ الْحَائِضِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ قال بَعْضُ الناس إذَا اجْتَنَبَ الرَّجُلُ مَوْضِعَ الدَّمِ من امْرَأَتِهِ وَجَارِيَتِهِ حَلَّ له ما سِوَى الْفَرْجِ الذي فيه الْأَذَى قال اللَّهُ عز وجل { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ } فَاسْتَدْلَلْنَا على أَنَّهُ إنَّمَا امر بِاعْتِزَالِ الدَّمِ قُلْت فلما كان ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنْ يَعْتَزِلْنَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ } وقَوْله تَعَالَى { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ } فإذا تَطَهَّرْنَ كانت الْآيَةُ مُحْتَمِلَةً اعْتِزَالَهَا اعْتِزَالًا غير اعْتِزَالِ الْجِمَاعِ فلما نهى أَنْ يَقْرُبْنَ دَلَّ ذلك على أَنْ لَا يُجَامِعْنَ قال إنَّهَا تَحْتَمِلُ ذلك وَلَكِنْ كَيْفَ قُلْت يَعْتَزِلُ ما تَحْتَ الْإِزَارِ دُونَ سَائِرِ بَدَنِهَا قُلْت له احْتَمَلَ اعْتِزَالُهُنَّ { فاعتزلوا ( ( ( اعتزلوا ) ) ) } جَمِيعَ أَبْدَانِهِنَّ وَاحْتَمَلَ بَعْضَ أَبْدَانِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ فَاسْتَدْلَلْنَا بِالسُّنَّةِ على ما أَرَادَ اللَّهُ من اعْتِزَالِهِنَّ فَقُلْت بِهِ كما بَيَّنَهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم - * بَابُ ما يُنَالُ من الْحَائِضِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { وَيَسْأَلُونَك عن الْمَحِيضِ قُلْ هو أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَالْبَيِّنُ في كِتَابِ اللَّهِ ان يَعْتَزِلَ إتْيَانَ الْمَرْأَةِ في فَرْجِهَا لِلْأَذَى فيه وَقَوْلُهُ { حتى يَطْهُرْنَ } يَعْنِي يَرَيْنَ الطُّهْرَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ { فإذا تَطَهَّرْنَ } إذَا اغْتَسَلْنَ { فَأْتُوهُنَّ من حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ } قال بَعْضُ الناس من أَهْلِ الْعِلْمِ من حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعْتَزِلُوهُنَّ يَعْنِي عَادَ الْفَرْجُ إذَا طَهَّرَهُنَّ فَتَطَهَّرْنَ بِحَالِهِ قبل تَحَيُّضٍ حَلَالًا قال جَلَّ ثَنَاؤُهُ { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ } يَحْتَمِلُ فَاعْتَزِلُوا فُرُوجَهُنَّ بِمَا وُصِفَتْ من الْأَذَى وَيَحْتَمِلُ اعْتِزَالَ فُرُوجِهِنَّ وَجَمِيعِ أَبْدَانِهِنَّ وَفُرُوجِهِنَّ وَبَعْضِ أَبْدَانِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ وَأَظْهَرُ مَعَانِيه اعْتِزَالُ أَبْدَانِهِنَّ كُلِّهَا لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ } فلما احْتَمَلَ هذه الْمَعَانِي طَلَبْنَا الدَّلَالَةَ على مَعْنَى ما أَرَادَ جَلَّ وَعَلَا بِسُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَوَجَدْنَاهَا تَدُلُّ مع نَصِّ كِتَابِ اللَّهِ على اعْتِزَالِ الْفَرْجِ وَتَدُلُّ مع كِتَابِ اللَّهِ عز وجل
____________________
1- ( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وإذا انْقَطَعَ عن الْحَائِضِ الدَّمُ لم يَقْرُبْهَا زَوْجُهَا حتى تَطْهُرَ لِلصَّلَاةِ فَإِنْ كانت وَاجِدَةً لِلْمَاءِ فَحَتَّى تَغْتَسِلَ وَإِنْ كانت مُسَافِرَةً غير وَاجِدَةٍ لِلْمَاءِ فَحَتَّى تَتَيَمَّمَ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ } أَيْ حتى يَنْقَطِعَ الدَّمُ وَيَرَيْنَ الطُّهْرَ { فإذا تَطَهَّرْنَ } يَعْنِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ الطَّهَارَةَ التي تَحِلُّ بها الصَّلَاةُ لها وَلَوْ أتى رَجُلٌ امْرَأَتَهُ حَائِضًا أو بَعْدَ تَوْلِيَةِ الدَّمِ ولم تَغْتَسِلْ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا يَعُدْ حتى تَطْهُرَ وَتَحِلَّ لها الصَّلَاةُ وقد رُوِيَ فيه شَيْءٌ لو كان ثَابِتًا أَخَذْنَا بِهِ وَلَكِنَّهُ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ - * بَابٌ في إتْيَانِ الْحَائِضِ - *

(5/172)


على أَنْ يَعْتَزِلَ من الْحَائِضِ في الْإِتْيَانِ وَالْمُبَاشَرَةِ ما حَوْلَ الْإِزَارِ فَأَسْفَلَ وَلَا يَعْتَزِلُ ما فَوْقَ الْإِزَارِ إلَى أَعْلَاهَا فَقُلْنَا بِمَا وَصَفْنَا لِتَشْدُدْ الْحَائِضُ إزَارًا على أَسْفَلِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا الرَّجُلُ وينال من إتْيَانِهَا من فَوْقَ الْإِزَارِ ما شَاءَ فَإِنْ أَتَاهَا حَائِضًا فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَلَا يَعُدْ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكٌ عن نافع أَنَّ بن عُمَرَ رضي اللَّهُ عنهما أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها يَسْأَلُهَا هل يُبَاشِرُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فقالت لِتَشْدُدْ إزَارَهَا على أَسْفَلِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا إنْ شَاءَ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَخَالَفَنَا بَعْضُ الناس في مُبَاشَرَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَإِتْيَانِهِ إيَّاهَا وَهِيَ حَائِضٌ فقال وَلِمَ قُلْت لَا يَنَالُ منها بِفَرْجِهِ وَلَا يُبَاشِرُهَا فِيمَا تَحْتَ الْإِزَارِ وَيَنَالُ فِيمَا فَوْقَ الْإِزَارِ فَقُلْت له بِاَلَّذِي ليس لي وَلَا لَك وَلَا لِمُسْلِمٍ الْقَوْلُ بِغَيْرِهِ وَذَكَرَتْ فيه السُّنَّةُ فقال قد رَوَيْنَا خِلَافَ ما رَوَيْتُمْ فَرَوَيْنَا أَنْ يَخْلُفَ مَوْضِعَ الدَّمِ ثُمَّ يَنَالُ ما شَاءَ فذكر حَدِيثًا لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فقال فَهَلْ تَجِدُ لِمَا بين تَحْتِ الْإِزَارِ وما فَوْقَهُ فَرْقًا مع الحديث فَقُلْت له نعم وما فَرْقٌ أَقْوَى من الحديث أَحَدُ الذي يَتَلَذَّذُ بِهِ منها سِوَى الْفَرْجِ مِمَّا تَحْتَ الْإِزَارِ الإليتان وَالْفَخْذَانِ فَأَجِدُهُمَا يُفَارِقَانِ ما فَوْقَ الْإِزَارِ في مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا الدَّمُ إذَا سَالَ من الْفَرْجِ جَرَى فِيهِمَا وَعَلَيْهِمَا وَالثَّانِي أَنَّ الْفَرْجَ عَوْرَةٌ والإليتين عَوْرَةٌ ( 1 ) فَهُمَا فَرْجٌ وَاحِدٌ من بَطْنِ الْفَخْذَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ بِالْفَرْجِ نَفْسِهِ وإذا كَشَفَ عنهما الْإِزَارَ كَادَ أَنْ يَنْكَشِفَ عنه وَالْإِزَارُ يُكْشَفُ عن الْفَرْجِ وَيَكُونُ عليه وَلَيْسَ على ما فَوْقَهُ - * بَابُ إتْيَانِ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رضي اللَّهُ عنه قال اللَّهُ عز وجل { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ } الْآيَةَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) احْتَمَلَتْ الْآيَةُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تُؤْتَى الْمَرْأَةُ من حَيْثُ شَاءَ زَوْجُهَا لِأَنَّ { أَنَّى شِئْتُمْ } يُبَيِّنُ أَيْنَ شِئْتُمْ لَا مَحْظُورَ منها كما لَا مَحْظُورَ من الْحَرْثِ وَاحْتَمَلَتْ أَنَّ الْحَرْثَ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ النَّبَاتُ وَمَوْضِعُ الْحَرْثِ الذي يُطْلَبُ بِهِ الْوَلَدُ الْفَرْجُ دُونَ ما سِوَاهُ لَا سَبِيلَ لِطَلَبِ الْوَلَدِ غَيْرَهُ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في إتْيَانِ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ منهم إلَى إحْلَالِهِ وَآخَرُونَ إلَى تَحْرِيمِهِ وَأَحْسِبُ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ تَأَوَّلُوا ما وَصَفْت من احْتِمَالِ الْآيَةِ على مُوَافَقَةِ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَطَلَبْنَا الدَّلَالَةَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَوَجَدْنَا حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ أَحَدُهُمَا ثَابِتٌ وهو حَدِيثُ
بن عُيَيْنَةَ عن مُحَمَّدِ بن الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ سمع جَابِرَ بن عبد اللَّهِ يقول كانت الْيَهُودُ تَقُولُ من أتى امْرَأَتَهُ في قُبُلِهَا من دُبُرِهَا جاء الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ }
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا عَمِّي محمد بن عَلِيِّ بن شَافِعٍ قال أخبرني عبد اللَّهِ بن عَلِيِّ بن السَّائِبِ عن عَمْرِو بن أحيحة بن الْجُلَاحِ أو عَمْرِو بن فُلَانِ بن أحيحة بن الْجُلَاحِ أنا شَكَكْت ( يَعْنِي الشَّافِعِيُّ ) عن خُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن إتْيَانِ النِّسَاءِ في أَدْبَارِهِنَّ أو إتْيَانِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ في دُبُرِهَا فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إي حَلَالٌ فلما وَلَّى الرَّجُلُ دَعَاهُ أو أَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ فقال كَيْفَ قُلْت في أَيِّ الْخَرِبَتَيْنِ أو في أَيِّ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وإذا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا لم يُبَاشِرْهَا حتى تَشُدَّ إزَارَهَا على أَسْفَلِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا من فَوْقِ الْإِزَارِ منها مُفْضِيًا إلَيْهِ وَيَتَلَذَّذُ بِهِ كَيْفَ شَاءَ منها وَلَا يَتَلَذَّذُ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ منها وَلَا يُبَاشِرُهَا مُفْضِيًا إلَيْهَا وَالسُّرَّةُ ما فَوْقَ الْإِزَارِ - * الْخِلَافُ في مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ - *

(5/173)


الْخَرَزَتَيْنِ أو في أَيِّ الْخَصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا في قُبُلِهَا فَنَعَمْ أَمْ من دُبُرِهَا في دُبُرِهَا فَلَا فإن اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِ من الْحَقِّ لَا تاتوا النِّسَاءَ في أَدْبَارِهِنَّ قال فما تَقُول قُلْت عَمِّي ثِقَةٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بن عَلِيٍّ ثِقَةٌ وقد أخبرني مُحَمَّدٌ عن الْأَنْصَارِيِّ الْمُحَدِّثُ بها أَنَّهُ أَثْنَى عليه خَيْرًا وَخُزَيْمَةَ مِمَّنْ لَا يَشُكُّ عَالِمٌ في ثِقَتِهِ فَلَسْت أُرَخِّصُ فيه بَلْ أُنْهَى عنه - * بَابُ ما يُسْتَحَبُّ من تَحْصِينِ الْإِمَاءِ عن الزنى - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ على الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } الْآيَةَ فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ أنها نَزَلَتْ في رَجُلٍ قد سَمَّاهُ له إمَاءٌ يُكْرِهُهُنَّ على الزنى لِيَأْتِينَهُ بالآولاد فَيَتَخَوَّلَهُنَّ وقد قِيلَ نَزَلَتْ قبل حَدِّ الزنى وَاَللَّهُ اعلم فَإِنْ كانت نَزَلَتْ قبل حَدِّ الزنى ثُمَّ جاء حَدُّ الزنى فما قبل الْحُدُودِ مَنْسُوخٌ بِالْحُدُودِ وَهَذَا مَوْضُوعٌ في كِتَابِ الْحُدُودِ وَإِنْ كانت نَزَلَتْ بَعْدَ حَدِّ الزنى فَقَدْ قِيلَ إنَّ قَوْلَ اللَّهِ عز وجل { فإن اللَّهَ من بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } نَزَلَتْ في الْإِمَاءِ الْمُكْرَهَاتِ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُنَّ بِمَا أُكْرِهْنَ عليه وَقِيلَ غَفُورٌ أَيْ هو أَغْفَرُ وَأَرْحَمُ من أَنْ يُؤَاخِذَهُنَّ بِمَا أُكْرِهْنَ عليه وفي هذا كَالدَّلَالَةِ على إبْطَالِ الْحَدِّ عَنْهُنَّ إذَا أُكْرِهْنَ علي الزنى وقد أَبْطَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّنْ أُكْرِهَ على الكفر الْكُفْرَ وقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فِيمَا وَضَعَ اللَّهُ عن أُمَّتِهِ وما اُسْتُكْرِهُوا عليه - * بَابُ نِكَاحِ الشِّغَارِ - *
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن الشِّغَارِ وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ ابْنَتَهُ على أَنْ يُزَوِّجَهُ الرَّجُلُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن بن أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لَا شِغَارَ في الْإِسْلَامِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالْمُتْعَةُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فإذا وَقَعَ النِّكَاحُ على هذا فَهُوَ مَفْسُوخٌ دخل بها أو لم يَدْخُلْ فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِالْمَسِيسِ - * الْخِلَافُ في نِكَاحِ الشِّغَارِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فقال بَعْضُ الناس أَمَّا الشِّغَارُ فَالنِّكَاحُ فيه ثَابِتٌ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ من الْمَنْكُوحَتَيْنِ مَهْرُ مِثْلِهَا وَأَمَّا الْمُتْعَةُ فَإِنْ قُلْت فَهُوَ فَاسِدٌ فما يَدْخُلُ عَلَيَّ قُلْت ما لَا يُشْتَبَهُ فيه خَطَؤُك قال وما هو قُلْت ثَبَتَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ نهى عن الشِّغَارِ ولم تَخْتَلِفْ الرِّوَايَةُ عنه صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَجَزْت الشِّغَارَ الذي لَا مُخَالِفَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في النَّهْيِ عنه وَرَدَدْت نِكَاحَ الْمُتْعَةِ وقد اُخْتُلِفَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فيها قال فَإِنْ قُلْت فَإِنْ أَبْطَلَا الشَّرْطَ في الْمُتْعَةِ جَازَ النِّكَاحُ وَإِنْ لم يُبْطِلَاهُ فَالنِّكَاحُ مَفْسُوخٌ قُلْت له إذًا تُخْطِئُ خَطَأً بَيِّنًا قال فَكَيْفَ قُلْت رُوِيَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم النَّهْيُ عنها وما نهى عنه حَرَامٌ ما لم يَكُنْ فيه رُخْصَةٌ بِحَلَالٍ وَرُوِيَ عنه أَنَّهُ أَحَلَّهُ فلم يحلله ( ( ( تحلله ) ) ) وَأَحْدَثْت بين الْحَدِيثَيْنِ شيئا خَارِجًا مِنْهُمَا خَارِجًا من مَذَاهِبِ الْفِقْهِ مُتَنَاقِضًا قال وما ذَاكَ قُلْت أنت تَزْعُمُ أَنَّهُ لو نَكَحَ رَجُلٌ امْرَأَةً
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَبِهَذَا نَقُولُ وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ الرَّجُلَ على أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ صَدَاقُ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِضْعُ الْأُخْرَى فإذا وَقَعَ النِّكَاحُ على هذا فَهُوَ مَفْسُوخٌ فَإِنْ دخل بها فَلَهَا الْمَهْرُ بِالْوَطْءِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عن عبد اللَّهِ وَالْحَسَنِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ قال الزُّهْرِيُّ وكان الْحَسَنُ أَرْضَاهُمَا عن أَبِيهِمَا عن عَلِيٍّ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَذَكَرَ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ

(5/174)


على أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ كان النِّكَاحُ بَاطِلًا لِأَنَّ الْخِيَارَ لَا يَجُوزُ في النِّكَاحِ لِأَنَّ ما شُرِطَ في عَقْدِهِ الْخِيَارُ لم يَكُنْ الْعَقْدُ فيه تَامًّا وَهَذَا وَإِنْ جَازَ في الشَّرْعِ لم يَجُزْ في النِّكَاحِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك فَإِنْ قُلْت فَإِنْ أَبْطَلَ الْمُتَنَاكِحَانِ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ الشَّرْطَ فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ وَقَعَ وَالْجِمَاعُ لَا يَحِلُّ فيه وَلَا الْمِيرَاثُ إنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قبل إبْطَالِ الشَّرْطِ لم تُجِزْهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ غير جَائِزٍ فَقَدْ أَجَزْت فيه الْخِيَارَ لِلزَّوْجَيْنِ وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ الْخِيَارَ لَهُمَا يُفْسِدُ الْعُقْدَةَ ثُمَّ أَحْلَلْته بِشَيْءٍ آخَرَ عُقْدَةٍ لم يُشْتَرَطْ فيها خِيَارٌ ثُمَّ أَحْدَثْت لَهُمَا شيئا من قِبَلِك أَنْ جَعَلْت لَهُمَا خِيَارًا وَلَوْ قِسْتَهُ بِالْبُيُوعِ كُنْت قد أَخْطَأْت فيه الْقِيَاسَ قال وَمِنْ أَيْنَ قُلْت الْخِيَارُ في الْبُيُوعِ لَا يَكُونُ عِنْدَك إلَّا بِأَنْ يشترى ما لم يَرَ عَيْنَهُ فَيَكُونَ له الْخِيَارُ إذَا رَآهُ أو يشترى فَيَجِدَ عَيْبًا فَيَكُونَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّهُ وَإِنْ شَاءَ حَبَسَ وَالنِّكَاحُ بَرِيءٌ من هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَك قال نعم قُلْت وَالْوَجْهُ الثَّانِي الذي تُجِيزُ فيه الْخِيَارَ في الْبُيُوعِ أَنْ يَتَشَارَطَ الْمُتَبَايِعَانِ أو أَحَدُهُمَا الْخِيَارَ وَإِنْ وَقَعَ عَقْدُهُمَا الْبَيْعَ على غَيْرِ الشَّرْطِ لم يَكُنْ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمَا خِيَارٌ إلَّا بِمَا وَصَفْت من أَنْ لَا يَكُونَ المشترى رَأَى ما اشْتَرَاهُ أو دَلَّسَ له بِعَيْبٍ قال نعم قُلْت فَالْمُتَنَاكِحَانِ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ إنَّمَا نَكَحَا نِكَاحًا يَعْرِفَانِهِ إلَى مُدَّةٍ لم يَشْتَرِطَا خِيَارًا فَكَيْفَ يَكُونُ زَوْجَهَا الْيَوْمَ وَغَدًا غير زَوْجِهَا بِغَيْرِ طَلَاقٍ يُحْدِثُهُ وَالْعَقْدُ إذَا عُقِدَ ثَبَتَ إلَّا أَنْ يُحْدِثَ فُرْقَةً عِنْدَك أو كَيْفَ تَكُونُ زَوْجَةً وَلَا يَتَوَارَثَانِ أَمْ كَيْفَ يَتَوَارَثَانِ يَوْمًا وَلَا يَتَوَارَثَانِ في غَدِهِ قال فَإِنْ قُلْت فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ في الْمُدَّةِ في النِّكَاحِ بَاطِلٌ قُلْت فَأَنْتَ تُحْدِثُ للمراة وَالرَّجُلِ نِكَاحًا بِغَيْرِ رِضَاهُمَا ولم يَعْقِدَاهُ على أَنْفُسِهِمَا وَإِنَّمَا قِسْتُهُ بِالْبَيْعِ وَالْبَيْعُ لو عُقِدَ ( 1 ) فقال الْبَائِعُ والمشترى أَشْتَرِي مِنْك هذا عَشْرَةَ أَيَّامٍ كُلَّ يَوْمٍ كان الْبَيْعُ مَفْسُوخًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ أَمْلِكَهُ إيَّاهُ عَشْرًا دُونَ الْأَبَدِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ أُمَلِّكَهُ إيَّاهُ عَشْرًا وقد شَرَطَ أَنْ لَا يَمْلِكَهَا إلَّا عَشْرًا فَكَانَ يَلْزَمُك أَنْ لو لم يَكُنْ في نِكَاحِ الْمُتْعَةِ خَبَرٌ يُحَرِّمُهُ أَنْ تُفْسِدَهُ إذَا جَعَلْته قِيَاسًا على الْبَيْعِ فَأَفْسَدْت الْبَيْعَ قال فقال فَإِنْ جَعَلْته قِيَاسًا على الرَّجُلِ يَشْتَرِطُ للمراة دَارَهَا أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ ثَابِتًا وَالشَّرْطُ بَاطِلًا قُلْت له فَإِنْ جَعَلْته قِيَاسًا على هذا أَخْطَأْت من وُجُوهٍ قال وما هِيَ قُلْت من الناس من يقول لها شَرْطُهَا ما كان وَالنِّكَاحُ ثَابِتٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَهُ ما ( ( ( وما ) ) ) بين الزَّوْجَيْنِ من الْمِيرَاثِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ قِسْته على هذا الْقَوْلِ لَزِمَك أَنْ تَقُولَ ذلك في الْمُتَنَاكِحَيْنِ نِكَاحَ مُتْعَةٍ قال لَا أَقِيسُهُ على هذا الْقَوْلِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ بَيْنَهُمَا ما يُثْبِتُ بين الزَّوْجَيْنِ وَهِيَ زَوْجَةٌ في أَيَّامٍ غَيْرُ زَوْجَةٍ بَعْدَهُ فَقُلْت فَإِنْ قِسْته على من قال إنَّ النِّكَاحَ ثَابِتٌ وَشَرْطُهَا دَارَهَا بَاطِلٌ فَقَدْ أَحْدَثْت لَهُمَا تَزْوِيجًا بِغَيْرِ شَرْطِهِمَا أَنْ لَيْسَا بِزَوْجَيْنِ ما لم يَرْضَهُ أَحَدٌ مِنْهُمَا فَكُنْت رَجُلًا زَوَّجَ اثْنَيْنِ بِلَا رِضَاهُمَا وَلَزِمَك أن أَخْطَأْت الْقِيَاسَ من وَجْهٍ آخَرَ قال وَأَيْنَ قُلْت النَّاكِحَةُ الْمُشْتَرِطَةُ دَارِهَا نُكِحَتْ على الْأَبَدِ وَالشَّرْطِ فَهِيَ وَإِنْ كان لها شَرْطُهَا أو أُبْطِلَ عنها فَهِيَ حَلَالُ الْفَرْجِ في دَارِهَا وَغَيْرِ دَارِهَا وَالشَّرْطُ زِيَادَةٌ في مَهْرِهَا وَالزِّيَادَةُ في الْمَهْرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك كانت جَائِزَةً أو فَاسِدَةً لَا تُفْسِدُ الْعُقْدَةَ وَالنَّاكِحَةُ مُتْعَةً لم يَنْكِحْهَا على الْأَبَدِ إنَّمَا نَكَحَتْهُ يَوْمًا أو عَشْرًا فَنَكَحَتْهُ على أَنَّ زَوْجَهَا حَلَالٌ في الْيَوْمِ أو الْعَشْرِ مُحَرَّمٌ بَعْدَهُ لِأَنَّهَا بَعْدَهُ غَيْرُ زَوْجَةٍ فلا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَرْجٌ يُوطَأُ بِنِكَاحٍ يَحِلُّ في هذه وَيُحَرَّمُ في أُخْرَى قال ما هِيَ بِقِيَاسٍ عليها أَنْ تَكُونَ زَوْجَتَهُ الْيَوْمَ وَغَيْرَ زَوْجَتِهِ الْغَدَ بِلَا إحْدَاثِ فُرْقَةٍ (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَقُلْت له أرايت لو اسْتَقَامَتْ قِيَاسًا على وَاحِدٍ مِمَّا أَرَدْت أَنْ تَقِيسَهَا عليه أَيَجُوزُ في الْعِلْمِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك أَنْ يَعْمِدَ إلَى الْمُتْعَةِ وقد جاء فيها خَبَرٌ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِتَحْرِيمٍ وَخَبَرٌ بِتَحْلِيلٍ فَزَعَمْنَا نَحْنُ وَأَنْتَ أَنَّ التَّحْلِيلَ مَنْسُوخٌ فَتَجْعَلُهُ قِيَاسًا على شَيْءٍ غَيْرِهِ ولم يَأْتِ فيه ع

