Translate فتح الباري وتفسير بن كثير كيكي520.

الجمعة، 13 مايو 2022

كتاب الأم 4.محمد بن إدريس الشافعي أبو عبد الله سنة الولادة 150/ سنة الوفاة 204 .

 

4.

كتاب الأم 4.محمد بن إدريس الشافعي أبو عبد الله سنة الولادة 150/ سنة الوفاة 204 .

  لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل يقول { وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } فَذَكَرَهُ مَرَّةً ولم يُرَدِّدْ ذِكْرَهُ مَرَّةً أُخْرَى
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ قال لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت إنْ حَجَّ الْعَبْدُ تَطَوُّعًا يَأْذَنُ له سَيِّدُهُ بِحَجٍّ لَا أَجَرَ نَفْسَهُ وَلَا حَجَّ بِهِ أَهْلُهُ يَخْدُمُهُمْ قال سَمِعْنَا أَنَّهُ إذَا عَتَقَ حَجَّ لَا بُدَّ أخبرنا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن بن طَاوُسٍ أَنَّ أَبَاهُ كان يقول تُقْضَى حَجَّةُ الصَّغِيرِ عنه حتى يَعْقِلَ فإذا عَقَلَ وَجَبَتْ عليه حَجَّةٌ لَا بُدَّ منها وَالْعَبْدُ كَذَلِكَ أَيْضًا ( قَالَا ) وَأَخْبَرَنَا بن جُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُمْ هذا عن بن عَبَّاسٍ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) إذَا أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ فَلَيْسَ له مَنْعُهُ أَنْ يُتِمَّ على إحْرَامِهِ وَلَهُ بَيْعُهُ وَلَيْسَ لِمُبْتَاعِهِ مَنْعُهُ أَنْ يُتِمَّ إحْرَامَهُ وَلِمُبْتَاعِهِ الْخِيَارُ إذَا كان لم يَعْلَمْ بِإِحْرَامِهِ لِأَنَّهُ مَحُولٌ بيته ( ( ( بينه ) ) ) وَبَيْنَ حَبْسِهِ لِمَنْفَعَتِهِ إلَى أَنْ ينقضى إحْرَامُهُ وَكَذَلِكَ الْأَمَةُ وَكَذَلِكَ الصَّبِيَّانِ إذَا أَذِنَ لَهُمَا أَبُوهُمَا فَأَحْرَمَا لم يَكُنْ له حَبْسُهُمَا ( قال ) وَلَوْ أَصَابَ الْعَبْدُ امْرَأَتَهُ فَبَطَلَ حَجُّهُ لم يَكُنْ لِسَيِّدِهِ حَبْسُهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَمْضِيَ في حَجٍّ فَاسِدٍ مُضِيَّهُ في حَجٍّ صَحِيحٍ وَلَوْ أَذِنَ له في الْحَجِّ فَأَحْرَمَ فَمَنَعَهُ مَرَضُ لم يَكُنْ له حَبْسُهُ إذَا صَحَّ عن أَنْ يُحِلَّ بِطَوَافٍ وَإِنْ أَذِنَ له في حَجٍّ فلم يُحْرِم كان له مَنْعُهُ ما لم يُحْرِمْ ( قال ) وَإِنْ أَذِنَ له أَنْ يَتَمَتَّعَ أو يَقْرِنَ فَأَعْطَاهُ دَمًا للمتعه أو الْقِرَانِ لم يُجْزِ عنه لِأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ شيئا فإذا مَلَّكَهُ شيئا فَإِنَّمَا مِلْكُهُ لِلسَّيِّدِ فَلَا يجزئ عنه ما لَا يَكُونُ له مَالِكًا بِحَالٍ وَعَلَيْهِ فِيمَا لَزِمَهُ الصَّوْمُ ما كان مَمْلُوكًا فَإِنْ لم يَصُمْ حتى عَتَقَ وَوَجَدَ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْحُرِّ الْوَاجِدِ وَالثَّانِي لَا يُكَفِّرُ إلَّا بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ لم يَكُنْ له وَلَا عليه في الْوَقْتِ الذي أَصَابَ فيه شَيْءٌ إلَّا الصَّوْمُ ولو أَذِنَ له في الْحَجِّ فَأَفْسَدَهُ كان على سَيِّدِهِ أَنْ يَدَعَهُ يُتِمُّ عليه ولم يَكُنْ له على سَيِّدِهِ أَنْ يَدَعَهُ يَقْضِيهِ فَإِنْ قَضَاهُ أَجْزَأَ عنه من الْقَضَاءِ وَعَلَيْهِ إذَا عَتَقَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ لم يَأْذَنْ لِلْعَبْدِ سَيِّدُهُ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَ بِهِ كان أَحَبَّ إلى أَنْ يَدَعَهُ يُتِمُّهُ فَإِنْ لم يَفْعَلْ فَلَهُ حَبْسُهُ وَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عليه إذَا حَبَسَهُ سَيِّدُهُ عن إتْمَامِ حَجِّهِ شَاةً يُقَوِّمُهَا دَرَاهِمَ ثُمَّ يُقَوِّمُ الدَّرَاهِمَ طَعَامًا ثُمَّ يَصُومُ عن كل مُدٍّ يَوْمًا ثُمَّ يُحِلُّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي يُحِلُّ وَلَا شَيْءَ عليه حتى يَعْتِقَ فَيَكُونُ عليه شَاةٌ وَلَوْ أَذِنَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ فَتَمَتَّعَ فَمَاتَ الْعَبْدُ
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال إذَا أَذِنْت لِعَبْدِك فَتَمَتَّعَ فَمَاتَ فَاغْرَمْ عنه فَإِنْ قال قَائِلٌ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُفَرَّقَ بين ما يجزئ الْعَبْدَ حَيًّا من إعْطَاءِ سَيِّدِهِ عنه وما يُجْزِيهِ مَيِّتًا فَنَعَمْ أَمَّا ما أَعْطَاهُ حَيًّا فَلَا يَكُونُ له إخْرَاجُهُ من مِلْكِهِ عنه حَيًّا حتى يَكُونَ الْمُعْطَى عنه مَالِكًا له وَالْعَبْدُ لَا يَكُونُ مَالِكًا وَهَكَذَا ما أعطى عن الْحُرِّ بِإِذْنِهِ أو وَهَبَهُ لِلْحُرِّ فَأَعْطَاهُ الْحُرُّ عن نَفْسِهِ قد مَلَكَ الْحُرُّ في الْحَالَيْنِ وَلَوْ أَعْطَى عن حُرٍّ بَعْدَ مَوْتِهِ أو عَبْدٍ لم يَكُنْ الْمَوْتَى يَمْلِكُونَ شيئا أَبَدًا أَلَا تَرَى أَنَّ من وَهَبَ لهم أو أَوْصَى أو تَصَدَّقَ عليهم لم يَجُزْ وَإِنَّمَا أَجَزْنَا أَنْ يُتَصَدَّقَ عَنْهُمْ بِالْخَبَرِ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ أَمَرَ سَعْدًا أَنْ يَتَصَدَّقَ عن أُمِّهِ وَلَوْلَا ذلك لَمَا جَازَ ما وَصَفْت لَك
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَقَوْلُهُمْ إذَا عَقَلَ الصَّبِيُّ إذَا احْتَلَمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ويروي عن عُمَرَ في الصَّبِيِّ وَالْمَمْلُوكِ مِثْلُ مَعْنَى هذا الْقَوْلِ فَيَجْتَمِعُ الْمَمْلُوكُ وَغَيْرُ الْبَالِغِينَ وَالْعَبْدُ في هذا الْمَعْنَى وَيَتَفَرَّقَانِ فِيمَا أَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا في حَجِّهِ - * الْإِذْنَ لِلْعَبْدِ - *

(2/112)


- * بَابُ كَيْفَ الِاسْتِطَاعَةُ إلَى الْحَجِّ - * (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الِاسْتِطَاعَةُ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ مُسْتَطِيعًا بِبَدَنِهِ وَاجِدًا من مَالِهِ ما يُبَلِّغُهُ الْحَجَّ فَتَكُونُ اسْتِطَاعَتُهُ تَامَّةً وَيَكُونُ عليه فَرْضُ الْحَجِّ لَا يُجْزِيهِ ما كان بهذا الْحَالِ إلَّا أَنْ يُؤَدِّيَهُ عن نَفْسِهِ وَالِاسْتِطَاعَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ مُضْنُوًّا في بَدَنِهِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَثْبُتَ على مَرْكَبٍ فَيَحُجَّ على الْمَرْكَبِ بِحَالٍ وهو قَادِرٌ على من يُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَحُجَّ عنه بِطَاعَتِهِ له أو قَادِرٌ على مَالٍ يَجِدُ من يَسْتَأْجِرُهُ بِبَعْضِهِ فَيَحُجَّ عنه فَيَكُونُ هذا مِمَّنْ لَزِمَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ كما قَدَرَ وَمَعْرُوفٌ في لِسَانِ الْعَرَبِ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَكُونُ بِالْبَدَنِ وَبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْبَدَنِ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ يقول أنا مُسْتَطِيعٌ لَأَنْ أَبْنِيَ دَارِي يَعْنِي بيده ويعنى بِأَنْ يَأْمُرَ من يَبْنِيهَا بِإِجَارَةٍ أو يَتَطَوَّعُ بِبِنَائِهَا له وَكَذَلِكَ مُسْتَطِيعٌ لَأَنْ أَخِيطَ ثَوْبِي وَغَيْرُ ذلك مِمَّا يَعْمَلُهُ هو بِنَفْسِهِ وَيَعْمَلُهُ له غَيْرُهُ فَإِنْ قال قَائِلٌ الْحَجُّ على الْبَدَنِ وَأَنْتَ تَقُولُ في الْأَعْمَالِ على الْأَبَدَانِ إنَّمَا يُؤَدِّيهَا عَامِلُهَا بِنَفْسِهِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فيصلى الْمَرْءُ قَائِمًا فَإِنْ لم يَقْدِرْ صلى جَالِسًا أو مُضْطَجِعًا وَلَا يصلى عنه غَيْرُهُ وَإِنْ لم يَقْدِرْ على الصَّوْمِ قَضَاهُ إذَا قَدَرَ أو كَفَّرَ ولم يَصُمْ عنه غَيْرُهُ وَأَجْزَأَ عنه قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّرَائِعُ تَجْتَمِعُ في مَعْنَى وَتَفْتَرِقُ في غَيْرِهِ بِمَا فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ عز وجل بَيْنَهَا في كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو بِمَا اجْتَمَعَتْ عليه عَوَامُّ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لم يَكُنْ فِيهِمْ أَنْ يَجْهَلُوا أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ قال فَادْلُلْنِي على ما وَصَفْت من كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أو سُنَّةِ رَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ
أخبرنا سُفْيَانُ قال سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يحدث عن سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً من خَثْعَمَ سَأَلَتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقالت إنَّ فريضه اللَّهِ في الْحَجِّ على عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ على رَاحِلَتِهِ فَهَلْ تَرَى أَنْ أَحُجَّ عنه فقال لها النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نعم قال سُفْيَانُ هَكَذَا حَفِظْته عن الزُّهْرِيِّ
وَأَخْبَرَنِيهِ عَمْرُو بن دِينَارٍ عن الزُّهْرِيِّ عن سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ عن بن عَبَّاسٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مِثْلُهُ وزاد فقالت يا رَسُولَ اللَّهِ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذلك فقال نعم كما ( ( ( مثل ) ) ) لو كان عليه دَيْنٌ فَقَضَيْته نَفَعَهُ فَكَانَ فِيمَا حَفِظَ سُفْيَانُ عن الزُّهْرِيِّ ما بَيَّنَ أَنَّ أَبَاهَا إذَا أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ على رَاحِلَتِهِ أَنَّ جَائِزًا لِغَيْرِهِ أَنْ يَحُجَّ عنه وَلَدٌ أو غَيْرُهُ وَأَنَّ لِغَيْرِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عنه فَرْضًا إنْ كان عليه في الْحَجِّ إذَا كان غير مُطِيقٍ لِتَأْدِيَتِهِ بِبَدَنِهِ فَالْفَرْضُ لَازِمٌ له وَلَوْ لم يَلْزَمْهُ لَقَالَ لها رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا فَرِيضَةَ على أَبِيك إذَا كان إنَّمَا أَسْلَمَ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ على الرَّاحِلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَقَالَ لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عن أَحَدٍ إنَّمَا يَعْمَلُ الْمَرْءُ عن نَفْسِهِ ثُمَّ بَيَّنَ سُفْيَانَ عن عَمْرٍو عن الزُّهْرِيِّ في الحديث ما لم يَدَعْ بَعْدَهُ في قَلْبِ من ليس بِالْفَهْمِ شيئا فقال في الحديث فقالت له أَيَنْفَعُهُ ذلك يا رَسُولَ اللَّهِ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نعم كما لو كان على أَبِيك دَيْنٌ فَقَضَيْته نَفَعَهُ وَتَأْدِيَةُ الدَّيْنِ عَمَّنْ عليه حَيًّا وَمَيِّتًا فَرْضٌ من اللَّهِ عز وجل في كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وفي إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فَأَخْبَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْمَرْأَةَ أَنَّ تَأْدِيَتَهَا عنه فَرِيضَةَ الْحَجِّ نَافِعَةٌ له كما يَنْفَعُهُ تَأْدِيَتُهَا عنه دَيْنًا لو كان عليه وَمَنْفَعَتُهُ إخْرَاجُهُ من المأثم وَإِيجَابُ أَجْرِ تَأْدِيَتِهِ الْفَرْضَ له كما يَكُونُ ذلك في الدَّيْنِ وَلَا شَيْءَ أَوْلَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا مِمَّا جَمَعَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بَيْنَهُ وَنَحْنُ نَجْمَعُ بِالْقِيَاسِ بين ما أَشْبَهَ في وَجْهٍ وَإِنْ خَالَفَهُ في وَجْهٍ غَيْرِهِ إذَا لم يَكُنْ شيئا ( ( ( شيء ) ) ) أَشَدَّ مُجَامَعَةً له منه فَيَرَى أَنَّ الْحُجَّةَ تَلْزَمُ بِهِ الْعُلَمَاءَ فإذا جَمَعَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بين شَيْئَيْنِ فَالْفَرْضُ أَنْ يُجْمَعَ بين ما جَمَعَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسل

(2/113)


بَيْنَهُ وَفِيهِ فَرْقٌ آخَرُ أَنَّ الْعَاقِلَ لِلصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ عنه حتى يُصَلِّيَهَا جَالِسًا إنْ لم يَقْدِرْ على الْقِيَامِ أو مُضْطَجِعًا أو مُومِيًا وَكَيْفَمَا قَدَرَ وَأَنَّ الصَّوْمَ إنْ لم يَقْدِرْ عليه قَضَاهُ فَإِنْ لم يَقْدِرْ على قَضَاءٍ كَفَّرَ وَالْفَرْضُ على الْأَبَدَانِ مُجْتَمِعٌ في أَنَّهُ لَازِمٌ في حَالٍ ثُمَّ يَخْتَلِفُ بِمَا خَالَفَ اللَّهُ عز وجل بَيْنَهُ وَرَسُولُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ بِمَا يُفَرِّقُ بِهِ أَصْحَابُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو بَعْضُ من هو دُونَهُمْ فَاَلَّذِي يُخَالِفُنَا وَلَا يُجِيزُ أَنْ يَحُجَّ أَحَدٌ عن أَحَدٍ يَزْعُمُ أَنَّ من نسى فَتَكَلَّمَ في صَلَاةٍ لم تَفْسُدْ عليه صَلَاتُهُ وَمِنْ نسى فَأَكَلَ في شَهْرِ رَمَضَانَ فَسَدَ صَوْمُهُ وَيَزْعُمُ أَنَّ من جَامَعَ في الْحَجِّ أَهْدَى وَمَنْ جَامَعَ في شَهْرِ رَمَضَانَ تَصَدَّقَ وَمَنْ جَامَعَ في الصَّلَاةِ فَلَا شَيْءَ عليه وَيُفَرِّقُ بين الْفَرَائِضِ فِيمَا لَا يُحْصَى كَثْرَةً وَعِلَّتُهُ في الْفَرْقِ بَيْنَهَا خَبَرٌ وَإِجْمَاعٌ فإذا كانت هذه عِلَّتَهُ فَلِمَ رَدَّ مِثْلَ الذي أَخَذَ بِهِ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عن سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ عن عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنهما قال كان الْفَضْلُ بن عَبَّاسٍ رَدِيفَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ من خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إلَيْهَا وَتَنْظُرُ إلَيْهِ فَجَعَلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إلَى الشِّقِّ الْآخَرِ فقالت يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فريضه اللَّهِ على عِبَادِهِ في الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ على الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ عنه فقال نعم وَذَلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عن بن جُرَيْجٍ قال قال بن شِهَابٍ حدثني سُلَيْمَانُ بن يَسَارٍ عن عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ عن الْفَضْلِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً من خَثْعَمَ قالت يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ عليه في الْحَجِّ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ على ظَهْرِ بَعِيرِهِ قال فَحُجِّي عنه
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا عَمْرُو بن أبي سَلَمَةَ عن عبد الْعَزِيزِ بن مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عن عبد الرحمن بن الحرث الْمَخْزُومِيِّ عن زَيْدِ بن عَلِيِّ بن الْحُسَيْنِ بن عَلِيٍّ عن أبيه عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن أبي رَافِعٍ عن عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ ثُمَّ جَاءَتْ امْرَأَةٌ من خَثْعَمَ فقالت يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبي شَيْخٌ كَبِيرٌ قد أَفْنَدَ وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ على عِبَادِهِ في الْحَجِّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا فَهَلْ يجزئ عنه أَنْ أُؤَدِّيَهَا عنه فقال نعم (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ جَهَّزَ من هو بِهَذِهِ الْحَالِ رَجُلًا فَحَجَّ عنه ثُمَّ أَتَتْ له حَالٌ يَقْدِرُ فيها على الْمَرْكَبِ لِلْحَجِّ وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ لم تُجْزِ تِلْكَ الْحَجَّةُ عنه وكان عليه أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِهِ فَإِنْ لم يَفْعَلْ حتى مَاتَ أو صَارَ إلَى حَالٍ لَا يَقْدِرُ فيها على الْحَجِّ وَجَبَ عليه أَنْ يَبْعَثَ من يَحُجُّ عنه إذَا بَلَغَ تِلْكَ الْحَالَ أو مَاتَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يجزئ عنه حَجُّ غَيْرِهِ بَعْدَ أَنْ لَا يَجِدَ السَّبِيلَ فإذا وَجَدَهَا وَجَبَ عليه الْحَجُّ وكان مِمَّنْ فُرِضَ عليه بِبَدَنِهِ أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِهِ إذَا بَلَغَ تِلْكَ الْحَالَ وما أَوْجَبَ على نَفْسِهِ من حَجٍّ في نَذْرٍ وَتَبَرُّرٍ فَهُوَ مِثْلُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِهِ وَيَحُجُّهُ عنه غَيْرُهُ إذَا جَازَ أَنْ يَحُجَّ عنه حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ جَازَ ذلك فِيمَا أَوْجَبَ على نَفْسِهِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وفي حديث عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَيَانٌ أَنَّ عليه أَدَاءَهَا إنْ قَدَرَ وَإِنْ لم يَقْدِرْ أَدَّاهَا عنه فَأَدَاؤُهَا إيَّاهَا عنه يُجْزِيهِ وَالْأَدَاءُ لَا يَكُونُ إلَّا لِمَا لَزِمَ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن حَنْظَلَةَ بن أبي سُفْيَانَ قال سَمِعْت طَاوُسًا يقول أَتَتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم امْرَأَةٌ فقالت إنَّ أُمِّيَّ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا حَجَّةٌ فقال حُجِّي عن أُمِّك
أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال سمع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم رَجُلًا يقول لَبَّيْكَ عن فُلَانٍ فقال إنْ كُنْت حَجَجْت فَلَبِّ عنه وَإِلَّا فَاحْجُجْ عَنْك
وروى عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه أَنَّ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه قال لِشَيْخٍ كَبِيرٍ لم يَحْجُجْ إنْ شِئْت فَجَهِّزْ رَجُلًا يَحُجُّ عَنْك

(2/114)


- * بَابُ الْخِلَافِ في الْحَجِّ عن الْمَيِّتِ - * (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا أَعْلَمُ أَحَدًا نُسِبَ إلَى عِلْمٍ بِبَلَدٍ يُعْرَفُ أَهْلُهُ بِالْعِلْمِ خَالَفَنَا في أَنْ يُحَجَّ عن الْمَرْءِ إذَا مَاتَ الْحَجَّةَ الْوَاجِبَةَ عنه إلَّا بَعْضُ من أَدْرَكْنَا بِالْمَدِينَةِ وَأَعْلَامُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْأَكَابِرُ من مَاضِي فُقَهَائِهِمْ تَأْمُرُ بِهِ مع سُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ أَمَرَ عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ وبن عَبَّاسٍ بِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وبن الْمُسَيِّبِ وَرَبِيعَةُ وَاَلَّذِي قال لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عن أَحَدٍ قَالَهُ وقد روى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من ثَلَاثَةِ وُجُوهٍ سِوَى ما رَوَى الناس عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من غَيْرِ روايته ( ( ( ذلك ) ) ) أَنَّهُ أَمَرَ بَعْضَ من سَأَلَهُ أَنْ يَحُجَّ عن غَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ ما روى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاحْتَجَّ له بَعْضُ من قال بِقَوْلِهِ بِأَنَّ بن عُمَرَ قال لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عن أَحَدٍ وهو يَرْوِي عن بن عُمَرَ ثَلَاثَةً وَسِتِّينَ حَدِيثًا يُخَالِفُ بن عُمَرَ فيها منها ما يَدَعُهُ لِمَا جاء عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمِنْهَا ما يَدَعُهُ لِمَا جاء عن بَعْضِ أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ومنها ( ( ( منها ) ) ) ما يَدَعُهُ لِقَوْلِ رَجُلٍ من التَّابِعِينَ وَمِنْهَا ما يَدَعُهُ لِرَأْيِ نَفْسِهِ فَكَيْفَ جَازَ لِأَحَدٍ نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ أَنْ يُحِلَّ قَوْلَ بن عُمَرَ عِنْدَهُ في هذا الْمَحَلِّ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُجَّةً على السُّنَّةِ وَلَا يَجْعَلُهُ حُجَّةً على قَوْلِ نَفْسِهِ وكان من حُجَّةِ من قال بهذا الْقَوْلِ أَنْ قال كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ رَجُلٌ عن غَيْرِهِ وَلَيْسَ في سُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَّا اتِّبَاعُهَا بِفَرْضِ اللَّهِ عز وجل كَيْفَ وَالْمَسْأَلَةُ في شَيْءٍ قد ثَبَتَتْ فيه السُّنَّةُ مالا يَسَعُ عَالِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ جَازَ هذا لِأَحَدٍ جَازَ عليه مِثْلُهُ فَقَدْ يُثْبِتُ الذي قال هذا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَشْيَاءَ بِأَضْعَفَ من إسْنَادِ أَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعْضَ الناس أَنْ يَحُجَّ عن بَعْضٍ وَلَهُ في هذا مُخَالِفُونَ كَثِيرٌ منها الْقَطْعُ في رُبْعِ دِينَارٍ وَمِنْهَا بَيْعُ الْعَرَايَا وَمِنْهَا النَّهْيُ عن بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ وَأَضْعَافُ هذه السُّنَنِ فَكَيْفَ جَازَ له على من خَالَفَهُ أَنْ يُثْبِتَ الْأَضْعَفَ وَيَرُدَّ على غَيْرِهِ الْأَقْوَى وَكَيْفَ جَازَ له أَنْ يَقُولَ بِالْقَسَامَةِ وَهِيَ مُخْتَلَفٌ فيها عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ يُخَالِفُهُ فيها وَأَعْطَى فيها بِأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ الدَّمَ وَعَظِيمَ الْمَالِ وهو لَا يُعْطِي بها جُرْحًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا أَقَلَّ من الْمَالِ في غَيْرِهَا فَإِنْ قال ليس في السُّنَّةِ قِيَاسٌ وَلَا عَرْضٌ على الْعَقْلِ فَحَدِيثُ حَجِّ الرَّجُلِ عن غَيْرِهِ أَثْبَتُ من جَمِيعِ ما ذَكَرْت وَأَحْرَى أَنْ لَا يَبْعُدَ عن الْعَقْلِ بعد ما وَصَفْت من الْقَسَامَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ عَادَ فقال بِمَا عَابَ من حَجِّ الْمَرْءِ عن غَيْرِهِ حَيْثُ لو تَرَكَهُ كان أَجْوَزَ له وَتَرَكَهُ حَيْثُ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ فقال إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُحَجَّ عنه حُجَّ عنه من مَالِهِ وَأَصْلُ مَذْهَبِهِ أَنْ لَا يَحُجَّ أَحَدٌ عن أَحَدٍ كما لَا يصلى أَحَدٌ عن أَحَدٍ وقد سَأَلْت بَعْضَ من يَذْهَبُ مَذْهَبَهُ فَقُلْت أَرَأَيْت لو أَوْصَى الرَّجُلُ أَنْ يُصَلَّى أو يُصَامَ عنه بِإِجَارَةٍ أو نَفَقَةٍ غَيْرِ إجَارَةٍ أو تَطَوُّعٍ إيصام أو يُصَلَّى عنه قال لَا وَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ فَقُلْت له فإذا كان إنَّمَا أَبْطَلَ الْحَجَّ لِأَنَّهُ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَكَيْفَ أَجَازَ أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عن غَيْرِهِ بِمَالِهِ ولم يُبْطِلْ الْوَصِيَّةَ فيه كما أَبْطَلَهَا قال أَجَازَهَا الناس قُلْت فَالنَّاسُ الَّذِينَ أَجَازُوهَا أَجَازُوا أَنْ يَحُجَّ الرَّجُلُ عن الرَّجُلِ إذَا أَفْنَدَ وَإِنْ مَاتَ بِكُلِّ حَالٍ وَأَنْتَ لم تُجِزْهَا على ما أَجَازُوهَا عليه مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ ولم تُبْطِلْهَا إبْطَالَك الْوَصِيَّةَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فلم يَكُنْ عِنْدَهُ فيها سُنَّةٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا قِيَاسٌ وَلَا مَعْقُولٌ بَلْ كان عِنْدَهُ خِلَافُ هذا كُلِّهِ وَخِلَافُ ما احْتَجَّ بِهِ عن بن عُمَرَ فما عَلِمْته إذْ قال لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عن أَحَدٍ اسْتَقَامَ عليه وَلَا أَمَرَ بِالْحَجِّ في الْحَالِ التي أَمَرَ بها رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ أَصْحَابُهُ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وما عَلِمْت من رَدَّ الْأَحَادِيثَ من أَهْلِ الْكَلَامِ تَرَوَّحُوا من الْحُجَّةِ عَلَيْنَا إلَى شَيْءٍ تَرَوُّحَهُمْ إلَى إبْطَالِ من أَبْطَلَ أَصْحَابُنَا أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عن الْآخَرِ حَيْثُ أَبْطَلَهَا وَأَشْيَاءَ ق

(2/115)