(5/175)


النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خَبَرٌ فَإِنْ جَازَ هذا لَك جَازَ عَلَيْك أَنْ يَقُولَ لَك قَائِلٌ حُرِّمَ الطَّعَامُ وَالْجِمَاعُ في الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَحُرِّمَ الْجِمَاعُ في الْإِحْرَامِ فَأُحَرِّمُ الطَّعَامَ فيه أو أُحَرِّمُ الْكَلَامَ في الصَّوْمِ كما حُرِّمَ في الصَّلَاةِ قال لَا يَجُوزُ هذا في شَيْءٍ من الْعِلْمِ تمضى كُلُّ شَرِيعَةٍ على ما شُرِعَتْ عليه وَكُلُّ ما جاء فيه خَبَرٌ على ما جاء قُلْت فَقَدْ عَمَدْت في نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَفِيهِ خَبَرٌ فَجَعَلْته قِيَاسًا في النِّكَاحِ على ما لَا خَبَرَ فيه فَجَعَلْته قِيَاسًا على الْبُيُوعِ وهو شَرِيعَةٌ غَيْرُهُ ثُمَّ تَرَكْت جَمِيعَ ما قِسْت عليه وَتُنَاقِضُ قَوْلَك فقال فإنه كان من قَوْلِ أَصْحَابِنَا إفْسَادُهُ فَقُلْت فَلِمَ لم تُفْسِدْهُ كما أَفْسَدَهُ من زَعَمَ أَنَّ الْعُقْدَةَ فيه فَاسِدَةٌ ولم تُجِزْهُ كما أَجَازَهُ من زَعَمَ أَنَّهُ حَلَالٌ على ما تَشَارَطَا ولم يَقُمْ لَك فيه قَوْلٌ على خَبَرٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا مَعْقُولٍ قال فَلِأَيِّ شَيْءٍ أَفْسَدْت أنت الشِّغَارَ وَالْمُتْعَةَ قُلْت بِاَلَّذِي أَوْجَبَ اللَّهُ عز وجل عَلَيَّ من طَاعَةِ رَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وما أَجِدُ في كِتَابِ اللَّهِ من ذلك فقال { وما كان لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لهم الْخِيَرَةُ من أَمْرِهِمْ } وقال { فَلَا وَرَبِّك لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوك فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْت } قال فَكَيْفَ يَخْرُجُ نَهْيُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عِنْدَك قُلْت ما نهى عنه مِمَّا كان مُحَرَّمًا حتى أُحِلَّ بِنَصٍّ من كِتَابِ اللَّهِ عز وجل أو خَبَرٍ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَنَهَى من ذلك عن شَيْءٍ فَالنَّهْيُ يَدُلُّ على أَنَّ ما نهى عنه لَا يَحِلُّ قال وَمِثْلُ مَاذَا قُلْت مِثْلُ النِّكَاحِ كُلُّ النِّسَاءِ مُحَرَّمَاتُ الْجِمَاعِ إلَّا بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ وَسَنَّ رسوله ( ( ( رسول ) ) ) صلى اللَّهُ عليه وسلم من النِّكَاحِ الصَّحِيحِ أو مِلْكِ الْيَمِينِ فَمَتَى انْعَقَدَ النِّكَاحُ أو الْمِلْكُ بِمَا نهى عنه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من النِّكَاحِ الصَّحِيحِ أو مِلْكِ الْيَمِينِ فَمَتَى انْعَقَدَ النِّكَاحُ أو الْمِلْكُ بِمَا نهى عنه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يُحَلَّلْ ما كان منه مُحَرَّمًا وَكَذَلِكَ الْبُيُوعُ ثُمَّ أَمْوَالُ الناس مُحَرَّمَةٌ على غَيْرِهِمْ إلَّا بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ من بَيْعٍ وَغَيْرِهِ فَإِنْ انْعَقَدَ الْبَيْعُ بِمَا نهى عنه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَحِلَّ بِعُقْدَةِ مَنْهِيٍّ عنه فلما نهى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن الشِّغَارِ وَالْمُتْعَةِ قُلْت الْمَنْكُوحَاتُ بِالْوَجْهَيْنِ كَانَتَا غير مُبَاحَتَيْنِ إلَّا بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ وَلَا يَكُونُ ما نهى عنه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من النِّكَاحِ وَلَا الْبَيْعِ صَحِيحًا قال هذا عِنْدِي كما زَعَمْت وَلَكِنْ قد يقول بَعْضُ الْفُقَهَاءِ في النَّهْيِ ما قُلْت وَيَأْتِي نَهْيٌ آخَرُ فَيَقُولُونَ فيه خِلَافَهُ وَيُوَجِّهُونَهُ على أَنَّهُ لم يُرِدْ بِهِ الْحَرَامَ فَقُلْت له إنْ كان ذلك بِدَلَالَةٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ لم يُرِدْ بِالنَّهْيِ الْحَرَامَ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لهم وَإِنْ لم يَكُنْ فيه عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم دَلَالَةٌ لم يَكُنْ لهم أَنْ يَزْعُمُوا أَنَّ النَّهْيَ مَرَّةً مُحَرَّمٌ وَأُخْرَى غَيْرُ مُحَرَّمٍ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال فَدُلَّنِي في غَيْرِ هذا على مِثْلِهِ فَقُلْت أَرَأَيْت لو قال لَك قَائِلٌ نهى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ على عَمَّتِهَا أو خَالَتِهَا فَعَلِمْت أَنَّهُ لم يَنْهَ عن الْجَمْعِ بين ابْنَتَيْ الْعَمِّ وَلَهُمَا قَرَابَةٌ وَلَا بين الْقَرَابَاتِ غَيْرِهِمَا فَكَانَتْ الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ وَابْنَةُ الْأَخِ وَالْأُخْتِ حَلَالًا أَنْ يُبْتَدَأَ بِنِكَاحِ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ على الِانْفِرَادِ أَنَّهُنَّ أُحْلِلْنَ وَخَرَجْنَ عن مَعْنَى الْأُمِّ وَالْبِنْتِ وما حُرِّمَ على الْأَبَدِ بِحُرْمَةِ نَفْسِهِ أو بِحُرْمَةِ غَيْرِهِ فَاسْتَدْلَلْت على أَنَّ النَّهْيَ عن ذلك إنَّمَا هو كَرَاهِيَةُ أَنْ يُفْسِدَ ما بَيْنَهُمَا وَالْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ وَالِدَتَانِ لَيْسَتَا كَابْنَتَيْ الْعَمِّ اللَّتَيْنِ لَا شَيْءَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا على الْأُخْرَى إلَّا لِلْأُخْرَى مِثْلُهُ فَإِنْ كَانَتَا رَاضِيَتَيْنِ بِذَلِكَ مَأْمُونَتَيْنِ بِإِذْنِهِمَا وَأَخْلَاقِهِمَا على أَنْ لَا يَتَفَاسَدَا بِالْجَمْعِ حَلَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا قال ليس ذلك له قُلْت وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بين الْأُخْتَيْنِ قال نعم قُلْت فَإِنْ نَكَحَ امراة على عَمَّتِهَا فلما انْعَقَدَتْ الْعُقْدَةُ قبل ( ( ( قيل ) ) ) يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَاتَتْ التي كانت عِنْدَهُ وَبَقِيَتْ التي نَكَحَ قال فَعُقْدَةُ الْآخِرَةِ فَاسِدَةٌ قُلْت فَإِنْ قال قد ذَهَبَ الْجَمْعُ وَصَارَتْ التي نهى أَنْ يَنْكِحَ على هذه الْمَرْأَةِ الْمَيِّتَةِ فقال لَك أنا لو ابْتَدَأْت نِكَاحَهَا الْآنَ جَازَ فَأُقَرِّرُ نِكَاحَهَا الْأَوَّلَ قال ليس ذلك له إنْ انْعَقَدَتْ الْعُقْدَةُ بِأَمْرٍ نهى عنه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لم تَصِحَّ بِحَالٍ يَحْدُثُ بَعْدَهَا فَقُلْت له فَهَكَذَا قُلْت في الشِّغَارِ وَالْمُتْعَةِ قد انْعَقَدَ بِأَمْرٍ نهى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عنه لَا نَعْلَمُهُ في غَيْرِهِ وما نهى عنه بِنَفْسِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يَصِحَّ مِمَّا نهى عنه بِغَيْرِهِ فَإِنْ افْتَرَقَ الْقَوْلُ في النَّهْيِ كان الْجَمْعُ بين الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَنِكَاحِ الْأُخْتِ
____________________

(5/176)


على أُخْتِهَا إذَا مَاتَتْ الْأُولَى مِنْهُمَا قبل أَنْ تَجْتَمِعَ هِيَ وَالْآخِرَةُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ لِأَنَّهُ إنَّمَا نهى عنه لِعِلَّةِ الْجَمْعِ وقد زَالَ الْجَمْعُ قال فَإِنْ زَالَ الْجَمْعُ فإن الْعَقْدَ كان وهو ثَابِتٌ على الْأُولَى فَلَا يَثْبُتُ على الْآخِرَةِ وهو مَنْهِيٌّ عنه قُلْت له فَاَلَّذِي أَجَزْته في الشِّغَارِ وَالْمُتْعَةِ هَكَذَا أو أَوْلَى أَنْ لَا يَجُوزَ من هذا فَقُلْت له أَرَأَيْت لو قال قَائِلٌ إنَّهُ أَمَرَ بِالشُّهُودِ في النِّكَاحِ أَنْ لَا يتجاحد الزَّوْجَانِ فَيَجُوزُ النِّكَاحُ على غَيْرِ الشُّهُودِ ما تَصَادَقَا قال لَا يَجُوزُ النِّكَاحُ بِغَيْرِ شُهُودٍ قُلْت وَإِنْ تَصَادَقَا على أَنَّ النِّكَاحَ كان جَائِزًا أو أَشْهَدَا على إقْرَارِهِمَا بِذَلِكَ قال لَا يَجُوزُ قُلْت وَلِمَ ألإن الْمَرْأَةَ كانت غير حَلَالٍ إلَّا بِمَا أَحَلَّهَا اللَّهُ ثُمَّ رَسُولُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِهِ فلما انْعَقَدَتْ عُقْدَةُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ ما أَمَرَ بِهِ لم يَحِلَّ الْمُحَرَّمُ إلَّا من حَيْثُ أُحِلَّ قال نعم قُلْت فَالْأَمْرُ بِالشُّهُودِ لَا يُثْبِتُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خَبَرًا بِثُبُوتِ النَّهْيِ عن الشِّغَارِ وَالْمُتْعَةِ وَلَوْ ثَبَتَ كُنْت بِهِ مَحْجُوجًا لِأَنَّك إذَا قُلْت في النِّكَاحِ بِغَيْرِ سُنَّةٍ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ كان بِغَيْرِ كَمَالِ ما أُمِرَ بِهِ وَإِنْ انْعَقَدَتْ بِغَيْرِ كَمَالِ ما أُمِرَ بِهِ فَهِيَ فَاسِدَةٌ قُلْنَا لَك فَأَيُّهُمَا أَوْلَى أَنْ يَفْسُدَ الْعُقْدَةَ التي انْعَقَدَتْ بِغَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ أو الْعُقْدَةُ التي انْعَقَدَتْ بِمَا نهى عنه وَالْعُقْدَةُ التي تُعْقَدُ بِمَا نُهِيَ عنه تَجْمَعُ النَّهْيَ وَخِلَافَ الْأَمْرِ قال كُلٌّ سَوَاءٌ قُلْت وَإِنْ كَانَا سَوَاءً لم يَكُنْ لَك أَنْ تُجِيزَ وَاحِدَةً وَتَرُدَّ مِثْلَهَا أو أَوْكَدَ وَإِنَّ من الناس لَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ النِّكَاحَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ جَائِزٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ كَالْبُيُوعِ وما من الناس أَحَدٌ إلَّا يَكْرَهُ الشِّغَارَ وينهى عنه وَأَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُ الْمُتْعَةَ وينهى عنها وَمِنْهُمْ من يقول يُرْجَمُ فيها من يَنْكِحُهَا وقد نهى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن بَيْعِ الطَّعَامِ قبل أَنْ يُقْبَضَ أَفَرَأَيْت لو تَبَايَعَ رَجُلَانِ بِطَعَامٍ قبل أَنْ يَقْبِض ثُمَّ تَقَابَضَا فَذَهَبَ الْغَرَرُ أَيَجُوزُ قال لَا لِأَنَّ الْعُقْدَةَ انْعَقَدَتْ فَاسِدَةً مَنْهِيًّا عنها قُلْت وَكَذَلِكَ إذَا نُهِيَ عن بَيْعٍ وَسَلَفٍ وَتَبَايَعَا أَيَتِمُّ الْبَيْعُ وَيُرَدُّ السَّلَفُ لو رُفِعَا إلَيْك قال لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ انْعَقَدَتْ فَاسِدَةً قِيلَ وما فَسَادُهَا وقد ذَهَبَ الْمَكْرُوهُ منها قال انْعَقَدَتْ بِأَمْرٍ مَنْهِيٍّ عنه قُلْنَا وَهَكَذَا أَفْعَلُ في كل أَمْرٍ يُنْهَى عنه وَلَوْ لم يَكُنْ في إفْسَادِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ إلَّا الْقِيَاسُ انْبَغَى أَنْ يَفْسُدَ من قِبَلِ أنها إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا يَوْمَيْنِ كُنْت قد زَوَّجْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ما لم يُزَوِّجْ نَفْسَهُ وَأَبَحْت له ما لم يُبِحْ لِنَفْسِهِ قال فَكَيْفَ تُفْسِدُهُ قُلْت لَمَّا كان الْمُسْلِمُونَ لَا يُجِيزُونَ أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ إلَّا على الْأَبَدِ حتى يَحْدُثَ فُرْقَةٌ لم يَجُزْ أَنْ يَحِلَّ يَوْمَيْنِ وَيَحْرُمَ أَكْثَرَ مِنْهُمَا ولم يَجُزْ أَنْ يَحِلَّ في أَيَّامٍ لم يَنْكِحْهَا فَكَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا - * نِكَاحُ الْمُحْرِمِ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن نَبِيهِ بن وَهْبٍ أَخِي بَنِي عبد الدَّارِ أخبره أَنَّ عُمَرَ بن عُبَيْدِ اللَّهِ أَرْسَلَ إلَى أَبَانَ بن عُثْمَانَ وَأَبَانُ يَوْمئِذٍ أَمِيرُ الْحَاجِّ وَهُمَا مُحْرِمَانِ إنِّي قد أَرَدْت أَنْ أُنْكِحَ طَلْحَةَ بن عُمَرَ بِنْتَ شَيْبَةَ بن جُبَيْرٍ وَأَرَدْت أَنْ تَحْضُرَ فَأَنْكَرَ ذلك أَبَانُ وقال سَمِعْت عُثْمَانَ بن عَفَّانَ يقول قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن أَيُّوبَ بن مُوسَى عن نَبِيهِ بن وَهْبٍ عن أَبَانَ بن عُثْمَانَ أَظُنُّهُ عن عُمَرَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مِثْلَ مَعْنَاهُ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن يَزِيدَ بن الْأَصَمِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهو حَلَالٌ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا مَالِكٌ عن رَبِيعَةَ عن سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ وَرَجُلًا من الْأَنْصَارِ فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَةَ ابْنَةَ الحرث وَرَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ أَنْ يَخْرُجَ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا سَعِيدُ بن مَسْلَمَةَ عن إسْمَاعِيلَ بن أُمَيَّةَ عن بن الْمُسَيِّبِ
____________________

(5/177)


قال ما نَكَحَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَيْمُونَةَ إلَّا وهو حَلَالٌ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا مَالِكٌ عن دَاوُد بن الْحُصَيْنِ أَنَّ أَبَا غَطَفَانَ بن طَرِيفٍ الْمُرِّيُّ أخبره أَنَّ أَبَاهُ طَرِيفًا تَزَوَّجَ امراة وهو مُحْرِمٌ فَرَدَّ عُمَرُ نِكَاحَهُ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ أَنَّ بن عُمَرَ كان يقول لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ على نَفْسِهِ وَلَا على غَيْرِهِ
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن مُحَمَّدٍ عن قُدَامَةَ بن مُوسَى عن شَوْذَبٍ أَنَّ زَيْدَ بن ثَابِتٍ رَدَّ نِكَاحَ مُحْرِمٍ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فَخَالَفَنَا بَعْضُ الناس في نِكَاحِ الْمُحْرِمِ فقال لَا بَأْسَ أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْرِمُ ما لم يُصِبْ وقال رَوَيْنَا خِلَافَ ما رَوَيْتُمْ فَذَهَبْنَا إلَى ما رَوَيْنَا وَذَهَبْتُمْ إلَى ما رَوَيْتُمْ رَوَيْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَكَحَ وهو مُحْرِمٌ فَقُلْت له أَرَأَيْت إذَا اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِأَيِّهَا تَأْخُذُ قال بِالثَّابِتِ عنه قُلْت أَفَتَرَى حَدِيثَ عُثْمَانَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ثَابِتًا قال نعم قُلْت وَعُثْمَانُ غَيْرُ غَائِبٍ عن نِكَاحِ مَيْمُونَةَ لِأَنَّهُ مع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ وفي سَفَرِهِ الذي بَنَى بِمَيْمُونَةَ فيه في عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ وهو السَّفَرُ الذي زَعَمْت أنت بِأَنَّهُ نَكَحَهَا فيه وَإِنَّمَا نَكَحَهَا قَبْلَهُ وَبَنَى بها فيه قال نعم وَلَكِنَّ الذي رَوَيْنَا عنه روي أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نَكَحَهَا وهو مُحْرِمٌ فَهُوَ وَإِنْ لم يَكُنْ يوم نَكَحَهَا بَالِغًا وَلَا له يَوْمئِذٍ صُحْبَةٌ فإنه لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ خَفِيَ عليه الْوَقْتُ الذي نَكَحَهَا فيه مع قَرَابَتِهِ بها وَلَا يَقْبَلُهُ هو وَإِنْ لم يَشْهَدْهُ إلَّا عن ثِقَةٍ فَقُلْت له يَزِيدُ بن الْأَصَمِّ بن أُخْتِهَا يقول نَكَحَهَا حَلَالًا وَمَعَهُ سُلَيْمَانُ بن يَسَارٍ عَتِيقُهَا أو بن عَتِيقِهَا فقال نَكَحَهَا حَلَالًا فَيُمْكِنُ عَلَيْك ما أَمْكَنَك فقال هَذَانِ ثِقَةٌ وَمَكَانَهُمَا منها الْمَكَانَ الذي لَا يَخْفَى عَلَيْهِمَا الْوَقْتُ الذي نَكَحَهَا فيه لِحَطِّهَا وَحَطِّ من هو منها نِكَاحُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَا ذلك وَإِنْ لم يَشْهَدَاهُ إلَّا بِخَبَرِ ثِقَةٍ فيه فَتَكَافَأَ خَبَرُ هَذَيْنِ وَخَبَرُ من رَوَيْت عنه في الْمَكَانِ منها وَإِنْ كان أَفْضَلَ مِنْهُمَا فَهُمَا ثِقَةٌ أو يَكُونُ خَبَرُ اثْنَيْنِ أَكْثَرَ من خَبَرِ وَاحِدٍ وَيَزِيدُونَك مَعَهُمَا ثَالِثًا بن الْمُسَيِّبِ وَتَنْفَرِدُ عَلَيْك رِوَايَةُ عُثْمَانَ التي هِيَ أَثْبَتُ من هذا كُلِّهِ فَقُلْت له أو ما أَعْطَيْتنَا أَنَّ الْخَبَرَيْنِ لو تكافئا ( ( ( تكافآ ) ) ) نَظَرْنَا فِيمَا فَعَلَ أَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعْدَهُ فَنَتَّبِعُ أَيَّهمَا كان فِعْلُهُمَا أَشْبَهَ وَأَوْلَى الْخَبَرَيْنِ أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَنَقْبَلَهُ وَنَتْرُكَ الذي خَالَفَهُ قال بَلَى قُلْت فَعُمَرُ وَيَزِيدُ بن ثَابِتٍ يَرُدَّانِ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ وَيَقُولُ بن عُمَرَ لَا يَنْكِحُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا أَعْلَمُ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَهُمَا مُخَالِفًا قال فإن الْمَكِّيِّينَ يَقُولُونَ يَنْكِحُ فَقُلْت مِثْلَ ما ذَهَبْت إلَيْهِ وَالْحُجَّةُ تَلْزَمُهُمْ مِثْلَ ما لَزِمَتْك وَلَعَلَّهُمْ خَفِيَ عليهم ما خَالَفَ ما رَوَوْا من نِكَاحِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُحْرِمًا قال فإن من أَصْحَابِك من قال إنَّمَا قُلْنَا لَا يَنْكِحُ لِأَنَّ الْعُقْدَةَ تُحِلُّ الْجِمَاعَ وهو مُحَرَّمٌ عليه قُلْت له الْحُجَّةُ فِيمَا حَكَيْنَا لَك عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ لَا فِيمَا وَصَفْت أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَيْهِ من هذا وَإِنْ كُنْت أنت قد تَذْهَبُ أَحْيَانًا إلَى أَضْعَفَ منه وَلَيْسَ هذا عِنْدَنَا مَذْهَبَ الْمَذَاهِبِ في الْخَبَرِ أو عِلَّةً بَيِّنَةً فيه قال فَأَنْتُمْ قُلْتُمْ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُرَاجِعَ امْرَأَتَهُ إذَا كانت في عِدَّةٍ منه وَأَنْ يَشْتَرِيَ الْجَارِيَةَ للاصابة قُلْت إنَّ الرَّجْعَةَ لَيْسَتْ بِعَقْدِ نِكَاحٍ إنَّمَا هِيَ شَيْءٌ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُطَلِّقِ في عُقْدَةِ النِّكَاحِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فإذا نَكَحَ الْمُحْرِمُ أو أَنْكَحَ غَيْرَهُ فَنِكَاحُهُ مَفْسُوخٌ وَلِلْمُحْرِمِ أَنْ يُرَاجِعَ امْرَأَتَهُ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ قد ثَبَتَتْ بِابْتِدَاءِ النِّكَاحِ وَلَيْسَتْ بِالنِّكَاحِ إنَّمَا هِيَ شَيْءٌ له في نِكَاحٍ كان وهو غَيْرُ مُحْرِمٍ وَكَذَلِكَ له أَنْ يَشْتَرِيَ الْأَمَةَ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ وَبِهَذَا نَقُولُ فَإِنْ نَكَحَ الْمُحْرِمُ فَنِكَاحُهُ مَفْسُوخٌ - * بَابُ الْخِلَافِ في نِكَاحِ الْمُحْرِمِ - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال

(5/178)


أَنْ يَكُونَ له الرَّجْعَةُ في الْعِدَّةِ وَعُقْدَةُ النِّكَاحِ كان وهو حَلَالٌ فَلَا يُبْطِلُ الْعُقْدَةَ حَقُّ الْإِحْرَامِ وَلَا يُقَالُ لِلْمُرَاجِعِ نَاكِحٌ بِحَالِ فَأَمَّا الْجَارِيَةُ تُشْتَرَى فإن الْبَيْعَ مُخَالِفٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَك لِلنِّكَاحِ من قِبَلِ أَنَّهُ قد يَشْتَرِي الْمَرْأَةَ قد أَرْضَعَتْهُ وَلَا يَحِلُّ له إصَابَتُهَا وَيَشْتَرِي الْجَارِيَةَ وَأُمَّهَا وَوَلَدَهَا لَا يَحِلُّ له أَنْ يَجْمَعَ بين هَؤُلَاءِ فَأُجِيزَ الْمِلْكُ بِغَيْرِ جِمَاعٍ وَأَكْثَرُ ما في مِلْكِ النِّكَاحِ الْجِمَاعُ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَنْكِحَ امْرَأَةً لَا يَحِلُّ له جِمَاعُهَا وقد يَصْلُحُ أَنْ يَشْتَرِيَ من لَا يَحِلُّ له جِمَاعُهَا - * بَابٌ في إنْكَاحِ الْوَلِيَّيْنِ - *
( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال ( أخبرنا الشَّافِعِيُّ ) قال أخبرنا إسْمَاعِيلُ بن عُلَيَّةَ عن سَعِيدِ بن أبي عَرُوبَةَ عن قَتَادَةُ عن الْحَسَنِ عن رَجُلٍ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال إذَا أَنْكَحَ الْوَلِيَّانِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ وإذا بَاعَ الْمُجِيزَانِ فَالْأَوَّلُ أَحَقُّ ( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فإذا كان لِلرَّجُلِ إمَاءٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْتِيَهُنَّ مَعًا قبل أَنْ يَغْتَسِلَ وَلَوْ أَحْدَثَ وُضُوءًا كُلَّمَا أَرَادَ إتْيَانَ وَاحِدَةٍ كان أَحَبَّ إلَيَّ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ قد رُوِيَ فيه حَدِيثٌ وَإِنْ كان مِمَّا لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ وَالْآخَرِ أَنَّهُ أَنْظَفُ وَلَيْسَ عِنْدِي بِوَاجِبٍ عليه وَأَحَبُّ إلَيَّ لو غَسَلَ فَرْجَهُ قبل إتْيَانِ التي يُرِيدُ ابْتِدَاءَ إتْيَانِهَا وَإِتْيَانُهُنَّ مَعًا وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ كَإِتْيَانِ الْوَاحِدَةِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وَإِنْ كُنَّ حَرَائِرَ فَحَلَلْنَهُ فَكَذَلِكَ وَإِنْ لم يَحْلِلْنَهُ لم أَرَ أَنْ يَأْتِيَ وَاحِدَةً في لَيْلَةِ الْأُخْرَى التي يَقْسِمُ لها فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ في هذا حَدِيثٌ قِيلَ إنَّهُ يُسْتَغْنَى فيه عن الحديث بِمَا قد يَعْرِفُ الناس وقد رُوِيَ فيه شَيْءٌ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) من أَصَابَ امْرَأَةً حُرَّةً أو أَمَةً ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلَا يَنَامَ حتى يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ بِالسُّنَّةِ - * إبَاحَةُ الطَّلَاقِ - * أخبرنا الرَّبِيعُ بن سُلَيْمَانَ قال + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } الْآيَةَ وقال { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ ما لم تَمَسُّوهُنَّ } وقال { إذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ } الْآيَةَ وقال { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ } وقال { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } مع ما ذَكَرْته من الطَّلَاقِ في غَيْرِ ما ذَكَرْت وَدَلَّتْ عليه سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من إبَاحَةِ الطَّلَاقِ فَالطَّلَاقُ مُبَاحٌ لِكُلِّ زَوْجٍ لَزِمَهُ الْفَرْضُ وَمَنْ كانت زَوْجَتُهُ لَا تُحَرَّمُ من مُحْسِنَةٍ وَلَا مُسِيئَةٍ في حَالٍ إلَّا أَنَّهُ يُنْهَى عنه لِغَيْرِ قبل الْعِدَّةِ وَإِمْسَاكُ كل زَوْجٍ مُحْسِنَةٍ أو مُسِيئَةٍ بِكُلِّ حَالٍ مُبَاحٌ إذَا أَمْسَكَهَا بِمَعْرُوفٍ وَجِمَاعُ الْمَعْرُوفِ ( 1 ) إعفاها بِتَأْدِيَةِ الْحَقِّ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَبِهَذَا نَقُولُ وَهَذَا في الْمَرْأَةِ تُوَكِّلُ رَجُلَيْنِ فَيُزَوِّجَانِهَا فَيُزَوِّجُهَا أَحَدُهُمَا وَلَا يَعْلَمُ الْآخَرُ حين زَوَّجَهَا فَنِكَاحُ الْأَوَّلِ ثَابِتٌ لِأَنَّهُ وَلِيٌّ مُوَكَّلٌ وَمَنْ نَكَحَهَا بَعْدَهُ فَقَدْ بَطَلَ نِكَاحُهُ وَهَذَا قَوْلُ عَوَامِّ الْفُقَهَاءِ لَا أَعْرِفُ بَيْنَهُمْ فيه خِلَافًا وَلَا أَدْرِي أَسَمِعَ الْحَسَنُ منه أَمْ لَا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سُفْيَانُ عن الزُّهْرِيِّ عن بن الْمُسَيِّبِ أَنَّ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه قال إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا حتى تَغْتَسِلَ من الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ في الْوَاحِدَةِ وَالِاثْنَتَيْنِ - * بَابٌ في إتْيَانِ النِّسَاءِ قبل إحْدَاثِ غُسْلٍ - *

(5/179)


- * كَيْفَ إبَاحَةُ الطَّلَاقِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَعَالَى { إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } وَقُرِئَتْ لِقِبَلِ عِدَّتِهِنَّ وَهُمَا لَا يَخْتَلِفَانِ في معنى ( ( ( المعنى ) ) )
أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ في زَمَانِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَهِيَ حَائِضٌ قال عُمَرُ فَسَأَلْتُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن ذلك فقال مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حتى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قبل أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ التي أَمَرَ اللَّهُ عز وجل أَنْ تَطْلُقَ لها النِّسَاءُ
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال أخبرني أبو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سمع عَبْدَ الرحمن بن أَيْمَنَ مولى عَزَّةَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهَ بن عُمَرَ وأبو الزُّبَيْرِ يَسْمَعُ فقال كَيْفَ تَرَى في رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا فقال بن عُمَرَ طَلَّقَ عبد اللَّهِ بن عُمَرَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فإذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أو لِيُمْسِكْ قال بن عُمَرَ قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى < يا أَيُّهَا النبي إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لقبل ( ( ( لعدتهن ) ) ) عِدَّتِهِنَّ > أو لِقِبَلِ عِدَّتِهِنَّ شَكَّ الشَّافِعِيُّ
أخبرنا مُسْلِمٌ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كان يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ أخبرنا مَالِكٌ عن عبد اللَّهِ بن دِينَارٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كان يَقْرَؤُهَا < إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِقِبَلِ عِدَّتِهِنَّ > + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَبَيَّنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل بِدَلَالَةِ سُنَّةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ في الْمَرْأَةِ الْمَدْخُولِ بها التي تَحِيضُ دُونَ من سِوَاهَا من الْمُطَلَّقَاتِ أَنْ تَطْلُقَ لِقِبَلِ عِدَّتِهَا وَذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الْعِدَّةَ على الْمَدْخُولِ بها وَأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا يَأْمُرُ بِطَلَاقٍ طَاهِرٍ من حَيْضِهَا التي يَكُونُ لها طُهْرٌ وَحَيْضٌ وَبَيَّنَ أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ على الْحَائِضِ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْمُرَاجَعَةِ من لَزِمَهُ الطَّلَاقُ فَأَمَّا من لم يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ فَهُوَ بِحَالِهِ قبل الطَّلَاقِ وقد أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِمْسَاكِ بِالْمَعْرُوفِ وَالتَّسْرِيحِ بِالْإِحْسَانِ وَنَهَى عن الضَّرَرِ وَطَلَاقُ الْحَائِضِ ضَرَرٌ عليها لِأَنَّهَا لَا زَوْجَةَ وَلَا في أَيَّامٍ تَعْتَدُّ فيها من زَوْجٍ ما كانت في الْحَيْضَةِ وَهِيَ إذَا طَلُقَتْ وَهِيَ تَحِيضُ بَعْدَ جِمَاعٍ لم تَدْرِ وَلَا زَوْجُهَا عِدَّتَهَا الْحَمْلُ أو الْحَيْضُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَا مَعًا الْعِدَّةَ لِيَرْغَبَ الزَّوْجُ وَتَقْصُرَ الْمَرْأَةُ عن الطَّلَاقِ إنْ طَلَبَتْهُ وإذا أَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عُمَرَ أَنْ يُعَلِّمَ بن عُمَرَ مَوْضِعَ الطَّلَاقِ فلم يُسَمِّ له من الطَّلَاقِ عَدَدًا فَهُوَ يُشْبِهُ أَنْ لَا يَكُونَ في عَدَدِ ما يُطَلِّقُ سُنَّةٌ إلَّا أَنَّهُ أَبَاحَ له الطَّلَاقَ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا مع دَلَائِلَ تُشْبِهُ هذا الحديث وَدَلَائِلَ الْقِيَاسِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ أَخْتَارُ لِلزَّوْجِ أَنْ لَا يُطَلِّقَ إلَّا وَاحِدَةً لِيَكُونَ له الرَّجْعَةُ في الْمَدْخُولِ بها وَيَكُونَ خَاطِبًا في غَيْرِ الْمَدْخُولِ بها وَمَتَى نَكَحَهَا بَقِيَتْ له عليها اثْنَتَانِ من الطَّلَاقِ وَلَا يُحَرَّمُ عليه أَنْ يُطَلِّقَ اثْنَتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَبَاحَ الطَّلَاقَ وما أَبَاحَ فَلَيْسَ بِمَحْظُورٍ على أَهْلِهِ وَأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بن عُمَرَ مَوْضِعَ الطَّلَاقِ وَلَوْ كان في عَدَدِ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ وَمَحْظُورٌ عَلَّمَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهُ لِأَنَّ من خَفِيَ عليه أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ طَاهِرًا كان ما يُكْرَهُ من عَدَدِ الطَّلَاقِ وَيُحَبُّ لو كان فيه مَكْرُوهٌ أَشْبَهَ أَنْ يَخْفَى عليه وَطَلَّقَ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ امْرَأَتَهُ بين يَدَيْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ثَلَاثًا قبل أَنْ يَأْمُرَهُ وَقَبْلَ أَنْ يُخْبِرَهُ أنها تَطْلُقُ عليه بِاللِّعَانِ وَلَوْ كان ذلك شيئا مَحْظُورًا عليه نَهَاهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِيُعَلِّمَهُ وَجَمَاعَةَ من حَضَرَهُ وَحَكَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا البتة يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثَلَاثًا فلم يَبْلُغْنَا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن ذلك وَطَلَّقَ رُكَانَةُ امْرَأَتَهُ البتة وَهِيَ تَحْتَمِلُ وَاحِدَةً وَتَحْتَمِلُ ثَلَاثًا فَسَأَلَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن نِيَّتِهِ وَأَحْلَفَهُ عليها ولم نَعْلَمْهُ نهى أَنْ يُطَلِّقَ البتة يُرِيدُ بها ثَلَاثًا وَطَلَّقَ عبد الرحمن بن عَوْفٍ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا - * جِمَاعُ وَجْهِ الطَّلَاقِ - *

(5/180)


- * تَفْرِيع طَلَاق السَّنَة في غَيْر الْمَدْخُول بها وَالَّتِي لَا تَحِيض - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا كان الرَّجُلُ غَائِبًا عن امْرَأَتِهِ فَأَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا لِلسُّنَّةِ كَتَبَ إلَيْهَا إذَا أَتَاك كِتَابِي هذا وقد حِضْت بَعْدَ خُرُوجِي من عِنْدِك فَإِنْ كُنْت طَاهِرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ كان عَلِمَ أنها قد حَاضَتْ قبل أَنْ يَخْرُجَ ولم يَمَسَّهَا بَعْدَ الطُّهْرِ أو عَلِمَ أنها قد حَاضَتْ وَطَهُرَتْ وهو غَائِبٌ كَتَبَ إلَيْهَا إذَا أَتَاك كِتَابِي فَإِنْ كُنْت طَاهِرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ وَإِنْ كُنْت حَائِضًا فإذا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ ( قال ) وإذا قال الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ التي تَحِيضُ وقد دخل بها أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ سَأَلَتْهُ فَإِنْ قال أَرَدْت أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ عليها لِلسُّنَّةِ أو لم يَكُنْ له نِيَّةٌ فَإِنْ كانت طَاهِرًا ولم يُجَامِعْهَا في طُهْرِهَا ذلك وَقَعَ الطَّلَاقُ عليها في حَالِهَا تِلْكَ وَإِنْ كانت طَاهِرًا قد جَامَعَهَا في ذلك الطُّهْرِ أو حَائِضًا أو نُفَسَاءَ وَقَعَ الطَّلَاقُ عليها حين تَطْهُرُ من النِّفَاسِ أو الْحَيْضِ وَوَقَعَ على الطاهر ( ( ( الطاهرة ) ) ) الْمُجَامَعَةِ حين ( ( ( حيث ) ) ) تَطْهُرُ من أَوَّلِ حَيْضَةٍ تَحِيضُهَا بَعْدَ قَوْلِهِ يَقَعُ على كل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حين تَرَى الطُّهْرَ وَقَبْلَ الْغُسْلِ وَإِنْ قال أَرَدْت أَنْ يَقَعَ حين تَكَلَّمْت وَقَعَتْ حَائِضًا كانت أو طَاهِرًا بِإِرَادَتِهِ وإذا قال الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ التي تَحِيضُ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَقَعْنَ جميعا مَعًا في وَقْتِ طَلَاقِ السُّنَّةِ إذَا كانت طَاهِرًا من غَيْرِ جِمَاعٍ وَقَعْنَ حين قَالَهُ وَإِنْ كانت نُفَسَاءَ أو حَائِضًا أو طَاهِرًا مجامعة فإذا طَهُرَتْ قبل تَجَامُعٍ وَلَوْ نَوَى أَنْ يَقَعْنَ عِنْدَ كل طُهْرٍ وَاحِدَةً وَقَعْنَ مَعًا كما وَصَفْت في الْحُكْمِ فَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَيَقَعْنَ على ما نَوَاهُ وَيَسَعُهُ رَجْعَتُهَا وَإِصَابَتُهَا بين كل تَطْلِيقَتَيْنِ ما لم تَنْقَضِ عِدَّتُهَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَتَنْقَضِي عِدَّةُ الْمَرْأَةِ بِأَنْ تَدْخُلَ في الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ من يَوْمِ وَقَعَ الطَّلَاقُ في الْحُكْمِ وَلَهَا أَنْ لَا تَنْكِحَهُ وَتَمْتَنِعَ منه وإذا قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا عِنْدَ كل قُرْءٍ لَك وَاحِدَةٌ فَإِنْ كانت طَاهِرًا مُجَامَعَةً أو غير مُجَامَعَةٍ وَقَعَتْ الْأُولَى لِأَنَّ ذلك قُرْءٌ وَلَوْ طَلُقَتْ فيه اعْتَدَّتْ بِهِ وَإِنْ كانت حَائِضًا أو نُفَسَاءَ وَقَعَتْ الْأُولَى إذَا طَهُرَتْ من النِّفَاسِ وَوَقَعَتْ الْأُخْرَى إذَا طَهُرَتْ من الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ إذَا طَهُرَتْ من الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ وَيَبْقَى عليها من عِدَّتِهَا قُرْءٌ فإذا دَخَلَتْ في الدَّمِ من الْحَيْضَةِ الرَّابِعَةِ فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا من الطَّلَاقِ كُلِّهِ ( قال ) وَلَوْ قال لها هذا الْقَوْلَ وَهِيَ طَاهِرٌ أو وَهِيَ حُبْلَى وَقَعَتْ الْأُولَى ولم تَقَعْ الثِّنْتَانِ كانت تَحِيضُ على الْحَبَلِ أو لَا تَحِيضُ حتى تَلِدَ ثُمَّ تَطْهُرَ فَيَقَعَ عليها إنْ ارْتَجَعَ فَإِنْ لم يُحْدِثْ لها رَجْعَةً فَقَدْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا وَلَا تَقَعُ الثِّنْتَانِ لِأَنَّهَا قد بَانَتْ منه وَحَلَّتْ لِغَيْرِهِ وَلَا يَقَعُ عليها طَلَاقُهُ وَلَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ له ( قال ) وَسَوَاءٌ قال طَالِقٌ وَاحِدَةً او ثِنْتَيْنِ أو ثَلَاثًا يَقَعْنَ مَعًا لِأَنَّهُ ليس في عَدَدِ الطَّلَاقِ سُنَّةٌ إلَّا أَنِّي أُحِبُّ له أَنْ لَا يُطَلِّقَ إلَّا وَاحِدَةً وَكَذَلِكَ إنْ قال أَرَدْت طَلَاقًا
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فلم يَدْخُلْ بها وَكَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ أو لَا تَحِيضُ فَلَا سُنَّةَ في طَلَاقِهَا إلَّا أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ مَتَى طَلَّقَهَا فَيُطَلِّقُهَا مَتَى شَاءَ فَإِنْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أو أَنْتِ طَالِقٌ لِلْبِدْعَةِ أو أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ طَلُقَتْ مَكَانَهَا ( قال ) وَلَوْ تَزَوَّجَ رَجُلٌ امْرَأَةً وَدَخَلَ بها وَحَمَلَتْ فقال لها أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ أو لِلْبِدْعَةِ أو بِلَا سُنَّةٍ وَلَا بِدْعَةٍ كانت مِثْلَ الْمَرْأَةِ التي لم يَدْخُلْ بها لَا تَخْتَلِفُ هِيَ وَهِيَ في شَيْءٍ مِمَّا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ عليها حين يَتَكَلَّمُ بِهِ ( قال ) وَلَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَدَخَلَ بها وَأَصَابَهَا وَكَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ من صِغَرٍ أو كِبَرٍ فقال لها أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ فَهِيَ مِثْلُ الْمَرْأَتَيْنِ قَبْلَهَا لَا يَخْتَلِفُ ذلك في وُقُوعِ الطَّلَاقِ عليها حين يَتَكَلَّمُ بِهِ لِأَنَّهُ ليس في طَلَاقِ وَاحِدَةٍ مِمَّنْ سُمِّيَتْ سُنَّةً إلَّا أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ عليها حين يَتَكَلَّمُ بِهِ بِلَا وَقْتٍ لِعِدَّةٍ لِأَنَّهُنَّ خَوَارِجُ من أَنْ يَكُنَّ مَدْخُولًا بِهِنَّ وَمِمَّنْ لَيْسَتْ عِدَدُهُنَّ الْحَيْضَ وَإِنْ نَوَى أَنْ يَقَعْنَ في وَقْتٍ لم يُدَيَّنْ في الْحُكْمِ وَدُيِّنَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل - * تَفْرِيع طَلَاق السَّنَة في الْمَدْخُول بها التي تَحِيض إذَا كان الزَّوْج غَائِبًا - *

(5/181)


لِلسُّنَّةِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ عليها إذَا طَلُقَتْ فَهِيَ طَالِقٌ مَكَانَهُ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ وَلَا نِيَّةَ له أو وهو يَنْوِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ على ظَاهِرِ قَوْلِهِ وَقَعَ الطَّلَاقُ حين تَكَلَّمَ بِهِ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ لِلسُّنَّةِ وَاحِدَةً وَأُخْرَى لِلْبِدْعَةِ فَإِنْ كانت طَاهِرًا قد جُومِعَتْ أو حَائِضًا أو نُفَسَاءَ وَقَعَتْ تَطْلِيقَةُ الْبِدْعَةِ فإذا طَهُرَتْ وَقَعَتْ تَطْلِيقَةُ السُّنَّةِ وَسَوَاءٌ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ تَطْلِيقَةً سُنِّيَّةً وَأُخْرَى بِدْعِيَّةً أو تَطْلِيقَةً لِلسُّنَّةِ وَأُخْرَى لِلْبِدْعَةِ ( قال ) وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ وَقَعَتْ عليها ثلاث ( ( ( ثلاثا ) ) ) حين تَكَلَّمَ بِهِ لِأَنَّهَا لَا تَعْدُو أَنْ تَكُونَ في حَالِ سُنَّةٍ أو حَالِ بِدْعَةٍ فَيَقَعْنَ في أَيِّ الْحَالَيْنِ كانت (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَكَذَلِكَ لو قال لها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ جَعَلْنَا الْقَوْلَ قَوْلَهُ فَإِنْ أَرَادَ ثنتين ( ( ( اثنتين ) ) ) لِلسُّنَّةِ وَوَاحِدَةً لِلْبِدْعَةِ أَوْقَعْنَا اثْنَتَيْنِ لِلسُّنَّةِ في مَوْضِعِهِمَا وَوَاحِدَةً لِلْبِدْعَةِ في مَوْضِعِهَا وَهَكَذَا لو قال لها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَلِلْبِدْعَةِ فَإِنْ قال أَرَدْت بِثَلَاثٍ لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ أَنْ يَقَعْنَ مَعًا وَقَعْنَ في أَيِّ حَالٍ كانت الْمَرْأَةُ وَهَكَذَا إنْ قال أَرَدْت أَنَّ السُّنَّةَ وَالْبِدْعَةَ في هذا سَوَاءٌ وَلَوْ قال بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ وَلَا نِيَّةَ له فَإِنْ كانت طَاهِرًا من غَيْرِ جِمَاعٍ وَقَعَتْ اثنتان ( ( ( ثنتان ) ) ) لِلسُّنَّةِ حين يَتَكَلَّمُ بِالطَّلَاقِ وَوَاحِدَةٌ لِلْبِدْعَةِ حين تَحِيضُ وَإِنْ كانت مُجَامَعَةً أو في دَمِ نِفَاسٍ أو حَيْضٍ وَقَعَتْ حين تَكَلَّمَ اثْنَتَانِ لِلْبِدْعَةِ وإذا طَهُرَتْ وَاحِدَةٌ لِلسُّنَّةِ ( قال ) وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أو أَجْمَلَ الطَّلَاقِ أو أَفْضَلَ الطَّلَاقِ أو أَكْمَلَ الطَّلَاقِ أو خَيْرَ الطَّلَاقِ أو ما أَشْبَهَ هذا من تَفْصِيلِ الْكَلَامِ سَأَلَتْهُ عن نِيَّتِهِ فَإِنْ قال لم أَنْوِ شيئا وَقَعَ الطَّلَاقُ لِلسُّنَّةِ وَكَذَلِكَ لو قال ما نَوَيْت إيقَاعَهُ في وَقْتٍ أَعْرِفُهُ وَكَذَلِكَ لو قال ما أَعْرِفُ حَسَنَ الطَّلَاقِ وَلَا قَبِيحَهُ بِصِفَةٍ غير أَنِّي نَوَيْت أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ وما قُلْت معه أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ حين تَكَلَّمْت بِهِ لَا يَكُونُ له مُدَّةٌ غَيْرُ الْوَقْتِ الذي تَكَلَّمْت بِهِ فيه فَيَقَعُ حِينَئِذٍ حين يَتَكَلَّمُ بِهِ أو يقول أَرَدْت بِأَحْسَنِهِ أَنِّي طَلَّقْت من الْغَضَبِ أو غَيْرِهِ فَيَقَعُ حين يَتَكَلَّمُ بِهِ إذَا جاء بِدَلَالَةٍ ( قال ) وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ أَقْبَحَ أو أَسْمَجَ أو أَقْذَرَ أو أَشَرَّ أو أَنْتَنَ أو آلَمَ أو أَبْغَضَ الطَّلَاقِ أو ما أَشْبَهَ هذا مِمَّا يَقْبُحُ بِهِ الطَّلَاقُ سَأَلْنَاهُ عن نِيَّتِهِ فَإِنْ قال أَرَدْت ما يُخَالِفُ السُّنَّةَ منه أو قال أَرَدْت إنْ كان فيه شَيْءٌ يُقَبِّحُ الْأَقْبَحَ وَقَعَ طَلَاقَ بِدْعَةٍ إنْ كانت طَاهِرًا مُجَامَعَةً أو حَائِضًا أو نُفَسَاءَ حين تَكَلَّمَ بِهِ وَقَعَ مَكَانَهُ وَإِنْ كانت طَاهِرًا من غَيْرِ جِمَاعٍ وَقَعَ إذَا حَاضَتْ أو نَفِسَتْ أو جُومِعَتْ وَإِنْ قال لم أَنْوِ شيئا أو خَرِسَ أو عَتِهَ قبل يَسْأَلَ وَقَعَ الطَّلَاقُ في مَوْضِعِ الْبِدْعَةِ فَإِنْ سُئِلَ فقال نَوَيْت أَقْبَحَ الطَّلَاقِ لها إذَا طَلَّقْتهَا لِرِيبَةٍ رَأَيْتهَا منها أو سُوءِ عِشْرَةٍ أو بَغْضَةً مِنِّي لها أو لِبُغْضِهَا من غَيْرِ رِيبَةٍ فَيَكُونُ ذلك يَقْبُحُ بها وَقَعَ الطَّلَاقُ حين تَكَلَّمَ بِهِ لِأَنَّهُ لم يَصِفْهُ في أَنْ يَقَعَ في وَقْتٍ فَيُوقِعَهُ فيه ( قال ) وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً حَسَنَةً قَبِيحَةً أو جَمِيلَةً فَاحِشَةً أو ما أَشْبَهَ هذا مِمَّا يَجْمَعُ الشَّيْءَ وَخِلَافَهُ كانت طَالِقًا حين تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ لِأَنَّ ما أَوْقَعَ في ذلك وَقَعَ بِإِحْدَى الصِّفَتَيْنِ وَإِنْ قال نَوَيْت أَنْ يَقَعَ في وَقْتٍ غَيْرِ هذا الْوَقْتِ لم أَقْبَلْ منه لِأَنَّ الْحُكْمَ في ظَاهِرِ قَوْلِهِ اثنتان ( ( ( ثنتان ) ) ) أَنَّ الطَّلَاقَ يَقَعُ حين تَكَلَّمَ بِهِ وَيَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ إلَّا على نِيَّتِهِ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كان الطَّلَاقُ السَّاعَةَ أو الْآنَ أو في هذا الْوَقْتِ أو في هذا الْحِينِ يَقَعُ عَلَيْك لِلسُّنَّةِ فَإِنْ كانت طَاهِرًا من غَيْرِ جِمَاعٍ وَقَعَ عليها الطَّلَاقُ وَإِنْ كانت في تِلْكَ الْحَالِ مُجَامَعَةً أو حَائِضًا أو نُفَسَاءَ لم يَقَعْ عليها الطَّلَاقُ في تِلْكَ الْحَالِ وَلَا غَيْرِهَا بهذا الطَّلَاقِ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كان الطَّلَاقُ الْآنَ أو السَّاعَةَ أو في هذا الْوَقْتِ أو في هذا الْحِينِ يَقَعُ عَلَيْك لِلْبِدْعَةِ فَإِنْ كانت مُجَامَعَةً أو حَائِضًا أو نُفَسَاءَ طَلُقَتْ وَإِنْ كانت طَاهِرًا من غَيْرِ جِمَاعٍ لم تَطْلُقْ وَلَوْ كانت الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى في هذا كُلِّهِ غير مَدْخُولٍ بها أو مَدْخُولًا بها لَا تَحِيضُ من صِغَرٍ أو كِبَرٍ أو حُبْلَى وَقَعَ هذا كُلُّهُ حين تَكَلَّمَ بِهِ وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ في الْمَدْخُولِ بها التي تَحِيضُ في جَمِيعِ الْمَسَائِلِ أَرَدْت طَلَاقًا ثَلَاثًا أو أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَحْسَنَ الطَّلَاقِ أو بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَقْبَحَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا كان ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ إنْ أَرَادَ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ لم يُرِدْ زِيَادَةً في عَدَدِ الطَّلَاق

(5/182)


كانت في هذا كُلِّهِ وَاحِدَةً وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ أَكْمَلَ الطَّلَاقِ فَهَكَذَا وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ أَكْثَرَ الطَّلَاقِ عَدَدًا أو قال أَكْثَرَ الطَّلَاقِ ولم يَزِدْ على ذلك فَهُنَّ ثَلَاثٌ وَيُدَيَّنُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ ظَاهِرَ هذا ثَلَاثٌ ( قال ) وَطَلَاقُ الْمَدْخُولِ بها حُرَّةً مُسْلِمَةً أو ذِمِّيَّةً أو أَمَةً مُسْلِمَةً سَوَاءٌ في وَقْتِ إيقَاعِهِ وَإِنْ نَوَى شيئا وَسِعَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ إلَّا في الْوَقْتِ الذي نَوَى وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ مِلْءَ مَكَّةَ فَهِيَ وَاحِدَةٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَكْثَرَ منها وَكَذَلِكَ إنْ قال مِلْءَ الدُّنْيَا أو قال مِلْءَ شَيْءٍ من الدُّنْيَا لِأَنَّهَا لَا تَمْلَأُ شيئا إلَّا بِكَلَامٍ فَالْوَاحِدَةُ وَالثَّلَاثُ سَوَاءٌ فِيمَا يُمْلَأُ بِالْكَلَامِ ( قال ) وَلَوْ وَقَّتَ فقال أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا أو إلَى سَنَةٍ أو إذَا فَعَلْت كَذَا وَكَذَا أو كان مِنْك كَذَا طَلُقَتْ في الْوَقْتِ الذي وَقَّتَ وَلَا تَطْلُقْ قَبْلَهُ وَلَوْ قال لِلْمَدْخُولِ بها التي تَحِيضُ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ أو عَتَقَ فُلَانٌ أو إذَا فَعَلَ فُلَانٌ كَذَا وَكَذَا أو إذَا فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ لم يَقَعْ ذلك إلَّا في الْوَقْتِ الذي يَكُونُ فيه ما أَوْقَعَ بِهِ الطَّلَاقَ حَائِضًا كانت أو طَاهِرًا وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ في وَقْتِ كَذَا لِلسُّنَّةِ فَإِنْ كان ذلك الْوَقْتُ وَهِيَ طَاهِرٌ من غَيْرِ جِمَاعٍ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَإِنْ كان وَهِيَ حَائِضٌ أو نُفَسَاءُ أو مُجَامَعَةٌ لم يَقَعْ إلَّا بَعْدَ طُهْرِهَا من حَيْضَةٍ قبل الْجِمَاعِ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ لَا لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْبِدْعَةِ أو لِلسُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ كانت طَالِقًا حين تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ - * طَلَاقُ التي لم يَدْخُل بها - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ على أَنَّ من طَلَّقَ زَوْجَةً له دخل بها أو لم يَدْخُلْ بها ثَلَاثًا لم تَحِلَّ له حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فإذا قال الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ التي لم يَدْخُلْ بها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَدْ حُرِّمَتْ عليه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ
أخبرنا مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عن الزُّهْرِيِّ عن مُحَمَّدِ بن عبد الرحمن بن ثَوْبَانَ عن مُحَمَّدِ بن إيَاسِ بن الْبُكَيْرِ قال طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قبل أَنْ يَدْخُلَ بها ثُمَّ بَدَا له أَنْ يَنْكِحَهَا فَجَاءَ يَسْتَفْتِي فَسَأَلَ أبو ( ( ( أبا ) ) ) هُرَيْرَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ فَقَالَا لَا نَرَى أَنْ تَنْكِحَهَا حتى تَتَزَوَّجَ زَوْجًا غَيْرَك فقال إنَّمَا كان طَلَاقِي إيَّاهَا وَاحِدَةً فقال بن عَبَّاسٍ إنَّك أَرْسَلْت من يَدِك ما كان لَك من فَضْلٍ
أخبرنا مَالِكٌ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن بُكَيْرِ بن عبد اللَّهِ بن الْأَشَجِّ عن النُّعْمَانِ بن أبي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ عن عَطَاءِ بن يَسَارٍ قال جاء رَجُلٌ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بن عمرو بن الْعَاصِ عن رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قبل أَنْ يَمَسَّهَا قال عَطَاءٌ فَقُلْت إنَّمَا طَلَاقُ الْبِكْرِ وَاحِدَةٌ فقال عبد اللَّهِ بن عَمْرٍو إنَّمَا أنت قاص ( ( ( قاض ) ) ) الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } وقال { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذلك } الْآيَةَ فَالْقُرْآنُ يَدُلُّ على أَنَّ الرَّجْعَةَ لِمَنْ طَلَّقَ وَاحِدَةً أو اثْنَتَيْنِ انما هِيَ على الْمُعْتَدَّةِ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا جَعَلَ الرَّجْعَةَ في الْعِدَّةِ وكان الزَّوْجُ لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ إذَا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ في تِلْكَ الْحَالِ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غير الْمُطَلِّقِ فَمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ولم يَدْخُلْ بها تَطْلِيقَةً أو تَطْلِيقَتَيْنِ فَلَا رَجْعَةَ له عليها وَلَا عِدَّةَ وَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ من شَاءَتْ مِمَّنْ يَحِلُّ لها نِكَاحُهُ وَسَوَاءٌ الْبِكْرُ في هذا وَالثَّيِّبُ ( قال ) وَلَوْ قال لِلْمَرْأَةِ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ أو ثَلَاثًا لِلْبِدْعَةِ أو ثَلَاثًا بَعْضُهُنَّ لِلسُّنَّةِ وَبَعْضُهُنَّ لِلْبِدْعَةِ وَقَعْنَ مَعًا حين تَكَلَّمَ بِهِ لِأَنَّهُ ليس فيها سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ وَهَكَذَا لو كانت مَدْخُولًا بها لَا تَحِيضُ من صِغَرٍ أو كِبَرٍ أو حُبْلَى وإذا أَرَادَ في الْمَدْخُولِ بها ثَلَاثًا أَنْ يَقَعْنَ في رَأْسِ كل شَهْرٍ وَاحِدَةً لَزِمَهُ في حُكْمِ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا يَقَعْنَ مَعًا وَيَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل أَنْ يُطَلِّقَهَا في رَأْسِ كل شَهْرٍ وَاحِدَةً وَيَرْتَجِعَهَا فِيمَا بين ذلك وَيُصِيبَهَا وَيَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَسَعُهَا هِيَ أَنْ تُصَدِّقَهُ وَلَا تَتْرُكَهُ وَنَفْسَهَا لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُنَّ وَقَعْنَ مَعًا وَهِيَ لَا تَعْلَمُ ذلك كما قال وقد يَكْذِبُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } وقال تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ له من بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ }

(5/183)


على قَلْبِهِ وَلَوْ قال لِلَّتِي لم يَدْخُلْ بها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ وَقَعْنَ حين تَكَلَّمَ بِهِ فَإِنْ نَوَى أَنْ يَقَعْنَ في رَأْسِ كل شَهْرٍ فَلَا يَسَعُهَا أَنْ تُصَدِّقَهُ لِأَنَّهُ لَا عِدَّةَ عليها فَتَقَعُ الثِّنْتَانِ عليها في رَأْسِ كل شَهْرٍ وَاحِدَةً وَيَسَعُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل أَنْ تَقَعَ وَاحِدَةٌ وَلَا تَقَعُ اثْنَتَانِ لِأَنَّهُمَا يَقَعَانِ وَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَلَا مُعْتَدَّةٍ وَلَوْ قال لِامْرَأَةٍ تَحِيضُ ولم يَدْخُلْ بها أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ وَاحِدَةً لِلسُّنَّةِ أو ثَلَاثًا لِلسُّنَّةِ فَدَخَلَ بها قبل أَنْ يَقْدُمَ فُلَانٌ وَقَعَتْ عليها الْوَاحِدَةُ أو الثَّلَاثُ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ وَهِيَ طَاهِرٌ من غَيْرِ جِمَاعٍ وَإِنْ قَدِمَ فُلَانٌ وَهِيَ طَاهِرٌ من أَوَّلِ حَيْضٍ طَلُقَتْ قبل يُجَامِعُ وَأَسْأَلُهُ هل أَرَادَ إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِقُدُومِ فُلَانٍ فَقَطْ فَإِنْ قال نعم أو قال أَرَدْت إيقَاعَ الطَّلَاقِ بِقُدُومِ فُلَانٍ لِلسُّنَّةِ في غَيْرِ الْمَدْخُولِ بها لَا سُنَّةَ التي دخل بها أَوْقَعْته عليه كَيْفَمَا كانت امْرَأَتُهُ لِأَنَّهَا لم يَكُنْ فيها حين حَلَفَ وَلَا حين نَوَى السُّنَّةَ في التي لم يَدْخُلْ بها وَبَنَى وَإِنِّي أُوقِعُ الطَّلَاقَ بِنِيَّتِهِ مع كَلَامِهِ وإذا قال الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ لم يَدْخُلْ بها أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَتْ عليها الْأُولَى ولم تَقَعْ عليها الثِّنْتَانِ من قِبَلِ أَنَّ الْأُولَى كَلِمَةٌ تَامَّةٌ وَقَعَ بها الطَّلَاقُ فَبَانَتْ من زَوْجِهَا بِلَا عِدَّةٍ عليها وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ على غَيْرِ زَوْجَةٍ أخبرنا محمد بن إسْمَاعِيلَ بن أبي فُدَيْكٍ عن بن أبي ذِئْبٍ عن أبي قُسَيْطٍ عن أبي بَكْرِ بن عبد الرحمن بن الحرث بن هِشَامٍ أَنَّهُ قال في رَجُلٍ قال لِامْرَأَتِهِ ولم يَدْخُلْ بها أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَنْتِ طَالِقٌ فقال أبو بَكْرٍ أَيُطَلِّقُ امْرَأَةً على ظَهْرِ الطَّرِيقِ قد بَانَتْ منه من حِينِ طَلَّقَهَا التَّطْلِيقَةَ الْأُولَى - * ما جاء في الطَّلَاقِ إلَى وَقْتٍ من الزَّمَانِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا قال لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ أو طَالِقٌ عَامَ أَوَّلٍ أو طَالِقٌ في الشَّهْرِ الْمَاضِي أو في الْجُمُعَةِ الْمَاضِيَةِ ثُمَّ مَاتَ أو خَرِسَ فَهِيَ طَالِقٌ السَّاعَةَ وَتَعْتَدُّ من سَاعَتِهَا وَقَوْلُهُ طَالِقٌ في وَقْتٍ قد مَضَى يُرِيدُ إيقَاعَهُ الْآنَ مُحَالٌ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا قال الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا فإذا طَلَعَ الْفَجْرُ من ذلك الْيَوْمِ فَهِيَ طَالِقٌ وَكَذَلِكَ إنْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ في غُرَّةِ شَهْرِ كَذَا فإذا رَأَى غُرَّةَ شَهْرِ كَذَا فَتِلْكَ غُرَّتُهُ فَإِنْ أَصَابَهَا وهو لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْفَجْرَ طَلَعَ يوم أَوْقَعَ عليها الطَّلَاقَ أو لَا يَعْلَمُ أَنَّ الْهِلَالَ رؤي ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ الْفَجْرَ طَلَعَ قبل إصَابَتِهِ إيَّاهَا أو الْهِلَالَ رؤي قَبْلِ إصَابَتِهِ إيَّاهَا إلَّا أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ إصَابَتَهُ كانت بَعْدَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ رؤي الْهِلَالُ فَقَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ قبل إصَابَتِهِ إيَّاهَا وَلَهَا عليه مَهْرُ مِثْلِهَا بِإِصَابَتِهِ إيَّاهَا بَعْدَ وُقُوعِ طَلَاقِهِ عليها ثَلَاثًا إنْ كان طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أو تَطْلِيقَةً لم يَكُنْ بَقِيَ عليها من الطَّلَاقِ إلَّا هِيَ وَإِنْ كان طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَلَهَا عليه مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَا تَكُونُ إصَابَتُهُ إيَّاهَا رَجْعَةً وَالْقَوْلُ في الْإِصَابَةِ قَوْلُ الزَّوْجِ مع يَمِينِهِ وَكَذَلِكَ هو في الْحِنْثِ إلَّا أَنْ تَقُومَ عليه بَيِّنَةٌ في الْحِنْثِ بِخِلَافِ ما قال أو بينة بِإِقْرَارِهِ بِإِصَابَةٍ تُوجِبُ عليه شيئا فَيُؤْخَذُ لها ( قال ) وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ في شَهْرِ كَذَا أو إلَى شَهْرِ كَذَا أو في غُرَّةِ هِلَالِ شَهْرِ كَذَا أو في دُخُولِ شَهْرِ كَذَا أو في اسْتِقْبَالِ شَهْرِ كَذَا كانت طَالِقًا سَاعَةَ تَغِيبُ الشَّمْسُ من اللَّيْلَةِ التي يَرَى فيها هِلَالَ ذلك الشَّهْرِ وَلَوْ رؤي هِلَالُ ذلك الشَّهْرِ بِعَشِيٍّ لم تَطْلُقْ إلَّا بِمَغِيبِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ الْهِلَالُ إلَّا من لَيْلَتِهِ لَا من نَهَارٍ يُرَى فيه لم يُرَ قبل ذلك في لَيْلَتِهِ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ إذَا دَخَلَتْ سَنَةُ كَذَا أو في مَدْخَلِ سَنَةِ كَذَا أو في سَنَةِ كَذَا أو إذَا أَتَتْ سَنَةُ كَذَا كان هذا كَالشَّهْرِ لَا يَخْتَلِفُ إذَا دَخَلَتْ السَّنَةُ التي أَوْقَعَ فيها الطَّلَاقَ وَقَعَ عليها الطَّلَاقُ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ في انْسِلَاخِ شَهْرِ كَذَا أو بِمُضِيِّ شَهْرِ كَذَا أو نَفَادِ شَهْرِ كَذَا فإذا نَفَذَ ذلك الشَّهْرُ فرؤي ( ( ( فرئي ) ) ) الْهِلَالُ من أَوَّلَ لَيْلَةٍ من الشَّهْرِ الذي يَلِيهِ فَهِيَ طَالِقٌ - * الطَّلَاقُ بِالْوَقْتِ الذي قد مَضَى - *

(5/184)