تَرَكَهَا من السُّنَنِ وَلَا شَغَبَ فيه شَغَبَهُ في هذا فَقُلْنَا لِبَعْضِ من قال ذلك لنا مَذْهَبُك في التَّرَوُّحِ إلَى الْحُجَّةِ بهذا مَذْهَبُ من لَا عِلْمَ له أو من له عِلْمٌ بِلَا نَصَفَةٍ فقال وَكَيْفَ قُلْت أَرَأَيْت ما تَرَوَّحْتَ إلَيْهِ من هذا أَهُوَ قَوْلُ أَحَدٍ يُلْزَمُ قَوْلُهُ فَأَنْتَ تُكْبِرُ خِلَافَهُ أو قَوْلُ آدمى قد يَدْخُلُ عليه ما يَدْخُلُ على الْآدَمِيِّينَ من الْخَطَأِ قال بَلْ قَوْلُ من يَدْخُلُ عليه الْخَطَأُ قُلْنَا فَتَرْكُهُ بِأَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عن غَيْرِهِ حَيْثُ تَرْكُهُ مَرْغُوبٌ عنه غَيْرُ مَقْبُولٍ منه عندنا ( ( ( عندما ) ) ) قال فَهُوَ من أَهْلِ نَاحِيَتِكُمْ قُلْنَا وما زَعَمْنَا أَنَّ أَحَدًا من أَهْلِ زَمَانِنَا وَنَاحِيَتِنَا بريء من أَنْ يُغْفَلَ وَإِنَّهُمْ لِكَالنَّاسِ وما يَحْتَجُّ مُنْصِفٌ على امريء ( ( ( امرئ ) ) ) بِقَوْلِ غَيْرِهِ إنَّمَا يَحْتَجُّ على الْمَرْءِ بِقَوْلِ نَفْسِهِ - * بَابُ الْحَالِ التي يَجِبُ فيها الْحَجُّ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ لم يَكُنْ في مَالِهِ سَعَةٌ يَحُجُّ بها من غَيْرِ أَنْ يَسْتَقْرِضَ فَهُوَ لَا يَجِدُ السَّبِيلَ وَلَكِنْ إنْ كان ذَا عَرَضٍ كَثِيرٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَبِيعَ بَعْضَ عَرَضِهِ أو الِاسْتِدَانَةُ فيه حتى يَحُجَّ فَإِنْ كان له مَسْكَنٌ وَخَادِمٌ وَقُوتُ أَهْلِهِ بِقَدْرِ ما يَرْجِعُ من الْحَجِّ إنْ سَلِمَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ كان له قُوتُ أَهْلِهِ أو ما يَرْكَبُ بِهِ لم يَجْمَعْهُمَا فَقُوتُ أَهْلِهِ أَلْزَمُ له من الْحَجِّ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَا يَجِبُ عليه الْحَجُّ حتى يَضَعَ لِأَهْلِهِ قُوتَهُمْ في قَدْرِ غَيْبَتِهِ وَلَوْ آجَرَ رَجُلٌ نَفْسَهُ من رَجُلٍ يَخْدُمُهُ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ معه أَجْزَأَتْ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ أَنَّهُ لم يَنْتَقِضْ من عَمَلِ الْحَجِّ بِالْإِجَارَةِ شَيْءٌ إذَا جاء بِالْحَجِّ بِكَمَالِهِ وَلَا يَحْرُمُ عليه أَنْ يَقُومَ بِأَمْرِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ أَنْ يَنْقُضَ من عَمَلِ الْحَجِّ شيئا كما يَقُومُ بِأَمْرِ نَفْسِهِ إذَا جاء بِمَا عليه وَكَمَا يَتَطَوَّعُ فَيَخْدُمُ غَيْرَهُ لِثَوَابٍ أو لِغَيْرِ ثَوَابٍ
أخبرنا مُسْلِمٌ وَسَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فقال أو آجُرُ نَفْسِي من هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَنْسُكَ مَعَهُمْ الْمَنَاسِكَ ألى إجر فقال بن عَبَّاسٍ نعم { أُولَئِكَ لهم نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ في حُمْلَانِ غَيْرِهِ وَمُؤْنَتِهِ أَجْزَأَتْ عنه حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وقد حَجَّ مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَفَرٌ حَمَلَهُمْ فَقَسَمَ بين عَوَامِّهِمْ غَنَمًا من مَالِهِ فَذَبَحُوهَا عَمَّا وَجَبَ عليهم وَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ مَلَكُوا ما أَعْطَاهُمْ من الْغَنَمِ فَذَبَحُوا ما مَلَكُوا وَمِنْ كَفَاهُ غَيْرُهُ مُؤْنَتَهُ أَجْزَأَتْ عنه مُتَطَوِّعًا أو بِأُجْرَةٍ لم يَنْتَقِضْ حَجُّهُ إذَا أتى بِمَا عليه من الْحَجِّ وَمُبَاحٌ له أَنْ يَأْخُذَ الْأُجْرَةَ وَيَقْبَلَ الصِّلَةَ غَنِيًّا كان أو فَقِيرًا الصله لَا تَحْرُمُ على أَحَدٍ من الناس إنَّمَا تَحْرُمُ الصَّدَقَةُ على بَعْضِ الناس وَلَيْسَ عليه إذَا لم يَجِدْ مَرْكَبًا أَنْ يَسْأَلَ وَلَا يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ وأنما السَّبِيلُ الذي يُوجِبُ الْحَجَّ أَنْ يَجِدَ الْمُؤْنَةَ وَالْمَرْكَبَ من شَيْءٍ كان يَمْلِكُهُ قبل الْحَجِّ أو في وَقْتِهِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ ما أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَ الْحَجِّ مَاشِيًا إذَا قَدَرَ عليه ولم يَقْدِرْ على مَرْكَبٍ رَجُلٌ أو امْرَأَةٌ وَالرَّجُلُ فيه أَقَلُّ عُذْرًا من الْمَرْأَةِ وَلَا يَبِينُ لي أَنْ أُوجِبَهُ عليه لِأَنِّي لم أَحْفَظْ عن أَحَدٍ من الْمُفْتِينَ أَنَّهُ أَوْجَبَ على أَحَدٍ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا وقد رَوَى أَحَادِيثَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تَدُلُّ على أَنْ لَا يَجِبَ الْمَشْيُ على أَحَدٍ إلَى الْحَجِّ وَإِنْ أَطَاقَهُ غير أَنَّ منها مُنْقَطِعَةً وَمِنْهَا ما يَمْتَنِعُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ من تَثْبِيتِهِ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن إبْرَاهِيمَ بن يَزِيدَ عن مُحَمَّدِ بن عَبَّادِ بن جَعْفَرٍ قال قَعَدْنَا إلَى عبد اللَّهِ بن عُمَرَ فَسَمِعْته يقول سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال ما الْحَاجُّ فقال الشَّعِثُ التَّفِلُ فَقَامَ آخَرُ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ قال الْعَجُّ وَالثَّجُّ فَقَامَ آخَرُ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ ما السَّبِيلُ فقال زَادٌ وَرَاحِلَةٌ ( قال )
وروى عن شَرِيكِ بن أبي نِمْرٍ عَمَّنْ سمع أَنَسَ بن مَالِكٍ يحدث عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال السَّبِيلُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ - * بَابُ الِاسْتِسْلَافِ لِلْحَجِّ - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عن طَارِقِ بن عبد الرحمن عن عبد اللَّهِ بن أبي أَوْفَى صَاحِبِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال سَأَلْته عن الرَّجُلِ لم يَحُجَّ أَيَسْتَقْرِضُ لِلْحَجِّ قال لَا

(2/116)


- * بَابُ حَجِّ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَإِنْ قال قَائِلٌ فَهَلْ من شَيْءٍ يُشْبِهُ غير ما ذَكَرْت قِيلَ نعم ما لَا يُخَالِفُنَا فيه أَحَدٌ عَلِمْته من أَنَّ الْمَرْأَةَ يَلْزَمُهَا الْحَقُّ وَتَثْبُتُ عليها الدَّعْوَى بِبَلَدٍ لَا قَاضِيَ بِهِ فَتُجْلَبُ من ذلك الْبَلَدِ وَلَعَلَّ الدَّعْوَى تَبْطُلُ عنها أو تأتى بِمَخْرَجٍ من حَقٍّ لو ثَبَتَ عليها مَسِيرَةُ أَيَّامٍ مع غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ إذَا كانت مَعَهَا امْرَأَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قال في الْمُعْتَدَّاتِ { وَلَا يَخْرُجْنَ إلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ } فَقِيلَ يُقَامُ عليها الْحَدُّ فإذا كان هذا هَكَذَا فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عز وجل أَنَّهُ لم يَمْنَعْهَا الْخُرُوجَ من حَقٍّ لَزِمَهَا وَإِنْ لم يَكُنْ هَكَذَا وكان خُرُوجُهَا فَاحِشَةً فَهِيَ بِالْمَعْصِيَةِ بِالْخُرُوجِ إلَى غَيْرِ حَقٍّ أَلْزَمُ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على هذا قِيلَ لم يَخْتَلِفْ الناس فِيمَا عَلِمْته أَنَّ الْمُعْتَدَّةَ تَخْرُجُ من بَيْتِهَا لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عليها وَكُلِّ حَقٍّ لَزِمَهَا وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ على أنها تَخْرُجُ من بَيْتِهَا لِلنِّدَاءِ كما أَخْرَجَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ فإذا كان الْكِتَابُ ثُمَّ السُّنَّةُ يَدُلَّانِ مَعًا وَالْإِجْمَاعُ في مَوْضِعٍ على أَنَّ الْمَرْأَةَ في الْحَالِ التي هِيَ مَمْنُوعَةٌ فيها من خُرُوجٍ إلَى سَفَرٍ أو خُرُوجٍ من بَيْتِهَا في الْعِدَّةِ إنَّمَا هو على أنها مَمْنُوعَةٌ مِمَّا لَا يَلْزَمُهَا وَلَا يَكُونُ سَبِيلًا لِمَا يَلْزَمُهَا وما لها تَرْكُهُ فَالْحَجُّ لَازِمٌ وَهِيَ له مُسْتَطِيعَةٌ بِالْمَالِ وَالْبَدَنِ وَمَعَهَا امْرَأَةٌ فَأَكْثَرُ ثِقَةً فإذا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ الْمَحِيضَ أو اسْتَكْمَلَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَلَا مَالَ لها تُطِيقُ بِهِ الْحَجَّ يُجْبَرُ أَبَوَاهَا وَلَا ولى لها وَلَا زَوْجُ الْمَرْأَةِ على أَنْ يُعْطِيَهَا من مَالِهِ ما يُحِجُّهَا بِهِ ( قال ) وَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ الْحَجَّ مَاشِيًا وكان مِمَّنْ يُطِيقُ ذلك لم يَكُنْ لِأَبِيهِ وَلَا لِوَلِيِّهِ مَنْعُهُ من ذلك ( قال ) وَلَوْ أَرَادَتْ الْمَرْأَةُ الْحَجَّ مَاشِيَةً كان لِوَلِيِّهَا مَنْعُهَا من الْمَشْيِ فِيمَا لَا يَلْزَمُهَا ( قال ) وإذا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ قَادِرَةً بِنَفْسِهَا وَمَالِهَا على الْحَجِّ فَأَرَادَ وَلِيُّهَا مَنْعَهَا من الْحَجِّ أو أَرَادَهُ زَوْجُهَا مَنَعَهَا منه ما لم تُهِلَّ بِالْحَجِّ لِأَنَّهُ فَرْضٌ بِغَيْرِ وَقْتٍ إلَّا في الْعُمْرِ كُلِّهِ فَإِنْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ بِإِذْنِهِ لم يَكُنْ له مَنْعُهَا وَإِنْ أَهَلَّتْ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عليه تَخْلِيَتَهَا وَمَنْ قال هذا الْقَوْلَ لَزِمَهُ عِنْدِي أَنْ يَقُولَ لو تَطَوَّعَتْ فَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ أَنَّ عليه تَخَلَّيْتهَا من قِبَلِ أَنَّ من دخل في الْحَجِّ مِمَّنْ قَدَرَ عليه لم يَكُنْ له الْخُرُوجُ منه وَلَزِمَهُ غير أنها إذَا تَنَفَّلَتْ بِصَوْمٍ لم يَكُنْ له مَنْعُهَا وَلَزِمَهُ عِنْدِي في قَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ ذلك في الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ كَمَنْ أُحْصِرَ فَتَذْبَحُ وَتُقَصِّرُ وَتُحِلُّ وَيَكُونُ ذلك لِزَوْجِهَا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ وَمُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ قال في الْمَرْأَة تُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيَمْنَعُهَا زَوْجُهَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحَصْرِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَأُحِبُّ لِزَوْجِهَا أَنْ لَا يَمْنَعَهَا فَإِنْ كان وَاجِبًا عليه أَنْ لَا يَمْنَعَهَا كان قد أَدَّى ما عليه وَأَنَّ له تَرْكَهُ إيَّاهَا أَدَاءَ الْوَاجِبِ وَإِنْ كان تَطَوُّعًا أُجِرَ عليه إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - * الْخِلَافُ في هذا الْبَابِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى مَعْنًى سَأَصِفُ ما كَلَّمَنِي بِهِ وَمَنْ قال قَوْلَهُ فَزَعَمَ أَنَّ فَرْضَ الْحَجِّ على الْمُسْتَطِيعِ إذَا لَزِمَهُ في وَقْتٍ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ فيه فَتَرَكَهُ في أَوَّلِ ما يُمْكِنُهُ كان آثِمًا بِتَرْكِهِ وكان كَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وهو يَقْدِرُ على صَلَاتِهَا حتى ذَهَبَ الْوَقْتُ وكان إنَّمَا يُجْزِئُهُ حَجُّهُ بَعْدَ أَوَّلِ سَنَةٍ من مَقْدِرَتِهِ عليه
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا كان فِيمَا يروي عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ما يَدُلُّ على أَنَّ السَّبِيلَ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ وَكَانَتْ الْمَرْأَةُ تَجِدُهُمَا وَكَانَتْ مع ثِقَةٍ من النِّسَاءِ في طَرِيقٍ مَأْهُولَةٍ آمِنَةٍ فَهِيَ مِمَّنْ عليه الْحَجُّ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنْ لم يَكُنْ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَسْتَثْنِ فِيمَا يُوجِبُ الْحَجَّ إلَّا الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ وَإِنْ لم تَكُنْ مع حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ من النِّسَاءِ فَصَاعِدًا لم تَخْرُجْ مع رِجَالٍ لَا امْرَأَةَ مَعَهُمْ وَلَا مَحْرَمَ لها منهم وقد بَلَغَنَا عن عَائِشَةَ وبن عُمَرَ وبن الزُّبَيْرِ مِثْلُ قَوْلِنَا في أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ لِلْحَجِّ وَإِنْ لم يَكُنْ مَعَهَا مَحْرَمٌ
أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ قال سُئِلَ عَطَاءٌ عن امْرَأَةٍ ليس مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلَا زَوْجَ مَعَهَا وَلَكِنْ مَعَهَا وَلَائِدُ وَمَوْلَيَاتٌ يَلِينَ إنْزَالَهَا وَحِفْظَهَا وَرَفْعَهَا قال نعم فَلْتَحُجَّ

(2/117)


قَضَاءً كما تَكُونُ الصَّلَاةُ بَعْدَ ذَهَابِ الْوَقْتِ قَضَاءً ثُمَّ أَعْطَانَا بَعْضُهُمْ ذلك في الصَّلَاةِ إذَا دخل وَقْتُهَا الْأَوَّلُ فَتَرَكَهَا فَإِنْ صَلَّاهَا في الْوَقْتِ وَفِيمَا نَذَرَ من صَوْمٍ أو وَجَبَ عليه بِكَفَّارَةٍ أو قَضَاءٍ فقال فيه كُلِّهِ مَتَى أَمْكَنَهُ فَأَخَّرَهُ فَهُوَ عَاصٍ بِتَأْخِيرِهِ ثُمَّ قال في الْمَرْأَةِ يُجْبَرُ أَبُوهَا وَزَوْجُهَا على تَرْكِهَا لِهَذَا الْمَعْنَى وَقَالَهُ معه غَيْرُهُ مِمَّنْ يفتى وَلَا أَعْرِفُ فيه حُجَّةً إلَّا ما وَصَفْت من مَذْهَبِ بَعْضِ أَهْلِ الْكَلَامِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال لي بَعْضُهُمْ فَصِفْ لي وَقْتَ الْحَجِّ فَقُلْت الْحَجُّ ما بين أَنْ يَجِبَ على من وَجَبَ عليه إلَى أَنْ يَمُوتَ أو يَقْضِيَهُ فإذا مَاتَ عَلِمْنَا أَنَّ وَقْتَهُ قد ذَهَبَ قال ما الدَّلَالَةُ على ذلك قُلْت ما وَصَفْت من تَأْخِيرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَزْوَاجِهِ وَكَثِيرٍ مِمَّنْ معه وقد أَمْكَنَهُمْ الْحَجُّ قال فَمَتَى يَكُونُ فَائِتًا قُلْت إذَا مَاتَ قبل أَنْ يُؤَدِّيَهَا أو بَلَغَ مالا يَقْدِرُ على أَدَائِهِ من الْإِفْنَادِ قال فَهَلْ يقضي عنه قُلْت نعم قال أَفَتُوجِدُنِي مِثْلَ هذا قُلْت نعم يَكُونُ عليه الصَّوْمُ في كل ما عَدَا شَهْرَ رَمَضَانَ فإذا مَاتَ قبل أَنْ يُؤَدِّيَهُ وقد أَمْكَنَهُ كَفَّرَ عنه لِأَنَّهُ كان قد أَمْكَنَهُ فَتَرَكَهُ وَإِنْ مَاتَ قبل أَنْ يُمْكِنَهُ لم يُكَفِّرْ عنه لِأَنَّهُ لم يُمْكِنْهُ أَنْ يُدْرِكَهُ قال أَفَرَأَيْت الصَّلَاةَ قُلْت مُوَافِقَةٌ لِهَذَا في مَعْنًى مُخَالِفَةٌ له في آخَرَ قال وما الْمَعْنَى الذي تُوَافِقُهُ فيه قُلْت إنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتَيْنِ أَوَّلٌ وَآخَرُ فَإِنْ أَخَّرَهَا عن الْوَقْتِ الْأَوَّلِ كان غير مُفَرِّطٍ حتى يَخْرُجَ الْوَقْتُ الْآخَرُ فإذا خَرَجَ الْوَقْتُ قبل أَنْ يصلى كان آثِمًا بِتَرْكِهِ ذلك وقد أَمْكَنَهُ غير أَنَّهُ لَا يصلى أَحَدٌ عن أَحَدٍ قال وَكَيْفَ خَالَفْت بَيْنَهُمَا قُلْت بِمَا خَالَفَ اللَّهُ ثُمَّ رَسُولُهُ بَيْنَهُمَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضِي صَوْمًا وَلَا تَقْضِي صَلَاةً وَلَا تُصَلِّي وَتَحُجُّ وَأَنَّ من أَفْسَدَ صَلَاتَهُ بِجِمَاعٍ أَعَادَ بِلَا كَفَّارَةٍ في شَيْءٍ منها وَأَنَّ من أَفْسَدَ صَوْمَهُ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ وَأَعَادَ وَأَنَّ من أَفْسَدَ حَجَّهُ بِجِمَاعٍ كَفَّرَ غير كَفَّارَةِ الصِّيَامِ وَأَعَادَ قال قد أَرَى افْتِرَاقَهُمَا فَدَعْ ذِكْرَهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَإِنْ قال قَائِلٌ فَكَيْفَ لم تَقُلْ في الْمَرْأَةِ تُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيَمْنَعُهَا وَلِيُّهَا أَنَّهُ لَا حَجَّ عليها وَلَا دَمَ إذْ لم يَكُنْ لها ذلك وَتَقُولُ ذلك في الْمَمْلُوكِ قُلْت إنَّمَا أَقُولُ لَا حَجَّ عليها وَلَا دَمَ على من كان لَا يَجُوزُ له بِحَالٍ أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا في الْوَقْتِ الذي يُحْرِمُ فيه وَالْإِحْرَامُ لِهَذَيْنِ جَائِزٌ بِأَحْوَالٍ أو حَالٍ لَيْسَا مَمْنُوعَيْنِ منه بِالْوَقْتِ الذي أَحْرَمَا فيه إنَّمَا كَانَا مَمْنُوعَيْنِ منه بِأَنَّ لِبَعْضِ الْآدَمِيِّينَ عَلَيْهِمَا الْمَنْعَ وَلَوْ خَلَّاهُمَا كان إحْرَامًا صَحِيحًا عنهما مَعًا فَإِنْ قال فَكَيْفَ قُلْت لَيُهْرِيقَا الدَّمَ في مَوْضِعِهِمَا قُلْت نَحَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْحُدَيْبِيَةِ في الْحِلِّ إذْ أُحْصِرَ فَإِنْ قال وَيُشْبِهُ هذا الْمُحْصَرَ قِيلَ لَا أَحْسِبُ شيئا أَوْلَى
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وقال لي نَفَرٌ منهم نَسْأَلُك من أَيْنَ قُلْت في الْحَجِّ لِلْمَرْءِ أَنْ يُؤَخِّرَهُ وقد أَمْكَنَهُ فَإِنْ جَازَ ذلك جَازَ لَك ما قُلْت في الْمَرْأَةِ قُلْت اسْتِدْلَالًا مع كِتَابِ اللَّهِ عز وجل بِالْحُجَّةِ اللَّازِمَةِ قالوا فَاذْكُرْهَا قُلْت نعم نَزَلَتْ فَرِيضَةُ الْحَجِّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَأَمَّرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَبَا بَكْرٍ على الْحَاجِّ وَتَخَلَّفَ هو عن الْحَجِّ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ من تَبُوكَ لَا مُحَارِبًا وَلَا مَشْغُولًا وَتَخَلَّفَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ قَادِرِينَ على الْحَجِّ وَأَزْوَاجُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَوْ كان هذا كما تَقُولُونَ لم يَتَخَلَّفْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن فَرْضٍ عليه لِأَنَّهُ لم يَصِلْ إلَى الْحَجِّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ إلَّا في حَجَّةِ الْإِسْلَامِ التي يُقَالُ لها حَجَّةُ الْوَدَاعِ ولم يَدَعْ مُسْلِمًا يَتَخَلَّفُ عن فَرْضِ اللَّهِ تَعَالَى عليه وهو قَادِرٌ عليه وَمَعَهُمْ أُلُوفٌ كلهم قَادِرٌ عليه لم يَحُجَّ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْحَجِّ وَصَلَّى جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم في وَقْتَيْنِ وقال ما بين هَذَيْنِ وَقْتٌ وقد أَعْتَمَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْعَتَمَةِ حتى نَامَ الصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ وَلَوْ كان كما تَصِفُونَ صَلَّاهَا حين غَابَ الشَّفَقُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنها إنْ كان لَيَكُونُ على الصَّوْمُ من شَهْرِ رَمَضَانَ فما أَقْدِرُ على أَنْ أَقْضِيَهُ حتى شَعْبَانَ وروى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا وزوجها ( ( ( زوجها ) ) ) شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ

(2/118)


أَنْ يُقَاسَ عليه من الْمُحْصَرِ وهو في بَعْضِ حَالَاتِهِ في أَكْثَرَ من مَعْنَى الْمُحْصَرِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُحْصَرَ مَانِعٌ من الأدميين بِخَوْفٍ من الْمَمْنُوعِ فَجَعَلَ له الْخُرُوجَ من الْإِحْرَامِ وَإِنْ كان الْمَانِعُ من الْآدَمِيِّينَ مُتَعَدِّيًا بِالْمَنْعِ فإذا كان لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَالْمَمْلُوكِ مَانِعٌ من الْآدَمِيِّينَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ كَانَا مُجَامِعَيْنِ له في مَنْعِ بَعْضِ الْآدَمِيِّينَ وفي أَكْثَرَ منه من أَنَّ الْآدَمِيَّ الذي مَنَعَهُمَا له مَنْعُهُمَا (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ ذَهَبَ هذا الْمَذْهَبَ قَاسَهُ على ما يَلْزَمُهُ من هدى الْمُتْعَةِ فإن اللَّهَ عز وجل يقول { فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ } فَلَوْ لم يَجِدْ هَدْيًا ولم يَصُمْ لم يَمْنَعْهُ ذلك من أَنْ يُحِلَّ من عُمْرَتِهِ وَحَجِّهِ وَيَكُونُ عليه بَعْدَهُ الهدى أو الطَّعَامُ فَيُقَالُ إذَا كان لِلْمُحْصَرِ أَنْ يُحِلَّ بِدَمٍ يَذْبَحُهُ فلم يَجِدْهُ حَلَّ وَذَبَحَ مَتَى وَجَدَ أو جاء بِالْبَدَلِ من الذَّبْحِ إذَا كان له بَدَلٌ وَلَا يَحْبِسُ للهدى حَرَامًا على أَنْ يُحِلَّ في الْوَقْتِ الذي يُؤْمَرُ فيه بِالْإِحْلَالِ وَقَاسَهُ من وَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا على ما يَلْزَمُهُ من جَزَاءِ الصَّيْدِ فإن اللَّهَ تَعَالَى يقول { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أو كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أو عَدْلُ ذلك صِيَامًا } فيقول إنَّ اللَّهَ عز وجل لَمَّا ذَكَرَ الهدى في هذا الْمَوْضِعِ وَجَعَلَ بَدَلَهُ غَيْرَهُ وَجَعَلَ في الْكَفَّارَاتِ أَبْدَالًا ثُمَّ ذَكَرَ في الْمُحْصَرِ الدَّمَ ولم يذكر غَيْرَهُ كان شَرْطُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْإِبْدَالَ في غَيْرِهِ مِمَّا يَلْزَمُ وَلَا يَجُوزُ لِلْعَالِمِ أَنْ يَجْعَلَ ما أُنْزِلَ مِمَّا يَلْزَمُ في النُّسُكِ مُفَسَّرًا دَلِيلًا على ما أُنْزِلَ مُجْمَلًا فَيَحْكُمُ في الْمُجْمَلِ حُكْمَ الْمُفَسَّرِ كما قُلْنَا في ذِكْرِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ في قَتْلٍ مِثْلُهَا رَقَبَةٌ في الظِّهَارِ وَإِنْ لم يذكر مُؤْمِنَةً فيه وَكَمَا قُلْنَا في الشُّهُودِ حين ذُكِرُوا عُدُولًا وَذُكِرُوا في مَوْضِعٍ آخَرَ فلم يَشْتَرِطْ فِيهِمْ الْعُدُولَ هُمْ عُدُولٌ في كل مَوْضِعٍ على ما شَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى في الْغَيْرِ حَيْثُ شَرَطَهُ فَاسْتَدْلَلْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ على أَنَّ حُكْمَ الْمُجْمَلِ حُكْمُ الْمُفَسَّرِ إذَا كَانَا في مَعْنًى وَاحِدٍ وَالْبَدَلُ ليس بِزِيَادَةٍ وقد يأتى مَوْضِعٌ من حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَا نَقُولُ هذا فيه هذا ليس بِالْبَيِّنِ أَنَّ لَازِمًا أَنْ نَقُولَ هذا في دَمِ الْإِحْصَارِ كُلَّ الْبَيَانِ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ وهو مُجْمَلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) في الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ من زَوْجٍ له عليها الرَّجْعَةُ تُهِلُّ بِالْحَجِّ إنْ رَاجَعَهَا فَلَهُ مَنْعُهَا وَإِنْ لم يُرَاجِعْهَا مَنَعَهَا حتى تنقضى الْعِدَّةُ فإذا انْقَضَتْ الْعِدَّةُ فَهِيَ مَالِكَةٌ لِأَمْرِهَا وَيَكُونُ لها أَنْ تُتِمَّ على الْحَجِّ وَهَكَذَا الْمَالِكَةُ لِأَمْرِهَا الثَّيِّبُ تُحْرِمُ يُمْنَعُ وَلِيُّهَا من حَبْسِهَا وَيُقَالُ لِوَلِيِّهَا إنْ شِئْت فَاخْرُجْ مَعَهَا وَإِلَّا بَعَثْنَا بها مع نِسَاءٍ ثِقَاتٍ فَإِنْ لم تَجِدْ نِسَاءَ ثِقَةٍ لم يَكُنْ لها في سَفَرٍ أَنْ تَخْلُوَ بِرَجُلٍ وَلَا امْرَأَةَ مَعَهَا فَإِنْ قال قَائِلٌ كَيْفَ لم تُبْطِلْ إحْرَامَهَا إذَا أَحْرَمَتْ في الْعِدَّةِ قُلْت إذَا كانت تَجِدُ السَّبِيلَ إلَيْهِ بِحَالٍ لم أُعَجِّلْ بِإِبْطَالِهِ حتى أَعْلَمَ أَنْ لَا تَجِدَ السَّبِيلَ إلَيْهِ وَإِنْ أَهَلَّتْ في عِدَّةٍ من وَفَاةٍ أو هِيَ قد أتى على طَلَاقِهَا لَزِمَهَا الْإِهْلَالُ وَمَنَعَهَا الْخُرُوجَ حتى تُتِمَّ عِدَّتَهَا فَإِنْ انْقَضَتْ خَرَجَتْ فَإِنْ أَدْرَكَتْ حَجًّا وَإِلَّا حَلَّتْ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَلِمَ لَا تَجْعَلُهَا مُحْصَرَةً بِمَانِعِهَا قُلْت له مَنْعُهَا إلَى مُدَّةٍ فإذا بَلَغَتْهَا لم يَكُنْ له مَنْعُهَا وَبُلُوغُهَا أَيَّامٍ يأتى عليها ليس مَنْعُهَا بِشَيْءٍ إلَى غَيْرِهَا وَلَا يَجُوزُ لها الْخُرُوجُ حتى يأذن لها فإذا بلغتها لم يكن لغيرها سبيل عليها بمنعها منه والعبد إذا منعه سيده لم يكن عليه تخليته فإن قِيلَ قد يَعْتِقُ قيل ( ( ( قبل ) ) ) عِتْقِهِ شَيْءٌ يُحْدِثُهُ غَيْرُهُ له أو لَا يُحْدِثُهُ وَلَيْسَ كَالْمُعْتَدَّةِ فِيمَا لِمَانِعِهَا من مَنْعِهَا فان ( ( ( فلو ) ) ) أَهَلَّ عَبْدٌ بِحَجٍّ فَمَنَعَهُ سَيِّدُهُ حَلَّ وَإِنْ عَتَقَ بعد ما يُحِلُّ فَلَا حَجَّ عليه إلَّا حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَإِنْ عَتَقَ قبل أَنْ يُحِلَّ مَضَى في إحْرَامِهِ كما يُحْصَرُ الرَّجُلُ بِعَدُوٍّ فَيَكُونُ له أَنْ يُحِلَّ فَإِنْ لم يُحِلَّ حتى يَأْمَنَ الْعَدُوَّ لم يَكُنْ له أَنْ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) في الْعَبْدِ يُهِلُّ بِالْحَجِّ من غَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ فَأَحَبُّ إلى أَنْ يَدَعَهُ سَيِّدُهُ وَلَهُ مَنْعُهُ وإذا مَنَعَهُ فَالْعَبْدُ كَالْمُحْصَرِ لَا يَجُوزُ فيه إلَّا قَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَحَدُهُمَا أَنْ ليس عليه إلَّا دَمٌ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ فَيُحِلُّ إذَا كان عَبْدًا غير وَاجِدٍ لِلدَّمِ وَمَتَى عَتَقَ وَوَجَدَ ذَبَحَ وَمَنْ قال هذا في الْعَبْدِ قَالَهُ في الْحُرِّ يُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ وهو لَا يَجِدُ شيئا يَحْلِقُ وَيُحِلُّ وَمَتَى أَيْسَرَ أَدَّى الدَّمَ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ تُقَوَّمَ الشَّاةُ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمُ طَعَامًا فَإِنْ وَجَدَ الطَّعَامَ تَصَدَّقَ بِهِ وَإِلَّا صَامَ عن كل مُدٍّ يَوْمًا وَالْعَبْدُ بِكُلِّ حَالٍ ليس بِوَاجِدٍ فَيَصُومُ

(2/119)