( قال الرَّبِيعُ ) وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إذَا قال لها أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ وَأَرَادَ إيقَاعَهُ السَّاعَةَ في أَمْسِ فَلَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ لِأَنَّ أَمْسِ قد مَضَى فَلَا يَقَعُ في وَقْتٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَكُلُّ فَسْخٍ كان بين الزَّوْجَيْنِ فَلَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ لَا وَاحِدَةٌ وَلَا ما بَعْدَهَا وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَبْدٌ تَحْتَهُ أَمَةٌ فَتُعْتَقُ فَتَخْتَارُ فِرَاقَهُ أو يَكُونَ عِنِّينًا فَتُخَيَّرَ فَتَخْتَارَ فِرَاقَهُ أو يَنْكِحَهَا مُحْرِمًا فَيُفْسَخَ نِكَاحُهُ أو نِكَاحُ مُتْعَةٍ وَلَا يَقَعُ بهذا نَفْسِهِ طَلَاقٌ وَلَا بَعْدَهُ لِأَنَّ هذا فَسْخٌ بِلَا طَلَاقٍ وَلَوْ قال رَجُلٌ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ أَيْنَ كُنْت فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً لم يَقَعْ عليها إلَّا هِيَ لِأَنَّهَا إذَا طَلُقَتْ وَاحِدَةً فَهِيَ طَالِقٌ أَيْنَ كانت وَهَكَذَا لو قال لها أَنْتِ طَالِقٌ حَيْثُ كُنْت وَأَنَّى كُنْت وَمِنْ أَيْنَ كُنْت وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ طَالِقًا كانت طَالِقًا وَاحِدَةً وَيُسْأَلُ عن قَوْلِهِ طَالِقًا فَإِنْ قال أَرَدْت
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَوْ سُئِلَ فقال قُلْته بِلَا نِيَّةِ شَيْءٍ أو قال قُلْته لَأَنْ يَقَعَ عليها الطَّلَاقُ في هذا الْوَقْتِ وَقَعَ عليها الطَّلَاقُ سَاعَةَ تَكَلَّمَ بِهِ وَاعْتَدَّتْ من ذلك الْوَقْتِ وَلَوْ قال قُلْته مقرى ( ( ( مقرا ) ) ) أَنِّي قد طَلَّقْتهَا في هذا الْوَقْتِ ثُمَّ أَصَبْتهَا فَلَهَا عليه مَهْرُ مِثْلِهَا وَتَعْتَدُّ من يَوْمِ أَصَابَهَا وَإِنْ لم يُصِبْهَا بَعْدَ الْوَقْتِ الذي قال لها أَنْتِ طَالِقٌ في وَقْتِ كَذَا وَصَدَّقَتْهُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا في ذلك الْوَقْتِ اعْتَدَّتْ منه من حِينِ قَالَهُ وَإِنْ قالت لَا أَدْرِي اعْتَدَّتْ من حِينِ اسْتَيْقَنَتْ وَكَانَتْ كَامْرَأَةٍ طَلُقَتْ ولم تَعْلَمْ ( قال ) وَلَوْ كانت الْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا فقال قد كُنْت طَلَّقْتهَا في هذا الْوَقْتِ فَعَنَيْت أَنَّك كُنْت طَالِقًا فيه بِطَلَاقِي إيَّاكِ أو طَلَّقَهَا زَوْجٌ في هذا الْوَقْتِ فَقُلْت أَنْتِ طَالِقٌ أَيْ مُطَلَّقَةٌ في هذا الْوَقْتِ فَإِنْ عَلِمَ أنها كانت مُطَلَّقَةً في هذا الْوَقْتِ منه أو من غَيْرِهِ بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ أو بِإِقْرَارٍ منها أُحْلِفَ ما أَرَادَ بِهِ إحْدَاثَ طَلَاقٍ وكان الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ وَطَلُقَتْ وَهَكَذَا لو قال لها أَنْتِ مُطَلَّقَةٌ في بَعْضِ هذه الْأَوْقَاتِ وَهَكَذَا إنْ قال كُنْت مُطَلَّقَةً أو يا مُطَلَّقَةُ في بَعْضِ هذه الْأَوْقَاتِ ( قال ) وإذا قال الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ وقد أَصَابَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إذَا طَلَّقْتُك أو حين طَلَّقْتُك أو مَتَى ما طَلَّقْتُك أو ما أَشْبَهَ هذا لم تَطْلُقْ حتى يُطَلِّقَهَا فإذا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً وَقَعَتْ عليها التَّطْلِيقَةُ بِابْتِدَائِهِ الطَّلَاقَ وكان وُقُوعُ الطَّلَاقِ عليها غَايَةً طَلْقِهَا إليها ( ( ( إليه ) ) ) كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ وإذا دَخَلْت الدَّارَ وما أَشْبَهَ هذا فَتَطْلُقُ الثَّانِيَةَ بِالْغَايَةِ ولم يَقَعْ عليها بَعْدَهُ طَلَاقٌ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي أو ما أَشْبَهَ هذا لم تَطْلُقْ حتى يَقَعَ عليها طَلَاقُهُ فإذا أَوْقَعَ عليها تَطْلِيقَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَقَعَتْ عليها الثَّلَاثُ الْأُولَى بِإِيقَاعِهِ لِلطَّلَاقِ وَالثَّانِيَةُ بِوُقُوعِ التَّطْلِيقَةِ الْأُولَى التي هِيَ غَايَةٌ لها وَالثَّالِثَةُ بِأَنَّ الثَّانِيَةَ غَايَةٌ لها وكان هذا كَقَوْلِهِ كُلَّمَا دَخَلْت الدَّارَ وَكُلَّمَا كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكُلَّمَا أَحْدَثَتْ شيئا مِمَّا جَعَلَهُ غَايَةً يَقَعُ عليها الطَّلَاقُ بِهِ طَلُقَتْ وَلَوْ قال إنَّمَا أَرَدْت بهذا كُلِّهِ أَنَّك إذَا طَلَّقْتُك طَالِقٌ بِطَلَاقِي لم يُدَيَّنْ في الْقَضَاءِ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ غَيْرُ ما قال وكان له فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَحْبِسَهَا وَلَا يَسَعُهَا هِيَ أَنْ تُقِيمَ معه لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ من صِدْقِهِ ما يَعْرِفُ من صِدْقِ نَفْسِهِ وَهَكَذَا إنْ طَلَّقَهَا بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ أو كَلَامٍ يُشْبِهُ الطَّلَاقَ نِيَّتُهُ فيه الطَّلَاقُ وَهَكَذَا إنْ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا أو مَلَّكَهَا فَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وَاحِدَةً لِأَنَّ كُلَّ هذا بِطَلَاقِهِ وَقَعَ عليها وَكَذَلِكَ كُلُّ طَلَاقٍ من قِبَلِ الزَّوْجِ مِثْلُ الْإِيلَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ ( قال ) وَإِنْ وَقَعَ الطَّلَاقُ الذي أَوْقَعَ لَا يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ لم يَقَعْ عليها إلَّا الطَّلَاقُ الذي أَوْقَعَ يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ لَا يَقَعُ إلَّا بِغَايَةِ الْأُولَى بَعْدَ وُقُوعِهَا فَلَا يَقَعُ طَلَاقُهُ على امْرَأَةٍ لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ إذَا وَقَعَ عَلَيْك طَلَاقِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَخَالَعَهَا فَوَقَعَتْ عليها تَطْلِيقَةُ الْخُلْعِ وَلَا يَقَعُ عليها غَيْرُهَا لِأَنَّ الطَّلَاقَ الذي أُوقِعَ بِالْخُلْعِ يَقَعُ وَهِيَ بَعْدَهُ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَلَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا ( قال الرَّبِيعُ ) إذَا قال لها أَنْتِ طَالِقٌ إذَا طَلَّقْتُك فَأَرَادَ أَنْ تَكُونَ طَالِقًا بِالطَّلَاقِ إذَا طَلَّقَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ - * الفسخ ( ( ( فسخ ) ) ) - *

(5/185)


أَنْتِ طَالِقٌ إذَا كُنْت طَالِقًا وَقَعَ اثْنَتَانِ الْأُولَى بِإِيقَاعِهِ الطَّلَاقِ وَالثَّانِيَةُ بِالْحِنْثِ وَالْأُولَى لها غَايَةٌ فَإِنْ قال أَرَدْت اثْنَتَيْنِ وَقَعَتْ اثْنَتَانِ مَعًا وَإِنْ قال أَرَدْت إفْهَامَ الْأُولَى بِالثَّانِيَةِ أُحْلِفَ وَكَانَتْ وَاحِدَةً ( قال ) وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ بَلَدَ كَذَا وَكَذَا فَقَدِمَ فُلَانٌ ذلك الْبَلَدَ طَلُقَتْ وَإِنْ لم يَقْدُمُ ذلك الْبَلَدَ وَقَدِمَ بَلَدًا غَيْرَهُ لم تَطْلُقْ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا قَدِمَ فُلَانٌ فَكُلَّمَا قَدِمَ فُلَانٌ طَلُقَتْ تَطْلِيقَةً ثُمَّ كُلَّمَا غَابَ من الْمِصْرِ وَقَدِمَ فَهِيَ طَالِقٌ أُخْرَى حتى يَأْتِيَ على جَمِيعِ الطَّلَاقِ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَقُدِمَ بِفُلَانٍ مَيِّتًا لم تَطْلُقْ لِأَنَّهُ لم يَقْدَمْ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ إذَا قَدِمَ فُلَانٌ فَقُدِمَ بِفُلَانٍ مُكْرَهًا لم تَطْلُقْ لِأَنَّ حُكْمَ ما فُعِلَ بِهِ مُكْرَهًا كما لم يَكُنْ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ مَتَى رَأَيْتِ فُلَانًا بهذا الْبَلَدِ فَرَأَتْهُ وقد قُدِمَ بِهِ مُكْرَهًا طَلُقَتْ لِأَنَّهُ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ بِرُؤْيَتِهَا نَفْسَ فُلَانٍ وَلَيْسَ في رُؤْيَتِهَا فُلَانًا إكْرَاهٌ لها يُبْطِلُ بِهِ عنها الطَّلَاقَ ( قال الرَّبِيعُ ) إذَا كان كُلُّ قُدُومِهِ وَهِيَ في الْعِدَّةِ فَأَمَّا إذَا خَرَجَتْ من الْعِدَّةِ فَغَابَ ثُمَّ قَدِمَ لم يَقَعْ عليها طَلَاقٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجَةٍ وَهِيَ كَأَجْنَبِيَّةٍ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ أو وَاحِدَةٌ بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ كانت طَالِقًا اثْنَتَيْنِ فَإِنْ قال أَرَدْت وَاحِدَةً ولم أُرِدْ بِاَلَّتِي قَبْلَهَا أو بَعْدَهَا طَلَاقًا لم يُدَيَّنْ في الْحُكْمِ وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ قال أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ فقال أَرَدْت أَنِّي كُنْت قد طَلَّقْتهَا قَبْلَهَا وَاحِدَةً أُحْلِفَ وَدِينَ في الْحُكْمِ وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ ثُمَّ سَكَتَ ثُمَّ قال أَرَدْت بَعْدَهَا وَاحِدَةً أُوقِعُهَا عَلَيْك بَعْدَ وَقْتٍ أو لَا أُوقِعُهَا عَلَيْك إلَّا بَعْدَهُ لم يُدَيَّنْ في الْحُكْمِ وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وإذا قال الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ بَدَنُك أو رَأْسُك أو فَرْجُك أو رِجْلُك أو يَدُك أو سَمَّى عُضْوًا من جَسَدِهَا أو إصْبَعَهَا أو
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَكَلَّمَتْ فُلَانًا وهو حَيٌّ طَلُقَتْ وَإِنْ كَلَّمَتْهُ حَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهَا طَلُقَتْ وَإِنْ لم يَسْمَعْهُ وَإِنْ كَلَّمَتْهُ مَيِّتًا أو نَائِمًا أو بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ كَلَامَ من كَلَّمَهُ بِمِثْلِ كَلَامِهَا لم تَطْلُقْ وَلَوْ كَلَّمَتْهُ وَهِيَ نَائِمَةٌ أو مَغْلُوبَةٌ على عَقْلِهَا لم تَطْلُقْ لِأَنَّهُ ليس بِالْكَلَامِ الذي يَعْرِفُ الناس وَلَا يَلْزَمُهَا بِهِ حُكْمٌ بِحَالٍ وَكَذَلِكَ لو أُكْرِهَتْ على كَلَامِهِ لم تَطْلُقْ وإذا قال لِامْرَأَتِهِ وقد دخل بها أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَتْ الْأُولَى وَيُسْأَلُ عَمَّا نَوَى في اللَّتَيْنِ بَعْدَهَا فَإِنْ كان أَرَادَ تَبْيِينَ الْأُولَى فَهِيَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ كان أَرَادَ إحْدَاثَ طَلَاقٍ بَعْدَ الْأُولَى فَهُوَ ما أَرَادَ وَإِنْ إراد بِالثَّالِثَةِ تَبْيِينَ الثَّانِيَةَ فَهِيَ اثْنَتَانِ وَإِنْ أَرَادَ بها طَلَاقًا ثَالِثًا فَهِيَ ثَالِثَةٌ وَإِنْ مَاتَ قبل أَنْ يُسْأَلَ فَهِيَ ثَلَاثٌ لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِهِ إنها ثَلَاثٌ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ طَالِقٌ وَقَعَتْ عليها اثْنَتَانِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ التي كانت بِالْوَاوِ لِأَنَّهَا اسْتِئْنَافُ كَلَامٍ في الظَّاهِرِ وَدِينَ في الثَّالِثَةِ فَإِنْ أَرَادَ بها طَلَاقًا فَهِيَ طَالِقٌ وَإِنْ لم يُرِدْ بها طَلَاقًا وَأَرَادَ إفْهَامَ الْأَوَّلَ أو تَكْرِيرَهُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَلَوْ قال أَرَدْت بِالثَّانِيَةِ إفْهَامَ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثَةِ إحْدَاثَ طَلَاقٍ كانت طَالِقًا ثَالِثًا في الْحُكْمِ لِأَنَّ ظَاهِرَ الثَّانِيَةِ ابْتِدَاءُ طَلَاقٍ لَا إفْهَامٌ وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَدِينُ في الْقَضَاءِ وَتَقَعُ الثَّالِثَةُ لِأَنَّهُ أَرَادَ بها ابْتِدَاءَ طَلَاقٍ لَا إفْهَامًا وَإِنْ احْتَمَلَتْهُ وَهَكَذَا إنْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَتْ اثْنَتَانِ وَدِينَ في الثَّالِثَةِ كما وَصَفْت وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ وَأَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ أَنْتِ طَالِقٌ وَقَعَتْ ثَلَاثٌ لِأَنَّ الْأُولَى ابْتِدَاءُ طَلَاقٍ وَالثَّانِيَةَ اسْتِئْنَافٌ وَكَذَلِكَ الثَّالِثَةُ لَا تَكُونُ في الظَّاهِرِ إلَّا اسْتِئْنَافًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ على سِيَاقِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ بَلْ طَالِقٌ كانت طَالِقًا اثْنَتَيْنِ وَلَوْ قال أَرَدْت إفْهَامًا أو تَكْرِيرَ الْأُولَى عليها لم يُدَيَّنْ في الْحُكْمِ لِأَنَّ بَلْ إيقَاعُ طَلَاقٍ حَادِثٍ لَا إفْهَامُ مَاضٍ غَيْرِهِ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقًا كانت وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ طَلَاقًا ثَانِيَةً لِأَنَّ طَالِقَ طَلَاقًا ابْتِدَاءً صِفَةُ طَلَاقٍ كَقَوْلِهِ طَلَاقًا حَسَنًا أو طَلَاقًا قَبِيحًا - * الطَّلَاقُ بِالْحِسَابِ - *

(5/186)


طَرَفًا ما كان منها طَالِقٌ فَهِيَ طَالِقٌ وَلَوْ قال لها بَعْضُك طَالِقٌ أو جُزْءٌ مِنْك طَالِقٌ أو سَمَّى جُزْءًا من أَلْفِ جُزْءٍ طَالِقًا كانت طَالِقًا وَالطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ وإذا قال لها أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ أو ثُلُثَ أو رُبُعَ تَطْلِيقَةٍ أو جزء ( ( ( جزءا ) ) ) من أَلْفِ جُزْءٍ كانت طَالِقًا وَالطَّلَاقُ لَا يَتَبَعَّضُ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ نصفي ( ( ( نصف ) ) ) تَطْلِيقَةٍ كانت طَالِقًا وَاحِدَةً إلَّا أَنْ يُرِيدَ اثْنَتَيْنِ أو يَقُولَ أَرَدْت أَنْ يَقَعَ نِصْفٌ بِحُكْمِهِ ما كان وَنِصْفٌ مُسْتَأْنَفٌ بِحُكْمِهِ ما كان فَتَطْلُقُ اثْنَتَيْنِ وَكَذَلِكَ لو قال لها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثَةَ أَثْلَاثِ تَطْلِيقَةٍ أو أَرْبَعَةَ أَرْبَاعِ تَطْلِيقَةٍ كان كُلُّ وَاحِدٍ من هَؤُلَاءِ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ كُلَّ تَطْلِيقَةٍ تَجْمَعُ نِصْفَيْنِ أو ثَلَاثَةَ أَثْلَاثٍ أو أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهِ أَكْثَرَ فَيَقَعَ بِالنِّيَّةِ مع اللَّفْظِ وَهَكَذَا لو قال لها أَنْتِ طَالِقٌ نِصْفَ وَثُلُثَ وَسُدُسَ تَطْلِيقَةٍ أو نِصْفَ وَرُبُعَ وَسُدُسَ تَطْلِيقَةٍ وَلَوْ نَظَرَ رَجُلٌ إلَى امْرَأَةٍ له وأمرأة مَعَهَا لَيْسَتْ له بِامْرَأَةٍ فقال إحْدَاكُمَا طَالِقٌ كان الْقَوْلُ قَوْلَهُ فَإِنْ اراد امْرَأَتَهُ فَهِيَ طَالِقٌ وَإِنْ أَرَادَ الْأَجْنَبِيَّةَ لم تَطْلُقْ امْرَأَتُهُ وَإِنْ قال أَرَدْت الْأَجْنَبِيَّةَ أُحْلِفَ وَكَانَتْ امْرَأَتُهُ بِحَالِهَا لم يَقَعْ عليها طَلَاقٌ وَلَوْ قال لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً في ثِنْتَيْنِ كانت طَالِقًا وَاحِدَةً وَسُئِلَ عن قَوْلِهِ في اثْنَتَيْنِ فَإِنْ قال ما نَوَيْت شيئا لم تَكُنْ طَالِقًا إلَّا وَاحِدَةً لِأَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تَكُونُ دَاخِلَةً في اثْنَتَيْنِ بِالْحِسَابِ فَهُوَ ما أَرَادَ فَهِيَ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ قال أَرَدْت وَاحِدَةً في اثْنَتَيْنِ مَقْرُونَةً بِثِنْتَيْنِ كانت طَالِقًا ثَلَاثًا في الْحُكْمِ ( قال ) وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَوَاحِدَةً كانت طَالِقًا اثْنَتَيْنِ وَلَوْ قال وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ بَاقِيَةٌ لي عَلَيْك كانت طَالِقًا وَاحِدَةً وَكَذَلِكَ لو قال وَاحِدَةً وَوَاحِدَةٌ بَاقِيَةٌ لي عَلَيْك وَوَاحِدَةٌ لَا أُوقِعُهَا عَلَيْك إلَّا وَاحِدَةً وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا يَقَعُ عَلَيْك إلَّا وَاحِدَةٌ تَقَعُ عَلَيْك وَقَعَتْ عليها وَاحِدَةٌ حين تَكَلَّمَ بِالطَّلَاقِ وإذا كان لِرَجُلٍ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فقال قد أَوْقَعْت بَيْنَكُنَّ تَطْلِيقَةً كانت كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَالِقًا وَاحِدَةً وَكَذَلِكَ لو قال اثْنَتَيْنِ أو ثَلَاثًا أو أَرْبَعًا إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ من الطَّلَاقِ تُقْسَمُ بَيْنَهُنَّ فَتَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَالِقًا ما سَمَّى من جَمَاعَتِهِنَّ وَاحِدَةً او ثِنْتَيْنِ أو ثَلَاثًا أو أَرْبَعًا فَإِنْ قال قد أَوْقَعْتُ بَيْنَكُنَّ خَمْسَ تَطْلِيقَاتٍ فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَكَذَلِكَ ما زَادَ إلَى أَنْ يَبْلُغَ ثَمَانِ تَطْلِيقَاتٍ فَإِنْ زَادَ على الثَّمَانِ شيئا من الطَّلَاقِ كُنَّ طَوَالِقَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَإِنْ قال أَرَدْت أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا أو أَرْبَعًا أو خَمْسًا لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ كانت التي أَرَادَ طَالِقًا ثَلَاثًا ولم يُدَيَّنْ في الْأُخَرِ مَعَهَا في الْحُكْمِ وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وكان من بَقِيَ طَالِقًا اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَلَوْ كان قال بَيْنَكُنَّ خَمْسُ تَطْلِيقَاتٍ لِبَعْضِكُنَّ فيها أَكْثَرُ مِمَّا لِبَعْضٍ كان الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَأَقَلُّ ما تَطْلُقُ عليه مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ في الْحُكْمِ ثُمَّ يُوقَفُ حتى يُوقِعَ على من أَرَادَ بِالْفَضْلِ مِنْهُنَّ الْفَضْلَ وَلَا يَكُونَ له أَنْ يُحْدِثَ إيقَاعًا لم يَكُنْ أَرَادَهُ في أَصْلِ الطَّلَاقِ فَإِنْ لم يَكُنْ نَوَى بِالْفَضْلِ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَشَاءَ أَنْ تَكُونَ التَّطْلِيقَةُ الْفَضْلُ بَيْنَهُنَّ أَرْبَاعًا فَكُنَّ جميعا تَطْلِيقَتَيْنِ وَيَكُونُ أَحَقَّ بِالرَّجْعَةِ كان ذلك له * وإذا قال الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً وَإِنْ قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا وَاحِدَةً فَهِيَ طَالِقٌ اثْنَتَيْنِ وَإِنْ قال أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا ثَلَاثًا كانت طَالِقًا ثَلَاثًا إنَّمَا يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ جَائِزًا إذَا بَقِيَ مِمَّا سمي شَيْءٌ يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا أَوْقَعَ فَأَمَّا إذَا لم يَبْقَ مِمَّا سَمَّى شيئا مِمَّا اسْتَثْنَى فَلَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ وَالِاسْتِثْنَاءُ حِينَئِذٍ مُحَالٌ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ ثُمَّ طَالِقٌ وَطَالِقٌ إلَّا وَاحِدَةً كانت طَالِقًا ثَلَاثًا لِأَنَّهُ قد أَوْقَعَ كُلَّ تَطْلِيقَةٍ وَحْدَهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ وَاحِدَةً من وَاحِدَةٍ كما لو قال لِغُلَامَيْنِ له مُبَارَكٌ حُرٌّ وَسَالِمٌ حُرٌّ إلَّا سالم ( ( ( سالما ) ) ) لم يَجُزْ الِاسْتِثْنَاءُ وَوَقَعَ الْعِتْقُ عَلَيْهِمَا مَعًا كما لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ سَالِمٌ حُرٌّ إلَّا سالم ( ( ( سالما ) ) ) لَا يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا فَرَّقَ الْكَلَامَ وَيَجُوزُ إذَا جَمَعَهُ ثُمَّ بَقِيَ شَيْءٌ يَقَعُ بِهِ بَعْضُ ما أَوْقَعَ وإذا طَلَّقَ وَاحِدَةً وَاسْتَثْنَى نِصْفَهَا فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً لِأَنَّ ما بَقِيَ من الطَّلَاقِ يَكُونُ تَطْلِيقَةً تَامَّةً لو ابْتَدَأَهُ وإذا قال لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ لم تَطْلُقْ وَالِاسْتِثْنَاءُ في الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالنَّذْرِ كَهُوَ في الْأَيْمَانِ لَا يُخَالِفُهَا وَلَوْ قال أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ فُلَانٌ لم تَطْلُقْ حتى يَشَاءَ فُلَانٌ وَإِنْ مَاتَ فُلَانٌ قبل أَنْ يَشَاءَ أو خَرِسَ أو غَابَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ بِحَالِهَا فَإِنْ قالت قد شَاءَ فُلَانٌ وقال الزَّوْجُ لم يَشَأْ فُلَانٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ مع يَمِينِهِ وَلَوْ شَاءَ فُلَانٌ وهو مَعْتُوهٌ أو مَغْلُوبٌ
____________________

(5/187)


على عَقْلِهِ من غير سُكْرٍ لم تَكُنْ طَالِقًا وَلَوْ شَاءَ وهو سَكْرَانُ كانت طَالِقًا لِأَنَّ كَلَامَهُ سَكْرَانَ كَلَامٌ يَقَعُ بِهِ الْحُكْمُ وإذا قال لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَائِنًا فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ وَلَا يَكُونُ الْبَائِنُ بَائِنًا مِمَّا ابْتَدَأَ من الطَّلَاقِ إلَّا ما أُخِذَ عليه جُعْلًا كما لو قال لعبده ( ( ( لعبد ) ) ) أنت حُرٌّ وَلَا وَلَاءَ لي عَلَيْك كان حُرًّا وَلَهُ وَلَاؤُهُ لِأَنَّ قَضَاءَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ وَقَضَاءَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّ الْمُطَلِّقَ وَاحِدَةً وَاثْنَتَيْنِ يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ في الْعِدَّةِ فَلَا يَبْطُلُ ما جَعَلَ اللَّهُ عز وجل وَرَسُولُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِامْرِئٍ بِقَوْلِ نَفْسِهِ وَإِنْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً غَلِيظَةً أوواحدة أَغْلَظَ أو أَشَدَّ أو أَفْظَعَ أو أَعْظَمَ أو أَطْوَلَ أو أَكْبَرَ فَهِيَ طَالِقٌ وَاحِدَةً لَا أَكْثَرَ منها وَيَكُونُ الزَّوْجُ في كُلِّهَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِمَا وَصَفْت وإذا قال لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا تَقَعُ في كل يَوْمٍ وَاحِدَةٌ كان كما قال وَلَوْ وَقَعَتْ عليها وَاحِدَةٌ في أَوَّلِ يَوْمٍ فَإِنْ أَلْقَتْ حَمْلًا فَبَانَتْ منه ثُمَّ جاء الْغَدُ وَلَا عِدَّةَ عليها منه لم تَقَعْ الثَّانِيَةُ وَلَا الثَّالِثَةُ فَإِنْ قال أَنْتِ طَالِقٌ في كل شَهْرٍ فَوَقَعَتْ الْأُولَى في أَوَّلِ شَهْرٍ وَوَقَعَتْ الْآخِرَتَانِ وَاحِدَةٌ في كل شَهْرٍ قبل مُضِيِّ الْعِدَّةِ وَقَعَتْ الثَّلَاثُ وَلَوْ مَضَتْ الْعِدَّةُ فَوَقَعَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ بَعْدَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ لم يَلْزَمْهَا لِأَنَّهُ وَقَعَ وَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا كُلُّ سَنَةٍ وَاحِدَةٌ فَوَقَعَتْ الْأُولَى فلم تَنْقَضِ عِدَّتُهَا منها حتى رَاجَعَهَا فَجَاءَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ زَوْجَةٌ وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ فَإِنْ رَاجَعَهَا في الْعِدَّةِ وَجَاءَتْ السَّنَةُ الثَّالِثَةُ وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ وَكَذَلِكَ لو لم يُرَاجِعْهَا في الْعِدَّةِ وَلَكِنْ نَكَحَهَا بَعْدَ مُضِيِّ الْعِدَّةِ فَجَاءَتْ السَّنَةُ وَهِيَ عِنْدَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَوْ وَقَعَتْ الْأُولَى ثُمَّ جَاءَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ وَلَا في عِدَّةٍ منه لم تَقَعْ الثَّانِيَةُ وَلَوْ نَكَحَهَا بَعْدَهُ وَجَاءَتْ السَّنَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ عِنْدَهُ وَقَعَتْ الثَّانِيَةُ وَإِنْ نَكَحَهَا بَعْدَهُ وَجَاءَتْ السَّنَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ عِنْدَهُ وَقَعَتْ الثَّالِثَةُ لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ وَلَوْ خَالَعَهَا فَكَانَتْ في عِدَّةٍ منه وَجَاءَتْ سَنَةٌ وَهِيَ في عِدَّةٍ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا لم يَقَعْ عليها الطَّلَاقُ في عِدَّةٍ لَا يَمْلِكُ رَجْعَتَهَا فيها وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا مَضَتْ سَنَةٌ فَخَالَعَهَا ثُمَّ مَضَتْ السَّنَةُ الْأُولَى وَلَيْسَتْ له بِزَوْجَةٍ كانت في عِدَّةٍ منه أو في غَيْرِ عِدَّةٍ لم يَلْزَمْهُ الطَّلَاقُ لِأَنَّ وَقْتَ الطَّلَاقِ وَقَعَ وَلَيْسَتْ له بِزَوْجَةٍ فَإِنْ نَكَحَهَا نِكَاحًا جَدِيدًا فَكُلَّمَا مَضَتْ سَنَةٌ من يَوْمِ نُكِحَتْ وَقَعَتْ تَطْلِيقَةٌ حتى يَنْقَضِيَ طَلَاقُ الْمِلْكِ كُلِّهِ ( قال الرَّبِيعُ ) وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ إذَا خَالَعَهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لم يَقَعْ عليها الطَّلَاقُ بِمَجِيءِ السَّنَةِ لِأَنَّ هذا غَيْرُ النِّكَاحِ الْأَوَّلِ (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ في كل شَهْرٍ واحدة وَاحِدَةٌ أو في مُضِيِّ كل شَهْرٍ وَاحِدَةٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا قبل أَنْ يَقَعَ مِنْهُنَّ شَيْءٌ أو بَعْدَ ما وَقَعَ بَعْضُهُنَّ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَأَصَابَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا فَمَرَّتْ تِلْكَ الشُّهُورُ لم يَلْزَمْهَا من الطَّلَاقِ شَيْءٌ لِأَنَّ طَلَاقَ ذلك الْمِلْكِ مَضَى عليه كُلَّهُ وَحُرِّمَتْ عليه فَلَا تَحِلُّ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَكَانَتْ كَمَنْ لم تُنْكَحْ قَطُّ في أَنْ لَا يَقَعَ عليها طَلَاقٌ عَقَدَهُ في الْمِلْكِ الذي بَعْدَ الزَّوْجِ وَلَوْ كان طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أو اثْنَتَيْنِ فَبَقِيَ من طَلَاقِ ذلك الْمِلْكِ شَيْءٌ ثُمَّ مَرَّتْ لها مُدَّةٌ أَوْقَعَ عليها فيها الطَّلَاقَ وهو يَمْلِكُهَا وَقَعَ وَهَكَذَا لو قال كُلَّمَا دَخَلْت هذه الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَكُلَّمَا دَخَلَتْهَا وَهِيَ زَوْجَةٌ له أو في عِدَّةٍ من الطَّلَاقِ يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ فَهِيَ طَالِقٌ وَكُلَّمَا دَخَلَتْهَا وَهِيَ غَيْرُ زَوْجَةٍ له أو في عِدَّةٍ من فُرْقَةٍ لَا يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ فَهِيَ غَيْرُ طَالِقٍ فإذا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَحُرِّمَتْ عليه حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ثُمَّ نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ فَأَصَابَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ دخل بها لم يَقَعْ عليها الطَّلَاقُ بِكَلَامٍ مُتَقَدِّمٍ في مِلْكِ نِكَاحٍ قد حُرِّمَ حتى كان بَعْدَهُ زَوْجًا أَحَلَّ اسْتِئْنَافَ النِّكَاحِ وإذا هَدَمَ نِكَاحُ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ حتى صَارَتْ كَمَنْ ابْتَدَأَ نِكَاحَهُ مِمَّنْ لم تَنْكِحْهُ قَطُّ هَدَمَ الْيَمِينَ التي يَقَعُ بها الطَّلَاقُ لِأَنَّهَا أَضْعَفُ من الطَّلَاقِ وَهَكَذَا لو قال أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّمَا حِضْت وَغَيْرَ ذلك مِمَّا يَقَعُ الطَّلَاقُ فيه في وَقْتٍ فَعَلَى هذا الْبَابِ كُلِّهِ وَقِيَاسِهِ وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ كُلَّ سَنَةٍ ثَلَاثًا فَطَلُقَتْ ثَلَاثًا في أَوَّلِ سَنَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَتْ زَوْجًا أَصَابَهَا ثُمَّ نَكَحَهَا زوجها نِكَاحًا جَدِيدًا لم يَقَعْ عليها فِيمَا يَمْضِي من السِّنِينَ بَعْدُ شَيْءٌ لِأَنَّ طَلَاقَ الْمِلْكِ الذي عُقِدَ فيه الطَّلَاقُ بِوَقْتٍ قد مَضَ

(5/188)


وَلَوْ قال لها أَنْتِ طَالِقٌ في كل سَنَةٍ تَطْلِيقَةً فَوَقَعَتْ عليها وَاحِدَةٌ أو اثْنَتَانِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ ثُمَّ دخل بها ثُمَّ طَلَّقَهَا أو مَاتَ عنها فَنَكَحَهَا الْأَوَّلُ ثُمَّ مَضَتْ سَنَةٌ وَقَعَتْ عليها تَطْلِيقَةٌ حتى تَعُدَّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَهْدِمُ الثَّلَاثَ وَلَا يَهْدِمُ الْوَاحِدَةَ وَلَا الثِّنْتَيْنِ - * الْخُلْعُ وَالنُّشُوزُ - *
( أخبرنا الرَّبِيعُ بن سُلَيْمَانَ ) قال أخبرنا محمد بن إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قال قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ من بَعْلِهَا نُشُوزًا أو إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ }
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن الزُّهْرِيِّ عن سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ أَنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بن مَسْلَمَةَ كانت عِنْدَ رَافِعِ بن خَدِيجٍ فَكَرِهَ منها أَمْرًا إمَّا كِبْرًا أو غَيْرَهُ فَأَرَادَ طَلَاقَهَا فقالت لَا تُطَلِّقْنِي وأمسكني وَاقْسِمْ لي ما بَدَا لَك فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ من بَعْلِهَا نُشُوزًا أو إعْرَاضًا } الْآيَةَ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ على مِثْلِ مَعَانِي الْأَحَادِيثِ بان بَيَّنَّا فيه إذَا خَافَتْ الْمَرْأَةُ نُشُوزَ بَعْلِهَا أَنْ لَا بَأْسَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصَالَحَا وَنُشُوزُ الْبَعْلِ عنها بِكَرَاهِيَتِهِ لها فَأَبَاحَ اللَّهُ تَعَالَى له حَبْسَهَا على الْكُرْهِ لها فَلَهَا وَلَهُ أَنْ يُصَالِحَا وفي ذلك دَلِيلٌ على أَنَّ صُلْحَهَا إيَّاهُ بِتَرْكِ بَعْضِ حَقِّهَا له وقد قال اللَّهُ عز وجل { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } إلَى { خَيْرًا كَثِيرًا } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ حَبْسُ الْمَرْأَةِ على تَرْكِ بَعْضِ الْقِسْمِ لها أو كُلِّهِ ما طَابَتْ بِهِ نَفْسًا فإذا رَجَعَتْ فيه لم يَحِلَّ له إلَّا الْعَدْلُ لها أو فِرَاقُهَا لِأَنَّهَا إنَّمَا تَهَبُ في الْمُسْتَأْنَفِ ما لم يَجِبْ لها فما أَقَامَتْ على هِبَتِهِ حَلَّ وإذا رَجَعَتْ في هِبَتِهِ حَلَّ ما مَضَى بِالْهِبَةِ ولم يَحِلَّ ما يَسْتَقْبِلُ إلَّا بِتَجْدِيدِ الْهِبَةِ له ( قال ) وإذا وَهَبَتْ له ذلك فَأَقَامَ عِنْدَ امْرَأَةٍ له أَيَّامًا ثُمَّ رَجَعَتْ اسْتَأْنَفَ الْعَدْلَ عليها وَحَلَّ له ما مَضَى قبل رُجُوعِهَا ( قال ) فَإِنْ رَجَعَتْ وَلَا يَعْلَمُ بِالرُّجُوعِ فَأَقَامَ على ما حَلَّلَتْهُ منه ثُمَّ عَلِمَ أَنْ قد رَجَعَتْ اسْتَأْنَفَ الْعَدْلَ من يَوْمِ عَلِمَ وَلَا بَأْسَ عليه فِيمَا مَضَى وَإِنْ قال لَا أُفَارِقُهَا وَلَا أَعْدِلُ لها أُجْبِرَ على الْقَسْمِ لها وَلَا يُجْبَرُ على فِرَاقِهَا ( قال ) وَلَا يُجْبَرُ على أَنْ يَقْسِمَ لها الْإِصَابَةَ وَيَنْبَغِي له أَنْ يَتَحَرَّى لها الْعَدْلَ فيها ( قال ) وَهَكَذَا لو كانت مُنْفَرِدَةً بِهِ أو مع أَمَةٍ له يَطَؤُهَا أُمِرَ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْ لَا يضر بها في الْجِمَاعِ ولم يُفْرَضْ عليه منه شَيْءٌ بِعَيْنِهِ إنَّمَا يُفْرَضُ عليه ما لَا صَلَاحَ لها إلَّا بِهِ من نَفَقَةٍ وَسُكْنَى وَكِسْوَةٍ وَأَنْ يَأْوِيَ إلَيْهَا فَأَمَّا الْجِمَاعُ فَمَوْضِعُ تَلَذُّذٍ وَلَا يُجْبَرُ أَحَدٌ عليه ( قال ) وَلَوْ أَعْطَاهَا مَالًا على أَنْ تُحَلِّلَهُ من يَوْمِهَا وَلَيْلَتِهَا فَقَبِلَتْهُ فَالْعَطِيَّةُ مَرْدُودَةٌ عليه غَيْرُ جَائِزَةٍ لها وكان عليه أَنْ يَعْدِلَ لها فَيُوَفِّيَهَا ما تَرَكَ من الْقَسْمِ لها لِأَنَّ ما أَعْطَاهَا عليه لَا عَيْنَ مَمْلُوكَةً وَلَا مَنْفَعَةً ( قال ) وَلَوْ حَلَّلَتْهُ فَوَهَبَ لها شيئا على غَيْرِ شَرْطٍ كانت الْهِبَةُ لها جَائِزَةً ولم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيها إذَا قَبَضَتْهَا وَإِنْ رَجَعَتْ هِيَ في تَحْلِيلِهِ فِيمَا مَضَى لم يَكُنْ لها وَإِنْ رَجَعَتْ في تَحْلِيلِهِ فِيمَا لم يَمْضِ كان لها وَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ لِأَنَّهَا لم تَمْلِكْ ما لم يَمْضِ فَيَجُوزُ تَحْلِيلُهَا له فِيمَا مَلَكَتْ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وقد رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هَمَّ بِطَلَاقِ بَعْضِ نِسَائِهِ فقالت لَا تُطَلِّقْنِي وَدَعْنِي يَحْشُرُنِي اللَّهُ تَعَالَى في نِسَائِك وقد وَهَبْت يَوْمِي وَلَيْلَتِي لِأُخْتِي عَائِشَةَ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه أَنَّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تُوُفِّيَ عن تِسْعِ نِسْوَةٍ وكان يَقْسِمُ لِثَمَانٍ

(5/189)


- * جِمَاعُ الْقَسْمِ لِلنِّسَاءِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) سَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يقول قَوْلًا مَعْنَاهُ ما أَصِفُ { ولن ( ( ( لن ) ) ) تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا } إنَّمَا ذلك في الْقُلُوبِ { فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ } لَا تُتْبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ أَفْعَالَكُمْ فَيَصِيرُ الْمَيْلُ بالفعل الذي ليس لَكُمْ فَتَذَرُوهَا وما أَشْبَهَ ما قالوا عِنْدِي بِمَا قالوا لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل تَجَاوَزَ عَمَّا في الْقُلُوبِ وَكَتَبَ على الناس الْأَفْعَالَ وَالْأَقَاوِيلَ فإذا مَالَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَذَلِكَ كُلُّ الْمَيْلِ قال اللَّهُ عز وجل { قد عَلِمْنَا ما فَرَضْنَا عليهم في أَزْوَاجِهِمْ وما مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } وقال في النِّسَاءِ { وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وقال { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَسَنَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْقَسْمَ بين النِّسَاءِ فِيمَا وَصَفْت من قَسْمِهِ لِأَزْوَاجِهِ في الْحَضَرِ وَإِحْلَالِ سَوْدَةَ له يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) ولم أَعْلَمْ مُخَالِفًا في أَنَّ على الْمَرْءِ أَنْ يَقْسِمَ لِنِسَائِهِ فَيَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ وقد بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ ثُمَّ يقول اللَّهُمَّ هذا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِمَا لَا أَمْلِكُ يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَلْبَهُ وقد بَلَغَنَا أَنَّهُ كان يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا في مَرَضِهِ على نِسَائِهِ حتى حللته ( ( ( مللنه ) ) ) - * تفريع القسم والعدل بينهن - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) عِمَادُ الْقَسْمِ اللَّيْلُ لِأَنَّهُ سَكَنٌ قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فيه } وقال { خلق ( ( ( جعل ) ) ) لَكُمْ من أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فإذا كان عِنْدَ الرَّجُلِ أَزْوَاجٌ حَرَائِرُ مُسْلِمَاتٌ أو كِتَابِيَّاتٌ أو مُسْلِمَاتٌ وَكِتَابِيَّاتٌ فَهُنَّ في الْقَسْمِ سَوَاءٌ وَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَيْلَةً + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا كان فِيهِنَّ أَمَةٌ قَسَمَ لِلْحُرَّةِ لَيْلَتَيْنِ وَلِلْأَمَةِ لَيْلَةً ( قال ) وَلَا يَكُونُ له أَنْ يَدْخُلَ في اللَّيْلِ على التي لم يَقْسِمْ لها لِأَنَّ اللَّيْلَ هو الْقَسْمُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهُ في النَّهَارِ لِلْحَاجَةِ لَا لِيَأْوِيَ فإذا أَرَادَ أَنْ يَأْوِيَ إلَى مَنْزِلِهِ أَوَى إلَى مَنْزِلِ التي يَقْسِمُ لها وَلَا يُجَامِعُ امْرَأَةً في غَيْرِ يَوْمِهَا فَإِنْ فَعَلَ فَلَا كَفَّارَةَ عليه ( قال ) وَإِنْ مَرِضَتْ إحْدَى نِسَائِهِ عَادَهَا في النَّهَارِ ولم يُعِدْهَا في اللَّيْلِ وَإِنْ مَاتَتْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حتى يُوَارِيَهَا ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى التي لها الْقَسْمُ وَإِنْ ثَقُلَتْ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا حتى تَخِفَّ أو تَمُوتَ ثُمَّ يُوَفِّيَ من بَقِيَ من نِسَائِهِ مِثْلَ ما أَقَامَ عِنْدَهَا ( قال ) وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَقْسِمَ لَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا كان ذلك له وَأَكْرَهُ مُجَاوَزَةَ الثَّلَاثِ من الْعَدَدِ من غَيْرِ أَنْ أُحَرِّمَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قد يَمُوتُ قبل أَنْ يَعْدِلَ لِلثَّانِيَةِ وَيَمْرَضَ وَإِنْ كان هذا قد يَكُونُ فِيمَا دُونَ الثَّلَاثِ ( قال ) وإذا قَسَمَ لِامْرَأَةٍ ثُمَّ غَابَ ثُمَّ قَدِمَ ابْتَدَأَ الْقَسْمَ لِلَّتِي تَلِيهَا في الْقَسْمِ وَهَكَذَا إنْ كان حَاضِرًا فَشُغِلَ عن الْمَبِيتِ عِنْدَهَا ابْتَدَأَ الْقَسْمَ كما يَبْتَدِئُهُ الْقَادِمُ من الْغَيْبَةِ فَيَبْدَأُ بِالْقَسْمِ لِلَّتِي كانت لَيْلَتُهَا ( قال ) وَإِنْ كان عِنْدَهَا بَعْضُ اللَّيْلِ ثُمَّ غَابَ ثُمَّ قَدِمَ ابْتَدَأَ فَأَوْفَاهَا قَدْرَ ما بَقِيَ من اللَّيْلِ ثُمَّ كان عِنْدَ التي تَلِيهَا في آخِرِ اللَّيْلِ حتى يَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ في الْقَسْمِ ( قال ) وَإِنْ كان عِنْدَهَا مَرِيضًا أو مُتَدَاوِيًا أو هِيَ مَرِيضَةً أو حائض ( ( ( حائضا ) ) ) أو نُفَسَاءَ فَذَلِكَ قَسْمٌ يَحْسِبُهُ عليها وَكَذَلِكَ لو كان عِنْدَهَا صَحِيحًا فَتَرَكَ جِمَاعَهَا حَسِبَ ذلك من الْقَسْمِ عليها إنَّمَا الْقَسْمُ على الْمَبِيتِ كَيْفَ كان الْمَبِيتُ ( قال ) وَلَوْ كان مَحْبُوسًا في مَوْضِعٍ يَصِلْنَ إلَيْهِ فيه عَدَلَ بَيْنَهُنَّ كما يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ لو كان خَارِجًا ( قال ) وَالْمَرِيضُ وَالصَّحِيحُ في الْقَسْمِ سَوَاءٌ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْزَمَ مَنْزِلًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ يَبْعَثَ إلَى كل وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا فَتَأْتِيَهُ كان ذلك له وَعَلَيْهِنَّ فَأَيَّتُهُنَّ امْتَنَعَتْ من إتْيَانِهِ كانت تَارِكَةً لِحَقِّهَا عَاصِيَةً ولم يَكُنْ عليه الْقَسْمُ لها ما كانت مُمْتَنِعَةً ( قال ) وَهَكَذَا لو كانت في مَنْزِلِهِ أو في مَنْزِلٍ يَسْكُنُهُ فَغَلَّقَتْهُ دُونَهُ وَامْتَنَعَتْ منه إذَا جَاءَهَا أو هَرَبَتْ أو ادَّعَتْ عليه طَلَاقًا كَاذِبَةً حَلَّ له تَرْكُهَا وَالْقَسْمُ لِغَيْرِهَا وَتَرْكُ أَنْ يُنْفِقَ عليها حتى
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بين النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ }

(5/190)