يُحِلَّ وكان عليه أَنْ يَمْضِيَ في إحْرَامِهِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مَالِكَةً لِأَمْرِهَا أَهَلَّتْ بِحَجٍّ ثُمَّ نُكِحَتْ لم يَكُنْ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا من الْحَجِّ لِأَنَّهُ لَزِمَهَا قبل أَنْ يَكُونَ له مَنْعُهَا وَلَا نَفَقَةَ لها عليه في مُضِيِّهَا وَلَا في إحْرَامِهَا في الْحَجِّ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ لِنَفْسِهَا بِغَيْرِ إذْنِهِ كان مَعَهَا في حَجِّهَا أو لم يَكُنْ وَلَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمَةِ وَلَا الْمُحْرِمِ ( قال الرَّبِيعُ ) هذه الْمَسْأَلَةُ فيها غَلَطٌ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ يقول لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمَةِ وَلَا الْمُحْرِمِ فلما أَهَلَّتْ هذه بِحَجٍّ ثُمَّ نُكِحَتْ كان نِكَاحُهَا بَاطِلًا ولم يَكُنْ لها زَوْجٌ يَمْنَعُهَا وَتَمْضِي في حَجِّهَا وَلَيْسَ لها زَوْجٌ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ لها لِأَنَّهَا لَيْسَتْ في أَحْكَامِ الزَّوْجَاتِ وَلَعَلَّ الشَّافِعِيَّ إنَّمَا حَكَى هذا الْقَوْلَ في قَوْلِ من يُجِيزُ نِكَاحَ الْمُحْرِمِ فَأَمَّا قَوْلُهُ فإنه لَا يَجُوزُ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَلَا الْمُحْرِمَةِ وَهَذَا له في كِتَابِ الشِّغَارِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وإذا احْتَلَمَ الْغُلَامُ أو حَاضَتْ الْجَارِيَةُ وَإِنْ لم يَسْتَكْمِلَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أو اسْتَكْمَلَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً قبل الْبُلُوغِ وَهُمَا غَيْرُ مَغْلُوبَيْنِ على عُقُولِهِمَا وَاجِدَانِ مَرْكَبًا وَبَلَاغًا مُطِيقَانِ الْمَرْكَبَ غير مَحْبُوسَيْنِ عن الْحَجِّ بِمَرَضٍ وَلَا سُلْطَانٍ وَلَا عَدُوٍّ وَهُمَا في الْوَقْتِ الذي بَلَغَا فيه قَادِرَانِ بِمَوْضِعٍ لو خَرَجَا منه فَسَارَا بِسَيْرِ الناس قَدْرًا على الْحَجِّ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا الْحَجُّ فَإِنْ لم يَفْعَلَا حتى مَاتَا فَقَدْ لَزِمَهُمَا الْحَجُّ وَعَلَيْهِمَا بِأَنَّهُمَا قَادِرَانِ عليه في وَقْتٍ يُجْزِئُ عنهما لو مَضَيَا فيه حتى يُقْضَى عنهما الْحَجُّ وَإِنْ كَانَا بِمَوْضِعٍ يَعْلَمَانِ أَنْ لو خَرَجَا عِنْدَ بُلُوغِهِمَا لم يُدْرِكَا الْحَجَّ لِبُعْدِ دَارِهِمَا أو دُنُوِّ الْحَجِّ فلم يَخْرُجَا لِلْحَجِّ ولم يَعِيشَا حتى أتى عَلَيْهِمَا حَجٌّ قَابِلٌ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِمَا وَمَنْ لم يَجِبْ الْحَجُّ عليه فَيَدَعُهُ وهو لو حَجَّ أَجْزَأَهُ لم يَكُنْ عليه قَضَاؤُهُ وَلَوْ كَانَا إذَا بَلَغَا فَخَرَجَا يَسِيرَانِ سَيْرًا مُبَايِنًا لِسَيْرِ الناس في السُّرْعَةِ حتى يَسِيرَا مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ في سَيْرِ الْعَامَّةِ في يَوْمٍ وَمَسِيرَةَ ثَلَاثٍ في يَوْمَيْنِ لم يَلْزَمْهُمَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَسِيرَا سَيْرًا يُخَالِفُ سَيْرَ الْعَامَّةِ فَهَذَا كُلُّهُ لو فَعَلَا كان حَسَنًا وَلَوْ بَلَغَا عَاقِلَيْنِ ثُمَّ لم يَأْتِ عَلَيْهِمَا مَخْرَجُ أَهْلِ بِلَادِهِمَا حتي غَلَبَ على عُقُولِهِمَا ولم تَرْجِعْ إلَيْهِمَا عُقُولُهُمَا في وَقْتٍ لو خَرَجَا فيه أَدْرَكَا حَجًّا لم يَلْزَمْهُمَا أَنْ يُحَجَّ عنهما وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمَا أَنْ يُحَجَّ عنهما إذَا أتى عَلَيْهِمَا وَقْتٌ يَعْقِلَانِ فيه ثُمَّ لم تَذْهَبْ عُقُولُهُمَا حتى يأتى عَلَيْهِمَا وَقْتٌ لو خَرَجَا فيه إلَى الْحَجِّ بَلَغَاهُ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما فَرْقٌ بين الْمَغْلُوبِ على عَقْلِهِ وَبَيْنَ الْمَغْلُوبِ بِالْمَرَضِ قِيلَ الْفَرَائِضُ على الْمَغْلُوبِ على عَقْلِهِ زَائِلَةٌ في مدته ( ( ( مدتها ) ) ) كُلِّهَا وَالْفَرَائِضُ على الْمَغْلُوبِ بِالْمَرَضِ الْعَاقِلِ على بَدَنِهِ غَيْرُ زَائِلَةٍ في مُدَّتِهِ وَلَوْ حَجَّ الْمَغْلُوبُ على عَقْلِهِ لم يُجْزِ عنه لَا يجزئ عَمَلٌ على الْبَدَنِ لَا يَعْقِلُ عَامِلُهُ قِيَاسًا على قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } وَلَوْ حَجَّ الْعَاقِلُ الْمَغْلُوبُ بِالْمَرَضِ أَجْزَأَ عنه وَلَوْ كان بُلُوغُهُمَا في عَامِ جَدْبٍ الْأَغْلَبُ فيه على الناس خَوْفُ الْهَلَكَةِ بِالْعَطَشِ في سَفَرِ أَهْلِ نَاحِيَةٍ هُمَا فيها أو لم يَكُنْ ما لَا بُدَّ لهم منه من عَلَفٍ مَوْجُودٍ فيه أو في خَوْفٍ من عَدُوٍّ لَا يَقْوَى جَمَاعَةٌ حَاجٌّ مِصْرُهُمَا عليه أو اللُّصُوصُ كَذَلِكَ أَشْبَهَ هذا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ من أَرَادَ فيه الْحَجَّ غير مُسْتَطِيعٍ له فَيَكُونُ غير لَازِمٍ له بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ فَإِنْ مَاتَ قبل أَنْ يُمْكِنَهُ الْحَجُّ بِتَغَيُّرِ هذا لم يَكُنْ عليه حَجٌّ وَكَذَلِكَ لو حَجَّ أَوَّلَ ما بَلَغَ فاحصر بِعَدُوٍّ فَنَحَرَ وَحَلَّ دُونَ مَكَّةَ وَرَجَعَ فلم يُمْكِنْهُ الْحَجُّ حتى يَمُوتَ لم يَكُنْ عليه حَجٌّ وَلَوْ كان ما وَصَفْت من الْحَائِلِ في الْبِرِّ وكان يَقْدِرُ على الرُّكُوبِ في الْبَحْرِ فَيَكُونُ له طَرِيقًا أَحْبَبْت له ذلك وَلَا يَبِينُ لي أَنَّهُ يَجِبُ عليه رُكُوبُ الْبَحْرِ لِلْحَجِّ لِأَنَّ الْأَغْلَبَ من رُكُوبِ الْبَحْرِ خَوْفُ الْهَلَكَةِ وَلَوْ بَلَغَا مَغْلُوبَيْنِ على عُقُولِهِمَا فلم يُفِيقَا فتأتى عَلَيْهِمَا مُدَّةٌ يَعْقِلَانِ فيها وَيُمْكِنُهُمَا الْحَجُّ لم يَكُنْ عَلَيْهِمَا وإذا بَلَغَا مَعًا فَمَنَعَا الْحَجَّ بِعَدُوٍّ حَائِلٍ بين أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَعَلَى وَلِيِّ السَّفِيهَةِ الْبَالِغَةِ إذَا تَطَوَّعَ لها ذُو مَحْرَمٍ وكان لها مَالٌ أَنْ يُعْطِيَهَا من مَالِهَا ما تَحُجُّ بِهِ إذَا شَاءَتْ ذلك وكان لها ذُو مَحْرَمٍ يَحُجُّ بها أو خَرَجَتْ مع نِسَاءٍ مُسْلِمَاتٍ - * بَابُ الْمُدَّةِ التي يَلْزَمُ فيها الْحَجُّ وَلَا يَلْزَمُ - *

(2/120)


مَعًا وَبَيْنَ الْحَجِّ ثُمَّ لم يَأْتِ عَلَيْهِمَا مُدَّةُ وَقْتِ الْحَجِّ يَقْدِرَانِ هُمَا وَلَا غَيْرُهُمَا من أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا فيه على الْحَجِّ فَلَا حَجَّ عَلَيْهِمَا يُقْضَى عنهما أن مَاتَا قبل تَمَكُّنِهِمَا أو أَحَدٍ من أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا من الْحَجِّ وَلَوْ حِيلَ بَيْنَهُمَا خَاصَّةً بِحَبْسٍ عَدُوٍّ أو سُلْطَانٍ أو غَيْرِهِ وكان غَيْرُهُمَا يَقْدِرُ على الْحَجِّ ثُمَّ مَاتَا ولم يَحُجَّا كان هَذَانِ مِمَّنْ عليه الِاسْتِطَاعَةُ بِغَيْرِهِمَا وَيُقْضَى الْحَجُّ عنهما وَكَذَلِكَ لو كان حُبِسَ بِبَلَدِهِ أو في طَرِيقِهِ بِمَرَضٍ أو زَمَنٍ لَا بِعِلَّةِ غَيْرِهِ وَعَاشَ حتى الْحَجِّ غير صَحِيحٍ ثُمَّ مَاتَ قبل أَنْ يَصِحَّ وَجَبَ عليه الْحَجُّ وَجِمَاعُ هذا أَنْ يَكُونَ الْبَالِغَانِ إذَا لم يَقْدِرَا بِأَيِّ وَجْهٍ ما كانت الْقُدْرَةُ بِأَبْدَانِهِمَا وَهُمَا قَادِرَانِ بِأَمْوَالِهِمَا وفي نَاحِيَتِهِمَا من يَقْدِرُ على الْحَجِّ غَيْرُهُمَا ثُمَّ مَاتَا قبل أَنْ يَحُجَّا فَقَدْ لَزِمَهُمَا الْحَجُّ إنَّمَا يَكُونُ غير لَازِمٍ لَهُمَا إذَا لم يَقْدِرْ أَحَدٌ من أَهْلِ نَاحِيَتِهِمَا على الْحَجِّ بِبَعْضِ ما وَصَفْت فَإِنْ قال قَائِلٌ ما خَالَفَ بين هذا وَبَيْنَ الْمُحْصَرِ بِمَا ذَكَرْت من عَدُوٍّ وَحَدَثٍ قِيلَ ذلك لَا يَجِدُ السَّبِيلَ بِنَفْسِهِ إلَى الْحَجِّ وَلَا إلَى أَنْ يَحُجَّ عنه غَيْرُهُ من نَاحِيَتِهِ من قِبَلِ أَنَّ غَيْرَهُ في مَعْنَاهُ في خَوْفِ الْعَدُوِّ وَالْهَلَكَةِ بِالْجَدْبِ وَالزَّمِنِ وَالْمَرَضِ وَإِنْ كان مَعْذُورًا بِنَفْسِهِ فَقَدْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ عنه صَحِيحٌ غَيْرُهُ وَمِثْلُ هذا أَنْ يَحْبِسَهُ سُلْطَانٌ عن حَجٍّ أو لُصُوصٌ وَحْدَهُ وَغَيْرُهُ يَقْدِرُ على الْحَجِّ فَيَمُوتُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ عنه وَالشَّيْخُ الْفَانِي أَقْرَبُ من الْعُذْرِ من هَذَيْنِ وقد وَجَبَ عليه أَنْ يَحُجَّ عنه إذَا وُجِدَ من يَحُجُّ عنه - * بَابُ الِاسْتِطَاعَةِ بِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْحَجِّ الْوَاجِبِ أَنْ يَحُجَّ الْمَرْءُ عن غَيْرِهِ فَاحْتَمَلَ الْقِيَاسُ على هذا وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ على خَلْقِهِ فَرْضَيْنِ أَحَدُهُمَا فَرْضٌ على الْبَدَنِ وَالْآخَرُ فَرْضٌ في الْمَالِ فلما كان ما فَرَضَ اللَّهُ على الْأَبَدَانِ عليها
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَمَّا أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْخَثْعَمِيَّةَ بِالْحَجِّ عن أَبِيهَا دَلَّتْ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ قَوْلَ اللَّهِ { من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } على مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْتَطِيعَهُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَالْآخَرُ أَنْ يَعْجِزَ عنه بِنَفْسِهِ بِعَارِضِ كِبَرٍ أو سَقَمٍ أو فِطْرَةِ خِلْقَةٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهَا على الثُّبُوتِ على الْمَرْكَبِ وَيَكُونُ من يُطِيعُهُ إذَا أَمَرَهُ بِالْحَجِّ عنه إمَّا بِشَيْءٍ يُعْطِيهِ إيَّاهُ وهو وَاجِدٌ له وَإِمَّا بِغَيْرِ شَيْءٍ فَيَجِبُ عليه أَنْ يُعْطِيَ إذَا وَجَدَ أو يَأْمُرَ إنْ أُطِيعَ وَهَذِهِ إحْدَى الِاسْتِطَاعَتَيْنِ وَسَوَاءٌ في هذا الرَّجُلِ يُسَلِّمُ وَلَا يَقْدِرُ على الثُّبُوتِ على الْمَرْكَبِ أو الصَّبِيِّ يَبْلُغُ كَذَلِكَ أو الْعَبْدِ يُعْتَقُ كَذَلِكَ وَيَجِبُ عليه إنْ قَدَرَ على الثُّبُوتِ على الْمَحْمَلِ بِلَا ضَرَرٍ وكان وَاجِدًا له أو لِمَرْكَبِ غَيْرِهِ وَإِنْ لم يَثْبُتْ على غَيْرِهِ أَنْ يَرْكَبَ الْمَحْمَلَ أو ما أَمْكَنَهُ الثُّبُوتُ عليه من الْمَرْكَبِ وَإِنْ كان وَاحِدٌ من هَؤُلَاءِ لَا يَجِدُ مُطِيعًا وَلَا مَالًا فَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ بِالْبَدَنِ وَلَا بِالطَّاعَةِ فَلَا حَجَّ عليه وَجِمَاعُ الطَّاعَةِ التي تُوجِبُ الْحَجَّ وَتَفْرِيعُهَا اثْنَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَأْمُرَ فَيُطَاعُ بِلَا مَالٍ وَالْآخَرُ أَنْ يَجِدَ مَالًا يَسْتَأْجِرُ بِهِ من يُطِيعُهُ فَتَكُونُ إحْدَى الطَّاعَتَيْنِ وَلَوْ تَحَامَلَ فَحَجَّ أَجْزَأَتْ عنه وَرَجَوْت أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ أَجْرًا مِمَّنْ يَخِفُّ ذلك عليه وَلَمَّا أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْمَرْأَةَ أَنْ تَحُجَّ عن أَبِيهَا إذْ أَسْلَمَ وهو لَا يَسْتَمْسِكُ على الرَّاحِلَةِ فَدَلَّ ذلك على أَنَّ عليه الْفَرْضَ إذَا كان مُسْتَطِيعًا بِغَيْرِهِ إذَا كان في هذه الْحَالِ وَالْمَيِّتُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ الْحَجُّ عنه لِأَنَّهُ في أَكْثَرَ من مَعْنَى هذا الذي لو تَكَلَّفَ الْحَجَّ بِحَالٍ أَجْزَأَهُ وَالْمَيِّتُ لَا يَكُونُ فيه تَكَلُّفٌ أَبَدًا - * بَابُ الْحَالِ التي يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ فيها الرَّجُلُ عن غَيْرِهِ - *

(2/121)


لَا يَتَجَاوَزُهَا مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُصْرَفُ عنها إلَى غَيْرِهَا بِحَالٍ وكان الْمَرِيضُ يصلى كما رأي وَيَغْلِبُ على عَقْلِهِ فَيَرْتَفِعُ عنه فَرْضُ الصَّلَاةِ وَتَحِيضُ الْمَرْأَةُ فَيَرْتَفِعُ عنها فَرْضُ الصَّلَاةِ في وَقْتِ الْغَلَبَةِ على الْعَقْلِ وَالْحَيْضِ وَلَا يجزئ الْمَغْلُوبَ على عَقْلِهِ صَلَاةٌ صَلَّاهَا وهو مَغْلُوبٌ على عَقْلِهِ وَكَذَلِكَ الْحَائِضُ لَا تُجْزِيهَا صَلَاةٌ صَلَّتْهَا وَهِيَ حَائِضٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا أَنْ يصلى عنهما غَيْرُهُمَا في حَالِهِمَا تِلْكَ فلما أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْمَرْءَ أَنْ يَحُجَّ عن غَيْرِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ كان هذا كما أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ وَكُلُّ ما وَجَبَ على الْمَرْءِ بِإِيجَابِهِ على نَفْسِهِ من حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وكان ما سِوَى هذا من حَجِّ تَطَوُّعٍ أو عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحُجَّهُ عن أَحَدٍ وَلَا يَعْتَمِرَ في حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ وَمَنْ قال هذا كان وَجْهًا مُحْتَمَلًا وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ لو أَوْصَى رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عنه تَطَوُّعًا بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ كما لو أَوْصَى أَنْ يصلى عنه بَطَلَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ إنْ حَجَّ أَحَدٌ عن أَحَدٍ بِوَصِيَّةٍ فَهِيَ في ثُلُثِهِ وَالْإِجَارَةُ عليه فَاسِدَةٌ ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ فِيمَا أُخِذَ من الْإِجَارَةِ على هذا وَاحِدًا من قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ له أَجْرَ مِثْلِهِ وَيَرُدُّ الْفَضْلَ مِمَّا أَخَذَ عليه وَيَلْحَقُ بِالْفَضْلِ إنْ كان نَقَصَهُ كما يقول في كل إجَارَةٍ فَاسِدَةٍ وَالْآخَرُ أَنْ لَا أُجْرَةَ له لِأَنَّ عَمَلَهُ عن نَفْسِهِ لَا عن غَيْرِهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا أَمَرَ الْمَرْءَ أَنْ يَحُجَّ عن غَيْرِهِ في الْوَاجِبِ دَلَّ هذا على أَنْ يَكُونَ الْفَرْضُ على الْأَبَدَانِ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ما لَا يَعْمَلُهُ الْمَرْءُ عن غَيْرِهِ مِثْلُ الصَّلَاةِ وَلَا يَحْمِلُهُ عنه غَيْرُهُ مِثْلُ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا وَالْآخَرُ النُّسُكُ من الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَيَكُونُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَعْمَلَهُ عن غَيْرِهِ مُتَطَوِّعًا عنه أو وَاجِبًا عليه إذَا صَارَ في الْحَالِ التي لَا يَقْدِرُ فيها على الْحَجِّ وَلَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ له أَنْ يَتَطَوَّعَ عنه وَالْمُتَطَوِّعُ عنه يَقْدِرُ على الْحَجِّ لِأَنَّ الْحَالَ التي أَذِنَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيها بِالْحَجِّ عنه هِيَ الْحَالُ التي لَا يَقْدِرُ فيها على أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِهِ وَلِأَنَّهُ لو تَطَوَّعَ عنه وهو يَقْدِرُ على الْحَجِّ لم يُجْزِ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فلما كان هو لو تَطَوَّعَ عن نَفْسِهِ كانت حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ لم يَنْوِهَا فَتَطَوَّعَ عنه غَيْرُهُ لم يُجْزِ عنه وقد ذَهَبَ عَطَاءٌ مَذْهَبًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّهُ يجزئ عنه أَنْ يَتَطَوَّعَ عنه بِكُلِّ نُسُكٍ من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ إنْ عَمِلَهُمَا مُطِيقًا له أو غير مُطِيقٍ وَذَلِكَ أَنَّ سُفْيَانَ أخبرنا عن يَزِيدَ مولى عَطَاءٍ قال رُبَّمَا أَمَرَنِي عَطَاءٌ أَنْ أَطُوفَ عنه (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الطَّوَافَ من النُّسُكِ وَأَنَّهُ يجزئ أَنْ يَعْمَلَهُ الْمَرْءُ عن غَيْرِهِ في أَيِّ حَالٍ ما كان وَلَيْسَ نَقُولُ بهذا وَقَوْلُنَا لَا يَعْمَلُ أَحَدٌ عن أَحَدٍ إلَّا وَالْمَعْمُولُ عنه غَيْرُ مُطِيقٍ الْعَمَلَ بِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لَا يُرْجَى أَنْ يُطِيقَ بِحَالٍ أو بَعْدَ مَوْتِهِ وَهَذَا أَشْبَهُ بِالسُّنَّةِ وَالْمَعْقُولِ لِمَا وَصَفْت من أَنَّهُ لو تَطَوَّعَ عنه رَجُلٌ وَالْمُتَطَوَّعُ عنه يَقْدِرُ على الْحَجِّ لم يُجْزِ الْمَحْجُوجَ عنه ( قال ) وَمَنْ وُلِدَ زَمَنًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ على مَرْكَبٍ مُحَمَّلٍ وَلَا غَيْرِهِ أو عَرَضَ ذلك له عِنْدَ بُلُوغِهِ أو كان عَبْدًا فَعَتَقَ أو كَافِرًا فَأَسْلَمَ فلم تَأْتِ عليه مُدَّةٌ يُمْكِنُهُ فيها الْحَجُّ حتى يَصِيرَ بِهَذِهِ الْحَالِ وَجَبَ عليه إنْ وَجَدَ من يَحُجُّ عنه بِإِجَارَةٍ أو غَيْرِ إجَارَةٍ وإذا أَمْكَنَهُ مَرْكَبُ مَحْمَلٍ أو شِجَارٍ أو غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِبَدَنِهِ وَإِنْ لم يَقْدِرْ على الثُّبُوتِ على بَعِيرٍ أو دَابَّةٍ إلَّا في مَحْمَلٍ أو شِجَارٍ وَكَيْفَمَا قَدَرَ على الْمَرْكَبِ وَأَيِّ مَرْكَبٍ قَدَرَ عليه فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ ( قال ) وَمَنْ كان صَحِيحًا يُمْكِنُهُ الْحَجُّ فلم يَحُجَّ حتى عَرَضَ له هذا كان له أَنْ يَبْعَثَ من يَحُجُّ عنه لِأَنَّهُ قد صَارَ إلَى الْحَالِ التي أَذِنَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَحُجَّ فيها عَمَّنْ بَلَغَهَا ( قال ) وَلَوْ كان بِهِ مَرَضٌ يُرْجَى الْبُرْءُ منه لم أَرَ له أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا يَحُجُّ عنه حتى يَبْرَأَ فَيَحُجَّ عن نَفْسِهِ أو يَهْرَمَ فَيُحَجَّ عنه أو يَمُوتَ فَيُحَجَّ عنه بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما الْفَرْقُ بين هذا الْمَرِيضِ المضني وَبَيْنَ الْهَرِمِ أو الزَّمِنِ قِيلَ له لم يَصِر

(2/122)


أَحَدٌ عَلِمْته بَعْدَ هَرَمٍ لَا يَخْلِطُهُ سَقَمٌ غَيْرُهُ إلَى قُوَّةٍ يَقْدِرُ فيها على الْمَرْكَبِ وَالْأَغْلَبُ من أَهْلِ الزَّمَانَةِ أَنَّهُمْ كَالْهَرِمِ وَأَمَّا أَهْلُ السَّقَمِ فَنَرَاهُمْ كَثِيرًا يَعُودُونَ إلَى الصِّحَّةِ ( قال ) وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ عن زَمِنٍ ثُمَّ ذَهَبَتْ زَمَانَتُهُ ثُمَّ عَاشَ مُدَّةً يُمْكِنُهُ فيها أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِهِ كان عليه أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِهِ لِأَنَّا إنَّمَا أَذِنَّا له على ظَاهِرِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ فلما أَمْكَنَتْهُ الْمَقْدِرَةُ على الْحَجِّ لم يَكُنْ له تَرْكُهُ وهو يَقْدِرُ على أَنْ يَعْمَلَهُ بِبَدَنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قال ) وَلَوْ بَعَثَ السَّقِيمُ رَجُلًا يَحُجُّ عنه فَحَجَّ عنه ثُمَّ برأ وَعَاشَ بَعْدَ الْبُرْءِ مُدَّةً يُمْكِنُهُ أَنْ يَحُجَّ فيها فلم يَحُجَّ حتى مَاتَ كان عليه الْحَجُّ وَكَذَلِكَ الزَّمِنُ وَالْهَرِمُ ( قال ) وَالزَّمَنُ وَالزَّمَانَةُ التي لَا يُرْجَى الْبُرْءُ منها وَالْهَرَمُ في هذا الْمَعْنَى ثُمَّ يُفَارِقُهُمْ الْمَرِيضُ فَلَا نَأْمُرُهُ أَنْ يَبْعَثَ أَحَدًا يَحُجُّ عنه وَنَأْمُرُ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ أَنْ يَبْعَثَا من يَحُجُّ عنهما فَإِنْ بَعَثَ الْمَرِيضُ من يَحُجُّ عنه ثُمَّ لم يَبْرَأْ حتى مَاتَ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُجْزِئَ عنه لِأَنَّهُ قد بَعَثَ في الْحَالِ التي ليس له أَنْ يَبْعَثَ فيها وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ وَبِهِ آخُذُ وَالثَّانِي أنها مُجْزِيَةٌ عنه لِأَنَّهُ قد حَجَّ عنه حُرٌّ بَالِغٌ وهو لَا يُطِيقُ ثُمَّ لم يَصِرْ إلَى أَنْ يَقْوَى على الْحَجِّ بَعْدَ أَنْ حَجَّ عنه غَيْرُهُ فَيَحُجُّ عن نَفْسِهِ - * بَابُ من ليس له أَنْ يَحُجَّ عن غَيْرِهِ - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ الزِّنْجِيُّ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال سمع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم رَجُلًا يقول لَبَّيْكَ عن فُلَانٍ فقال له النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنْ كُنْت حَجَجْت فَلَبِّ عن فُلَانٍ وَإِلَّا فَاحْجُجْ عن نَفْسِك ثُمَّ اُحْجُجْ عنه
أخبرنا سُفْيَانُ عن أَيُّوبَ عن أبي قِلَابَةَ قال سمع بن عَبَّاسٍ رَجُلًا يقول لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَةَ فقال بن عَبَّاسٍ وَيْحَك وما شُبْرُمَةُ قال فذكر قَرَابَةً له فقال أَحَجَجْت عن نَفْسِك فقال لَا قال فَاحْجُجْ عن نَفْسِك ثُمَّ اُحْجُجْ عن شُبْرُمَةَ (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا أَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْخَثْعَمِيَّةَ بِالْحَجِّ عن أَبِيهَا فَفِي ذلك دَلَائِلُ منها ما وَصَفْنَا من أنها إحْدَى الِاسْتِطَاعَتَيْنِ وإذا أَمَرَهَا بِالْحَجِّ عنه فَكَانَ في الْحَالِ التي أَمَرَ فيها بِالْحَجِّ عنه وكان كَقَضَاءِ الدَّيْنِ عنه فَأَبَانَ أَنَّ الْعَمَلَ عن بَدَنِهِ في حَالِهِ تِلْكَ يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَهُ عنه غَيْرُهُ فَيُجْزِئُ عنه وَيُخَالِفُ الصَّلَاةَ في هذا الْمَعْنَى فَسَوَاءٌ من حَجَّ عنه من ذِي قَرَابَةٍ أو غَيْرِهِ وإذا أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم امْرَأَةً تَحُجُّ عن رَجُلٍ وَهُمَا مُجْتَمِعَانِ في الْإِحْرَامِ كُلِّهِ إلَّا اللَّبُوسَ فَإِنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ في بَعْضِهِ فَالرَّجُلُ أَوْلَى أَنْ يَجُوزَ حَجُّهُ عن الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ من الْمَرْأَةِ عن الرَّجُلِ وَكُلٌّ جَائِزٌ مع ما روى عن طَاوُسٍ وَغَيْرِهِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مِمَّا كَتَبْنَا مِمَّا يُسْتَغْنَى فيه بِنَصِّ الْخَبَرِ وَلَوْ أَنَّ امْرَأً لم يَجِبْ عليه الْحَجُّ إلَّا وهو غَيْرُ مُطِيقٍ بِبَدَنِهِ لم يَكُنْ على أَحَدٍ غَيْرِهِ وَاجِبًا أَنْ يَحُجَّ عنه وَأَحَبُّ إلى أَنْ يَحُجَّ عنه ذُو رَحِمِهِ وَإِنْ كان ليس عليه أو يَسْتَأْجِرَ من يَحُجُّ عنه من كان وَلَوْ كان فَقِيرًا لَا يَقْدِرُ على زَادٍ وَمَرْكَبٍ وَإِنْ كان بَدَنُهُ صَحِيحًا فلم يَزَلْ كَذَلِكَ حتى أَيْسَرَ قبل الْحَجِّ بِمُدَّةٍ لو خَرَجَ فيها لم يُدْرِكْ الْحَجَّ ثُمَّ مَاتَ قبل أَنْ يأتى عليه حَجٌّ آخَرُ لم يَجِبْ عليه حَجٌّ يُقْضَى وَلَوْ أَيْسَرَ في وَقْتٍ لَا يُمْكِنُهُ فيه الْحَجُّ فَأَقَامَ مُوسِرًا إلَى أَنْ يأتى عليه أَشْهُرُ الْحَجِّ ولم يَدْنُ الْوَقْتُ الذي يَخْرُجُ فيه أَهْلُ بَلَدِهِ لِمُوَافَاةِ الْحَجِّ حتى صَارَ لَا يَجِدُ زَادًا وَلَا مَرْكَبًا ثُمَّ مَاتَ قبل حَجِّهِ ذلك أو قبل حَجٍّ آخَرَ يُوسِرُ فيه لم يَكُنْ عليه حَجٌّ إنَّمَا يَكُونُ عليه حَجٌّ إذَا أتى عليه وَقْتُ حَجٍّ بَعْدَ بُلُوغٍ وَمَقْدِرَةٍ ثُمَّ لم يَحُجَّ حتى يَفُوتَهُ الْحَجُّ وَلَوْ كان مُوسِرًا مَحْبُوسًا عن الْحَجِّ وَجَبَ عليه أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِهِ غَيْرُهُ أو يَحُجَّ عنه بَعْدَ مَوْتِهِ وَهَذَا مَكْتُوبٌ في غَيْرِ هذا الْمَوْضِع

(2/123)