تَعُودَ إلَى أَنْ لَا تَمْتَنِعَ منه وَهَذِهِ نَاشِزٌ وقد قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ } فإذا أَذِنَ في هِجْرَتِهَا في الْمَضْجَعِ لِخَوْفِ نُشُوزِهَا كان مُبَاحًا له أَنْ يَأْتِيَ غَيْرَهَا من أَزْوَاجِهِ في تِلْكَ الْحَالِ وَفِيمَا كان مِثْلَهَا (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَكَذَا الْأَمَةُ إذَا امْتَنَعَتْ بِنَفْسِهَا أو مَنَعَهَا أَهْلُهَا منه فَلَا نَفَقَةَ وَلَا قَسْمَ لها حتى تَعُودَ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ إذَا سَافَرَ بها أَهْلُهَا بِإِذْنِهِ أو غَيْرِ إذْنِهِ فَلَا نَفَقَةَ وَلَا قَسْمَ ( قال ) وإذا سَافَرَتْ الْحُرَّةُ بِإِذْنِهِ أو بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَا قَسْمَ لها وَلَا نَفَقَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ هو الذي أَشْخَصَهَا فَلَا يَسْقُطُ عنه نَفَقَتُهَا وَلَا قَسْمُهَا وَهِيَ إذَا أَشْخَصَهَا مُخَالِفَةً لها إذَا شَخَصَ هو وَهِيَ مُقِيمَةٌ لِأَنَّ إشْخَاصَهُ إيَّاهَا كَنَقْلِهَا إلَى مَنْزِلٍ فَلَيْسَ له تَرْكُهَا فيه بِلَا نَفَقَةٍ وَلَا قَسْمٍ وَشُخُوصُهُ هو شُخُوصٌ بِنَفْسِهِ وهو الذي عليه الْقَسْمُ لَا له ( قال ) وإذا جُنَّتْ امْرَأَةٌ من نِسَائِهِ أو خَبِلَتْ فَغُلِبَتْ على عَقْلِهَا فَكَانَتْ تَمْتَنِعُ منه سَقَطَ حَقُّهَا في الْقَسْمِ فَإِنْ لم تَكُنْ تَمْتَنِعُ فَلَهَا حَقُّهَا في الْقَسْمِ وَكَذَلِكَ لو خَرِسَتْ أو مَرِضَتْ أو ارْتَتَقَتْ كان لها حَقُّهَا في الْقَسْمِ ما لم تَمْتَنِعْ منه أو يُطَلِّقُهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا يَقْسِمُ لِلرَّتْقَاءِ وَإِنْ لم يَقْدِرْ عليها كما قُلْنَا يَقْسِمُ لِلْحَائِضِ وَلَا يَحِلُّ له جِمَاعُهَا لِأَنَّ الْقَسْمَ على السَّكَنِ لَا على الْجِمَاعِ أَلَا تَرَى أَنَّا لَا نُجْبِرُهُ في الْقَسْمِ على الْجِمَاعِ وقد يَسْتَمْتِعُ منها وَتَسْتَمْتِعُ منه بِغَيْرِ جِمَاعٍ ( قال ) وإذا كان الزَّوْجُ عِنِّينًا أو خَصِيًّا أو مَجْبُوبًا أو من لَا يَقْدِرُ على النِّسَاءِ بِحَالٍ أو لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِنَّ إلَّا بِضَعْفٍ أو إعْيَاءٍ فَهُوَ وَالصَّحِيحُ الْقَوِيُّ في الْقَسْمِ سَوَاءٌ لِأَنَّ الْقَسْمَ على ما وَصَفْت من السَّكَنِ وَكَذَلِكَ هو في النَّفَقَةِ على النِّسَاءِ وما يَلْزَمُ لَهُنَّ ( قال ) وإذا تَزَوَّجَ الْمَخْبُولُ أو الصَّحِيحُ فَغُلِبَ على عَقْلِهِ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ انْبَغَى لِوَلِيِّهِ الْقَائِمِ بِأَمْرِهِ أَنْ يَطُوفَ بِهِ عَلَيْهِنَّ أو يَأْتِيَهُ بِهِنَّ حتى يَكُنَّ عِنْدَهُ وَيَكُونَ عِنْدَهُنَّ كما يَكُونَ الصَّحِيحُ الْعَقْلُ عِنْدَ نِسَائِهِ وَيَكُنَّ عِنْدَهُ وَإِنْ أَغْفَلَ ذلك فَبِئْسَ ما صَنَعَ وَإِنْ عَمَدَ أَنْ يجور ( ( ( يجوز ) ) ) بِهِ أَثِمَ هو وَلَا مَأْثَمَ على مَغْلُوبٍ على عَقْلِهِ ( قال ) وَلَوْ كان رَجُلٌ يُجَنُّ وَيُفِيقُ وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ فَعُزِلَ في يَوْمِ جُنُونِهِ عن نِسَائِهِ جَعَلَ يوم جُنُونِهِ كَيَوْمٍ من غَيْبَتِهِ وَاسْتَأْنَفَ الْقَسْمَ بَيْنَهُنَّ وَإِنْ لم يَفْعَلْ فَكَانَ في يَوْمِ جُنُونِهِ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حُسِبَ كما إذَا كان مَرِيضًا فَقَسَمَ لها وَقَسَمَ لِلْأُخْرَى يَوْمَهَا وهو صَحِيحٌ ( قال ) وَلَوْ قَسَمَ لها صَحِيحًا فَجُنَّ في بَعْضِ اللَّيْلِ وكان عِنْدَهَا كانت قد اسْتَوْفَتْ وَإِنْ خَرَجَ من عِنْدِهَا أَوْفَى لها ما بَقِيَ من اللَّيْلِ ( قال ) وَإِنْ جُنَّتْ هِيَ أو خَرَجَتْ في بَعْضِ اللَّيْلِ كان له أَنْ يَكُونَ عِنْدَ غَيْرِهَا وَلَا يُوَفِّيَهَا شيئا من قَسْمِهَا ما كانت مُمْتَنِعَةً منه وَيَقْسِمَ لِنِسَائِهِ الْبَوَاقِي قَسْمَ النِّسَاءِ لَا امْرَأَةً مَعَهُنَّ غَيْرَهُنَّ ( قال ) وَلَوْ اسْتَكْرَهَهُ سُلْطَانٌ أو غَيْرُهُ أو خَرَجَ طَائِعًا من عِنْدِ امْرَأَةٍ في اللَّيْلِ عَادَ فَأَوْفَاهَا ما بَقِيَ من اللَّيْلِ ( قال ) وَإِنْ كان ذلك في النَّهَارِ لم يَكُنْ عليه فيه شَيْءٌ إذَا لم يَكُنْ ذَاهِبًا إلَى غَيْرِهَا من نِسَائِهِ وَلَا أَكْرَهُ في النَّهَارِ شيئا إلَّا أَثَرَةُ غَيْرِهَا من أَزْوَاجِهِ فيه بِمُقَامٍ أو جِمَاعٍ فإذا أَقَامَ عِنْدَ غَيْرِهَا في نَهَارِهَا أَوْفَاهَا ذلك من يَوْمِ التي أَقَامَ عِنْدَهَا ( قال ) وَلَوْ كان له مع نِسَائِهِ إمَاءٌ يَطَؤُهُنَّ لم يَكُنْ للاماء قَسْمٌ مع الْأَزْوَاجِ وَيَأْتِيهِنَّ كَيْفَ شَاءَ أَكْثَرَ مِمَّا يَأْتِي النِّسَاءَ في الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِيِ وَالْجِمَاعِ وَأَقَلَّ كما يَكُونُ له أَنْ يُسَافِرَ وَيَغِيبَ في الْمِصْرِ عن النِّسَاءِ فإذا صَارَ إلَى النِّسَاءِ عَدَلَ بَيْنَهُنَّ وَكَذَلِكَ يَكُونُ له تَرْكُ الْجَوَارِي وَالْمُقَامُ مع النِّسَاءِ غير أَنِّي أُحِبُّ في الْأَحْوَالِ كُلِّهَا أَنْ لَا يُؤْثِرَ على النِّسَاءِ وَأَنْ لَا يُعَطِّلَ الْجَوَارِيَ ( قال ) وَهَكَذَا إذَا كان له جَوَارٍ لَا امْرَأَةَ مَعَهُنَّ كان عِنْدَ أَيَّتِهِنَّ شَاءَ ما شَاءَ وَكَيْفَمَا شَاءَ وَأُحِبُّ له أَنْ يَتَحَرَّى اسْتِطَابَةَ أَنْفُسِهِنَّ بمقاربة ( ( ( بمقارنة ) ) ) وَأَنْ يَجْعَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ حَظًّا منه ( قال ) وإذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وخلى بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَعَلَيْهِ نَفَقَتُهَا وَالْقَسْمُ لها من يَوْمِ يُخَلُّونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ( قال ) وإذا كان لِرَجُلٍ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَقَسَمَ لِثَلَاثٍ وَتَرَكَ وَاحِدَةً عَامِدًا أو نَاسِيًا قَضَاهَا الْأَيَّامَ التي تَرَكَ الْقَسْمَ لها فيها مُتَتَابِعَاتٍ لَا فَرْقَ بَيْنَهُنَّ وَاسْتَحَلَّهَا إنْ كان تَرَكَ الْقَسْمَ لها أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَلَهَا منه

(5/191)


عَشْرٌ فَيَقْضِيهَا الْعَشْرَ مُتَتَابِعَاتٍ وَلَوْ كان نِسَاؤُهُ الْحَوَاضِرُ ثَلَاثًا فَتَرَكَ الْقَسْمَ ( 1 ) لَهُنَّ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَقَدِمَتْ امْرَأَةٌ له كانت غَائِبَةً بَدَأَ فَقَسَمَ لِلَّتِي تَرَكَ الْقَسْمَ لها يَوْمَهَا وَيَوْمَ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَسَمَ لَهُمَا وَتَرَكَهَا وَذَلِكَ ثَلَاثٌ ثُمَّ قَسَمَ لِلْغَائِبَةِ يَوْمًا ثُمَّ قَسَمَ لِلَّتِي تَرَكَ الْقَسْمَ لها ثَلَاثًا حتى يُوَفِّيَهَا جَمِيعَ ما تَرَكَ لها من الْقَسْمِ وَلَوْ قَسَمَ رَجُلٌ بين نِسَائِهِ يَوْمَيْنِ أو ثَلَاثًا لِكُلِّ امْرَأَةٍ ثُمَّ طَلَّقَ امْرَأَةً لم يَقْسِمْ لها أو تَرَكَ الْقَسْمَ لها لم يَكُنْ عليه إلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ التي تَرَكَ الْقَسْمَ لها وَلَوْ رَاجَعَهَا أو نَكَحَهَا نِكَاحًا جَدِيدًا أَوْفَاهَا ما كان لها من الْقَسْمِ ( قال ) وَلَوْ كان لِرَجُلٍ زَوْجَةٌ مَمْلُوكَةٌ وَحُرَّةٌ فَقَسَمَ لِلْحُرَّةِ يَوْمَيْنِ ثُمَّ دَارَ إلَى الْمَمْلُوكَةِ فَعَتَقَتْ فَإِنْ كانت عَتَقَتْ وقد أَوْفَاهَا يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا دَارَ إلَى الْحُرَّةِ فَقَسَمَ لها يَوْمًا وَلِلْأَمَةِ التي أَعْتَقَتْ يَوْمًا وَإِنْ لم يَكُنْ أَوْفَاهَا لَيْلَتَهَا حتى عَتَقَتْ يَبِيتُ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْنِ حتى يُسَوِّيَهَا بِالْحُرَّةِ لِأَنَّهَا قد صَارَتْ كَهِيَ قبل أَنْ تَسْتَكْمِلَ حَظَّهَا من الْقَسْمِ ( قال ) وَيَقْسِمُ لِلْمَرْأَةِ قد آلَى منها وَلِلْمَرْأَةِ قد تَظَاهَرَ منها وَلَا يَقْرَبُ التي تَظَاهَرَ منها وَكَذَلِكَ إذَا أَحْرَمَتْ بِأَمْرِهِ قَسَمَ لها ولم يَقْرَبْهَا وَكَذَلِكَ الْقَسْمُ لو كان هو مُحْرِمًا وَلَا يَقْرَبُ وَاحِدَةً مِمَّنْ معه في إحْرَامِهِ - * الْقَسْمُ للمراة الْمَدْخُولِ بها - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ أخبرنا مَالِكٌ عن عبد اللَّهِ بن أبي بَكْرِ بن مُحَمَّدِ بن عَمْرِو بن حَزْم عن عبد الْمَلِكِ بن أبي بَكْرِ بن عبد الرحمن أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حين تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قال لها ليس بِك على أَهْلِك هَوَانٌ إنْ شِئْت سَبَّعْت عِنْدِك وَسَبَّعْت عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْت عِنْدِك وَدُرْت
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا عبدالمجيد عن بن جُرَيْجٍ عن حَبِيبِ بن أبي ثَابِتٍ أَنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بن عبد اللَّهِ بن أبي عَمْرٍو وَالْقَاسِمَ بن مُحَمَّدِ بن عبد الرحمن بن الحرث بن هِشَامٍ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا بَكْرِ بن عبد الرحمن بن الحرث بن هِشَامٍ يحدث عن أُمِّ سَلَمَةَ أنها أَخْبَرَتْهُ أنها لَمَّا قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ أَخْبَرَتْهُمْ أنها ابْنَةُ أبي أُمَيَّةَ بن الْمُغِيرَةِ فَكَذَّبُوهَا وَقَالُوا ما أَكْذَبَ الْغَرَائِبَ حتى أَنْشَأَ أُنَاسٌ منهم الْحَجَّ فَقَالُوا أَتَكْتُبِينَ إلَى أَهْلِك فَكَتَبَتْ مَعَهُمْ فَرَجَعُوا إلَى الْمَدِينَةِ قالت فَصَدَّقُونِي وَازْدَدْت عليهم كَرَامَةً فلما حَلَلْت جَاءَنِي رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَخَطَبَنِي فَقُلْت له ما مِثْلِي نُكِحَ أَمَّا أنا فَلَا وَلَدَ في وأنا غَيُورٌ ذَاتُ عِيَالٍ قال ( ( ( فقال ) ) ) أنا أَكْبَرُ مِنْك وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَيُذْهِبُهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَتَزَوَّجَهَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَجَعَلَ يَأْتِيَهَا وَيَقُولُ أَيْنَ زناب حتى جاء عَمَّارُ بن يَاسِرٍ فَاخْتَلَجَهَا فقال هذه تَمْنَعُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَكَانَتْ تُرْضِعُهَا فَجَاءَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال أَيْنَ زناب فقالت قَرِيبَةُ بِنْتِ أبي أُمَيَّةَ وَوَاقَفَهَا عند ما أَخَذَهَا عَمَّارُ بن يَاسِرٍ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنِّي آتِيكُمْ اللَّيْلَةَ قالت فَقُمْت فَوَضَعْت ثِقَالِي وَأَخْرَجْت حَبَّاتٍ من شَعِيرٍ كانت في جَرَّةٍ وَأَخْرَجْت شَحْمًا فَعَصَدْته له أو صَعْدَتُهُ شَكَّ الرَّبِيعُ قالت فَبَاتَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَصْبَحَ فقال حين أَصْبَحَ إنَّ لَك على أَهْلِك كَرَامَةً فَإِنْ شِئْت سَبَّعْت لَك وَإِنْ أُسَبِّعْ أُسَبِّعْ لِنِسَائِي
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ أَنَّهُ قال لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَحَدِيثُ بن جُرَيْجٍ ثَابِتٌ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَفِيهِ دَلَالَةٌ على أَنَّ الرَّجُلَ إذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ كان له أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا وإذا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ كان له أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا وَلَا يُحْسَبَ عليه لِنِسَائِهِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدَهُ قَبْلَهَا فَيَبْدَأُ من السَّبْعِ وَمِنْ الثَّلَاثِ ( قال ) وَلَيْسَ له في الْبِكْرِ وَلَا الثَّيِّبِ إلَّا إيفَاؤُهُمَا هذا الْعَدَدَ إلَّا أَنْ يُحَلِّلَاهُ منه ( قال ) وَإِنْ لم يَفْعَلْ وَقَسَمَ لِنِسَائِهِ عَادَ فَأَوْفَاهُمَا هذا الْعَدَدَ كما يَعُودُ فِيمَا تَرَكَ من حَقِّهِمَا في الْقَسْمِ فَيُوَفِّيهِمَا ( قال ) وَلَوْ دَخَلَتْ عليه بِكْرَانِ في لَيْلَةٍ أو ثَيِّبَانِ أو بِكْرٌ وَثَيِّبٌ كَرِهْت له ذلك وَإِنْ دَخَلَتَا مَعًا عليه أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فَأَيَّتُهُمَا خَرَجَ سَهْمُهَا بَدَأَ فَأَوْفَاهَا أَيَّامَهَا وَلَيَالِيَهَا وَإِنْ لم يُقْرِعْ فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا رَجَوْت أَنْ يَسَعَهُ لِأَنَّه

(5/192)


لَا يَصِلُ إلَى أَنْ يُوَفِّيَهُمَا حَقَّهُمَا إلَّا بِأَنْ يَبْدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَلَا أُحِبُّ له أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ لِأَنَّ حَقَّ كل وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُوَالَاةُ أَيَّامِهَا ( قال ) فَإِنْ فَعَلَ لم أَرَ عليه إعَادَةَ أَيَّامٍ لها بَعْدَ الْعِدَّةِ التي أَوْفَاهَا إيَّاهَا وَإِنْ دَخَلَتْ عليه إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى بَدَأَ فَأَوْفَى التي دَخَلَتْ عليه أَوَّلًا أَيَّامَهَا ( قال ) وإذا بَدَأَ بِاَلَّتِي دَخَلَتْ عليه آخِرًا أَحْبَبْت له أَنْ يَقْطَعَ وَيُوَفِّيَ الْأُولَى قَبْلَهَا فَإِنْ لم يَفْعَلْ ثُمَّ أَوْفَى الْأُولَى لم يَكُنْ لها زِيَادَةٌ على أَيَّامِهَا وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ في الْعَدَدِ بِتَأْخِيرِ حَقِّهَا ( قال ) وإذا فَرَغَ من أَيَّامِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ اسْتَأْنَفَ الْقَسْمَ بين أَزْوَاجِهِ فَعَدَلَ بَيْنَهُنَّ ( قال ) فَإِنْ كانت عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ ثُمَّ نَكَحَ عَلَيْهِمَا وَاحِدَةً فَدَخَلَتْ بَعْدَ ما قَسَمَ لِوَاحِدَةٍ فإذا أَوْفَى التي دَخَلَتْ عليه أَيَّامَهَا بَدَأَ بِاَلَّتِي كان لها الْقَسْمُ بَعْدَ التي كانت عِنْدَهُ ( قال ) وَلَا يُضَيَّقُ عليه أَنْ يَدْخُلَ عليها في أَيِّ يَوْمٍ أو أَيِّ لَيْلَةٍ شَاءَ من لَيَالِي نِسَائِهِ ( قال ) وَلَا أُحِبُّ في مُقَامِهِ عِنْدَ بِكْرٍ وَلَا ثَيِّبٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عن صَلَاةٍ وَلَا بِرٍّ كان يَعْمَلُ قبل الْعُرْسِ وَلَا شُهُودِ جِنَازَةٍ وَلَا يَجُوزُ له أَنْ يَتَخَلَّفَ عن إجَابَةِ دَعْوَةٍ - * سَفَرُ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ أخبرني عَمِّي محمد بن عَلِيِّ بن شَافِعٍ عن بن شِهَابٍ عن عُبَيْدِ اللَّهِ عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ عنها قالت كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بين نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بها (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ على النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } إلَى قَوْلِهِ { سَبِيلًا }
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن الزُّهْرِيِّ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ عن إيَاسِ بن عبد اللَّهِ بن أبي ذُبَابٍ قال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تَضْرِبُوا إمَاءَ اللَّهِ قال فَأَتَاهُ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ ذَئِرَ النِّسَاءُ على أَزْوَاجِهِنَّ فَأَذِنَ في ضَرْبِهِنَّ فَأَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لقد أَطَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ يَشْتَكِينَ أَزْوَاجَهُنَّ وَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فإذا كان لِلرَّجُلِ نِسْوَةٌ فَأَرَادَ سَفَرًا فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ أَنْ يَخْرُجَ بِهِنَّ وَلَا بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ وَإِنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ بِهِنَّ أو بِبَعْضِهِنَّ فَذَلِكَ له فَإِنْ اراد الْخُرُوجَ بِوَاحِدَةٍ أو اثْنَتَيْنِ أَقْرَعَ بين نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بها ولم يَكُنْ له أَنْ يَخْرُجَ بِغَيْرِهَا وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا إنْ شَاءَ وَهَكَذَا إنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ بِاثْنَتَيْنِ أو ثَلَاثٍ لم يَخْرُجْ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا بِقُرْعَةٍ فَإِنْ خَرَجَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ كان عليه أَنْ يَقْسِمَ لِمَنْ بَقِيَ بِقَدْرِ مَغِيبِهِ مع التي خَرَجَ بها ( قال ) فإذا خَرَجَ بِامْرَأَةٍ بِالْقُرْعَةِ كان لها السَّفَرُ خَالِصًا دُونَ نِسَائِهِ لَا يَحْتَسِبُ عليها وَلَا لَهُنَّ من مَغِيبِهَا معه في السَّفَرِ مُنْفَرِدَةً شَيْءٌ وَسَوَاءٌ قَصُرَ سَفَرُهُ أو طَالَ ( قال ) وَلَوْ أَرَادَ السَّفَرَ لنقلة لم يَكُنْ له أَنْ يَنْتَقِلَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إلَّا أَوْفَى الْبَوَاقِيَ مِثْلَ مُقَامِهِ مَعَهَا ( قال ) وَلَوْ خَرَجَ مُسَافِرًا بِقُرْعَةٍ ثُمَّ أَزْمَعَ الْمُقَامَ لنقلة كان لِلَّتِي سَافَرَ بها بِالْقُرْعَةِ ما مَضَى قبل إزْمَاعِهِ الْمُقَامَ على النَّقْلَةِ وَحُسِبَ عليها مُقَامُهُ مَعَهَا بَعْدَ النَّقْلَةِ فَأَوْفَى الْبَوَاقِيَ حُقُوقَهُنَّ فيها ( قال ) وَلَوْ أَقْرَعَ بين نِسَائِهِ على سَفَرٍ فَخَرَجَ سَهْمُ وَاحِدَةٍ فَخَرَجَ بها ثُمَّ أَرَادَ سَفَرًا قبل رُجُوعِهِ من ذلك السَّفَرِ كان ذلك كُلُّهُ كَالسَّفَرِ الْوَاحِدِ ما لم يَرْجِعْ فإذا رَجَعَ فَأَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ ( قال ) وَلَوْ سَافَرَ بِوَاحِدَةٍ فَنَكَحَ في سَفَرِهِ أُخْرَى كان لِلَّتِي نَكَحَ ما لِلْمَنْكُوحَةِ من الْأَيَّامِ دُونَ التي سَافَرَ بها ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الْقَسْمَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدَدِ وَلَا يَحْسِبُ لِنِسَائِهِ اللَّاتِي خَلَفَ من الْأَيَّامِ التي نَكَحَ في سَفَرِهِ شيئا لِأَنَّهُ لم يَكُنْ حَيْثُ يُمْكِنُهُ الْقَسْمُ لَهُنَّ - * نُشُوزُ الْمَرْأَةِ على الرَّجُلِ - *

(5/193)