- * بَابُ الْإِجَارَةِ على الْحَجِّ - * (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلرَّجُلِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلَ يَحُجُّ عنه إذَا كان لَا يَقْدِرُ على الْمَرْكَبِ لِضَعْفِهِ وكان ذَا مَقْدِرَةٍ بِمَالِهِ وَلِوَارِثِهِ بَعْدَهُ وَالْإِجَارَةُ على الْحَجِّ جَائِزَةٌ جَوَازُهَا على الْأَعْمَالِ سِوَاهُ بَلْ الْإِجَارَةُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى على الْبِرِّ خَيْرٌ منها على ما لَا بِرَّ فيه وَيَأْخُذُ من الْإِجَارَةِ ما أَعْطَى وَإِنْ كَثُرَ كما يَأْخُذُهَا على غَيْرِهِ لَا فَرْقَ بين ذلك وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عنه فَقَرَنَ عنه كان دَمُ الْقِرَانِ على الْأَجِيرِ وكان زَادُ الْمَحْجُوجِ عنه خَيْرًا لِأَنَّهُ قد جاء بِحَجٍّ وزاد معه عُمْرَةً وَلَوْ اسْتَأْجَرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ يَحُجُّ عنه أو عن غَيْرِهِ فَالْإِجَارَةُ جَائِزَةٌ وَالْحَجُّ عنه من حَيْثُ شُرِطَ أَنْ يُحْرِمَ عنه وَلَا تَجُوزُ الْإِجَارَةُ على أَنْ يَقُولَ تَحُجُّ عنه من بَلَدِ كَذَا حتى يَقُولَ تُحْرِمُ عنه من مَوْضِعِ كَذَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْإِحْرَامُ من كل مَوْضِعٍ فإذا لم يَقُلْ هذا فَالْإِجَارَةُ مَجْهُولَةٌ وإذا وَقَّتَ له مَوْضِعًا يُحْرِمُ منه فَأَحْرَمَ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ فَلَا إجَارَةَ له في شَيْءٍ من سَفَرِهِ وَتُجْعَلُ الْإِجَارَةُ له من حِينِ أَحْرَمَ من الْمِيقَاتِ الذى وَقَّتَ له إلَى أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ فَإِنْ أَهَلَّ من وَرَاءِ الْمِيقَاتِ لم تُحْسَبْ الْإِجَارَةُ إلَّا من الْمِيقَاتِ وَإِنْ مَرَّ بِالْمِيقَاتِ غير مُحْرِمٍ فَمَاتَ قبل أَنْ يُحْرِمَ فَلَا إجَارَةَ له لِأَنَّهُ لم يَعْمَلْ في الْحَجِّ وَإِنْ مَاتَ بعد ما أَحْرَمَ من وَرَاءِ الْمِيقَاتِ حُسِبَتْ له الْإِجَارَةُ من يَوْمِ أَحْرَمَ من وَرَاءِ الْمِيقَاتِ ولم تُحْسَبْ له من الْمِيقَاتِ إذَا لم يُحْرِمْ منه لِأَنَّهُ تَرَكَ الْعَمَلَ فيه وَإِنْ خَرَجَ لِلْحَجِّ فَتَرَكَ الْإِحْرَامَ وَالتَّلْبِيَةَ وَعَمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ أو لم يَعْمَلْهُ إذَا قال لم أُحْرِمْ بِالْحَجِّ أو قال اعْتَمَرْت ولم أَحُجَّ أو قال اُسْتُؤْجِرْت على الْحَجِّ فَاعْتَمَرْت فَلَا شَيْءَ له وَكَذَلِكَ لو حَجَّ فَأَفْسَدَهُ لِأَنَّهُ تَارِكٌ للاجارة مُبْطِلٌ لِحَقِّ نَفْسِهِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحُجَّ عنه على أَنْ يُحْرِمَ من مَوْضِعٍ فَأَحْرَمَ منه ثُمَّ مَاتَ في الطَّرِيقِ فَلَهُ من الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ ما مَضَى من سَفَرِهِ أو اسْتَأْجَرَهُ على أَنْ يُهِلَّ من وَرَاءِ الْمِيقَاتِ فَفَعَلَ فَقَدْ قَضَى بَعْضَ ما اسْتَأْجَرَهُ عليه وإذا اسْتَأْجَرَهُ فَإِنَّمَا عليه أَنْ يُحْرِمَ من الْمِيقَاتِ وَإِحْرَامُهُ قبل الْمِيقَاتِ تَطَوُّعٌ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ على أَنْ يَحُجَّ عنه من الْيَمَنِ فَاعْتَمَرَ عن نَفْسِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ الذي اُسْتُؤْجِرَ عليه فَأَهَلَّ بِحَجٍّ عن الذي اسْتَأْجَرَهُ فَلَا يُجْزِيهِ إذَا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ عن نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ الذي شَرَطَ أَنْ يُهِلَّ منه فَيُهِلُّ عنه بِالْحَجِّ منه فَإِنْ لم يَفْعَلْ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ من دُونِ الْمِيقَاتِ فَكَانَ عليه أَنْ يُهِلَّ فَبَلَغَ الْمِيقَاتَ فَأَهَلَّ منه بِالْحَجِّ عنه أَجْزَأَ عنه وَإِلَّا أَهَرَاقَ دَمًا وَذَلِكَ من مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ وَيَرُدُّ من الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ ما يُصِيبُ ما بين الْمِيقَاتِ والموضع ( ( ( الموضع ) ) ) الذي أَحْرَمَ منه لِأَنَّهُ شَيْءٌ من عَمَلِهِ نَقَصَهُ وَلَا يُحْسَبُ الدَّمُ على الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ بِعَمَلِهِ كان وَيُجْزِئُهُ الْحَجُّ على كل حَالٍ شَرَطَ عليه أَنْ يُهِلَّ من دُونِ الْمِيقَاتِ أو من وَرَاءِ الْمِيقَاتِ أو منه وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ الْأَجِيرُ في الْحَجِّ لم يَأْمُرْهُ بِهِ الْمُسْتَأْجِرُ مِمَّا يَجِبُ عليه فيه الْفِدْيَةُ فَالْفِدْيَةُ عليه في مَالِهِ دُونَ مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْعُمْرَةِ عن نَفْسِهِ من مِيقَاتِ الْمُسْتَأْجِرِ عن الْمُسْتَأْجِرِ ثُمَّ مَاتَ قبل أَنْ يَقْضِيَ الْحَجَّ كان له من الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ ما عَمِلَ من الْحَجِّ وقد قِيلَ لَا أَجْرَ له إلَّا أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ وَمَنْ قال هذا الْقَوْلَ قَالَهُ في الْحَاجِّ عن الرَّجُلِ لَا يَسْتَوْجِبُ من الْإِجَارَةِ شيئا إلَّا بِكَمَالِ الْحَجِّ وَهَذَا قَوْلٌ يُتَوَجَّهُ وَالْقِيَاسُ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ لِأَنَّ لِكُلٍّ حَظًّا من الْإِجَارَةِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عنه فَأَفْسَدَ الْحَجَّ كان عليه أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ ما اسْتَأْجَرَهُ بِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يقضى عن نَفْسِهِ من قَابِلٍ من قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ حَاجًّا عن غَيْرِهِ حَجًّا فَاسِدًا وإذا صَارَ الْحَجُّ الْفَاسِدُ عن نَفْسِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَهُ عن نَفْسِهِ فَلَوْ حَجَّهُ عن غَيْرِهِ كان عن نَفْسِهِ وَلَوْ أَخَذَ الْإِجَارَةَ على قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ رَدَّهَا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ عن غَيْرِهِ وَلَوْ كان إنَّمَا أَصَابَ في الْحَجِّ ما عليه فيه الْفِدْيَةُ مِمَّا لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ كانت عليه الْفِدْيَةُ فِيمَا أَصَابَ وَالْإِجَارَةُ له وَلَوْ أستأجره لِلْحَجِّ فَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَفَاتَهُ الْحَجُّ ثُمَّ دخل فَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ أَنَّ له من الْإِجَارَةِ بِقَدْرِ ما بين أَنْ أَهَلَّ من الْمِيقَاتِ إلَى بُلُوغِهِ الْمَوْضِعَ الذي حُبِسَ في

(2/124)


في سَفَرِهِ لِأَنَّ ذلك ما بَلَغَ من سَفَرِهِ في حَجِّهِ الذي له الْإِجَارَةُ حتى صَارَ غير حَاجٍّ وَإِنَّمَا أَخَذَ الْإِجَارَةَ على الْحَجِّ وَصَارَ يَخْرُجُ من الْإِحْرَامِ بِعَمَلٍ ليس من عَمَلِ الْحَجِّ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا على أَنْ يَحُجَّ عنه فَاعْتَمَرَ عن نَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ عن الْمُسْتَأْجِرِ خَرَجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عنه فَأَهَلَّ عنه منه لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذلك فَإِنْ لم يَفْعَلْ أَهَرَاقَ دَمًا وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عن رَجُلٍ فَاعْتَمَرَ عن نَفْسِهِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عنه الذي شَرَطَ أَنْ يُهِلَّ عنه منه إنْ كان الْمِيقَاتُ الذي وَقَّتَ له بِعَيْنِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ عنه أَجْزَأَتْ عن الْمَحْجُوجِ عنه فَإِنْ تَرَكَ مِيقَاتَهُ وَأَحْرَمَ من مَكَّةَ أَجْزَأَهُ الْحَجُّ وكان عليه دَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ من مَالِهِ وَرَجَعَ عليه مِمَّا اُسْتُؤْجِرَ بِهِ بِقَدْرِ ما تَرَكَ مِمَّا بين الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ على أَنْ يَتَمَتَّعَ عنه فَأَفْرَدَ أَجْزَأَتْ الْحَجَّةُ عنه وَرَجَعَ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعُمْرَةِ من الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ على عَمَلَيْنِ فَعَمِلَ أَحَدَهُمَا وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ على أَنْ يُفْرِدَ فَقَرَنَ عنه كان زَادُهُ عُمْرَةً وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ دَمُ الْقِرَانِ وهو كَرَجُلٍ اُسْتُؤْجِرَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا فَعَمِلَهُ وزاد آخَرَ معه فَلَا شَيْءَ له في زِيَادَةِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ مُتَطَوِّعٌ بها وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ على أَنْ يَقْرِنَ عنه فَأَفْرَدَ الْحَجَّ أَجْزَأَ عنه الْحَجُّ وَبَعَثَ غَيْرَهُ يَعْتَمِرُ عنه إنْ كانت الْعُمْرَةُ الْوَاجِبَةُ وَرَجَعَ عليه بِقَدْرِ حِصَّةِ الْعُمْرَةِ من الْإِجَارَةِ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ على عَمَلَيْنِ فَعَمِلَ أَحَدَهُمَا وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ على أَنْ يَحُجَّ عنه فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عن نَفْسِهِ وَحَجَّةٍ عن الْمُسْتَأْجِرِ رَدَّ جَمِيعَ الْإِجَارَةِ من قِبَلِ أَنَّ سَفَرَهُمَا وَعَمَلَهُمَا وَاحِدٌ وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ من الْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَلَا يأتى بِعَمَلِ الْحَجِّ دُونَ الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ له أَنْ يَنْوِيَ جَامِعًا بين عَمَلَيْنِ أَحَدُهُمَا عن نَفْسِهِ وَالْآخَرُ عن غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مَعًا عن الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُ نَوَى أَحَدَهُمَا عن نَفْسِهِ فَصَارَا مَعًا عن نَفْسِهِ لِأَنَّ عَمَلَ نَفْسِهِ أَوْلَى بِهِ من عَمَلِ غَيْرِهِ إذَا لم يَتَمَيَّزْ عَمَلُ نَفْسِهِ من عَمَلِ غَيْرِهِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عن مَيِّتٍ فَأَهَلَّ بِحَجٍّ عن مَيِّتٍ ثُمَّ نَوَاهُ عن نَفْسِهِ كان الْحَجُّ عن الذي نَوَى الْحَجَّ عنه وكان الْقَوْلُ في الْأُجْرَةِ وَاحِدًا من قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مُبْطِلٌ لها الترك ( ( ( لترك ) ) ) حَقِّهِ فيها وَالْآخَرُ أنها له لِأَنَّ الْحَجَّ عن غَيْرِهِ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلَانِ رَجُلًا يَحُجُّ عن أَبَوَيْهِمَا فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ عنهما مَعًا كان مُبْطِلًا لِإِجَارَتِهِ وكان الْحَجُّ عن نَفْسِهِ لَا عن وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَلَوْ نَوَى الْحَجَّ عن نَفْسِهِ وَعَنْهُمَا أو عن أَحَدِهِمَا كان عن نَفْسِهِ وَبَطَلَتْ إجَارَتُهُ وإذا مَاتَ الرَّجُلُ وقد وَجَبَتْ عليه حَجَّةُ الْإِسْلَامِ ولم يَحُجَّ قَطُّ فَتَطَوَّعَ مُتَطَوِّعٌ قد حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِأَنْ يَحُجَّ عنه فَحَجَّ عنه أَجْزَأَ عنه ثُمَّ لم يَكُنْ لِوَصِيِّهِ أَنْ يُخْرِجَ من مَالِهِ شيئا لِيَحُجَّ عنه غَيْرُهُ وَلَا أَنْ يعطى هذا شيئا لِحَجِّهِ عنه لِأَنَّهُ حَجَّ عنه مُتَطَوِّعًا وإذا أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْخَثْعَمِيَّةَ أَنْ تَحُجَّ عن أَبِيهَا وَرَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عن أُمِّهِ وَرَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عن أبيه لَنَذَرَ نَذْرَهُ أَبُوهُ دَلَّ هذا دَلَالَةً بَيِّنَةً أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُحْرِمَ الْمَرْأَةُ عن الرَّجُلِ وَلَوْ لم يَكُنْ فيه هذا كان أَنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ عن الرَّجُلِ وَالرَّجُلُ عن الْمَرْأَةِ أَوْلَى من قِبَلِ أَنَّ الرَّجُلَ أَكْمَلُ إحْرَامًا من الْمَرْأَةِ وَإِحْرَامُهُ كَإِحْرَامِ الرَّجُلِ فَأَيُّ رَجُلٍ حَجَّ عن امْرَأَةٍ أو رَجُلٍ أو امْرَأَةٍ حَجَّتْ عن امْرَأَةٍ أو عن رَجُلٍ أَجْزَأَ ذلك الْمَحْجُوجَ عنه إذَا كان الْحَاجُّ قد حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ - * بَابُ من أَيْنَ نَفَقَةُ من مَاتَ ولم يَحُجَّ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ وطاوس ( ( ( وطاووس ) ) ) أَنَّهُمَا قَالَا الْحَجَّةُ الْوَاجِبَةُ من رَأْسِ الْمَالِ (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وقال غَيْرُهُمَا لَا يُحَجُّ عنه إلَّا أَنْ يوصى فَإِنْ أَوْصَى حُجَّ عنه من ثُلُثِهِ إذَ

(2/125)


بَلَغَ ذلك الثُّلُثَ وبديء ( ( ( وبدئ ) ) ) على الْوَصَايَا لِأَنَّهُ لَازِمٌ فَإِنْ لم يُوصِ لم يُحَجَّ عنه من ثُلُثٍ وَلَا من غَيْرِهِ إذَا أَنْزَلْت الْحَجَّ عنه وَصِيُّهُ حَاصَّ أَهْلَ الْوَصَايَا ولم يَبْدَأْ غَيْرَهُ من الْوَصَايَا وَمَنْ قال هَكَذَا فَكَانَ يَبْدَأُ بِالْعِتْقِ بَدَأَ عليه ( قال ) وَالْقِيَاسُ في هذا أَنَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ من رَأْسِ الْمَالِ فَمَنْ قال هذا قَضَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ عنه بِأَقَلَّ ما يَقْدِرُ عليه وَذَلِكَ أَنْ يُسْتَأْجَرَ رَجُلٌ من أَهْلِ مِيقَاتِهِ أو قُرْبِهِ لِتَخِفَّ مُؤْنَتُهُ وَلَا يُسْتَأْجَرُ رَجُلٌ من بَلَدِهِ إذَا كان بَلَدُهُ بَعِيدًا إلَّا أَنْ يُبَدَّلَ ذلك بِمَا يُوجَدُ بِهِ رَجُلٌ قَرِيبٌ وَمَنْ قال هذا الْقَوْلَ قَالَهُ في الْحَجِّ بِأَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِهِ وَرَآهُ دَيْنًا عليه وَقَالَهُ في كل ما كان في مَعْنَاهُ وَقَالَهُ في كل ما أَوْجَبَهُ اللَّهُ عز وجل عليه فلم يَكُنْ له مَخْرَجٌ منه إلَّا بِأَدَائِهِ ولم يَكُنْ له خِيَارٌ فيه مِثْلُ زَكَاةِ الْمَالِ وما كان لَا يَكُونُ أَبَدًا إلَّا وَاجِبًا عليه شَاءَ أو كَرِهَ بِغَيْرِ شَيْءٍ أَحْدَثَهُ هو لِأَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ إنَّمَا وَجَبَتْ لهم من رَأْسِ الْمَالِ وَهَذَا من حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَمَرَ أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَى صِنْفٍ منهم بِعَيْنِهِ فَجَمَعَ أَنْ وَجَبَ وُجُوبَ الْحَجِّ بِفَرْضِ اللَّهِ عز وجل وأن كان كما وَصَفْت لِلْآدَمِيّين وَمَنْ قال هذا بَدَأَ هذا على جَمِيعِ ما معه من الْوَصَايَا وَالتَّدْبِيرِ وَحَاصَّ بِهِ أَهْلَ الدَّيْنِ قبل الْوَرَثَةِ إذَا جَعَلَهُ اللَّهُ وَاجِبًا وُجُوبَ ما لِلْآدَمِيِّينَ وَهَذَا قَوْلٌ يَصِحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَنْ قال هذا قَالَهُ في الْحَجِّ إنْ لم يَبْلُغْ إلَّا مَرِيضًا ثُمَّ لم يَصِحَّ حتى مَاتَ مَرِيضًا أَنَّهُ وَاجِبٌ عليه لَا وَصِيَّةٌ لِأَنَّ الْوَاجِبَ على الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ سَوَاءٌ فَأَمَّا ما لَزِمَهُ من كَفَّارَةِ يَمِينٍ أو غَيْرِهِ فَإِنْ أَوْصَى بِهِ فَقَدْ قِيلَ يَكُونُ في ثُلُثِهِ كَالْوَصَايَا وَقِيلَ بَلْ لَازِمٌ وما لَزِمَهُ من شَيْءٍ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ من نَذْرٍ أو كَفَّارَةِ قَتْلٍ أو ظِهَارٍ وهو وَاجِدٌ فَقَدْ يُخَالِفُ ما لَزِمَهُ بِكُلِّ حَالٍ من قِبَلِ أَنَّهُ قد كان ولم يَجِبْ عليه فَإِنَّمَا أَوْجَبَهُ على نَفْسِهِ فَيَخْتَلِفَانِ في هذا وَيَجْتَمِعَانِ في أَنَّهُ قد أَوْجَبَ كُلًّا مِنْهُمَا فَأَوْجَبَ هذا وَأَوْجَبَ إقْرَارَ الْآدَمِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هُمَا لَازِمَانِ مَعًا وأنا استخير اللَّهَ تَعَالَى فيه - * بَابُ الْحَجِّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ - * (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ أُحِبُّ أَنْ يَنْوِيَ الرَّجُلُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عِنْدَ دُخُولِهِ فِيهِمَا كما أُحِبُّ له في كل وَاجِبٍ عليه غَيْرِهِمَا فَإِنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ولم يَكُنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ يَنْوِي أَنْ يَكُونَ تَطَوُّعًا أو يَنْوِي أَنْ يَكُونَ عن غَيْرِهِ أو أَحْرَمَ فقال إحْرَامِي كَإِحْرَامِ فُلَانٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ عنه فَكَانَ فُلَانٌ مُهِلًّا بِالْحَجِّ كان في هذا كُلِّهِ حَاجًّا وَأَجْزَأَ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على ما وَصَفْت قُلْت
فإن مُسْلِمَ بن خَالِدٍ وَغَيْرَهُ أخبرنا عن بن جُرَيْجٍ قال أخبرنا عَطَاءٌ أَنَّهُ سمع جَابِرًا يقول قَدِمَ عَلِيٌّ رضي اللَّهُ عنه من سِعَايَتِهِ فقال له النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِمَ أَهْلَلْت يا عَلِيُّ قال بِمَا أَهَلَّ بِهِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كما أنت قال وَأَهْدَى له عَلِيٌّ هَدْيًا
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه عن جَابِرِ بن عبد اللَّهِ وهو يحدث عن حَجَّةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال خَرَجْنَا مع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حتى إذَا أتى الْبَيْدَاءَ فَنَظَرْت مَدَّ بصرى من بَيْنِ رَاكِبٍ وَرَاجِلٍ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ وَرَائِهِ كلهم يُرِيدُ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ يَلْتَمِسُ أَنْ يَقُولَ كما يقول رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَنْوِي إلَّا الْحَجَّ وَلَا يَعْرِفُ غَيْرَهُ وَلَا يَعْرِفُ الْعُمْرَةَ فلما طُفْنَا فَكُنَّا عِنْدَ الْمَرْوَةِ قال أَيُّهَا الناس من لم يَكُنْ معه هدى فَلْيُحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً وَلَوْ اسْتَقْبَلْت من أَمْرِي ما اسْتَدْبَرْت ما أَهْدَيْت فَحَلَّ من لم يَكُنْ معه هدى
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن مَنْصُورِ بن عبد الرحمن عن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ قالت خَرَجْنَا مع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من كان معه هدى فَلْيُقِمْ على إحْرَامِهِ وَمَنْ لم يَكُنْ معه هدى فَلْيُحْلِلْ ولم يَكُنْ معى هدى فَحَلَلْت وكان مع الزُّبَيْرِ هدى فلم يُحْلِلْ
أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن عَمْرَة

(2/126)


عن عَائِشَةَ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنها قالت خَرَجْنَا مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِخَمْسٍ بَقَيْنَ من ذِي الْقِعْدَةِ لَا نَرَى إلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ فلما كنا بِسَرِفٍ أو قَرِيبًا منها أَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من لم يَكُنْ معه هدى أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فلما كنا بِمِنًى أُتِيتُ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقُلْت ما هذا قالوا ذَبَحَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن نِسَائِهِ قال يحيى فَحَدَّثْت بِهِ الْقَاسِمَ بن مُحَمَّدٍ فقال جَاءَتْك وَاَللَّهِ بِالْحَدِيثِ على وَجْهِهِ
أخبرنا مَالِكٌ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن عَمْرَةَ وَالْقَاسِمُ مِثْلَ مَعْنَى حديث سُفْيَانَ لَا يُخَالِفُ مَعْنَاهُ
أخبرنا سُفْيَانُ عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ بن محمد ( ( ( حمد ) ) ) عن أبيه عن عَائِشَةَ أنها قالت خَرَجْنَا مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في حَجَّتِهِ لَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ حتى إذَا كنا بِسَرِفٍ أو قَرِيبًا منها حِضْت فَدَخَلَ على رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وأنا أبكى فقال مَالَك أَنُفِسْت فَقُلْت نعم فقال إنَّ هذا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ على بَنَاتِ آدَمَ فَاقْضِي ما يقضى الْحَاجُّ غير أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ قالت وَضَحَّى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ
أخبرنا سُفْيَانُ قال حدثنا بن طَاوُسٍ وَإِبْرَاهِيمُ بن مَيْسَرَةَ وَهِشَامُ بن حُجَيْرٍ سَمِعُوا طَاوُسًا يقول خَرَجَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من الْمَدِينَةِ لَا يسمى حَجًّا وَلَا عُمْرَةً يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ عليه الْقَضَاءُ وهو بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ من كان منهم أَهَلَّ ولم يَكُنْ معه هدى أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً وقال لو اسْتَقْبَلْت من أمرى ما اسْتَدْبَرْت لَمَا سُقْت الهدى وَلَكِنَّنِي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَسُقْت هَدْيِي فَلَيْسَ لي مَحِلٌ دُونَ مَحِلِ هَدْيِي فَقَامَ إلَيْهِ سُرَاقَةُ بن مَالِكٍ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ اقْضِ لنا قَضَاءَ قَوْمٍ كَأَنَّمَا وُلِدُوا الْيَوْمَ أَعُمْرَتُنَا هذه لِعَامِنَا هذا أَمْ لِأَبَدٍ فقال لَا بَلْ لِأَبَدٍ دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ قال وَدَخَلَ على من الْيَمَنِ فقال له النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِمَ أَهْلَلْت فقال أَحَدُهُمَا عن طاوس ( ( ( طاووس ) ) ) إهْلَالَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقال الْآخَرُ لَبَّيْكَ حَجَّةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَبَّى عَلِيٌّ وأبو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ بِالْيَمَنِ وَقَالَا في تَلْبِيَتِهِمَا إهْلَالٌ كَإِهْلَالِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَمَرَهُمَا بِالْمُقَامِ على إحْرَامِهِمَا فَدَلَّ هذا على الْفَرْقِ بين الْإِحْرَامِ وَالصَّلَاةِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِي عن أَحَدٍ إلَّا بِأَنْ يَنْوِيَ فَرِيضَةً بِعَيْنِهَا وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ وَيُجْزِئُ بِالسُّنَّةِ الْإِحْرَامُ فلما دَلَّتْ السُّنَّةُ على أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْءِ أَنْ يُهِلَّ وَإِنْ لم يَنْوِ حَجًّا بِعَيْنِهِ وَيُحْرِمَ بِإِحْرَامِ الرَّجُلِ لَا يَعْرِفُهُ دَلَّ على أَنَّهُ إذَا أَهَلَّ مُتَطَوِّعًا ولم يَحُجَّ حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ كانت حَجَّةَ الْفَرِيضَةِ وَلَمَّا كان هذا كان إذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ عن غَيْرِهِ ولم يُهْلِلْ بِالْحَجِّ عن نَفْسِهِ كانت الْحَجَّةُ عن نَفْسِهِ وكان هذا مَعْقُولًا في السُّنَّةِ مكتفي بِهِ عن غَيْرِهِ وقد ذَكَرْت فيه حَدِيثًا مُنْقَطِعًا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَرَأْيًا لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما مُتَّصِلًا ( قال ) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ رَجُلٌ عن رَجُلٍ إلَّا حُرٌّ بَالِغٌ مُسْلِمٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ عنه عَبْدٌ بَالِغٌ وَلَا حُرٌّ غَيْرُ بَالِغٍ إذَا كان حَجُّهُمَا لِأَنْفُسِهِمَا لَا يُجْزِئُ عنهما من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لم يُجْزِ عن غَيْرِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قال ) وَأَمْرُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَوَاءٌ فَيُعْتَمَرُ عن الرَّجُلِ كما يُحَجُّ عنه وَلَا يُجْزِيهِ أَنْ يَعْتَمِرَ عنه إلَّا من اعْتَمَرَ عن نَفْسِهِ من بَالِغٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ ( قال ) وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا اعْتَمَرَ عن نَفْسِهِ ولم يَحُجَّ فَأَمَرَهُ رَجُلٌ يَحُجَّ عنه وَيَعْتَمِرَ فَحَجَّ عنه وَاعْتَمَرَ أَجْزَأَتْ الْمُعْتَمِرَ عنه الْعُمْرَةُ ولم تُجْزِ عنه الْحَجَّةُ وَهَكَذَا لو حَجَّ عن نَفْسِهِ ولم يَعْتَمِرْ فَحَجَّ عن غَيْرِهِ وَاعْتَمَرَ أَجْزَأَتْ الْمَحْجُوجَ عنه الْحَجَّةُ ولم تُجْزِ عنه الْعُمْرَةُ وَيُجْزِيهِ أَيُّ النُّسُكَيْنِ كان الْعَامِلُ عَمِلَهُ عن نَفْسِهِ ثُمَّ عَمِلَهُ عنه وَلَا يُجْزِيهِ النُّسُكُ الذي لم يَعْمَلْهُ الْعَامِلُ عن نَفْسِهِ وإذا كان مِمَّنْ له أَنْ يَبْعَثَ من يَحُجُّ عنه وَيَعْتَمِرَ أَجْزَأَهُ أَنْ يَبْعَثَ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَخَرَجَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ مُهِلِّينَ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ فَعَقَدُوا الْإِحْرَامَ ليس على حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَلَا قِرَانٍ يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ الْقَضَاءُ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَمَرَ من لَا هدى معه أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً وَمَنْ معه هدى أَنْ يَجْعَلَهُ حَجًّا

(2/127)