(1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وفي قَوْلِهِ لَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ دَلَالَةٌ على أَنَّ ضَرْبَهُنَّ مُبَاحٌ لَا فَرْضٌ أَنْ يُضْرَبْنَ وَنَخْتَارُ له من ذلك ما اخْتَارَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَنُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَضْرِبَ امْرَأَتَهُ في انْبِسَاطِ لِسَانِهَا عليه وما أَشْبَهَ ذلك + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَأَشْبَهَ ما سَمِعْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ في قَوْلِهِ { وَاَللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } أَنَّ لِخَوْفِ النُّشُوزِ دَلَائِلَ فإذا كانت { فَعِظُوهُنَّ } لِأَنَّ الْعِظَةَ مُبَاحَةٌ فَإِنْ لَجَجْنَ فَأَظْهَرْنَ نُشُوزًا بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ { وَاهْجُرُوهُنَّ في الْمَضَاجِعِ } فَإِنْ أَقَمْنَ بِذَلِكَ على ذلك { واضربوهن ( ( ( فاضربوهن ) ) ) } وَذَلِكَ بَيِّنٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ هِجْرَةٌ في الْمَضْجَعِ وهو مَنْهِيٌّ عنه وَلَا ضَرْبٌ إلَّا بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ أو هُمَا ( قال ) وَيُحْتَمَلُ في { تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } إذَا نَشَزْنَ فأبن ( ( ( فبان ) ) ) النُّشُوزُ فَكُنَّ عَاصِيَاتٍ بِهِ أَنْ تَجْمَعُوا عَلَيْهِنَّ الْعِظَةَ وَالْهِجْرَةَ وَالضَّرْبَ ( قال ) وَلَا يَبْلُغُ في الضَّرْبِ حَدًّا وَلَا يَكُونُ مُبَرِّحًا وَلَا مُدْمِيًا وَيَتَوَقَّى فيه الْوَجْهَ ( قال ) وَيَهْجُرُهَا في الْمَضْجَعِ حتى تَرْجِعَ عن النُّشُوزِ وَلَا يُجَاوِزُ بها في هِجْرَةِ الْكَلَامِ ثَلَاثًا لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا أَبَاحَ الْهِجْرَةَ في الْمَضْجَعِ وَالْهِجْرَةُ في الْمَضْجَعِ تَكُونُ بِغَيْرِ هِجْرَةِ كَلَامٍ وَنَهَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يُجَاوِزَ بِالْهِجْرَةِ في الْكَلَامِ ثَلَاثًا ( قال ) وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَضْرِبَ وَلَا يَهْجُرَ مَضْجَعًا بِغَيْرِ بَيَانِ نُشُوزِهَا ( قال ) وَأَصْلُ ما ذَهَبْنَا إلَيْهِ من أَنْ لَا قَسْمَ لِلْمُمْتَنِعَةِ من زَوْجِهَا وَلَا نَفَقَةَ ما كانت مُمْتَنِعَةً لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَبَاحَ هِجْرَةَ مَضْجَعِهَا وَضَرْبَهَا في النُّشُوزِ وَالِامْتِنَاعُ نُشُوزٌ ( قال ) وَمَتَى تَرَكَتْ النُّشُوزَ لم تَحِلَّ هِجْرَتُهَا وَلَا ضَرْبُهَا وَصَارَتْ على حَقِّهَا كما كانت قبل النُّشُوزِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في قَوْلِهِ عز وجل { وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } وَقَوْلِهِ { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } وهو ما ذَكَرْنَا مِمَّا لها عليه في بَعْضِ الْأُمُورِ من مُؤْنَتِهَا وَلَهُ عليها مِمَّا ليس لها عليه وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على صَاحِبِهِ - * الْحَكَمَيْنِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا من أَهْلِهِ وَحَكَمًا من أَهْلِهَا } الْآيَةَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى ما أَرَادَ فَأَمَّا ظَاهِرُ الْآيَةِ فإن خَوْفَ الشِّقَاقِ بين الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَدَّعِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على صَاحِبِهِ مَنْعَ الْحَقِّ وَلَا يَطِيبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ بِإِعْطَاءِ ما يَرْضَى بِهِ وَلَا يَنْقَطِعُ ما بَيْنَهُمَا بِفُرْقَةٍ وَلَا صُلْحٍ وَلَا تَرْكِ الْقِيَامِ بِالشِّقَاقِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَذِنَ في نُشُوزِ الْمَرْأَةِ بِالْعِظَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالضَّرْبِ وَلِنُشُوزِ الرَّجُلِ بِالصُّلْحِ فإذا خَافَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ وَنَهَى إذَا أَرَادَ الزَّوْجُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ أَنْ يَأْخُذَ مِمَّا آتَاهَا شيئا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فاذا ارْتَفَعَ الزَّوْجَانِ الْمَخُوفُ شِقَاقُهُمَا إلَى الْحَاكِمِ فَحَقَّ عليه أَنْ يَبْعَثَ حَكَمًا من أَهْلِهِ وَحَكَمًا من أَهْلِهَا من أَهْلِ الْقَنَاعَةِ وَالْعَقْلِ لِيَكْشِفَا أَمْرَهُمَا وَيُصْلِحَا بَيْنَهُمَا إنْ قَدَرَا ( قال ) وَلَيْسَ له أَنْ يَأْمُرَهُمَا يفرقان ( ( ( بفرقان ) ) ) إنْ رايا إلَّا بِأَمْرِ الزَّوْجِ وَلَا يُعْطِيَا من مَالِ الْمَرْأَةِ إلَّا بِإِذْنِهَا ( قال ) فَإِنْ اصْطَلَحَ الزَّوْجَانِ وَإِلَّا كان على الْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على صَاحِبِهِ بِمَا يَلْزَمُهُ من حَقٍّ في نَفْسٍ وَمَالٍ وَأَدَبٍ ( قال ) وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا ذَكَرَ أَنَّهُمَا { إنْ يُرِيدَا إصْلَاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } ولم يذكر تَفْرِيقًا ( قال ) وَأَخْتَارُ للامام أَنْ يَسْأَلَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يَتَرَاضَيَا بِالْحَكَمَيْنِ وَيُوَكِّلَاهُمَا مَعًا فَيُوَكِّلُهُمَا الزَّوْجُ إنْ رَأَيَا أَنْ يُفَرِّقَا بَيْنَهُمَا فَرْقًا على ما رَأَيَا من أَخْذِ شَيْءٍ أو غَيْرِ أَخْذِهِ إنْ اُخْتُبِرَا تَوَلَّيَا من الْمَرْأَةِ عنه ( قال ) وَإِنْ جَعَلَ إلَيْهِمَا إنْ رَضِيَتْ بِكَذَا وَكَذَا فَأَعْطِيَاهَا ذلك عَنِّي وَاسْأَلَاهَا أَنْ تَكُفَّ عَنِّي كَذَا وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تُوَكِّلَهُمَا إنْ شَاءَتْ بِأَنْ يُعْطِيَا عنها في الْفُرْقَةِ شيئا تُسَمِّيهِ إنْ رَأَيَا أَنَّهُ لَا يُصْلِحُ الزَّوْجَ غَيْرُهُ ( 1 ) وَإِنْ رايا أَنْ يُعْطِيَاهُ أَنْ يَفْعَلَا أو له كَذَا وَيَتْرُكُ لها كَذَا
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) في نَهْيِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن ضَرْبِ النِّسَاءِ ثُمَّ إذْنِهِ في ضَرْبِهِنَّ وَقَوْلِهِ لَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى عنه على اخْتِيَارِ النَّهْيِ وَأَذِنَ فيه بِأَنَّ مُبَاحًا لهم الضَّرْبُ في الْحَقِّ وَاخْتَارَ لهم أَنْ لَا يُضْرَبُوا لِقَوْلِهِ لَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ ( قال ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قبل نُزُولِ الْآيَةِ بِضَرْبِهِنَّ ثُمَّ أَذِنَ لهم بَعْدَ نُزُولِهَا بِضَرْبِهِنَّ

(5/194)


فَإِنْ فَعَلَ ذلك الزَّوْجَانِ أَمَرَ الْحَكَمَيْنِ بِأَنْ يَجْتَهِدَا فَإِنْ رَأَيَا الْجَمْعَ خَيْرًا لم يَصِيرَا إلَى الْفِرَاقِ وَإِنْ رَأَيَا الْفِرَاقَ خَيْرًا أَمَرَهُمَا فَصَارَا إلَيْهِ وَإِنْ رَجَعَ الزَّوْجَانِ أو أَحَدُهُمَا بعد ما يُوَكِّلَانِهِمَا عن الْوَكَالَةِ أو بَعْضِهَا أَمَرَهُمَا بِمَا أَمَرَهُمَا بِهِ أَوَّلًا من الْإِصْلَاحِ ولم يَجْعَلْهُمَا وَكِيلَيْهِمَا إلَّا فِيمَا وُكِّلَا فيه ( قال ) وَلَا يُجْبَرُ الزَّوْجَانِ على تَوْكِيلِهِمَا إنْ لم يُوَكِّلَا وإذا وَكَّلَاهُمَا مَعًا كما وَصَفْت لم يَجُزْ أَمْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنْ فَرَّقَ أَحَدُهُمَا ولم يُفَرِّقْ الْآخَرُ لم تَجُزْ الْفُرْقَةُ وَكَذَلِكَ إنْ أعطي أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ شيئا ( قال ) وَإِنْ غَابَ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ أو غُلِبَ على عَقْلِهِ بَعَثَ حَكَمًا غير الْغَائِبِ أو الْمَغْلُوبِ الْمُصْلِحِ من قِبَلِ الْحَاكِمِ وَبِالْوَكَالَةِ إنْ وَكَّلَهُ بها الزَّوْجَانِ ( قال ) وَإِنْ غُلِبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ على عَقْلِهِ لم يُمْضِ الْحَكَمَانِ بَيْنَهُمَا شيئا حتى يَعُودَ إلَيْهِ عَقْلُهُ ثُمَّ يُجَدِّدَ وَكَالَةً ( قال ) وَإِنْ غَابَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ ولم يَفْسَخْ الْوَكَالَةَ أَمْضَى الْحَكَمَانِ رَأْيَهُمَا ولم تَقْطَعْ غَيْبَةُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْوَكَالَةَ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا الثَّقَفِيُّ عن أَيُّوبَ بن أبي تَمِيمَةَ عن بن سِيرِينَ عن عُبَيْدَة السَّلْمَانِيِّ أَنَّهُ قال في هذه الْآيَةِ { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا من أَهْلِهِ وَحَكَمًا من أَهْلِهَا } قال جاء رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إلَى عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه وَمَعَ كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ من الناس فَأَمَرَهُمْ عَلِيٌّ فَبَعَثُوا حَكَمًا من أَهْلِهِ وَحَكَمًا من أَهْلِهَا ثُمَّ قال لِلْحَكَمَيْنِ تَدْرِيَانِ ما عَلَيْكُمَا عَلَيْكُمَا إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا أَنْ تَجْمَعَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا أَنْ تُفَرِّقَا قالت الْمَرْأَةُ رَضِيت بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فيه وَلِيَ وقال الرَّجُلُ أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا فقال عَلِيٌّ رضي اللَّهُ عنه كَذَبْت وَاَللَّهِ حتى تُقِرَّ بِمِثْلِ الذي أَقَرَّتْ بِهِ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ عن بن أبي مُلَيْكَةَ سَمِعَهُ يقول تَزَوَّجَ عَقِيلُ بن أبي طَالِبٍ فَاطِمَةَ بِنْتَ عُتْبَةَ فقالت له اصْبِرْ لي وَأُنْفِقُ عَلَيْك فَكَانَ إذَا دخل عليها قالت أَيْنَ عُتْبَةُ بن رَبِيعَةَ أَيْنَ شَيْبَةُ بن رَبِيعَةَ فَيَسْكُتُ عنها حتى دخل عليها يَوْمًا وهو بَرِمٌ فقالت أَيْنَ عُتْبَةُ بن رَبِيعَةَ أَيْنَ شَيْبَةُ بن رَبِيعَةَ فقال علي يَسَارِك في النَّارِ إذَا دَخَلْتِ فَشَدَّتْ عليها ثِيَابَهَا فَجَاءَتْ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ فَذَكَرَتْ له ذلك فَأَرْسَلَ بن عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ فقال بن عَبَّاسٍ لَأُفَرِّقَن بَيْنَهُمَا وقال مُعَاوِيَةُ ما كُنْت لِأُفَرِّقَ بين شَيْخَيْنِ من بَنِي عبد مَنَافٍ قال فَأَتَيَاهُمَا فَوَجَدَاهُمَا قد شَدَّا عَلَيْهِمَا أَثْوَابَهُمَا وَأَصْلَحَا أَمْرَهُمَا (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً } الْآيَةَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَكَانَ في هذه الْآيَةِ إبَاحَةُ أَكْلِهِ إذَا طَابَتْ نَفْسُهَا وَدَلِيلٌ على أنها إذَا لم تَطِبْ بِهِ نَفْسًا لم يَحِلَّ أَكْلُهُ ( قال ) وقد قال اللَّهُ عز وجل { وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ } إلَى { مُبِينًا } قال وَهَذِهِ الْآيَةُ في مَعْنَى الْآيَةِ التي كَتَبْنَا قَبْلَهَا وإذا أَرَادَ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) حَدِيثُ عَلِيٍّ ثَابِتٌ عِنْدَنَا وهو إنْ شَاءَ اللَّهُ كما قُلْنَا لَا نُخَالِفُهُ لِأَنَّ عَلِيًّا إذْ قال لهم ابْعَثُوا حَكَمًا من أَهْلِهِ وَحَكَمًا من أَهْلِهَا وَالزَّوْجَانِ حَاضِرَانِ فَإِنَّمَا خَاطَبَ بِهِ الزَّوْجَيْنِ أو من أَعْرَبَ عنهما بِحَضْرَتِهِمَا بِوَكَالَةِ الزَّوْجَيْنِ أو رِضَاهُمَا بِمَا قال وَقَوْلُهُ لِلرَّجُلِ لَا وَاَللَّهِ حتى تُقِرَّ بِمِثْلِ ما أَقَرَّتْ بِهِ أَنْ لَا يَقْضِيَ الْحَكَمَانِ إنْ رايا الْفُرْقَةَ إذَا رَجَعَتْ عن تَوْكِيلِهِمَا حتى تَعُودَ إلَى الرِّضَا بِأَنْ يَكُونَا بِوَكَالَتِك نَاظِرَيْنِ بِمَا يُصْلِحُ أَمْرَكُمَا وَلَوْ كان لِلْحَاكِمِ أَنْ يَبْعَثَ حَكَمَيْنِ بِفُرْقَةٍ بِلَا وَكَالَةِ الزَّوْجِ ما احْتَاجَ عَلِيٌّ رضي اللَّهُ عنه إلَى أَنْ يَقُولَ لَهُمَا ابْعَثُوا وَلَبَعَثَ هو وَلَقَالَ لِلزَّوْجِ إنْ رايا الْفِرَاقَ أَمْضِيَا ذلك عَلَيْك وَإِنْ لم تَأْذَنْ بِهِ ولم يَحْلِفْ لَا يَمْضِي الْحَكَمَانِ حتى يُقِرَّ وَلَوْ كان لِلْحَاكِمِ جَبْرُ الزَّوْجَيْنِ على أَنْ يُوَكِّلَا كان له أَنْ يُمْضِيَهُ بِلَا أَمْرِهِمَا ( قال ) وَلَيْسَ في الحديث الذي رُوِيَ عن عُثْمَانَ دَلَالَةٌ كَالدَّلَائِلِ في حديث عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه وهو يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ كَالْحَدِيثِ عن عَلِيٍّ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ يَحْتَمِلُ خِلَافَهُ قِيلَ نعم وَمُوَافَقَتُهُ فَلَسْت بِأَوْلَى بِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ من غَيْرِك بَلْ هو إلَى مُوَافَقَةِ حديث عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَقْرَبُ من أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ خِلَافَهُ - * ما يَجُوزُ بِهِ أَخْذُ مَالِ الْمَرْأَةِ منها - *

(5/195)


الرَّجُلُ الِاسْتِبْدَالَ بِزَوْجَتِهِ ولم تُرِدْ هِيَ فُرْقَتَهُ لم يَكُنْ له أَنْ يَأْخُذَ من مَالِهَا شيئا بِأَنْ يَسْتَكْرِهَهَا عليه وَلَا أَنْ يُطَلِّقَهَا لِتُعْطِيَهُ فِدْيَةً منه فَإِنْ فَعَلَ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ أو قَامَتْ عليه بَيِّنَةٌ رَدَّ ما أَخَذَ منها عليها وَإِنْ كان طَلَّقَهَا عليه لَزِمَهُ ما سَمَّى من عَدَدِ الطَّلَاقِ وكان يَمْلِكُ فيه الرَّجْعَةَ إنْ لم يَأْتِ على جَمِيعِ طَلَاقِهَا ( قال ) وَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ لَا يَكُونَ له إذَا أَزْمَعَ على فِرَاقِهَا أَنْ ياتهب من مَالِهَا شيئا ثُمَّ يُطَلِّقَهَا وَذَلِكَ أَنَّ إعْطَاءَهَا يَكُونُ على اسْتِطَابَةِ نَفْسِهِ بِحَبْسِهَا لَا على فِرَاقِهَا وَيُشْبِهُ مَعَانِيَ الْخَدِيعَةِ لها ( قال ) وَلَا يَبِينُ لي رَدُّ ذلك عليها لو وَهَبَتْهُ بِلَا ضَرُورَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أنها طَابَتْ بِهِ نَفْسًا ( قال ) وَلَوْ عَلِمَتْهُ يُرِيدُ الِاسْتِبْدَالَ بها ولم يَمْنَعْهَا حَقَّهَا فَنَشَزَتْ وَمَنَعَتْهُ بَعْضَ الْحَقِّ وَأَعْطَتْهُ مَالًا جَازَ له أَخْذُهُ وَصَارَتْ في مَعْنَى من يَخَافُ أَنْ لَا يُقِيمَ حُدُودَ اللَّهِ وَخَرَجَتْ من أَنْ يَكُونَ يُرَادَ فِرَاقُهَا فَيُفَارِقُ بِلَا سَبَبٍ منها وَلَا مَنْعٍ لِحَقٍّ في حَالٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِإِرَادَتِهِ وَلَا مُتَأَخِّرَةٍ - * حَبَسَ الْمَرْأَة على الرَّجُل يُكْرِههَا لِيَرِثهَا - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا } الْآيَةَ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وقد قِيلَ فَإِنْ أَتَتْ عِنْدَهُ بِفَاحِشَةٍ وَهِيَ الزنى فَحَبَسَهَا على مَنْعِ الْحَقِّ في الْقَسْمِ لَا أَنْ ضَرَبَهَا وَلَا مَنَعَهَا نَفَقَةً فَأَعْطَتْهُ بَعْضَ ما آتَاهَا حَلَّ له أَخْذُهُ وَكَانَتْ مَعْصِيَتُهَا اللَّهَ بالزنى ثُمَّ مَعْصِيَتُهُ أَكْبَرَ من مَعْصِيَتِهَا في غَيْرِ الزنى وَهِيَ إذَا عَصَتْهُ فلم تُقِمْ حُدُودَ اللَّهِ لم يَكُنْ عليه جُنَاحٌ فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ( قال ) فَإِنْ حَبَسَهَا مَانِعًا لها الْحَقَّ ولم تَأْتِ بِفَاحِشَةٍ لِيَرِثَهَا فَمَاتَتْ عِنْدَهُ لم يَحِلَّ له أَنْ يَرِثَهَا وَلَا يَأْخُذَ منها شيئا في حَيَاتِهَا فَإِنْ أَخَذَهُ رَدَّ عليها وكان أَمْلَكَ بِرَجْعَتِهَا وَقِيلَ إنَّ هذه الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ وفي مَعْنَى { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ من نِسَائِكُمْ } إلَى { سَبِيلًا } فَنُسِخَتْ بِآيَةِ الْحُدُودِ { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي قد جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ الرَّجْمُ فلم يَكُنْ على امْرَأَةٍ حَبْسٌ يَمْنَعُ بِهِ حَقَّ الزَّوْجَةِ على الزَّوْجِ وكان عليها الْحَدُّ ( قال ) وما أَشْبَهَ ما قِيلَ من هذا بِمَا قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ لِلَّهِ أَحْكَامًا بين الزَّوْجَيْنِ بِأَنْ جَعَلَ له عليها أَنْ يُطَلِّقَهَا مُحْسِنَةً وَمُسِيئَةً وَيَحْبِسَهَا مُحْسِنَةً وَمُسِيئَةً وَكَارِهًا لها وَغَيْرَ كَارِهٍ ولم يَجْعَلْ له مَنْعَهَا حَقَّهَا في حَالٍ - * ما تَحِلُّ بِهِ الْفِدْيَةُ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } إلَى { فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ }
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ أَنَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ أَخْبَرَتْهَا أنها كانت عِنْدَ ثَابِتِ بن قَيْسِ بن شِمَاسٍ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من هذه قالت أنا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يا رَسُولَ اللَّهِ لَا أنا وَلَا ثَابِتٌ لِزَوْجِهَا فلما جاء ثَابِتٌ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) يُقَالُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ نَزَلَتْ في الرَّجُلِ يَمْنَعُ الْمَرْأَةَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى عليه في عِشْرَتِهَا بِالْمَعْرُوفِ عن غَيْرِ طِيبِ نَفْسِهَا وَيَحْبِسُهَا لِتَمُوتَ فَيَرِثُهَا أو يَذْهَبُ بِبَعْضِ ما آتَاهَا واستثنى ( ( ( استثنى ) ) ) إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَقِيلَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَحْبِسَهَا كَارِهًا لها إذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى فيها لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } قَرَأَ إلَى { كَثِيرًا } قال وَقِيلَ في هذه الْآيَةِ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ إنَّمَا حَرَّمَ عليه حَبْسَهَا مع مَنْعِهَا الْحَقَّ لِيَرِثَهَا أو يَذْهَبَ بِبَعْضِ ما آتَاهَا قال ) وإذا مَنَعَهَا الْحَقَّ وَحَبَسَهَا وَذَهَبَ بِبَعْضِ ما آتَاهَا فَطَلَبَتْهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ عليها إذَا أَقَرَّ بِذَلِكَ أو قَامَتْ بِهِ بَيِّنَةٌ

(5/196)


قال له رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هذه حَبِيبَةُ قد ذَكَرَتْ ما شَاءَ اللَّهُ ان تَذْكُرَ فقالت حَبِيبَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّ ما أَعْطَانِي عِنْدِي فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم خُذْ منها فَأَخَذَ منها وَجَلَسَتْ في أَهْلِهَا
قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ عن حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ أنها أَتَتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْغَلَسِ وَهِيَ تَشْكُو شيئا بِبَدَنِهَا وَهِيَ تَقُولُ لَا أنا وَلَا ثَابِتُ بن قَيْسٍ فقالت فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يا ثَابِتُ خُذْ منها فَأَخَذَ منها وَجَلَسَتْ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ الْخُلْعُ طَلَاقٌ فَلَا يَقَعُ إلَّا بِمَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ فإذا قال لها إنْ أَعْطَيْتنِي كَذَا وَكَذَا فَأَنْتِ طَالِقٌ أو قد فَارَقْتُك أو سَرَّحْتُك وَقَعَ الطَّلَاقُ ثُمَّ لم أَحْتَجْ إلَى النِّيَّةِ ( قال ) وَإِنْ قال لم أَنْوِ طَلَاقًا دِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل وَأُلْزِمَ في الْقَضَاءِ وإذا قال لها إنْ أَعْطَيْتنِي كَذَا فَأَنْتِ بَائِنٌ أو خَلِيَّةٌ أو بَرِيَّةٌ سُئِلَ فَإِنْ أَرَادَ الطَّلَاقَ فَهِيَ طَالِقٌ وَإِنْ لم يُرِدْ الطَّلَاقَ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَيَرُدُّ شيئا إنْ أَخَذَهُ منها 0 قال ) وإذا قال لها قد خَالَعْتُكِ أو فَادَيْتُكِ أو ما أَشْبَهَ هذا لم يَكُنْ طَلَاقًا إلَّا بِإِرَادَتِهِ الطَّلَاقَ لِأَنَّهُ ليس بِصَرِيحِ الطَّلَاقِ ( قال ) وَسَوَاءٌ كان هذا عِنْدَ غَضَبٍ أو رِضًا وَذِكْرِ طَلَاقٍ أو غَيْرِ ذِكْرِهِ إنَّمَا أَنْظُرُ إلَى عَقْدِ الْكَلَامِ الذي يَلْزَمُ لَا سَبَبَهُ وإذا قالت الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا اخْلَعْنِي أو بتني ( ( ( بني ) ) ) أو أَبِنِّي أو بَارِئْنِي أو ابْرَأْ مِنِّي وَلَك عَلَيَّ أَلْفٌ أو لَك هذه الْأَلْفُ أو لَك هذا الْعَبْدُ وَهِيَ تُرِيدُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا فَلَهُ ما ضَمِنَتْ له وما أَعْطَتْهُ ( قال ) وَكَذَلِك&