رَجُلًا وَاحِدًا يُقْرِنُ عنه وَأَجْزَأَهُ أَنْ يَبْعَثَ اثْنَيْنِ مُفْتَرِقَيْنِ يَحُجُّ هذا عنه وَيَعْتَمِرُ هذا عنه وَكَذَلِكَ امْرَأَتَيْنِ أو امْرَأَةً وَرَجُلًا ( قال ) وَهَذَا في فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ كما وَصَفْت يجزئ رَجُلًا أَنْ يَحُجَّ عن رَجُلٍ وقد قِيلَ إذَا أَجْزَأَ في الْفَرْضِ أَجْزَأَ أَنْ يَتَنَفَّلَ بِالْحَجِّ عنه وقد قِيلَ يَحُجُّ الْفَرْضَ فَقَطْ بِالسُّنَّةِ وَلَا يَحُجُّ عنه نَافِلَةً وَلَا يَعْتَمِرُ نَافِلَةً (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وقد يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَحُجَّ رَجُلٌ عن رَجُلٍ إلَّا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ وَمَنْ قال هذا قال الدَّلَالَةُ عليه أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا أَمَرَ بِالْحَجِّ عن الرَّجُلِ في الْحَالِ التي لَا يَقْدِرُ فيها الْمَحْجُوجُ عنه أَنْ يَحُجَّ عن نَفْسِهِ وَإِنِّي لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا في أَنَّ رَجُلًا لو حَجَّ عن رَجُلٍ يَقْدِرُ على الْحَجِّ لَا يجزئ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فإذا كان هذا عِنْدَهُمْ هَكَذَا دَلَّ على أَنَّهُ إنَّمَا عُذِرَ في حَالِ الضَّرُورَةِ بِتَأْدِيَةِ الْفَرْضِ وما جَازَ في الضَّرُورَةِ دُونَ غَيْرِهَا لم يُجْزِ ما لم يَكُنْ ضَرُورَةً مثله + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ أَهَلَّ رَجُلٌ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ فَحَلَّ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَسَعَى بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لم يُجْزِ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لم يُدْرِكْهَا ولم تُجْزِ عنه من عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا عُمْرَةِ نَذْرٍ عليه لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِعُمْرَةٍ وَإِنَّمَا كان حَجًّا لم يَجُزْ له أَنْ يُقِيمَ عليه لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حَجَّ سُنَّةً فَلَا يَدْخُلُ في حَجِّ سُنَّةٍ غَيْرِهَا وَالْآخَرُ أَنَّهُ ليس له أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ في غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ في غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ كان إهْلَالُهُ عُمْرَةً يُجْزِئُ عنه من عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْإِهْلَالِ إلَّا بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ فلما أَهَلَّ في وَقْتٍ كانت الْعُمْرَةُ فيه مُبَاحَةً وَالْحَجُّ مَحْظُورًا كان مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ وَلَيْسَ هذا كَالْمُهِلِّ بِالْحَجِّ وَالْحَجُّ مُبَاحٌ له فَيَفُوتُهُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ ذلك الْحَجِّ كان حَجًّا وَابْتِدَاءُ هذا الْحَجِّ كان عُمْرَةً وإذا أَجْزَأَتْ الْعُمْرَةُ بِلَا نِيَّةٍ لها أنها عُمْرَةٌ أَجْزَأَتْ إذَا أَهَلَّ بِحَجٍّ وكان إهْلَالُهُ عُمْرَةً + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالْعُمْرَةُ لَا تَفُوتُ من قِبَلِ أنها تَصْلُحُ في كل شَهْرٍ وَالْحَجُّ يَفُوتُ من قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إلَّا في وَقْتٍ وَاحِدٍ من السَّنَةِ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ في عَامٍ فَحَبَسَهُ مَرَضٌ أو خَطَأُ عَدَدٍ أو غَيْرُ ذلك ما خَلَا الْعَدُوُّ أَقَامَ حَرَامًا حتى يُحِلَّ مَتَى حَلَّ ولم تَفُتْهُ الْعُمْرَةُ مَتَى وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ فَعَمِلَ عَمَلَهَا ( قال ) وَلَوْ حَجَّ رَجُلٌ عن رَجُلٍ بِلَا إجَارَةٍ ثُمَّ أَرَادَ الْإِجَارَةَ لم يَكُنْ له وكان مُتَطَوِّعًا عنه وَأَجْزَأَتْ عنه حَجَّتُهُ ( قال ) وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَعْتَمِرُ عنه في شَهْرٍ فَاعْتَمَرَ في غَيْرِهِ أو على أَنْ يَحُجَّ عنه في سَنَةٍ فَحَجَّ في غَيْرِهَا كانت له الْإِجَارَةُ وكان مُسِيئًا بِمَا فَعَلَ ( قال ) وَلَا بَأْسَ بِالْإِجَارَةِ على الْحَجِّ وَعَلَى الْعُمْرَةِ وَعَلَى الْخَيْرِ كُلِّهِ وَهِيَ على عَمَلِ الْخَيْرِ أَجْوَزُ منها على ما ليس بِخَيْرٍ وَلَا بِرٍّ من الْمُبَاحِ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما الْحُجَّةُ في جَوَازِ الْإِجَارَةِ على تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالْخَيْرِ قِيلَ
أخبرنا مَالِكٌ عن أبي حَازِمِ بن دِينَارٍ عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم زَوَّجَ رَجُلًا امْرَأَةً بِسُورَةٍ من الْقُرْآنِ ( قال ) وَالنِّكَاحُ لَا يَجُوزُ إلَّا بماله قِيمَةٌ من الْإِجَارَاتِ وَالْأَثْمَانِ - * بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالْحَجِّ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا أَوْصَى رَجُلٌ لم يَحُجَّ أَنْ يَحُجَّ عنه وَارِثٌ ولم يُسَمِّ شيئا أَحَجَّ عنه الْوَارِثُ بِأَقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ أَحَدٌ يَحُجُّ عنه فَإِنْ لم يَقْبَلْ ذلك فَلَا يُزَادُ عليه وَيَحُجُّ عنه غَيْرُهُ بِأَقَلَّ ما يُوجَدُ من يَحُجُّ عنه بِهِ مِمَّنْ هو أَمِينٌ على الْحَجِّ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا يَرُدُّ عن الْوَارِثِ وَصِيَّةً بهذا إنَّمَا هذه إجَازَةٌ وَلَكِنْ لو قال أَحَجُّوهُ بِكَذَا
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ قال يَحُجُّ الْمَرْءُ عن الْمَرْءِ مُتَطَوِّعًا قال إذَا كان أَصْلُ الْحَجِّ مُفَارِقًا لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وكان الْمَرْءُ يَعْمَلُ عن الْمَرْءِ الْحَجَّ فَيُجْزِي عنه بَعْدَ مَوْتِهِ وفي الْحَالِ التي لَا يُطِيقُ فيها الْحَجَّ فَكَذَلِكَ يَعْمَلُهُ عنه مُتَطَوِّعًا وَهَكَذَا كُلُّ شَيْءٍ من أَمْرِ النُّسُكِ أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن يَزِيدَ مولى عَطَاءٍ قال رُبَّمَا قال لي عَطَاءٌ طُفْ عَنِّي

(2/128)


أَبْطَلَ كُلَّ ما زَادَ على أَقَلِّ ما يُوجَدُ بِهِ من يَحُجُّ عنه فَإِنْ قَبِلَ ذلك لم أُحِجَّ عنه غَيْرَهُ ( قال ) وَلَوْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ يَحُجُّ بها عنه فَإِنْ حَجَّ فَذَلِكَ له وما زَادَ على أَجْرِ مِثْلِهِ وَصِيَّةٌ فَإِنْ امْتَنَعَ لم يُحِجَّ عنه أَحَدًا لَا بِأَقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ من يَحُجُّ عنه وَلَوْ قال أَحِجُّوا عَنِّي من رَأْيِ فُلَانٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ فرأي فُلَانٌ أَنْ يَحُجَّ عنه وَارِثٌ له لم يَحُجَّ عنه الْوَارِثُ إلَّا بِأَقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ من يَحُجَّ عنه فَإِنْ أبي قِيلَ لِفُلَانٍ رَأْيُ غَيْرِ وَارِثٍ فَإِنْ فَعَلَ أَجَزْنَا ذلك وَإِنْ لم يَفْعَلْ أَحَجَجْت عنه رَجُلًا بِأَقَلَّ ما يُوجَدُ بِهِ من يَحُجُّ عنه ( قال ) وَلَوْ قال رَجُلٌ أَوَّلُ وَاحِدٍ يَحُجُّ عَنِّي فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ فَحَجَّ عنه غَيْرُ وَارِثٍ فَلَهُ مِائَةُ دِينَارٍ وَإِنْ حَجَّ عنه وَارِثٌ فَلَهُ أَقَلُّ ما يُوجَدُ بِهِ من يَحُجُّ عنه وما زَادَ على ذلك مَرْدُودٌ لِأَنَّهَا وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ ( قال ) وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عنه أو يَعْتَمِرُ بِمَا شَاءَ كان ذلك مَالًا من مَالِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا أحج ( ( ( حج ) ) ) عنه أو اعْتَمَرَ فَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ على أَنْ يَحُجَّ عنه فَأَفْسَدَ الْحَجَّ لم يَقْضِ ذلك من الرَّجُلِ الْحَجَّ وكان عليه أَنْ يَرُدَّ الْإِجَارَةَ كُلَّهَا وَكَذَلِكَ لو أَخْطَأَ الْعَدَدَ فَفَاتَهُ الْحَجُّ وَكَذَلِكَ الْفَسَادُ في الْعُمْرَةِ ( قال ) وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عنه أو يَعْتَمِرُ فَاصْطَادَ صَيْدًا أو تَطَيَّبَ أو فَعَلَ في الْحَجِّ أو الْعُمْرَةِ شيئا تَجِبُ فيه الْفِدْيَةُ فَدَى ذلك من مَالِهِ وَكَانَتْ له الْإِجَارَةُ وأنظر إلَى كل ما كان يَكُونُ حَجُّهُ لو حَجَّ عن نَفْسِهِ قَاضِيًا عنه وَعَلَيْهِ فيه كَفَّارَةٌ حَجَّ عن غَيْرِهِ جَعَلَتْهُ قَاضِيًا عن غَيْرِهِ وَلَهُ الْإِجَارَةُ كَامِلَةً في مَالِهِ وَعَلَيْهِ في مَالِهِ فِدْيَةُ كل ما أَصَابَ ( قال ) وَهَكَذَا وَلِيُّ الْمَيِّتِ إذَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحُجّ عن الْمَيِّتِ لَا يَخْتَلِفَانِ في شَيْءٍ ( قال ) وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عنه فَقَرَنَ عنه كان زَادُهُ خَيْرًا له ولم يَنْقُصْهُ وَعَلَيْهِ في مَالِهِ دَمُ الْقِرَانِ ( قال ) وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عنه فَاعْتَمَرَ أو يَعْتَمِرُ فَحَجَّ رَدَّ الْإِجَارَةَ لِأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَمَرَ أَنْ يَعْتَمِرَ عَمِلَ عن نَفْسِهِ غير ما أَمَرَ بِهِ وَالْحَجُّ غَيْرُ الْعُمْرَةِ وَالْعُمْرَةُ غَيْرُ الْحَجِّ ( قال ) وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ يَحُجُّ عنه فَاعْتَمَرَ ثُمَّ عَادَ فَحَجَّ عنه من مِيقَاتِهِ أَجْزَأَتْ عنه ( قال ) وَلَوْ اعْتَمَرَ عن نَفْسِهِ ثُمَّ أَرَادَ الْحَجَّ عن غَيْرِهِ لم تَكُنْ حَجَّتُهُ كَامِلَةً عن غَيْرِهِ إلَّا بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِ الْمَحْجُوجِ عنه يَحُجُّ عنه من مِيقَاتِهِ فَإِنْ تَرَكَ ذلك وَحَجَّ من دُونِ مِيقَاتِهِ أَهَرَاقَ دَمًا وَأَجْزَأَتْ عنه ( قال ) وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ حَاجًّا عن رَجُلٍ فَسَلَكَ غير طَرِيقِ الْمَحْجُوجِ عنه وَأَتَى على مِيقَاتٍ في طَرِيقِهِ غير مِيقَاتِ الرَّجُلِ فَأَهَلَّ منه وَمَضَى على حَجِّهِ أَجْزَأَتْ عنه حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( قال ) وَيُجْزِي الْحَاجَّ عن الرَّجُلِ أَنْ يَنْوِيَ الْحَجَّ عنه عِنْدَ إحْرَامِهِ وَإِنْ لم يَتَكَلَّمْ بِهِ أَجْزَأَ عنه كما يُجْزِئُهُ ذلك في نَفْسِهِ وَالْمُتَطَوِّعُ بِالْحَجِّ عن الرَّجُلِ كَالْمُسْتَأْجِرِ في كل أَمْرِهِ يُجْزِيهِ في كل ما أَجْزَأَهُ في كل ويفسد عليه في كُلَّ ما أَفْسَدَ عليه في كُلٍّ إلَّا أَنَّ الْمُتَطَوِّعَ لَا يَرُدُّ إجَارَةً لِأَنَّهُ لم يَأْخُذْهَا ( قال ) وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ رَجُلًا يَحُجُّ عنه أو عن مَيِّتٍ فَحَجَّ ولم يَكُنْ حَجَّ عن نَفْسِهِ أَجْزَأَتْ عنه ولم تُجْزِ عنهما وَرَدَّ الْإِجَارَةَ ( قال ) وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْوَصِيُّ لِلْمَيِّتِ إذَا لم يُحِجَّ الْمَيِّتُ بَعْضَ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ عنه أَوْصَى بِذَلِكَ الْمَيِّتُ أو لم يُوصِ وَالْإِجَارَةُ لَيْسَتْ بِوَصِيَّةٍ منه وَإِنْ كان الْمُسْتَأْجِرُ وَارِثًا أو غير وَارِثٍ فَسَوَاءٌ وَيُحَجُّ عن الْمَيِّتِ الْحَجَّةُ وَالْعُمْرَةُ الْوَاجِبَتَانِ أَوْصَى بِهِمَا أو لم يُوصِ كما يُؤَدَّى عنه الْوَاجِبُ عليه من الدَّيْنِ وَإِنْ لم يُوصِ بِهِ ( قال ) وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِلْحَاجِّ اخْتَرْت أَنْ يُعْطَاهُ فُقَرَاءُ الْحَاجِّ وَلَا أَعْلَمُهُ يَحْرُمُ أَنْ يُعْطَاهُ غَنِيٌّ منهم ( قال ) وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عنه تَطَوُّعًا فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذلك جَائِزٌ وَالْآخَرُ أَنَّ ذلك غَيْرُ جَائِزٍ كما لو أَوْصَى أَنْ يُسْتَأْجَرَ عنه من يصلى عنه لم يَجُزْ وَمَنْ قال لَا يَجُوزُ رَدَّ وَصِيَّتَهُ فَجَعَلَهَا مِيرَاثًا ( قال ) وَلَوْ قال رَجُلٌ
____________________

(2/129)


لِرَجُلٍ حُجَّ عن فُلَانٍ الْمَيِّتِ بِنَفَقَتِك دَفَعَ إلَيْهِ النَّفَقَةَ أو لم يَدْفَعْهَا كان هذا غير جَائِزٍ لِأَنَّ هذه أُجْرَةٌ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ فَإِنْ حَجَّ أَجْزَأَتْ عنه وَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلِهِ وَسَوَاءٌ كان الْمُسْتَأْجِرُ وَارِثًا أو غير وَارِثٍ أَوْصَى بِذَلِكَ الْمَيِّتُ أو لم يُوصِ بِهِ غير أَنَّهُ إنْ أَوْصَى بِذَلِكَ لِوَارِثٍ لم يَجُزْ أَنْ يُعْطَى من الْإِجَارَةِ ما زَادَ على أُجْرَةِ مِثْلِهِ من الْفَضْلِ لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ وَصِيَّةٌ وَالْوَصِيَّةُ لَا تَجُوزُ لِوَارِثٍ - * بَابُ ما يؤدي عن الرَّجُلِ الْبَالِغِ الْحَجُّ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا بَلَغَ غُلَامٌ أو عَتَقَ مَمْلُوكٌ أو أَسْلَمَ كَافِرٌ بِعَرَفَةَ أو مُزْدَلِفَةَ فَأَحْرَمَ أَيْ هَؤُلَاءِ صَارَ إلَى هذه الْحَالِ بِالْحَجِّ ثُمَّ وافي عَرَفَةَ قبل طُلُوعِ الْفَجْرِ من لَيْلَةِ الْمُزْدَلِفَةِ وَاقِفًا بها أو غير وَاقِفٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَأَجْزَأَ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ وَلَوْ أَحْرَمَ الْعَبْدُ وَالْغُلَامُ الذي لم يَبْلُغْ بِالْحَجِّ يَنْوِيَانِ بِإِحْرَامِهِمَا فَرْضَ الْحَجِّ أو النَّافِلَةَ أو لَا نِيَّةَ لَهُمَا ثُمَّ عَتَقَ هذا وَبَلَغَ هذا قبل عَرَفَةَ أو بِعَرَفَةَ أو بِمُزْدَلِفَةَ أو أَيْنَ كَانَا فَرَجَعَا إلَى عَرَفَةَ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ أَجْزَأَتْ عنهما من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ احْتَاطَا بِأَنْ يُهْرِيقَا دَمًا كان أَحَبَّ إلى وَلَا يَبِينُ لي أَنْ يَكُونَ ذلك عَلَيْهِمَا وَأَمَّا الْكَافِرُ فَلَوْ أَحْرَمَ من مِيقَاتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ بِعَرَفَةَ لم يَكُنْ له بُدٌّ من دَمٍ يُهْرِيقُهُ لِأَنَّ إحْرَامَهُ ليس بِإِحْرَامٍ وَلَوْ أَذِنَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ فَأَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَفْسَدَهُ قبل عَرَفَةَ ثُمَّ عَتَقَ فَوَافَى عَرَفَةَ لم تُجْزِ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ قد كان يَجِبُ عليه تَمَامُهَا لِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَهِيَ تَجُوزُ له وَإِنْ لم تُجْزِ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فإذا أَفْسَدَهَا مَضَى فيها فَاسِدَةً وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهَا وَيُهْدِي بَدَنَةً ثُمَّ إذَا قَضَاهَا فَالْقَضَاءُ عنه يُجْزِيهِ من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) في الْغُلَامِ الْمُرَاهِقِ لم يَبْلُغْ يُهِلُّ بِالْحَجِّ ثُمَّ يُصِيبُ امْرَأَتَهُ قبل عَرَفَةَ ثُمَّ يَحْتَلِمُ بِعَرَفَةَ يمضى في حَجِّهِ وَلَا أَرَى هذه الْحَجَّةَ مُجْزِئَةً عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ من قِبَلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذْ جَعَلَ له حَجًّا فَالْحَاجُّ إذَا جَامَعَ أَفْسَدَ وَعَلَيْهِ الْبَدَلُ وَبَدَنَةٌ فإذا جاء بِبَدَلٍ وَبَدَنَةٍ أَجْزَأَتْ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ( قال ) وَلَوْ أَهَلَّ ذِمِّيٌّ أو كَافِرٌ ما كان هذا بِحَجٍّ ثُمَّ جَامَعَ ثُمَّ أَسْلَمَ قبل عَرَفَةَ وَبَعْدَ الْجِمَاعِ فَجَدَّدَ إحْرَامًا من الْمِيقَاتِ أو دُونِهِ وَأَهْرَاقَ دَمًا لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ أَجْزَأَتْ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ مُفْسِدًا في حَالِ الشِّرْكِ لِأَنَّهُ كان غير مُحْرِمٍ فَإِنْ قال قَائِلٌ فإذا
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا وَصَلَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْبَالِغُ إلَى أَنْ يَحُجَّ أَجْزَأَتْ عنه حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كان مِمَّنْ لَا مَقْدِرَةَ له بِذَاتِ يَدِهِ فَحَجَّ مَاشِيًا فَهُوَ مُحْسِنٌ بِتَكَلُّفِهِ شيئا له الرُّخْصَةُ في تركة وَحَجَّ في حِينٍ يَكُونُ عَمَلُهُ مُؤَدِّيًا عنه وَكَذَلِكَ لو آجَرَ نَفْسَهُ من رَجُلٍ يَخْدُمُهُ وَحَجَّ
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءِ بن أبي رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ بن عَبَّاسٍ فقال أواجر نَفْسِي من هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ فَأَنْسُكَ مَعَهُمْ الْمَنَاسِكَ هل يُجْزِئُ عَنِّي فقال بن عَبَّاسٍ نعم { أُولَئِكَ لهم نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاَللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ } قال وَكَذَلِكَ لو حَجَّ وَغَيْرُهُ يَكْفِيهِ مُؤْنَتَهُ لِأَنَّهُ حَاجٌّ في هذه الْحَالَاتِ عن نَفْسِهِ لَا عن غَيْرِهِ ( قال ) وَكَذَلِكَ لو حَجَّ في عَامٍ أَخْطَأَ الناس فيه يوم عَرَفَةَ لِأَنَّ حَجَّهُمْ يوم يَحُجُّونَ كما فِطْرُهُمْ يوم يُفْطِرُونَ وَأَضْحَاهُمْ يوم يُضَحُّونَ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا كُلِّفُوا الظَّاهِرَ فِيمَا يَغِيبُ عَنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل وَهَكَذَا لو أَصَابَ رَجُلٌ أَهْلَهُ بَعْدَ الرمى وَالْحِلَاقِ كانت عليه بَدَنَةٌ وكان حَجُّهُ تَامًّا وَهَكَذَا لو دخل عَرَفَةَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَخَرَجَ منها قبل مَغِيبِ الشَّمْسِ أَجْزَأَتْ عنه حَجَّتُهُ وَأَهْرَاقَ دَمًا وَهَكَذَا كُلُّ ما فَعَلَ مِمَّا ليس له في إحْرَامِهِ غَيْرُ الْجِمَاعِ كَفَّرَ وَأَجْزَأَتْ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ - * بَابُ حَجِّ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ وَالْمَمْلُوكِ يَعْتِقُ وَالذِّمِّيُّ يُسْلِمُ - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال

(2/130)


زَعَمْت أَنَّهُ كان في إحْرَامِهِ غير مُحْرِمٍ أَفَكَانَ الْفَرْضُ عنه مَوْضُوعًا قِيلَ لَا بَلْ كان عليه وَعَلَى كل أَحَدٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِاَللَّهِ عز وجل وَبِرَسُولِهِ وَيُؤَدِّي الْفَرَائِضَ التي أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى على نَبِيِّهِ غير أَنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ وما لم أَعْلَمْ الْمُسْلِمِينَ اخْتَلَفُوا فيه أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ أَسْلَمَ ائتنف ( ( ( استأنف ) ) ) الْفَرَائِضَ من يَوْمِ أَسْلَمَ ولم يُؤْمَرْ بِإِعَادَةِ ما فَرَّطَ فيه في الشِّرْكِ منها وإن الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ ما قَبْلَهُ إذَا أَسْلَمَ ثُمَّ اسْتَقَامَ فلما كان إنَّمَا يَسْتَأْنِفُ الْأَعْمَالَ وَلَا يَكُونُ عَامِلًا عَمَلًا يُكْتَبُ له إلَّا بَعْدَ الْإِسْلَامِ كان ما كان غير مَكْتُوبٍ له من إحْرَامِهِ ليس إحْرَامًا وَالْعَمَلُ يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ الْبَالِغِ وإذا قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الصَّغِيرِ له حَجٌّ فَفِي ذلك دَلَالَةٌ على أَنَّهُ حَاجٌّ وَأَنَّ حَجَّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مَكْتُوبٌ له - * بَابُ الرَّجُلِ يَنْذُرُ الْحَجَّ أو الْعُمْرَةَ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فإذا مَاتَ ولم يَقْضِ النَّذْرَ وَلَا الْوَاجِبَ قضى عنه الْوَاجِبُ أَوَّلًا فَإِنْ كان في مَالِهِ سَعَةٌ أو كان له من يَحُجُّ عنه قَضَى النَّذْرَ عنه بَعْدَهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَإِنْ حَجَّ عنه رَجُلٌ بِإِجَارَةٍ أو تَطَوُّعٍ ينوى عنه قَضَاءَ النَّذْرِ كان الْحَجُّ الْوَاجِبُ عليه ثُمَّ قَضَى عنه النَّذْرَ بَعْدَهُ إذَا كان إحْرَامُ غَيْرِهِ عنه إذَا أَرَادَ تَأْدِيَةَ الْفَرْضِ عنه يَقُومُ مَقَامَ إحْرَامِ نَفْسِهِ عنه في الْأَدَاءِ عنه فَكَذَلِكَ هو في النَّذْرِ عنه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَوْ حَجَّ عنه رَجُلَانِ هذا الْفَرْضَ وَهَذَا النَّذْرَ كان أَحَبَّ إلى وَأَجْزَأَ عنه - * بَابُ الْخِلَافِ في هذا الْبَابِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وقد خَالَفَنَا بَعْضُ الناس في هذا الْبَابِ فقال نَحْنُ نُوَافِقُكَ على أَنَّ الرَّجُلَ إذَا حَجَّ تَطَوُّعًا أو بِغَيْرِ نِيَّةٍ كان ذلك عِنْدَنَا حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لِلْآثَارِ وَالْقِيَاسِ فيه وَلِأَنَّ التَّطَوُّعَ ليس بِوَاجِبٍ عليه أَفَرَأَيْتَ الْوَاجِبَ عليه من النَّذْرِ إنْ كان وَاجِبًا وَفَرْضُ الْحَجِّ التَّطَوُّعِ وَاجِبًا فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهُ إذَا نَوَى النَّذْرَ وهو وَاجِبٌ كان الْحَجُّ الْوَاجِبُ كما قُلْته في التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ غير تَطَوُّعٍ فَقُلْت له زَعَمْته بِأَنَّهُ إذَا كان مُسْتَطِيعًا من حِينِ يَبْلُغُ إلَى أَنْ يَمُوتَ فلم يَكُنْ وَقْتُ حَجٍّ يأتى عليه إلَّا وَفَرْضُ الْحَجِّ لَازِمٌ له بِلَا شَيْءٍ أَلْزَمَهُ نَفْسَهُ ولم يَكُنْ النَّذْرُ لَازِمًا له إلَّا بَعْدَ إيجَابِهِ فَكَانَ في نَفْسِهِ بِمَعْنَى من حَجَّ تَطَوُّعًا وكان الْوَاجِبُ بِكُلِّ حَالٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْمُقَدَّمُ من الذي لم يَجِبْ إلَّا بِإِيجَابِهِ على نَفْسِهِ فَإِنْ قال ما يُشْبِهُ النَّذْرَ من النَّافِلَةِ قِيلَ له إذَا دخل فيه بَعْدَ حَجِّ الْإِسْلَامِ وَجَبَ عليه أَنْ يُتِمَّهُ وَلَكِنَّهُ لَمَّا كان إذَا دخل فيه كان في حُكْمِهِ في أَنَّهُ يُتِمُّهُ كمبتديء ( ( ( كمبتدئ ) ) ) حَجِّ الْإِسْلَامِ يَنْوِيهِ كان دُخُولُهُ فيه لم يُوجِبْهُ عليه إنَّمَا أَوْجَبَ على نَفْسِهِ فَرْضًا عليه وَغَيْرُهُ لو أَوْجَبَهُ عليه فآمره بِالْخُرُوجِ منه كما آمره بِالْخُرُوجِ من الْحَجِّ بِالطَّوَافِ وآمره بِقَضَائِهِ فقال فَإِنَّكَ رَوَيْتَ أَنَّ بن عَبَّاسٍ وبن عُمَرَ سُئِلَا فقال أَحَدُهُمَا قَضَيْتُهُمَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لِمَنْ نَذَرَ حَجًّا فَحَجُّهُ قَضَاءُ النَّذْرِ وَالْحَجُّ الْمَكْتُوبُ وقال الْآخَرُ هذه حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَلْيَلْتَمِسْ وَفَاءَ النَّذْرِ فَقُلْت فَأَنْتَ تُخَالِفُهُمَا جميعا فَتَزْعُمُ أَنَّ هذا النَّذْرُ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ تَحْتَجُّ بِمَا تُخَالِفُ قال وَأَنْتَ تُخَالِفُ أَحَدَهُمَا فقلت إنْ خَالَفْته خَالَفْته بِمَعْنَى السُّنَّةِ وَأُوَافِقُ الْآخَرَ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن الثَّوْرِيِّ عن زَيْدِ بن جُبَيْرٍ قال إنِّي لَعِنْدَ عبد اللَّهِ بن عُمَرَ إذْ سُئِلَ عن هذه فقال هذه حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَلْيَلْتَمِسْ أَنْ يقضى نَذْرَهُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَمَنْ أَوْجَبَ على نَفْسِهِ حَجًّا أو عُمْرَةً بِنَذْرٍ فَحَجَّ أو اعْتَمَرَ يُرِيدُ قَضَاءَ حَجَّتِهِ أو عُمْرَتِهِ التي نَذَرَ كان حَجَّتُهُ وَعُمْرَتُهُ التي نَوَى بها قَضَاءَ النَّذْرِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ ثُمَّ كان عليه قَضَاءُ حَجَّةِ النَّذْرِ بَعْدَ ذلك

(2/131)


(1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } فَاخْتَلَفَ الناس في الْعُمْرَةِ فقال بَعْضُ الْمَشْرِقِيِّينَ الْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ وَقَالَهُ سَعِيدُ بن سَالِمٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ أخبره عن مُعَاوِيَةَ بن إِسْحَاقَ عن أبي صَالِحَ الْحَنَفِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ فَقُلْت له أَثَبَتَ مِثْلُ هذا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال هو مُنْقَطِعٌ وهو وَإِنْ لم تَثْبُتْ بِهِ الْحُجَّةُ فإن حُجَّتَنَا في أنها تَطَوُّعٌ أَنَّ اللَّهَ عز وجل يقول { وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } ولم يذكر في الْمَوْضِعِ الذي بَيَّنَ فيه إيجَابَ الْحَجِّ إيجَابَ الْعُمْرَةِ وَأَنَّا لم نَعْلَمْ أَحَدًا من الْمُسْلِمِينَ أُمِرَ بِقَضَاءِ الْعُمْرَةِ عن مَيِّتٍ فَقُلْت له قد يَحْتَمِلُ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } أَنْ يَكُونَ فَرْضُهَا مَعًا وَفَرْضُهُ إذَا كان في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ يَثْبُتُ ثُبُوتُهُ في مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وأقيموا ( ( ( أقيموا ) ) ) الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } ثُمَّ قال { إنَّ الصَّلَاةَ كانت على الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } فَذَكَرَهَا مَرَّةً مع الصَّلَاةِ وَأَفْرَدَ الصَّلَاةَ مَرَّةً أُخْرَى دُونَهَا فلم يَمْنَعْ ذلك الزَّكَاةَ أَنْ تَثْبُتَ وَلَيْسَ لَك حُجَّةٌ في قَوْلِك لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أُمِرَ بِقَضَاءِ الْعُمْرَةِ عن مَيِّتٍ إلَّا عَلَيْك مِثْلُهَا لِمَنْ أَوْجَبَ الْعُمْرَةَ بِأَنْ يَقُولَ وَلَا نَعْلَمُ من السَّلَفِ أَحَدًا ثَبَتَ عنه أَنَّهُ قال لَا تُقْضَى عُمْرَةٌ عن مَيِّتٍ وَلَا هِيَ تَطَوُّعٌ كما قُلْت فَإِنْ كان لَا نَعْلَمُ لَك حُجَّةً كان قَوْلُ من أَوْجَبَ الْعُمْرَةَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا من السَّلَفِ ثَبَتَ عنه أَنَّهُ قال هِيَ تَطَوُّعٌ وَأَنْ لَا تُقْضَى عن مَيِّتٍ حُجَّةٌ عَلَيْك ( قال ) وَمَنْ ذَهَبَ هذا الْمَذْهَبَ أَشْبَهَ أَنْ يَتَأَوَّلَ الْآيَةَ { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } إذَا دَخَلْتُمْ فِيهِمَا وقال بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْعُمْرَةُ سُنَّةٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَرْخَصَ في تَرْكِهَا ( قال ) وَهَذَا قَوْلٌ يَحْتَمِلُ إيجَابَهَا إنْ كان يُرِيدُ أَنَّ الْآيَةَ تَحْتَمِلُ إيجَابَهَا وَأَنَّ بن عَبَّاسٍ ذَهَبَ إلَى إيجَابِهَا ولم يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ من الْأَئِمَّةِ وَيُحْتَمَلُ تَأْكِيدُهَا لَا إيجَابُهَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَاَلَّذِي هو أَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَأَوْلَى بِأَهْلِ الْعِلْمِ عِنْدِي وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ وَاجِبَةً فإن اللَّهَ عز وجل قَرَنَهَا مع الْحَجِّ فقال { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ } وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم اعْتَمَرَ قبل أَنْ يَحُجَّ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سَنَّ إحْرَامَهَا وَالْخُرُوجَ منها بِطَوَافٍ وَحِلَاقٍ وَمِيقَاتٍ وفي الْحَجِّ زِيَادَةُ عَمَلٍ على الْعُمْرَةِ فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَوْلَى إذَا لم يَكُنْ دَلَالَةٌ على أَنَّهُ بَاطِنٌ دُونَ ظَاهِرٍ وَمَعَ ذلك قَوْلُ بن عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ
أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن طَاوُسٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال وَاَلَّذِي نَفْسِي بيده إنَّهَا لِقَرِينَتِهَا في كِتَابِ اللَّهِ { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ }
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ قال ليس من خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى أَحَدٌ إلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ وَاجِبَتَانِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَقَالَهُ غَيْرُهُ من مَكِّيِّينَا وهو قَوْلُ الْأَكْثَرِ منهم + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ } وَسَنَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في قِرَانِ الْعُمْرَةِ مع الْحَجِّ هَدْيًا وَلَوْ كان أَصْلُ الْعُمْرَةِ تَطَوُّعًا أَشْبَهَ أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرِنَ الْعُمْرَةَ مع الْحَجِّ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُدْخِلُ في نَافِلَةٍ فَرْضًا حتى يَخْرُجَ من أَحَدِهِمَا قبل الدُّخُولِ في الْآخَرِ وقد يَدْخُلُ في أَرْبَعِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) ولم نَرَ عَمَلَيْنِ وَجَبَا عليه فلم يَكُنْ له تَرْكُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على الِابْتِدَاءِ يجزئ عنه أَنْ يأتى بِأَحَدِهِمَا فَنَقُولُ هذا في الْحَجِّ يَنْذُرُهُ الرَّجُلُ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كان قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وبقى عليه حَجَّةُ نَذْرِهِ فَحَجَّ مُتَطَوِّعًا فَهِيَ حَجَّةُ النَّذْرِ وَلَا يَتَطَوَّعُ بِحَجٍّ وَعَلَيْهِ حَجٌّ وَاجِبٌ وإذا أَجْزَأَ التَّطَوُّعُ من الْحَجَّةِ الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّا نَجْعَلُ ما تَطَوَّعَ بِهِ هو الْوَاجِبُ عليه من الْفَرْضِ فَكَذَلِكَ إذَا تَطَوَّعَ وَعَلَيْهِ وَاجِبٌ من نَذْرٍ لَا فَرْقَ بين ذلك - * بَابٌ هل تَجِبُ الْعُمْرَةُ وُجُوبَ الْحَجِّ - *

(2/132)


رَكَعَاتٍ وَأَكْثَرَ نَافِلَةً قبل أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا بِسَلَامٍ وَلَيْسَ ذلك في مَكْتُوبَةٍ وَنَافِلَةٍ من الصَّلَاةِ فَأَشْبَهَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ بِالتَّمَتُّعِ أو الْقِرَانِ هدى إذَا كان أَصْلُ الْعُمْرَةِ تَطَوُّعًا بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّ حُكْمَ ما لَا يَكُونُ إلَّا تَطَوُّعًا بِحَالٍ غَيْرُ حُكْمِ ما يَكُونُ فَرْضًا في حَالٍ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ أَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم امْرَأَةً أَنْ تَقْضِيَ الْحَجِّ عن أَبِيهَا ولم يُحْفَظْ عنه أَنْ تقضى الْعُمْرَةَ عنه قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ قد يَكُونُ في الحديث فَيُحْفَظُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ وَيُحْفَظُ كُلُّهُ فيؤدي بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ وَيُجِيبُ عَمَّا يَسْأَلُ عنه ويستغنى أَيْضًا بِأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْحَجَّ إذَا قضى عنه فَسَبِيلُ الْعُمْرَةِ سَبِيلُهُ فَإِنْ قال قَائِلٌ وما يُشْبِهُ ما قُلْت قِيلَ رَوَى عنه طَلْحَةُ أَنَّهُ سُئِلَ عن الْإِسْلَامِ فقال خَمْسُ صَلَوَاتٍ في الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَذَكَرَ الصِّيَامَ ولم يذكر حَجًّا وَلَا عُمْرَةً من الْإِسْلَامِ وَغَيْرَ هذا ما يُشْبِهُ هذا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما وَجْهُ هذا قِيلَ له ما وَصَفْت من أَنْ يَكُونَ في الْخَبَرِ فيؤدي بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ أو يُحْفَظُ بَعْضُهُ دُونَ بَعْضٍ أو يُكْتَفَى بِعِلْمِ السَّائِلِ أو يكتفي بِالْجَوَابِ عن الْمَسْأَلَةِ ثُمَّ يَعْلَمُ السَّائِلُ بَعْدُ وَلَا يؤدي ذلك في مَسْأَلَةِ السَّائِلِ ويؤدي في غَيْرِهِ ( قال ) وإذا أَفْرَدَ الْعُمْرَةَ فَالْمِيقَاتُ لها كَالْمِيقَاتِ في الْحَجِّ وَالْعُمْرَةُ في كل شَهْرٍ من السَّنَةِ كُلِّهَا إلَّا أَنَّا نَنْهَى الْمُحْرِمَ بِالْحَجِّ أَنْ يَعْتَمِرَ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِأَنَّهُ مَعْكُوفٌ على عَمَلِ الْحَجِّ وَلَا يَخْرُجُ منه إلَى الْإِحْرَامِ حتى يَفْرُغَ من جَمِيعِ عَمَلِ الْإِحْرَامِ الذي أَفْرَدَهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ لم يَحُجَّ رَجُلٌ فَتَوَقَّى الْعُمْرَةَ حتى تَمْضِيَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كان وَجْهًا وَإِنْ لم يَفْعَلْ فَجَائِزٌ له لِأَنَّهُ في غَيْرِ إحْرَامٍ نَمْنَعُهُ بِهِ من غَيْرِهِ لِإِحْرَامِ غَيْرِهِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَيُجْزِيه أَنْ يَقْرِنَ الْحَجَّ مع الْعُمْرَةِ وَتَجْزِيهِ من الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ عليه وَيُهَرِيق دَمًا قِيَاسًا على قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ } فَالْقَارِنُ أَخَفُّ حَالًا من الْمُتَمَتِّعِ الْمُتَمَتِّعُ إنَّمَا أَدْخَلَ عُمْرَةً فَوَصَلَ بها حَجًّا فَسَقَطَ عنه مِيقَاتُ الْحَجِّ وقد سَقَطَ عن هذا وَأَدْخَلَ الْعُمْرَةَ في أَيَّامِ الْحَجِّ وقد أَدْخَلَهَا الْقَارِنُ وزاد الْمُتَمَتِّعُ أَنْ تَمَتَّعَ بِالْإِحْلَالِ من الْعُمْرَةِ إلَى إحْرَامِ الْحَجِّ وَلَا يَكُونُ الْمُتَمَتِّعُ في أَكْثَرِ من حَالِ الْقَارِنِ فِيمَا يَجِبُ عليه من الهدى ( قال ) وتجزي ( ( ( وتجزئ ) ) ) الْعُمْرَةُ قبل الْحَجِّ وَالْحَجُّ قبل الْعُمْرَةِ من الْوَاجِبَةِ عليه ( قال ) وإذا اعْتَمَرَ قبل الْحَجِّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ حتى يُنْشِئَ الْحَجَّ أَنْشَأَهُ من مَكَّةَ لَا من الْمِيقَاتِ ( قال ) وَإِنْ أَفْرَدَ الْحَجَّ فَأَرَادَ الْعُمْرَةَ بَعْدَ الْحَجِّ خَرَجَ من الْحَرَمِ ثُمَّ أَهَلَّ من أَيْنَ شَاءَ وَسَقَطَ عنه بِإِحْرَامِهِ بِالْحَجِّ من الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ بها من أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ من مِيقَاتِهَا وَلَا مِيقَاتَ لها دُونَ الْحِلِّ كما يَسْقُطُ مِيقَاتُ الْحَجِّ إذَا قَدَّمَ الْعُمْرَةَ قَبْلَهُ لِدُخُولِ أَحَدِهِمَا في الْآخَرِ وَأَحَبَّ إلَى أَنْ يَعْتَمِرَ من الْجِعْرَانَةِ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم اعْتَمَرَ منها فَإِنْ أخطاه ذلك اعْتَمَرَ من التَّنْعِيمِ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ منها وَهِيَ أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى الْبَيْتِ فَإِنْ أَخْطَأَهُ ذلك اعْتَمَرَ من الْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم صلى بها وَأَرَادَ الْمَدْخَلَ لِعُمْرَتِهِ منها
أخبرنا بن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سمع عَمْرَو بن دِينَارٍ يقول سَمِعْت عَمْرَو بن أَوْسٍ الثَّقَفِيَّ يقول أخبرني عبد الرحمن بن أبي بَكْرٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ فَيُعْمِرَهَا من التَّنْعِيمِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَعَائِشَةُ كانت قَارِنَةً فَقَضَتْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ الْوَاجِبَتَيْنِ عليها وَأَحَبَّتْ أَنْ تَنْصَرِفَ بِعُمْرَةٍ غَيْرِ مَقْرُونَةٍ بِحَجٍّ فَسَأَلَتْ ذلك
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ في الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِسَائِلِهِ عن الطِّيبِ وَالثِّيَابِ افْعَلْ في عُمْرَتِك ما كُنْت فَاعِلًا في حَجَّتِك
( أخبرنا ) مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عبد اللَّهِ بن أبي بَكْرٍ أَنَّ في الْكِتَابِ الذي كَتَبَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِعَمْرِو بن حَزْمٍ أَنَّ الْعُمْرَةَ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ قال بن جُرَيْجٍ ولم يُحَدِّثْنِي عبد اللَّهِ بن أبي بَكْرٍ عن كِتَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِعَمْرِو بن حَزْمٍ شيئا إلَّا قُلْت له أَفِي شَكٍّ أَنْتُمْ من أَنَّهُ كِتَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال لَا

(2/133)


النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَمَرَ بِإِعْمَارِهَا فَكَانَتْ لها نَافِلَةً خَيْرًا وقد كانت دَخَلَتْ مَكَّةَ بِإِحْرَامٍ فلم يَكُنْ عليها رُجُوعٌ إلَى الْمِيقَاتِ
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن إسْمَاعِيلَ بن أُمَيَّةَ عن مُزَاحِمٍ عن عبد الْعَزِيزِ بن عبد اللَّهِ بن خَالِدٍ عن مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ أو مُحَرِّشٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم خَرَجَ من الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا فَاعْتَمَرَ وَأَصْبَحَ بها كَبَائِتٍ أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ هذا الْحَدِيثُ بهذا الْإِسْنَادِ وقال بن جُرَيْجٍ هو مُحَرِّشٌ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَعَائِشَةُ كانت قَارِنَةً في ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ اعْتَمَرَتْ بِأَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِإِعْمَارِهَا بَعْدَ الْحَجِّ فَكَانَتْ لها عُمْرَتَانِ في شَهْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم اعْتَمَرَ قبل الْجِعْرَانَةِ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ فَكَانَ مُتَطَوِّعًا بِعُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ فَكَانَ وَإِنْ دخل مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِلْحَرْبِ فَلَيْسَتْ عُمْرَتُهُ من الْجِعْرَانَةِ قَضَاءً وَلَكِنَّهَا تَطَوُّعٌ وَالْمُتَطَوِّعُ يَتَطَوَّعُ بِالْعُمْرَةِ من حَيْثُ شَاءَ خَارِجًا من الْحَرَمِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ أَهَلَّ رَجُلٌ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ خَرَجَ من حَجِّهِ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وكان عليه حَجٌّ قَابِلٌ والهدى ولم تَجُزْ هذه عنه من حَجَّةٍ وَلَا عُمْرَةٍ وَاجِبَةٍ عليه لِأَنَّهُ إنَّمَا خَرَجَ من الْحَجِّ بِعَمَلِ الْعُمْرَةِ لَا أَنَّهُ أبتدأ عُمْرَةً فَتَجْزِي عنه من عُمْرَةٍ وَاجِبَةٍ عليه - * بَاب الْوَقْتِ الذي تَجُوزُ فيه الْعُمْرَةُ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ أَنْ يُهِلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ في السَّنَةِ كُلِّهَا يوم عَرَفَةَ وَأَيَّامَ مِنًى وَغَيْرَهَا من السَّنَةِ إذَا لم يَكُنْ حَاجًّا ولم يَطْمَعْ بِإِدْرَاكِ الْحَجِّ وَإِنْ طَمِعَ بِإِدْرَاكِ الْحَجِّ أَحْبَبْت له أَنْ يَكُونَ إهْلَالُهُ بِحَجٍّ دُونَ عُمْرَةٍ أو حَجٍّ مع عُمْرَةٍ وَإِنْ لم يَفْعَلْ وَاعْتَمَرَ جَازَتْ الْعُمْرَةُ وَأَجْزَأَتْ عنه عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَةٌ إنْ كان أَوْجَبَهَا على نَفْسِهِ من نَذْرٍ أو أَوْجَبَهُ تَبَرَّرَ أو اعْتَمَرَ عن غَيْرِهِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَإِنْ قال قَائِلٌ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْعُمْرَةُ في أَيَّامِ الْحَجِّ قِيلَ قد أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَائِشَةَ فَأَدْخَلَتْ الْحَجَّ على الْعُمْرَةِ فَوَافَتْ عَرَفَةَ وَمِنًى حَاجَةً مُعْتَمِرَةً وَالْعُمْرَةُ لها مُتَقَدِّمَةٌ وقد أَمَرَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ عنه هَبَّارَ بن الْأَسْوَدِ وَأَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ في يَوْمِ النَّحْرِ وكان مُهِلًّا بِحَجٍّ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ وَيَحِلَّ فَهَذَا عَمَلُ عُمْرَةٍ إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فإن أَعْظَمَ الْأَيَّامِ حُرْمَةً أَوْلَاهَا أَنْ يَنْسَك فيها لِلَّهِ تَعَالَى + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا وَجْهَ لَأَنْ يُنْهَى أَحَدٌ أَنْ يَعْتَمِرَ يوم عَرَفَةَ وَلَا لَيَالِي مِنًى إلَّا أَنْ يَكُونَ حَاجًّا فَلَا يُدْخِلُ الْعُمْرَةَ على الْحَجِّ وَلَا يَعْتَمِرُ حتى يُكْمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ كُلَّهُ لِأَنَّهُ مَعْكُوفٌ بِمِنًى على عَمَلٍ من عَمَلِ الْحَجِّ من
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَأَصَابَ بن جُرَيْجٍ لِأَنَّ وَلَدَهُ عِنْدَنَا يقول بَنُو مُحَرِّشٍ
أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لِعَائِشَةَ طَوَافُك بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَكْفِيك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك
( أخبرنا ) سُفْيَانُ عن بن أبي نَجِيحٍ عن عَطَاءٍ عن عَائِشَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم مثله وَرُبَّمَا قال سُفْيَانُ عن عَطَاءٍ عن عَائِشَةَ وَرُبَّمَا قال إنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لِعَائِشَةَ

(2/134)


الرَّمْيِ وَالْإِقَامَةِ بِمِنًى طَافَ لِلزِّيَارَةِ أو لم يَطُفْ فَإِنْ اعْتَمَرَ وهو في بَقِيَّةٍ من إحْرَامِ حَجِّهِ أو خَارِجًا من إحْرَامِ حَجِّهِ وهو مُقِيمٌ على عَمَلٍ من عَمَلِ حَجِّهِ فَلَا عُمْرَةَ له وَلَا فِدْيَةَ عليه لِأَنَّهُ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ في وَقْتٍ لم يَكُنْ له أَنْ يُهِلَّ بها فيه (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَفِيمَا وَصَفْت من عُمْرَةِ عَائِشَةَ بِأَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَغَيْرِهَا في ذِي الْحِجَّةِ وفي أَنَّهُ اعْتَمَرَ في أَشْهُرِ الْحَجِّ بَيَانٌ أَنَّ الْعُمْرَةَ تَجُوزُ في زَمَانِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ وإذا جَازَتْ في شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم زَايَلَتْ مَعْنَى الْحَجِّ الذي لَا يَكُونُ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَصَلُحَتْ في كل شَهْرٍ وَحِينَ أَرَادَهُ صَاحِبُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِغَيْرِهَا من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ فَلَا يُدْخِلُ إحْرَامًا بِغَيْرِهِ عليه قبل أَنْ يُكْمِلَهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا أَهَلَّ رَجُلٌ بِعُمْرَةٍ كان له أَنْ يُدْخِلَ الْحَجَّ على الْعُمْرَةِ ما لم يَدْخُلْ في الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فإذا دخل فيه فَلَيْسَ له أَنْ يُدْخِلَ عليه الْحَجَّ وَلَوْ فَعَلَ لم يَلْزَمْهُ حَجٌّ لِأَنَّهُ يَعْمَلُ في الْخُرُوجِ من عُمْرَتِهِ في وَقْتٍ ليس له إدْخَالُ الْحَجِّ فيه على عَمَلِ الْعُمْرَةِ وَلَوْ كان إهْلَالُهُ بِحَجٍّ لم يَكُنْ له أَنْ يُدْخِلَ عليه الْعُمْرَةَ وَلَوْ فَعَلَ لم يَكُنْ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ وَلَا عليه فِدْيَةٌ ( قال ) وَمَنْ لم يَحُجَّ اعْتَمَرَ في السَّنَةِ كُلِّهَا وَمَنْ حَجَّ لم يُدْخِلْ الْعُمْرَةَ على الْحَجِّ حتى يُكْمِلَ عَمَلَ الْحَجِّ وهو آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إنْ أَقَامَ إلَى آخِرِهَا وَإِنْ نَفَرَ النَّفَرَ الْأَوَّلَ فَاعْتَمَرَ يَوْمئِذٍ لَزِمَتْهُ الْعُمْرَةُ لِأَنَّهُ لم يَبْقَ عليه لِلْحَجِّ عَمَلٌ وَلَوْ أَخَّرَهُ كان أَحَبَّ إلى وَلَوْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ في يَوْمِ النَّفْرِ الْأَوَّلِ ولم يَنْفِرْ كان إهْلَالُهُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ مَعْكُوفٌ على عَمَلٍ من عَمَلِ الْحَجِّ فَلَا يَخْرُجُ منه إلَّا بِكَمَالِهِ وَالْخُرُوجُ منه ( قال ) وَخَالَفَنَا بَعْضُ حِجَازِيِّينَا فقال لَا يَعْتَمِرُ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَهَذَا خِلَافُ سُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَقَدْ أَعَمْرَ عَائِشَةَ في شَهْرٍ وَاحِدٍ من سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ وَخِلَافُ فِعْلِ عَائِشَةَ نَفْسِهَا وعلى بن أبي طَالِبٍ وبن عُمَرَ وَأَنَسٍ رضي
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالْعُمْرَةُ في السَّنَةِ كُلِّهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَعْتَمِرَ الرَّجُلُ في السَّنَةِ مِرَارًا وَهَذَا قَوْلُ الْعَامَّةِ من الْمَكِّيِّينَ وَأَهْلِ الْبُلْدَانِ غير أَنَّ قَائِلًا من الْحِجَازِيِّينَ كَرِهَ الْعُمْرَةَ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وإذا كانت الْعُمْرَةُ تَصْلُحُ في كل شَهْرٍ فَلَا تُشْبِهُ الْحَجَّ الذي لَا يَصْلُحُ إلَّا في يَوْمٍ من شَهْرٍ بِعَيْنِهِ إنْ لم يُدْرِكْ فيه الْحَجَّ فَاتَ إلَى قَابِلٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقَاسَ عليه وَهِيَ تُخَالِفُهُ في هذا كُلِّهِ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على ما وَصَفْت قِيلَ له عَائِشَةُ مِمَّنْ لم يَكُنْ معه هدى وَمِمَّنْ دخل في أَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَكُونَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً فَعَرِكَتْ فلم تَقْدِرْ على الطَّوَافِ لِلطَّمْثِ فَأَمَرَهَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ تُهِلَّ بِالْحَجِّ فَكَانَتْ قَارِنَةً وَكَانَتْ عُمْرَتُهَا في ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ سَأَلَتْهُ أَنْ يُعْمِرَهَا فَأَعْمَرَهَا في ذِي الْحِجَّةِ فَكَانَتْ هذه عُمْرَتَيْنِ في شَهْرٍ فَكَيْفَ يُنْكِرُ أَحَدٌ بَعْدَ أَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِعُمْرَتَيْنِ في شَهْرٍ يَزْعُمُ أَنْ لَا تَكُونَ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً
أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن بن أبي حُسَيْنٍ عن بَعْضِ وَلَدِ أَنَسِ بن مَالِكٍ قال كنا مع أَنَسِ بن مَالِكٍ بِمَكَّةَ فَكَانَ إذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ
أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن بن أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ عنه قال في كل شَهْرٍ عُمْرَةٌ
أخبرنا سُفْيَانُ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن بن الْمُسَيِّبِ أَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ في سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً من ذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَرَّةً من الْجُحْفَةِ أخبرنا سُفْيَانُ عن صَدَقَةَ بن يَسَارٍ عن الْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَوْجَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم اعْتَمَرَتْ في سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ قال صَدَقَةٌ فَقُلْت هل عَابَ ذلك عليها أَحَدٌ فقال سُبْحَانَ اللَّهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فَاسْتَحْيَيْت
أخبرنا أَنَسُ بن عِيَاضٍ عن مُوسَى بن عُقْبَةَ عن نَافِعٍ قال اعْتَمَرَ عبد اللَّهِ بن عُمَرَ أَعْوَامًا في عَهْدِ بن الزُّبَيْرِ مَرَّتَيْنِ في كل عَامٍ
أخبرنا عبد الْوَهَّابِ بن عبدالمجيد عن حَبِيبٍ الْمُعَلِّمِ قال سُئِلَ عَطَاءٌ عن الْعُمْرَةِ في كل شَهْرٍ قال نعم

(2/135)


اللَّهُ عَنْهُمْ وَعَوَامِّ الناس وَأَصْلُ قَوْلِهِ إنْ كان قَوْلُهُ إن الْعُمْرَةَ تَصْلُحُ في كل السَّنَةِ فَكَيْفَ قَاسَهَا بِالْحَجِّ الذي لَا يَصْلُحُ إلَّا في يَوْمٍ من السَّنَةِ وَأَيُّ وَقْتٍ وَقْتٌ لِلْعُمْرَةِ من الشُّهُورِ فَإِنْ قال أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ فَكَيْفَ لم يَعْتَمِرْ في أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ مِرَارًا وَقَوْلُ الْعَامَّةِ على ما قُلْنَا - * بَابُ من أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ أو عُمْرَتَيْنِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا كان عُمَرُ بن الْخَطَّابِ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ حَفِظْنَا عنه لم نَعْلَمْ منهم اخْتِلَافًا يَقُولُونَ إذَا أَهَلَّ بِحَجٍّ ثُمَّ فَاتَهُ عَرَفَةُ لم يَقُمْ حَرَامًا وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ ثُمَّ قَضَى الْحَجَّ الْفَائِتَ له لم يَجُزْ أَبَدًا في الذي لم يَفُتْهُ الْحَجُّ أَنْ يُقِيمَ حَرَامًا بَعْدَ الْحَجِّ بِحَجٍّ وإذا لم يَجُزْ لم يَجُزْ إلَّا سُقُوطُ إحْدَى الْحَجَّتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وقد روى من وَجْهٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ قال إذَا أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَتَابَعَهُ الْحَسَنُ بن أبي الْحَسَنِ ( قال ) وَالْقَوْلُ في الْعُمْرَتَيْنِ هَكَذَا وَكَمَالُ الْعُمْرَةِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَالْحِلَاقُ وَأَمْرُهُمْ من فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَحِلَّ بِطَوَافٍ وسعى وَحِلَاقٍ ويقضى يَدُلَّانِ مَعًا على أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ في غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّ من فَاتَهُ الْحَجُّ قد يَقْدِرُ أَنْ يُقِيمَ حَرَامًا إلَى قَابِلٍ وَلَا أَرَاهُمْ أَمَرُوهُ بِالْخُرُوجِ من إحْرَامِهِ بِالطَّوَافِ وَلَا يُقِيمُ حَرَامًا لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ له أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ في غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَدُلُّ على أَنَّهُ إذَا خَرَجَ من حَجِّهِ بعمل ( ( ( يعمل ) ) ) عُمْرَةً فَلَيْسَ أَنَّ حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً وَلَا يَصِيرُ عُمْرَةً وقد ابتدأه ( ( ( ابتدأ ) ) ) حَجًّا في وَقْتٍ يَجُوزُ فيه الْإِهْلَالُ بِالْحَجِّ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَنْفَسِخَ الْحَجُّ عُمْرَةً جَازَ أَنْ يَكُونَ من ابْتَدَأَ فَأَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ مُهِلًّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يُبْتَدَأَ حَجٌّ وَعُمْرَةٌ ولم يَجُزْ لِمَنْ قال يَصِيرُ حَجُّهُ عُمْرَةً إلَّا ما وَصَفْت من أَنَّهُ إذَا ابْتَدَأَ فَأَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَأَمَّا من أَهَلَّ بِحَجٍّ ثُمَّ أَدْخَلَ عليه بَعْدَ إهْلَالِهِ بِهِ حَجًّا فَبَيَّنَ في كل حَالٍ أَنْ لَا يَكُونَ مُدْخِلًا حَجًّا على حَجٍّ وَلَا تَكُونُ عُمْرَةٌ مع حَجٍّ كما لو ابْتَدَأَ فَأَدْخَلَ عُمْرَةً على حَجٍّ لم تدخل ( ( ( يدخل ) ) ) عليه وَلَوْ جَازَ أَنْ يَصْرِفَ الْحَجَّ عُمْرَةً جَازَ أَنْ تُصْرَفَ الْعُمْرَةَ حَجًّا فَيَكُونُ من أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ في أَشْهُرِ الْحَجِّ مُهِلًّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَصَرَفْنَا إحْرَامَهُ إلَى الذي يَجُوزُ له وَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ من هذا غَيْرُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ من أَنَّ من أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَتَيْنِ فَهُوَ مُهِلٌّ بِعُمْرَةٍ وَلَا شَيْءَ عليه غَيْرُ ذلك
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ مَعًا أو حَجَّ ثُمَّ أَدْخَلَ عليه حَجًّا آخَرَ قبل أَنْ يُكْمِلَ الْحَجَّ فَهُوَ مُهِلٌّ بِحَجٍّ وَاحِدٍ وَلَا شَيْءَ عليه في الثَّانِي من فِدْيَةٍ وَلَا قَضَاءٍ وَلَا غَيْرِهِ ( قال ) وَإِكْمَالُ عَمَلِ الْحَجِّ أَنْ لَا يَبْقَى عليه طَوَافٌ وَلَا حِلَاقٌ وَلَا رمى وَلَا مُقَامٌ بِمِنًى فَإِنْ قال قَائِلٌ فَكَيْفَ قُلْت هذا قِيلَ كان عليه في الْحَجِّ أَنْ يأتى بِعَمَلِهِ على كَمَالِهِ فَيُدْخِلُ فيه حَرَامًا وَيَكُونُ كَمَالُهُ أَنْ يُخْرِجَ منه حَلَالًا من يَوْمِ النَّحْرِ من بَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ وَبَعْدَ النَّحْرِ من كُلِّهِ بِكَمَالِهِ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ الْحَجَّتَيْنِ وَقُلْنَا أَكْمَلَ إحْدَاهُمَا أَمَرْنَاهُ بِالْإِحْلَالِ وهو مُحْرِمٌ بِحَجٍّ وَلَوْ قُلْنَا له لَا تَخْرُجُ من إحْرَامِ أَحَدِهِمَا إلَّا بِخُرُوجِك من الْآخَرِ بِكَمَالِهِ قُلْنَا له ائْتِ بِبَعْضِ عَمَلِ الْحَجِّ دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ قال وما يبقي عليه من عَمَلِ الْحَجِّ قِيلَ الْحِلَاقُ فَأَمَرْنَاهُ أَنْ لَا يُكْمِلَ الْحَجَّ انْتِظَارًا لِلَّذِي بَعْدَهُ وَلَوْ جَازَ هذا جَازَ أَنْ يُقَالَ له أَقِمْ في بَلَدِك أو في مَكَّةَ وَلَا تُعْمِلْ لِأَحَدِ حجيك حتى تُعْمِلَ لِلْآخَرِ مِنْهُمَا كما يُقَالُ لِلْقَارِنِ فَيَكُونُ إنَّمَا عَمِلَ بِحَجٍّ وَاحِدٍ وَبَطَلَ الْآخَرُ وَلَوْ قُلْنَا بَلْ يَعْمَلُ لِأَحَدِهِمَا وَيَبْقَى مُحْرِمًا بِالْآخَرِ قُلْنَا فَهُوَ لم يُكْمِلْ عَمَلَ أَحَدِهِمَا وَأَكْمَلَ عَمَلَ الْآخَرِ فَكَيْفَ يَجِبُ عليه في أَحَدِهِمَا ما سَقَطَ عنه في الْآخَرِ فَإِنْ قُلْت بَلْ يَحِلُّ من أَحَدِهِمَا قِيلَ فلم يَلْزَمْهُ أَدَاءُ الْآخَرِ إذَا جَازَ له أَنْ يَخْرُجَ من الْأَوَّلِ لم يَدْخُلْ في غَيْرِهِ إلَّا بِتَجْدِيدِ دُخُولٍ فيه

(2/136)


- * بَابُ الْخِلَافِ فِيمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ أو عُمْرَتَيْنِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) قد حكى لي عنهما مَعًا أَنَّهُمَا قَالَا من أَجْمَعَ صِيَامَ يَوْمَيْنِ فَصَامَ أَحَدَهُمَا فَلَيْسَ عليه الْآخَرُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ في الْآخَرِ إلَّا بَعْدَ الْخُرُوجِ من الْأَوَّلِ وَهَكَذَا من فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فَكَبَّرَ يَنْوِي صَلَاتَيْنِ لم يَكُنْ إلَّا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ ولم يَلْزَمْهُ صَلَاتَانِ مَعًا لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ في الْآخَرِ إلَّا من بَعْدِ الْخُرُوجِ من الْأُولَى ( قال ) وَكَذَلِكَ لو نَوَى صَلَاتَيْنِ تَطَوُّعًا مِمَّا يُفْصَلُ بَيْنَهُمَا بِسَلَامٍ فإذا كان هذا هَكَذَا في الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَكَيْفَ لم يَكُنْ عِنْدَهُمَا هَكَذَا في الْحَجِّ مع أَنَّهُ يُلْزِمُهُمَا أَنْ يَدَعَا قَوْلَهُمَا في الْحَجِّ إنْ زَعَمَا أَنَّ الْحَجَّ يَصِيرُ عُمْرَةً إذَا فَاتَتْ عَرَفَةُ أَشْبَهَ أَنْ يُلْزِمَهُمَا إذَا كان الْإِحْرَامُ بِحَجَّتَيْنِ لَازِمًا أَنْ يَقُولَا هو حَجٌّ وَعُمْرَةٌ قَالَا يَقْضِي أَحَدُهُمَا أو لم يَقُولَاهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا قُلْنَا لَا يَقْرِنُ بين عَمَلَيْنِ إلَّا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ يُدْخِلُ الْحَجَّ على الْعُمْرَةِ وَلَا يُدْخِلُ الْعُمْرَةَ على الْحَجِّ إذَا بَدَأَ بِالْحَجِّ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا نَجْمَعَ بين عَمَلَيْنِ فلما جَمَعَ بَيْنَهُمَا في حَالٍ سَلِمَ لِلْخَبَرِ في الْجَمْعِ بَيْنِهِمَا ولم يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا إلَّا على ما جاء فيه الْخَبَرُ لَا يُخَالِفُهُ وَلَا يَقِيسُ عليه - * في الْمَوَاقِيتِ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن الزُّهْرِيِّ عن سَالِمِ بن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ عن أبيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ من ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ من الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ قال بن عُمَرَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ من يَلَمْلَمَ
أخبرنا مَالِكُ بن أَنَسٍ عن عبد اللَّهِ بن دِينَارٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ قال أَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا من ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلَ الشَّامِ من الْجُحْفَةِ وَأَهْلَ نَجْدٍ من قَرْنٍ قال بن عُمَرَ أَمَّا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثُ فَسَمِعْتُهُنَّ من رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأُخْبِرْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ من يَلَمْلَمَ
أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ قال قام رَجُلٌ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ في الْمَسْجِدِ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ من أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ قال يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ من ذِي الْحُلَيْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّامِ من الْجُحْفَةِ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ قال لي نَافِعٌ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ من يَلَمْلَمَ ( قال )
وَأَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال أخبرني أبو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سمع جَابِرَ بن عبد اللَّهِ يَسْأَلُ عن الْمُهِلِّ فقال سَمِعْت ثُمَّ انْتَهَى أُرَاهُ يُرِيدُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يقول يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ من ذِي الْحُلَيْفَةِ وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ من الْجُحْفَةِ وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْعِرَاقِ من ذَاتِ عِرْقٍ وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ من يَلَمْلَمَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) ولم يُسَمِّ جَابِرُ بن عبد اللَّهِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقد يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سمع عُمَرَ بن الْخَطَّابِ قال بن سِيرِينَ يروي عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ مُرْسَلًا أَنَّهُ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سمع غير عُمَرَ بن الْخَطَّابِ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ قال أخبرنا بن جُرَيْجٍ قال أخبرني عَطَاءٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الْمَغْرِبِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذا ( ( ( ذات ) ) ) عِرْقٍ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَمَنْ سَلَكَ نَجْدًا من أَهْلِ الْيَمَنِ وَغَيْرِهِمْ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ
أخبرنا
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وخالفنا ( ( ( وخلافنا ) ) ) رَجُلَانِ من الناس فقال أَحَدُهُمَا من أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ لَزِمَتَاهُ فإذا أَخَذَ في عَمَلِهِمَا فَهُوَ رَافِضٌ لِلْآخَرِ وقال الْآخَرُ هو رَافِضٌ لِلْآخَرِ حين ابْتَدَأَ الْإِهْلَالَ وَأَحْسِبُهُمَا قَالَا وَعَلَيْهِ في الرَّفْضِ دَمٌ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ

(2/137)


مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال فَرَاجَعْت عَطَاءً فَقُلْت إن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم زَعَمُوا لم يُوَقِّتْ ذَاتَ عِرْقٍ ولم يَكُنْ أَهْلُ الْمَشْرِقِ حِينَئِذٍ قال كَذَلِكَ سَمِعْنَا أَنَّهُ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ أو الْعَقِيقَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ قال ولم يَكُنْ عِرَاقٌ وَلَكِنْ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ولم يَعْزُهُ إلَى أَحَدٍ دُونَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَكِنَّهُ يأبي إلَّا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقَّتَهُ
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن بن طَاوُسٍ عن أبيه قال لم يُوَقِّتْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ذَاتَ عِرْقٍ ولم يَكُنْ حِينَئِذٍ أَهْلُ مَشْرِقٍ فَوَقَّتَ الناس ذَاتَ عِرْقٍ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَهَذَا عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ مُرْسَلًا وَذَاتُ عِرْقٍ شَبِيهٌ بِقَرَنٍ في الْقُرْبِ وَأَلَمْلَمُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَإِنْ أَحْرَمَ منها أَهْلُ الْمَشْرِقِ رَجَوْت أَنْ يَجْزِيَهُمْ قِيَاسًا على قَرْنٍ وَيَلَمْلَمُ وَلَوْ أَهَلُّوا من الْعَقِيقِ كان أَحَبَّ إلى
أخبرنا سُفْيَانُ عن عبد اللَّهِ بن طَاوُسٍ عن أبيه قال وَقَّتَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ ثُمَّ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هذه الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا وَلِكُلِّ آتٍ أتى عليها من غَيْرِ أَهْلِهَا مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كان أَهْلُهُ من دُونِ الْمِيقَاتِ فليهل ( ( ( فليهلل ) ) ) من حَيْثُ يُنْشِئُ حتى يَأْتِيَ ذلك على أَهْلِ مَكَّةَ
أخبرنا الثِّقَةُ عن مَعْمَرٍ عن بن طَاوُسٍ عن أبيه عن بن عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْمَوَاقِيتِ مِثْلَ مَعْنَى حديث سُفْيَانُ في الْمَوَاقِيتِ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن الْقَاسِمِ بن مَعْنٍ عن لَيْثٍ عن عَطَاءٍ عن طَاوُسٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال وَقَّتَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِّ الْجُحْفَةَ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَمَنْ كان دُونَ ذلك فَمِنْ حَيْثُ يَبْدَأُ
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَمَّا وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ قال لِيَسْتَمْتِعْ الْمَرْءُ بِأَهْلِهِ وَثِيَابِهِ حتى يأتى كَذَا وَكَذَا لِلْمَوَاقِيتِ قُلْت أَفَلَمْ يَبْلُغْك أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال إذَا بَلَغُوا كَذَا وَكَذَا أَهَلُّوا قال لَا أَدْرِي - * بَابُ تَفْرِيعِ الْمَوَاقِيتِ - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن طَاوُسٍ قال قال ولم يُسَمِّ عَمْرٌو الْقَائِلَ إلَّا أَنَّا نُرَاهُ بن عَبَّاسٍ الرَّجُلُ يُهِلُّ من أَهْلِهِ وَمِنْ بعد ما يُجَاوِزُ أَيْنَ شَاءَ وَلَا يُجَاوِزُ الْمِيقَاتَ إلَّا مُحْرِمًا
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن أبي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ رَأَى بن عَبَّاسٍ يَرُدُّ من جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غير مُحْرِمٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا نَأْخُذُ وإذا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِالْحَجِّ أو الْعُمْرَةِ من دُونِ مِيقَاتِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَى مِيقَاتِهِ فَهُوَ مُحْرِمٌ في رُجُوعِهِ ذلك فَإِنْ قال قَائِلٌ فَكَيْفَ أَمَرْته بِالرُّجُوعِ وقد أَلْزَمْته إحْرَامًا قد ابْتَدَأَهُ من دُونِ مِيقَاتِهِ أَقُلْت ذلك اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ أَمْ خَبَرًا من غَيْرِهِ أو قِيَاسًا قُلْت هو وَإِنْ كان اتِّبَاعًا لِابْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ أَنَّهُ في مَعْنَى السُّنَّةِ فَإِنْ قال فَاذْكُرْ السُّنَّةَ التي هو في مَعْنَاهَا قُلْت أَرَأَيْت إذْ وَقَّتَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْمَوَاقِيتَ لِمَنْ أَرَادَ حَجًّا أو عُمْرَةً أَلَيْسَ الْمُرِيدُ لَهُمَا مَأْمُورًا أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا من الْمِيقَاتِ لَا يَحِلُّ إلَّا بِإِتْيَانِ الْبَيْتِ وَالطَّوَافِ وَالْعَمَلِ معه قال بَلَى قُلْت أفتراه مَأْذُونًا له قبل بُلُوغِ الْمِيقَاتِ أَنْ يَكُونَ غير مُحْرِمٍ قال بَلَى قُلْت أَفَتَرَاهُ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا له أَنْ يَكُونَ بَعْضُ سَفَرِهِ حَلَالًا وَبَعْضُهُ حَرَامًا قال نعم قُلْت أَفَرَأَيْت إذَا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ فَأَحْرَمَ أو لم يُحْرِمْ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ منه أَمَا أتى بِمَا أُمِرَ بِهِ من أَنْ يَكُونَ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا كما قال طَاوُسٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن أبي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قال لم يُوَقِّتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ شيئا فَاِتَّخَذَ الناس بِحِيَالِ قَرْنِ ذَاتِ عِرْقٍ
أخبرنا الثِّقَةُ عن أَيُّوبَ عن بن سِيرِينَ أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ

(2/138)


مُحْرِمًا من الْمِيقَاتِ إلَى أَنْ يَحِلَّ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَعَمَلِ غَيْرِهِ قال بَلَى وَلَكِنَّهُ إذَا دخل في إحْرَامٍ بَعْدَ الْمِيقَاتِ فَقَدْ لَزِمَهُ إحْرَامُهُ وَلَيْسَ بمبتديء ( ( ( بمبتدئ ) ) ) إحْرَامًا من الْمِيقَاتِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا نَأْخُذُ من أَهَلَّ من دُونِ مِيقَاتِهِ أَمَرْنَاهُ بِالرُّجُوعِ إلَى مِيقَاتِهِ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فإذا طَافَ بِالْبَيْتِ لم نَأْمُرْهُ بِالرُّجُوعِ وَأَمَرْنَاهُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا وَإِنْ لم يَقْدِرْ على الرُّجُوعِ إلَى مِيقَاتِهِ بِعُذْرٍ أو تَرَكَهُ عَامِدًا لم نَأْمُرْهُ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى شَيْءٍ دُونَ مِيقَاتِهِ وَأَمَرْنَاهُ أَنْ يُهْرِيقَ دَمًا وهو مُسِيءٌ في تَرْكِهِ أَنْ يَرْجِعَ إذَا أَمْكَنَهُ عَامِدًا وَلَوْ كان مِيقَاتُ الْقَوْمِ قَرْيَةً فَأَقَلُّ ما يَلْزَمُهُ في الْإِهْلَالِ أَنْ لَا يَخْرُجَ من بُيُوتِهَا حتى يُحْرِمَ وَأَحَبُّ إلى إنْ كانت بُيُوتُهَا مُجْتَمِعَةً أو مُتَفَرِّقَةً أَنْ يَتَقَصَّى فَيُحْرِمُ من أَقْصَى بُيُوتِهَا مِمَّا يَلِي بَلَدَهُ الذي هو أَبْعَدُ من مَكَّةَ وَإِنْ كان وَادِيًا فَأَحَبَّ إلَى أَنْ يُحْرِمَ من أَقْصَاهُ وَأَقْرَبُهُ بِبَلَدِهِ وَأَبْعَدُهُ من مَكَّةَ وَإِنْ كان ظُهْرًا من الْأَرْضِ فَأَقَلُّ ما يَلْزَمُهُ في ذلك أَنْ يُهِلَّ مِمَّا يَقَعُ عليه اسْمُ الظُّهْرِ أو الْوَادِي أو الْوَضْعُ أو الْقَرْيَةُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مَوْضِعَهَا فَيُهِلُّ منه وَأَحَبُّ إلى أَنْ يُحْرِمَ من أَقْصَاهُ إلَى بَلَدِهِ الذي هو أَبْعَدُ من مَكَّةَ فإنه إذَا أتى بهذا فَقَدْ أَحْرَمَ من الْمِيقَاتِ يَقِينًا أو زَادَ وَالزِّيَادَةُ لَا تَضُرُّ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الْقَرْيَةَ نُقِلَتْ فَيُحْرِمُ من الْقَرْيَةِ الْأُولَى وَإِنْ جَاوَزَ ما يَقَعُ عليه الِاسْمُ رَجَعَ أو أَهَرَاقَ دَمًا
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عبدالكريم الْجَزَرِيِّ قال رأي سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ من مِيقَاتِ ذَاتِ عِرْقٍ فَأَخَذَ بيده حتى أَخْرَجَهُ من الْبُيُوتِ وَقَطَعَ بِهِ الْوَادِي وَأَتَى بِهِ الْمَقَابِرَ ثُمَّ قال هذه ذَاتُ عِرْقٍ الْأُولَى + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ سَلَكَ بَحْرًا أو بَرًّا من غَيْرِ وَجْهِ الْمَوَاقِيتِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ مُتَأَخِّيًا وَأَحَبُّ إلى أَنْ يَحْتَاطَ فَيُحْرِمَ من وَرَاءِ ذلك فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ أَهَلَّ بعد ما جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ كان كَمَنْ جَاوَزَهَا فَرَجَعَ أو أَهَرَاقَ دَمًا
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ قال من سَلَكَ بَحْرًا أو بَرًّا من غَيْرِ جِهَةِ الْمَوَاقِيتِ أَحْرَمَ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا نَأْخُذُ وَمَنْ سَلَكَ كَدَاءَ من أَهْلِ نَجِدْ وَالسَّرَاةِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ من قَرْنٍ وَذَلِكَ قبل أَنْ يأتى ثَنِيَّةَ كَدًى وَذَلِكَ أَرْفَعُ من قَرْنٍ في نَجْدٍ وَأَعْلَى وَادِي قَرْنٍ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) قُلْت إنَّهُ لَا يَضِيقُ عليه أَنْ يَبْتَدِئَ الْإِحْرَامَ قبل الْمِيقَاتِ كما لَا يَضِيقُ عليه لو أَحْرَمَ من أَهْلِهِ فلم يَأْتِ الْمِيقَاتَ إلَّا وقد تَقَدَّمَ بِإِحْرَامِهِ لِأَنَّهُ قد أتى بِمَا أُمِرَ بِهِ من أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا من الْمِيقَاتِ إلَى أَنْ يَحِلَّ بِالطَّوَافِ وَعَمَلِ الْحَجِّ وإذا كان هذا هَكَذَا كان الذي جَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ في مَعْنَى هذا في أَنَّهُ قد أتى على الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا ثُمَّ كان بَعْدُ مُحْرِمًا إلَى أَنْ يَطُوفَ وَيَعْمَلَ لِإِحْرَامِهِ إلَّا أَنَّهُ زَادَ على نَفْسِهِ سَفَرًا بِالرُّجُوعِ وَالزِّيَادَةُ لَا تُؤْثِمُهُ وَلَا تُوجِبُ عليه فِدْيَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قال أَفَرَأَيْت من كان أَهْلُهُ من دُونِ الْمِيقَاتِ أو كان من أَهْلِ الْمِيقَاتِ قُلْت سَفَرُ ذلك كُلِّهِ إحْرَامٌ وَحَالُهُ إذَا جَاوَزَ أَهْلَهُ حَالُ من جَاوَزَ الْمِيقَاتَ يَفْعَلُ ما أَمَرْنَا بِهِ من جَاوَزَ الْمِيقَاتَ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال قال عَمْرُو بن دِينَارٍ عن طَاوُسٍ من شَاءَ أَهَلَّ من بَيْتِهِ وَمَنْ شَاءَ اسْتَمْتَعَ بِثِيَابِهِ حتى يأتى مِيقَاتَهُ وَلَكِنْ لَا يُجَاوِزُهُ إلَّا مُحْرِمًا يعنى مِيقَاتَهُ
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال الْمَوَاقِيتُ في الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ سَوَاءٌ وَمَنْ شَاءَ أَهَلَّ من وَرَائِهَا وَمَنْ شَاءَ أَهَلَّ منها وَلَا يُجَاوِزُهَا إلَّا مُحْرِمًا وَبِهَذَا نَأْخُذُ
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّ عَطَاءً قال وَمَنْ أَخْطَأَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ من مِيقَاتِهِ أو عَمَدَ ذلك فَلْيَرْجِعْ إلَى مِيقَاتِهِ فليهل ( ( ( فليهلل ) ) ) منه إلَّا أَنْ يَحْبِسَهُ أَمْرٌ يُعْذَرُ بِهِ من وَجَعٍ أو غَيْرِهِ أو يَخْشَى أَنْ يَفُوتَهُ الْحَجُّ إنْ رَجَعَ فَلْيُهْرِقْ دَمًا وَلَا يَرْجِعْ وَأَدْنَى ما يُهْرِيقُ من الدَّمِ في الْحَجِّ أو غَيْرِهِ شَاةٌ
أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ قال لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت الذي يُخْطِئُ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ من مِيقَاتِهِ ويأتى وقد أَزِفَ الْحَجُّ فَيُهْرِيقُ دَمًا أَيَخْرُجُ مع ذلك من الْحَرَمِ فَيُهِلَّ بِالْحَجِّ من الْحِلِّ قال لَا ولم يَخْرُجْ خَشْيَةَ الدَّمِ الذي يُهْرِيقُ

(2/139)


وَجِمَاعُ ذلك ما قال عَطَاءٌ أَنْ يُهِلَّ من جاء من غَيْرِ جِهَةِ الْمَوَاقِيتِ إذَا حَاذَى الْمَوَاقِيتَ وَحَدِيثُ طَاوُسٍ في الْمَوَاقِيتِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَوْضَحُهَا مَعْنًى وَأَشَدُّهَا غِنًى عَمَّا دُونَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ أتى على الْمَوَاقِيتِ ثُمَّ قال عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم هُنَّ لِأَهْلِهِنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أتى عَلَيْهِنَّ من غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أو عُمْرَةً وكان بَيِّنًا فيه إن عِرَاقِيًّا أو شَامِيًّا لو مَرَّ بِالْمَدِينَةِ يُرِيدُ حَجًّا أو عُمْرَةً كان مِيقَاتُهُ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَإِنْ مَدَنِيًّا لو جاء من الْيَمَنِ كان مِيقَاتُهُ يَلَمْلَمَ وإن قَوْلَهُ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ من ذِي الْحُلَيْفَةِ إنَّمَا هو لِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ من بِلَادِهِمْ وَيَكُونُ ذُو الْحُلَيْفَةِ طَرِيقُهُمْ وَأَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ وَقَوْلُهُ وَأَهْلُ الشَّامِّ من الْجُحْفَةِ لِأَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ من بِلَادِهِمْ وَالْجُحْفَةُ طَرِيقُهُمْ وَأَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ لَيْسَتْ الْمَدِينَةَ وَلَا ذُو الْحُلَيْفَةِ طَرِيقَهُمْ إلَّا أَنْ يَعْرُجُوا إلَيْهَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ في أَهْلِ نَجْدٍ وَالْيَمَنِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهم خَارِجٌ من بَلَدِهِ وَكَذَلِكَ أَوَّلُ مِيقَاتٍ يَمُرُّونَ بِهِ وَفِيهِ مَعْنًى آخَرُ أَنَّ أَهْلَ نَجْدٍ الْيَمَنِ يَمُرُّونَ بِقَرْنٍ فلما كانت طَرِيقُهُمْ لم يُكَلَّفُوا أَنْ يَأْتُوا يَلَمْلَمَ وَإِنَّمَا مِيقَاتُ يَلَمْلَمَ لِأَهْلِ غَوْرِ الْيَمَنِ تُهِمّهَا مِمَّنْ هِيَ طَرِيقُهُمْ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ مَرَّ بِمِيقَاتِهِ لم يُرِدْ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ثُمَّ بَدَا له من الْفَرْعِ فَأَهَلَّ منه أو جاء الْفَرْعُ من مَكَّةَ أو غَيْرِهَا ثُمَّ بَدَا له الْإِهْلَالُ فَأَهَلَّ منها ولم يَرْجِعْ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وهو رَوَى الحديث عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْمَوَاقِيتِ فَلَوْ أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أتى الطَّائِفَ لِحَاجَتِهِ عَامِدًا لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً ثُمَّ خَرَجَ منها كَذَلِكَ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً حتى قَارَبَ الْحَرَمَ ثُمَّ بَدَا له أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ أو الْعُمْرَةِ أَهَلَّ من مَوْضِعِهِ ذلك ولم يَرْجِعْ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن بن طَاوُسٍ عن أبيه أَنَّهُ قال إذَا مَرَّ الْمَكِّيُّ بِمِيقَاتِ أَهْلِ مِصْرَ فَلَا يُجَاوِزْهُ إلَّا مُحْرِمًا
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال قال طَاوُسٌ فَإِنْ مَرَّ الْمَكِّيُّ على الْمَوَاقِيتِ يُرِيدُ مَكَّةَ فَلَا يَخْلُفْهَا حتى يَعْتَمِرَ - * بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ لِغَيْرِ إرَادَةِ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال اللَّهُ عز وجل { وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا } إلَى قَوْلِهِ { وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) الْمَثَابَةُ في كَلَامِ الْعَرَبِ الْمَوْضِعُ يَثُوبُ الناس إلَيْهِ وَيَئُوبُونَ يَعُودُونَ إلَيْهِ بَعْدَ الذَّهَابِ منه وقد يُقَالُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا يَجُوزُ في الحديث غَيْرُ ما قُلْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَذَلِكَ أَنَّهُ لو كان على أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَيْنَ كَانُوا فَأَرَادُوا الْحَجَّ أَنْ يُهِلُّوا من ذِي الْحُلَيْفَةِ رَجَعُوا من الْيَمَنِ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَرَجَعَ أَهْلُ الْيَمَنِ من الْمَدِينَةِ إنْ أَرَادُوا منها الْحَجَّ إلَى يَلَمْلَمَ وَلَكِنَّ مَعْنَاهُ ما قُلْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وهو مَوْجُودٌ في الحديث مَعْقُولٌ فيه وَمَعْقُولٌ في الحديث في قَوْلِهِ وَلِكُلِّ آتٍ أتى عليها ما وَصَفْت وَقَوْلُهُ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أو عُمْرَةً أَنَّهُنَّ مَوَاقِيتُ لِمَنْ أتى عليهم يُرِيدُ حَجًّا أو عُمْرَةً فَمَنْ أتى عَلَيْهِنَّ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً فَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ ثُمَّ بَدَا له أَنْ يَحُجَّ أو يَعْتَمِرَ أَهَلَّ بِالْحَجِّ من حَيْثُ يَبْدُو له وكان ذلك مِيقَاتَهُ كما يَكُونُ مِيقَاتَ أَهْلِهِ الَّذِينَ أنشأوا ( ( ( أنشئوا ) ) ) منه يُرِيدُونَ الْحَجَّ أو الْعُمْرَةَ حين أنشأوا ( ( ( أنشئوا ) ) ) منه وَهَذَا مَعْنَى أَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِقَوْلِهِ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أو عُمْرَةً لِأَنَّ هذا جَاوَزَ الْمِيقَاتَ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَلِكُلِّ آتٍ أتى عَلَيْهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ حَجًّا أو عُمْرَةً فَهَذِهِ إنَّمَا أَرَادَ الْحَجَّ أو الْعُمْرَةَ بعد ما جَاوَزَ الْمَوَاقِيتَ فَأَرَادَ وهو مِمَّنْ دُونَ الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوبَةِ وَأَرَادَهُ وهو دَاخِلٌ في جُمْلَةِ الْمَوَاقِيتِ لِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَمَنْ كان أَهْلُهُ دُونَ الْمَوَاقِيتِ فَمِنْ حَيْثُ يُنْشِئُ حتى يأتى ذلك على أَهْلِ مَكَّةَ فَهَذَا جُمْلَةُ الْمَوَاقِيتِ أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ أَهَلَّ من الْفَرْعِ

(2/140)


ثَابَ إلَيْهِ اُجْتُمِعَ إلَيْهِ فَالْمَثَابَةُ تَجْمَعُ الِاجْتِمَاعَ وَيَئُوبُونَ يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ رَاجِعِينَ بَعْدَ ذَهَابِهِمْ منه وَمُبْتَدَئِينَ قال وَرَقَةُ بن نَوْفَلٍ يَذْكُرُ الْبَيْتَ % مَثَابًا لافناء الْقَبَائِلِ كُلِّهَا % تَخْبُ إلَيْهِ الْيَعْمُلَاتُ الذَّوَامِلُ % وقال خِدَاشُ بن زُهَيْرٍ النَّصْرِيُّ % فما بَرِحَتْ بَكْرٌ تَثُوبُ وتدعي % وَيُلْحَقُ منهم أَوَّلُونَ وَآخِرُ % وقال اللَّهُ عز وجل { أو لم يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ الناس من حَوْلِهِمْ } يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ آمِنًا من صَارَ إلَيْهِ لَا يُتَخَطَّفُ اخْتِطَافَ من حَوْلَهُمْ وقال لِإِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ { وَأَذِّنْ في الناس بِالْحَجِّ يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كل ضَامِرٍ يَأْتِينَ من كل فَجٍّ عَمِيقٍ } (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَكَانَ مِمَّا نَدَبُوا بِهِ إلَى إتْيَانِ الْحَرَمِ بِالْإِحْرَامِ قال وروى عن بن أبي لَبِيدٍ عن أبي سَلَمَةَ بن عبد الرحمن أَنَّهُ قال لَمَّا أَهَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ من الْجَنَّةِ طَأْطَأَهُ فَشَكَا الْوَحْشَةَ إلَى أَصْوَاتِ الْمَلَائِكَةِ فقال يا رَبِّ مَالِي لَا أَسْمَعُ حِسَّ الْمَلَائِكَةِ فقال خَطِيئَتُك يا آدَم وَلَكِنْ اذْهَبْ فإن لي بَيْتًا بِمَكَّةَ فائته ( ( ( فأته ) ) ) فَافْعَلْ حَوْلَهُ نحو ما رَأَيْتَ الْمَلَائِكَةَ يَفْعَلُونَ حَوْلَ عَرْشِي فَأَقْبَلَ يَتَخَطَّى مَوْضِعَ كل قَدَمِ قَرْيَةٍ وما بَيْنَهُمَا مَفَازَةٌ فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّدْمِ فَقَالُوا بَرَّ حَجَّكَ يا آدَم لقد حَجَجْنَا هذا الْبَيْتَ قَبْلَك بِأَلْفَيْ عَامٍ
أخبرنا أبن عُيَيْنَةَ عن بن أبي لَبِيدٍ عن مُحَمَّدِ بن كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أو غَيْرِهِ قال حَجَّ آدَم فَلَقِيَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فقالت بَرَّ نُسُكُكَ يا آدَم لقد حَجَجْنَا قَبْلَك بِأَلْفَيْ عَامٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وهو إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كما قال وَرَوَى عن أبي سَلَمَةَ وَسُفْيَانَ بن عُيَيْنَةَ كان يَشُكُّ في إسْنَادِهِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَيُحْكَى أَنَّ النَّبِيِّينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فإذا أَتَوْا الْحَرَمَ مَشَوْا إعْظَامًا له وَمَشَوْا حُفَاةً ولم يَحْكِ لنا عن أَحَدٍ من النَّبِيِّينَ وَلَا الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ أَنَّهُ جاء أَحَدٌ الْبَيْتَ قَطُّ إلَّا حَرَامًا ولم يَدْخُلْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَكَّةَ عَلِمْنَاهُ إلَّا حَرَامًا إلَّا في حَرْبِ الْفَتْحِ فَبِهَذَا قُلْنَا إنَّ سُنَّةَ اللَّهِ تَعَالَى في عِبَادِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْحَرَمُ إلَّا حَرَامًا وَبِأَنَّ من سَمِعْنَاهُ من عُلَمَائِنَا قالوا فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ الْبَيْتَ يَأْتِيه مُحْرِمًا بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ ( قال ) وَلَا أَحْسَبُهُمْ قَالُوهُ إلَّا بِمَا وَصَفْت وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ وَجْهَ دُخُولِ الْحَرَمِ فقال { لقد صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شَاءَ اللَّهُ آمَنِينَ مُحَلِّقِينَ رؤوسكم ( ( ( رءوسكم ) ) ) وَمُقَصِّرِينَ } قال فَدَلَّ على وَجْهِ دُخُولِهِ لِلنُّسُكِ وفي الْأَمْنِ وَعَلَى رُخْصَةِ اللَّهِ في الْحَرْبِ وَعَفْوِهِ فيه عن النُّسُكِ وَأَنَّ فيه دَلَالَةً على الْفَرْقِ بين من يَدْخُلُ مَكَّةَ وَغَيْرَهَا من الْبُلْدَان وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الْبُلْدَان تَسْتَوِي لِأَنَّهَا لَا تُدْخَلُ بِإِحْرَامٍ وَإِنَّ مَكَّةَ تَنْفَرِدُ بِأَنَّ من دَخَلَهَا مُنْتَابًا لها لم يَدْخُلْهَا إلَّا بِإِحْرَامٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) إلَّا أَنَّ من أَصْحَابِنَا من رَخَّصَ لِلْحَطَّابِينَ وَمِنْ مَدْخَلِهِ إيَّاهَا لِمَنَافِعِ أَهْلِهَا وَالْكَسْبِ لِنَفْسِهِ وَرَأَيْت أَحْسَنَ ما يُحْمَلُ عليه
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَسَمِعْت بَعْضَ من أَرْضَى من أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا أَمَرَ بهذا إبْرَاهِيمَ عليه السَّلَامُ وَقَفَ على الْمَقَامِ فَصَاحَ صَيْحَةً عِبَادَ اللَّهِ أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ فَاسْتَجَابَ له حتى من في أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ بَعْدَ دَعْوَتِهِ فَهُوَ مِمَّنْ أَجَابَ دَعْوَتَهُ ووافاه ( ( ( ووقاه ) ) ) من وَافَاهُ يَقُولُونَ لَبَّيْكَ دَاعِي رَبِّنَا لَبَّيْكَ وقال اللَّهُ عز وجل { وَلِلَّهِ على الناس حِجُّ الْبَيْتِ من اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } الْآيَةَ فَكَانَ ذلك دَلَالَةُ كِتَابِ اللَّهِ عز وجل فِينَا وفي الْأُمَمِ على أَنَّ الناس مَنْدُوبُونَ إلَى إتْيَانِ الْبَيْتِ بِإِحْرَامٍ وقال اللَّهُ عز وجل { وَعَهِدْنَا إلَى إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } وقال { فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً من الناس تَهْوِي إلَيْهِمْ }

(2/141)


هذا الْقَوْلُ إلَى أَنَّ انْتِيَابَ هَؤُلَاءِ مَكَّةَ انْتِيَابُ كَسْبٍ لَا انْتِيَابُ تَبَرُّرٍ وَأَنَّ ذلك مُتَتَابِعٌ كَثِيرٌ مُتَّصِلٌ فَكَانُوا يُشْبِهُونَ الْمُقِيمِينَ فيها وَلَعَلَّ حَطَّابِيهِمْ كَانُوا مَمَالِيكَ غير مَأْذُونٍ لهم بِالتَّشَاغُلِ بِالنُّسُكِ فإذا كان فَرْضُ الْحَجِّ على الْمَمْلُوكِ سَاقِطًا سَقَطَ عنه ما ليس بِفَرْضٍ من النُّسُكِ فَإِنْ كَانُوا عَبِيدًا فَفِيهِمْ هذا الْمَعْنَى الذي ليس في غَيْرِهِمْ مِثْلُهُ وَإِنْ كانت الرُّخْصَةُ لهم لِمَعْنَى أَنَّ قَصْدَهُمْ في دُخُولِ مَكَّةَ ليس قَصْدَ النُّسُكِ وَلَا التَّبَرُّرَ وَأَنَّهُمْ يَجْمَعُونَ أَنَّ دُخُولَهُمْ شَبِيهٌ بِالدَّائِمِ فَمَنْ كان هَكَذَا كانت له الرُّخْصَةُ فَأَمَّا الْمَرْءُ يأتى أَهْلَهُ بِمَكَّةَ من سَفَرٍ فَلَا يَدْخُلُ إلَّا مُحْرِمًا لِأَنَّهُ ليس في وَاحِدٍ من الْمَعْنِيِّينَ فَأَمَّا الْبَرِيدُ يَأْتِي بِرِسَالَةٍ أو زَوْرِ أَهْلِهِ وَلَيْسَ بِدَائِمِ الدُّخُولِ فَلَوْ اسْتَأْذَنَ فَدَخَلَ مُحْرِمًا كان أَحَبَّ إلى وَإِنْ لم يَفْعَلْ فَفِيهِ الْمَعْنَى الذي وَصَفْت أَنَّهُ يَسْقُطُ بِهِ عنه ذلك وَمَنْ دخل مَكَّةَ خَائِفًا الْحَرْبَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على ما وَصَفْت قِيلَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَإِنْ قال وَأَيْنَ قِيلَ قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ } فَأَذِنَ لِلْمُحْرِمِينَ بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ أَنْ يَحِلُّوا لِخَوْفِ الْحَرْبِ فَكَانَ من لم يُحْرِمْ أَوْلَى إنْ خَافَ الْحَرْبَ أَنْ لَا يُحْرِمَ من مُحْرِمٍ يَخْرُجُ من إحْرَامِهِ وَدَخَلَهَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ غير مُحْرِمٍ لِلْحَرْبِ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَهَلْ عليه إذَا دَخَلَهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِعَدُوٍّ وَحَرْبٍ أَنْ يَقْضِيَ إحْرَامَهُ قِيلَ لَا إنَّمَا يَقْضِي ما وَجَبَ بِكُلِّ وَجْهٍ فَاسِدٍ أو تَرَكَ فلم يُعْمَلْ فَأَمَّا دُخُولُهُ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ فلما كان أَصْلُهُ أَنَّ من شَاءَ لم يَدْخُلْهَا إذَا قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتَهُ كان أَصْلُهُ غير فرض ( ( ( قرض ) ) ) فلما دَخَلَهَا مُحِلًّا فَتَرَكَهُ كان تَارِكًا لِفَضْلٍ وَأَمْرٍ لم يَكُنْ أَصْلُهُ فَرْضًا بِكُلِّ حَالٍ فَلَا يَقْضِيهِ فَأَمَّا إذَا كان فَرْضًا عليه إتْيَانُهَا لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أو نَذْرٍ نَذَرَهُ فَتَرَكَهُ إيَّاهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقْضِيَهُ أو يُقْضَى عنه بَعْدَ مَوْتِهِ أو في بُلُوغِ الْوَقْتِ الذي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ فيه على الْمَرْكَبِ وَيَجُوزُ عِنْدِي لِمَنْ دَخَلَهَا خَائِفًا من سُلْطَانٍ أو أَمْرٍ لَا يَقْدِرُ على دَفْعِهِ تَرَكَ الْإِحْرَامَ إذَا خَافَهُ في الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَإِنْ لم يَخَفْهُ فِيهِمَا لم يَجُزْ له وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَنْ الْمَدَنِيِّينَ من قال لَا بَأْسَ أَنْ يَدْخُلَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ بن عُمَرَ دخل مَكَّةَ غير مُحْرِمٍ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ وَاحِدٌ وَمَنْ قَرَنَ أَجْزَأَتْ عنه حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتُهُ وَعَلَيْهِ دَمُ الْقِرَانِ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ بَدَا له أَنْ يُدْخِلَ عليها حَجَّةً فَذَلِكَ له ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فإذا افْتَتَحَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ دخل في الْعَمَلِ الذي يُخْرِجُهُ من الْإِحْرَامِ فَلَا يَجُوزُ له أَنْ يَدْخُلَ في إحْرَامٍ ولم يَسْتَكْمِلْ الْخُرُوجَ من إحْرَامٍ قَبْلَهُ فَلَا يُدْخِلُ إحْرَامًا على إحْرَامٍ ليس مُقِيمًا عليه وَهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ من أَهْلِ الْعِلْمِ فإذا أَخَذَ في الطَّوَافِ فَأَدْخَلَ عليه الْحَجَّ لم يَكُنْ بِهِ مُحْرِمًا ولم يَكُنْ عليه قَضَاؤُهُ وَلَا فِدْيَةٌ لِتَرْكِهِ فَإِنْ قال قَائِلٌ وَكَيْفَ كان له أَنْ يَكُونَ مُفْرِدًا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عليها حَجًّا قِيلَ لِأَنَّهُ لم يَخْرُجْ من إحْرَامِهَا وَهَذَا لَا يَجُوزُ في صَلَاةٍ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وبن عَبَّاسٍ يُخَالِفُهُ وَمَعَهُ ما وَصَفْنَا وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم دَخَلَهَا عَامَ الْفَتْحِ غير مُحْرِمٍ وَأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم دَخَلَهَا كما وَصَفْنَا مُحَارِبًا فَإِنْ قال أَقِيسُ على مَدْخَلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قِيلَ له أَفَتَقِيسُ على أحصار النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْحَرْبِ فَإِنْ قال لَا لِأَنَّ الْحَرْبَ مُخَالِفَةٌ لِغَيْرِهَا قِيلَ وَهَكَذَا افْعَلْ في الْحَرْبِ حَيْثُ كانت لَا تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا في مَوْضِعٍ وَتَجْمَعْ بَيْنَهُمَا في آخَرَ - * بَابُ مِيقَاتِ الْعُمْرَةِ مع الْحَجِّ - *

(2/142)


وَلَا صَوْمٍ وَقِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ أَهَلَّتْ عَائِشَةُ وَأَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَنْتَظِرُونَ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْقَضَاءُ فَأَمَرَ من لم يَكُنْ معه هدى أَنْ يَجْعَلَ إحْرَامَهُ عُمْرَةً فَكَانَتْ مُعْتَمِرَةً بِأَنْ لم يَكُنْ مَعَهَا هدى فلما حَالَ الْمَحِيضُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْإِحْلَالِ من عُمْرَتِهَا وَرَهِقَهَا الْحَجُّ أَمَرَهَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ تُدْخِلَ عليها الْحَجَّ فَفَعَلَتْ فَكَانَتْ قَارِنَةً فَبِهَذَا قُلْنَا يُدْخِلُ الْحَجَّ على الْعُمْرَةِ ما لم يَفْتَتِحْ الطَّوَافَ وَذَكَرْت له قِرَانَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فإذا قال جَائِزٌ قِيلَ أَفَيَجُوزُ هذا في صَلَاتَيْنِ أَنْ تُقْرَنَا أو في صَوْمَيْنِ فَإِنْ قال لَا قِيلَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَجْمَعَ بين ما تُفَرِّقُ أنت بَيْنَهُ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَإِنْ قال قَائِلٌ فَكَيْفَ إذَا كانت السُّنَّةُ أَنَّهُمَا نُسُكَانِ يَدْخُلُ أَحَدُهُمَا في الْآخَرِ وَيَفْتَرِقَانِ في أَنَّهُ إذَا أَدْخَلَ الْحَجَّ على الْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا زَادَ إحْرَامًا أَكْثَرَ من إحْرَامِ الْعُمْرَةِ فإذا أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ على الْحَجِّ زَادَ إحْرَامًا أَقَلَّ من إحْرَامِ الْحَجِّ وَهَذَا وَإِنْ كان كما وَصَفْت فَلَيْسَ بِفَرْقٍ يَمْنَعُ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قِيَاسًا على الْآخَرِ لِأَنَّهُ يُقَاسُ ما هو أَبْعَدُ منه وَلَا أَعْلَمُ حُجَّةً في الْفَرْقِ بين هذا إلَّا ما وَصَفْت من أَنَّهُ الذي أَحْفَظُ عَمَّنْ سَمِعْت عنه مِمَّنْ لَقِيت وقد يُرْوَى عن بَعْضِ التَّابِعِينَ وَلَا أَدْرِي هل يَثْبُتُ عن أَحَدٍ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيه شَيْءٌ أَمْ لَا فإنه قد روى عن عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ عنه وَلَيْسَ يَثْبُتُ وَمَنْ رَأَى أَنْ لَا يَكُونَ مُعْتَمِرًا فَلَا يجزئ عنه من عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَلَا هدى عليه وَلَا شَيْءَ لِتَرْكِهَا وَمَنْ رأي له أَنْ يُدْخِلَ الْعُمْرَةَ على الْحَجِّ رأي أَنْ يجزئ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ وإذا أَهَلَّ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ إلَى الْحَجِّ أَنْشَأَ الْحَجَّ من مَكَّةَ وإذا أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَرَادَ الْعُمْرَةَ أَنْشَأَ الْعُمْرَةَ من أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ إذَا خَرَجَ من الْحَرَمِ وقد أَجِدُهُمَا إذَا أَقَامَ عَامَهُمَا بِمَكَّةَ أَهَلَّ كَإِهْلَالِ أَهْلِ الْآفَاقِ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى مَوَاقِيتِهِمْ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما الْحُجَّةُ فِيمَا وَصَفْت قِيلَ أَهَلَّ عَامَّةُ أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم معه بِعُمْرَةٍ ثُمَّ أَمَرَهُمْ يُهِلُّونَ بِالْحَجِّ إذَا تَوَجَّهُوا إلَى مِنًى من مَكَّةَ فَكَانَتْ الْعُمْرَةُ إذَا حَجَّ قَبْلَهَا قِيَاسًا على هذا ولم أَعْلَمْ في هذا خِلَافًا من أَحَدٍ حَفِظْت عنه مِمَّنْ لَقِيته فَإِنْ قال قَائِلٌ قد أَمَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عَبْدَ الرحمن بن أبي بَكْرٍ يُعْمِرُ عَائِشَةَ من التَّنْعِيمِ فَعَائِشَةُ كان إحْرَامُهَا عُمْرَةً فَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ من مكه وَعُمْرَتُهَا من التَّنْعِيمِ نَافِلَةٌ فَلَيْسَتْ في هذا حُجَّةٌ عِنْدَنَا لِمَا وَصَفْنَا وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ من خَارِجِ الْحَرَمِ فَذَلِكَ مجزيء ( ( ( مجزئ ) ) ) عنه فَإِنْ لم يَكُنْ دخل قَبْلَهَا بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ فَكَانَتْ عُمْرَتَهُ الْوَاجِبَةَ رَجَعَ إلَى مِيقَاتِهِ وهو مُحْرِمٌ في رُجُوعِهِ ذلك وَلَا شَيْءَ عليه إذَا جاء مِيقَاتُهُ مُحْرِمًا وَإِنْ لم يَفْعَلْ أَهَرَاقَ دَمًا فَكَانَتْ عُمْرَتُهُ الْوَاجِبَةُ عليه مُجَزِّئَةً عنه وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ من مَكَّةَ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ إذَا لم يَخْرُجْ إلَى الْحِلِّ حتى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لم يَكُنْ حَلَالًا وكان عليه أَنْ يَخْرُجَ فَيُلَبِّيَ بِتِلْكَ الْعُمْرَةِ خَارِجًا من الْحَرَمِ ثُمَّ يَطُوفَ بَعْدَهَا وَيَسْعَى وَيَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ وَلَا شَيْءَ عليه إنْ لم يَكُنْ حَلَقَ وَإِنْ كان حَلَقَ أَهَرَاقَ دَمًا وَإِنْ كان أَصَابَ النِّسَاءَ فَهُوَ مُفْسِدٌ لِعُمْرَتِهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يُلَبِّيَ خَارِجًا من الْحَرَمِ ثُمَّ يَطُوفَ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرَ أو يَحْلِقَ وَيَنْحَرَ بَدَنَةً ثُمَّ يقضى
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ عليه عُمْرَةً فإن أَكْثَرَ من لَقِيتُ وَحَفِظْتُ عنه يقول ليس ذلك له وإذا لم يَكُنْ ذلك له فَلَا شَيْءَ عليه في تَرْكِ الْعُمْرَةِ من قَضَاءٍ وَلَا فِدْيَةٍ

(2/143)


هذه الْعُمْرَةَ إذَا أَفْسَدَهَا بِعُمْرَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ وَإِنَّمَا خُرُوجُهُ من الْحَرَمِ لِهَذِهِ الْعُمْرَةِ الْمُفْسِدَةِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ هذه عُمْرَةٌ وَيُهْرِيقُ دَمًا لها وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بها وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَلَكِنَّهُ لو أَهَلَّ بِحَجٍّ من مَكَّةَ ولم يَكُنْ دخل مَكَّةَ مُحْرِمًا ولم يَرْجِعْ إلَى مِيقَاتِهِ أَهَرَاقَ دَمًا لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ وَأَجْزَأَتْ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ الْحَجُّ من مَكَّةَ لِأَنَّ عِمَادَ الْحَجِّ في غَيْرِ الْحَرَمِ وَذَلِكَ عَرَفَةُ وَجَمِيعُ عَمَلِ الْعُمْرَةِ سِوَى الْوَقْتِ في الْحَرَمِ فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يبتدأ ( ( ( يبتدئ ) ) ) من مَوْضِعِ مُنْتَهَى عَمَلِهَا وَعِمَادِهِ وَأَكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ من مِيقَاتِهِ ثُمَّ يَرْجِعَ إلَى بَلَدِهِ أو يُقِيمَ بِمَوْضِعِهِ وَإِنْ فَعَلَ فَلَا فِدْيَةَ عليه وَلَكِنْ أُحِبُّ له أَنْ يَمْضِيَ لِوَجْهِهِ فَيَقْصِدَ قَصْدَ نُسُكِهِ ( قال ) وَكَذَلِكَ أَكْرَهُ له أَنْ يَسْلُكَ غير طريقه مِمَّا هو أَبْعَدُ منها لِغَيْرِ أَمْرٍ يَنُوبُهُ أو رِفْقٍ بِهِ فَإِنْ نَابَهُ أَمْرٌ أو كانت طَرِيقٌ أَرْفَقَ من طَرِيقٍ فَلَا أَكْرَهُ ذلك له وَلَا فِدْيَةَ في أَنْ يَعْرُجَ وأن كان لِغَيْرِ عُذْرٍ وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ في سَنَةٍ فَأَقَامَ بِمَكَّةَ أو في بَلَدِهِ أو في طَرِيقٍ سَنَةً أو سَنَتَيْنِ كان على إحْرَامِهِ حتى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَكَانَتْ هذه الْعُمْرَةُ مجزئه عنه لِأَنَّ وَقْتَ الْعُمْرَةِ في جَمِيعِ السَّنَةِ وَلَيْسَتْ كَالْحَجِّ الذي إذَا فَاتَ في عامة ذلك لم يَكُنْ له الْمُقَامُ على إحْرَامِهِ وَخَرَجَ منه وَقَضَاهُ وَأَكْرَهُ هذا له للتغرير ( ( ( للتعزير ) ) ) بِإِحْرَامِهِ وَلَوْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفِيقًا ثُمَّ ذَهَبَ عَقْلُهُ ثُمَّ طَافَ مُفِيقًا أَجْزَأَتْ عنه وَعِمَادُ الْعُمْرَةِ الْإِهْلَالُ وَالطَّوَافُ وَلَا يَضُرُّ الْمُعْتَمِرَ ما بَيْنَهُمَا من ذَهَابِ عَقْلِهِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَقُلْت له الْحُجَّةُ في هذا أَنَّا لم نَعْلَمْ مُخَالِفًا في أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُهِلَّ قبل أَنْ يأتى مِيقَاتُهُ وَلَا في أَنَّهُ إنْ تَرَكَ الْإِهْلَالَ من مِيقَاتِهِ ولم يَرْجِعْ إلَيْهِ أَجْزَأَهُ حَجُّهُ وقال أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُهْرِيقُ دَمًا وقال أَقَلُّهُمْ لَا شَيْءَ عليه وَحَجُّهُ مجزيء ( ( ( مجزئ ) ) ) عنه وَمِنْ قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ فيه أَنْ قالوا في التَّارِكِ الْبَيْتُوتَةَ بِمِنًى وَتَارِكِ مُزْدَلِفَةَ يُهْرِيقُ دَمًا وَقُلْنَا في الْجِمَارِ يَدَعُهَا يُهَرِيق دَمًا فَجَعَلْنَا وَجَعَلُوا الْإِبْدَالَ في أَشْيَاءَ من عَمَلِ الْحَجِّ دَمًا ( قال ) واذا جَاوَزَ الْمَكِّيُّ مِيقَاتًا أتى عليه يُرِيدُ حَجًّا أو عُمْرَةً ثُمَّ أَهَلَّ دُونَهُ فَمِثْلُ غَيْرِهِ يَرْجِعُ أو يُهْرِيقُ دَمًا فَإِنْ قال قَائِلٌ وَكَيْفَ قُلْت هذا في الْمَكِّيِّ وَأَنْتَ لَا تَجْعَلُ عليه دَمَ الْمُتْعَةِ قِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل قال { ذلك لِمَنْ لم يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ }
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال قَائِلٌ لِمَ جَعَلْتَ على من جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غير مُحْرِمٍ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ إنْ لم يَخَفْ فَوْتَ الْحَجِّ قُلْت له لَمَّا أُمِرَ في حَجِّهِ بِأَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا من مِيقَاتِهِ وكان في ذلك دَلَالَةٌ على أَنَّهُ يَكُونُ فِيمَا بين مِيقَاتِهِ وَالْبَيْتِ مُحْرِمًا وَلَا يَكُونُ عليه في ابْتِدَائِهِ الْإِحْرَامَ من أَهْلِهِ إلَى الْمِيقَاتِ مُحْرِمًا قُلْت له ارْجِعْ حتى تَكُونَ مُهِلًّا في الْمَوْضِعِ الذي أُمِرْت أَنْ تَكُونَ مُهِلًّا بِهِ على الِابْتِدَاءِ وَإِنَّمَا قُلْنَاهُ مع قَوْلِ بن عَبَّاسٍ لِمَا يُشْبِهُ من دَلَالَةِ السُّنَّةِ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَلِمَ قُلْت إنْ لم يَرْجِعْ إلَيْهِ لِخَوْفِ فَوْتٍ وَلَا غَيْرِ عُذْرٍ بِذَلِكَ وَلَا غَيْرِهِ أَهَرَاقَ دَمًا عليه قُلْت له لَمَّا جَاوَزَ ما وَقَّتَ له رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَتَرَكَ أَنْ يأتى بِكَمَالِ ما عليه أَمَرْنَاهُ أَنْ يأتى بِالْبَدَلِ مِمَّا تَرَكَ فَإِنْ قال فَكَيْفَ جَعَلْت الْبَدَلَ من تَرْكِ شَيْءٍ يَلْزَمُهُ في عَمَلٍ يُجَاوِزُهُ وَمُجَاوَزَتُهُ الشَّيْءَ ليس له ثُمَّ جَعَلْت الْبَدَلَ منه دَمًا يُهْرِيقُهُ وَأَنْتَ إنَّمَا تَجْعَلُ الْبَدَلَ في غَيْرِ الْحَجِّ شيئا عليه فَتَجْعَلُ الصَّوْمَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةَ بِالصَّلَاةِ قُلْت إنَّ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ مُخَالِفَانِ الْحَجَّ مُخْتَلِفَانِ في أَنْفُسِهِمَا قال فأني اخْتِلَافُهُمَا قُلْت يَفْسُدُ الْحَجُّ فيمضى فيه ويأتى بِبَدَنَةِ وَالْبَدَلِ وَتَفْسُدُ الصَّلَاةُ فيأتى بِالْبَدَلِ وَلَا يَكُونُ عليه كَفَّارَةٌ وَيَفُوتُهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وهو مُحْرِمٌ فَيَخْرُجُ من الْحَجِّ بِطَوَافٍ وسعى وَيُحْرِمُ بِالصَّلَاةِ في وَقْتٍ فَيَخْرُجُ الْوَقْتُ فَلَا يَخْرُجُ منها وَيَفُوتُهُ الْحَجُّ فَلَا يَقْضِيه إلَّا في مِثْلِ يَوْمِهِ من سَنَتِهِ وَتَفُوتُهُ الصَّلَاةُ فَيَقْضِيهَا إذَا ذَكَرَهَا من سَاعَتِهِ وَيَفُوتُهُ الصَّوْمُ فَيَقْضِيه من غَدٍ وَيُفْسِدُهُ عِنْدَنَا عِنْدَك بِقَيْءٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ عليه كَفَّارَةٌ وَيَعُودُ له وَيُفْسِدُهُ بِجِمَاعٍ فَيَجِبُ عليه عِتْقُ رَقَبَةٍ إنْ وَجَدَهُ وَبَدَلٌ مع اخْتِلَافِهِمَا فِيمَا سِوَى ما سَمَّيْنَا فَكَيْفَ تَجْمَعُ بين الْمُخْتَلِفِ حَيْثُ يَخْتَلِفُ

(2/144)


- * بَابُ الْغُسْلِ للاهلال - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا الدَّرَاوَرْدِيُّ وَحَاتِمُ بن إسْمَاعِيلَ عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه قال حدثنا جَابِرُ بن عبد اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ وهو يحدث عن حَجَّةِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال فلما كنا بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَأَمَرَهَا النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْغُسْلِ وَالْإِحْرَامِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا كانت النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ من أَهْلِ أُفُقٍ فَخَرَجَتَا طَاهِرَتَيْنِ فَحَدَثَ لَهُمَا نِفَاسٌ أو حَيْضٌ أو كَانَتَا نَفْسَاوَيْنِ أو حَائِضَيْنِ بِمِصْرِهِمَا فَجَاءَ وَقْتُ حَجِّهِمَا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَخْرُجَا مُحْرِمَتَيْنِ بِتِلْكَ الْحَالِ وَإِنْ قَدَرَتَا إذَا جَاءَتَا مِيقَاتَهُمَا أَنْ تَغْتَسِلَا فَعَلَتَا وَإِنْ لم تَقْدِرَا وَلَا الرَّجُلُ على مَاءٍ أَحْبَبْت لهم أَنْ يَتَيَمَّمُوا مَعًا ثُمَّ يُهِلُّوا بِالْحَجِّ أو الْعُمْرَةِ وَلَا أُحِبُّ لِلنُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ أَنْ تُقَدِّمَا إحْرَامَهُمَا قبل مِيقَاتِهِمَا وَكَذَلِكَ إنْ كان بَلَدُهُمَا قَرِيبًا آمِنًا وَعَلَيْهِمَا من الزَّمَانِ ما يُمْكِنُ فيه طَهُورُهُمَا وَإِدْرَاكُهُمَا الْحَجَّ بِلَا مُفَاوَتَةٍ وَلَا عِلَّةٍ أَحْبَبْت اسْتِئْخَارَهُمَا لِتُطَهِّرَهَا فَتُهِلَّا طَاهِرَتَيْنِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتَا من دُونِ الْمَوَاقِيتِ أو من أَهْلِ الْمَوَاقِيتِ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتَا مُقِيمَتَيْنِ بِمَكَّةَ لم تَدْخُلَاهَا مُحْرِمَتَيْنِ فَأَمَرَتْهُمَا بِالْخُرُوجِ إلَى مِيقَاتِهِمَا بِحَجٍّ أَحْبَبْت إذَا كان عَلَيْهِمَا وَقْتٌ أَنْ لَا تَخْرُجَا إلَّا طَاهِرَتَيْنِ أو قُرْبٍ تَطَهُّرِهِمَا لِتُهِلَّا من الْمِيقَاتِ طَاهِرَتَيْنِ وَلَوْ أَقَامَتَا بِالْمِيقَاتِ حتى تَطْهُرَا كان أَحَبَّ إلى وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرَتْهُمَا بِالْخُرُوجِ لِعُمْرَةٍ قبل الْحَجِّ وَعَلَيْهِمَا ما لَا يَفُوتُهُمَا معه الْحَجُّ أو من أَهْلِهَا أَحْبَبْت لَهُمَا أَنْ تُهِلَّا طَاهِرَتَيْنِ وَإِنْ أَهَلَّتَا في هذه الْأَحْوَالِ كُلِّهَا مُبْتَدِئَتَيْ وَغَيْرَ مُبْتَدِئَتَيْ سَفَرٍ غير طَاهِرَتَيْنِ أَجْزَأَ عنهما وَلَا فِدْيَةَ على وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَكُلُّ ما عَمِلَتْهُ الْحَائِضُ من عَمَلِ الْحَجِّ عَمِلَهُ الرَّجُلُ جُنُبًا وَعَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَالِاخْتِيَارُ له أَنْ لَا يَعْمَلَهُ كُلَّهُ إلَّا طَاهِرًا وَكُلُّ عَمَلِ الْحَجِّ تَعْمَلُهُ الْحَائِضُ وَغَيْرُ الطَّاهِرِ من الرِّجَالِ إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَالصَّلَاةَ فَقَطْ - * بَابُ الْغُسْلِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مَالِكُ بن أَنَسٍ عن زَيْدِ بن أَسْلَمَ عن إبْرَاهِيمَ بن عبد اللَّهِ بن حُنَيْنٍ عن أبيه أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاءِ فقال عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ وقال الْمِسْوَرُ لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ فَأَرْسَلَنِي بن عَبَّاسٍ إلَى أبي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَسْأَلُهُ فَوَجَدْته يَغْتَسِلُ بين الْقَرْنَيْنِ وهو يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ قال فَسَلَّمْت فقال من هذا فَقُلْت أنا عبد اللَّهِ أَرْسَلَنِي إلَيْك بن عَبَّاسٍ أَسْأَلُك كَيْفَ كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَغْسِلُ رَأْسَهُ وهو مُحْرِمٌ قال فَوَضَعَ أبو أَيُّوبَ يَدَيْهِ على الثَّوْبِ فَطَأْطَأَ حتى بَدَا لي رَأْسُهُ ثُمَّ قال لِإِنْسَانٍ يَصُبُّ عليه
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَأَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ لِلرَّجُلِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَكُلِّ من أَرَادَ الْإِهْلَالَ اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ وَمَعْقُولٌ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا دخل الْمَرْءُ في نُسُكٍ لم يَكُنْ له فيه أَنْ يَدْخُلَهُ إلَّا بِأَكْمَلِ الطَّهَارَةِ وَأَنْ يَتَنَظَّفَ له لِامْتِنَاعِهِ من إحْدَاثِ الطِّيبِ في الْإِحْرَامِ وإذا اخْتَارَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِامْرَأَةٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ لَا يُطَهِّرُهَا الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ فَاخْتَارَ لها الْغُسْلَ كان من يُطَهِّرُهُ الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ أَوْلَى أَنْ يَخْتَارَ له أو في مِثْلِ مَعْنَاهُ أو أَكْثَر منه وإذا ( ( ( وإذ ) ) ) أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَسْمَاءَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ وَهِيَ في الْحَالِ التي أَمَرَهَا أَنْ تُهِلَّ فيها مِمَّنْ لَا تَحِلُّ له الصَّلَاةُ فَلَوْ أَحْرَمَ من لم يَغْتَسِلْ من جُنُبٍ أو غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ أو حَائِضٌ أو نُفَسَاءِ أَجْزَأَ عنه الْإِحْرَامُ لِأَنَّهُ إذَا كان يَدْخُلُ في الْإِحْرَامِ وَالدَّاخِلُ فيه مِمَّنْ لَا تَحِلُّ له الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ غَيْرُ طَاهِرٍ جَازَ أَنْ يُدْخِلَ فيه كُلَّ من لَا تَحِلُّ له الصَّلَاةُ من الْمُسْلِمِينَ في وَقْتِهِ الذي دخل فيه وَلَا يَكُونُ عليه فيه فِدْيَةٌ وَإِنْ كُنْت أَكْرَهُ ذلك له وَأَخْتَارُ له الْغُسْلَ وما تَرَكْت الْغُسْلَ للاهلال قط وَلَقَدْ كُنْت أَغْتَسِلُ له مَرِيضًا في السَّفَرِ وَإِنِّي أَخَافُ ضَرَرَ الْمَاءِ وما صَحِبْت أَحَدًا أقتدى بِهِ فَرَأَيْته تَرَكَهُ وَلَا رَأَيْت منهم أَحَدًا عَدَا بِهِ أَنْ رَآهُ اخْتِيَارًا

(2/145)


اُصْبُبْ فَصَبَّ على رَأْسِهِ ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بيده فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ ثُمَّ قال هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَفْعَلُ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال أخبرني عَطَاءٌ أَنَّ صَفْوَانَ بن يَعْلَى أخبره عن أبيه يَعْلَى بن أُمَيَّةَ أَنَّهُ قال بينا ( ( ( بينما ) ) ) عُمَرُ بن الْخَطَّابِ يَغْتَسِلُ إلَى بَعِيرٍ وأنا أَسْتُرُ عليه بِثَوْبٍ إذْ قال عُمَرُ يا يعلي اُصْبُبْ على رَأْسِي فَقُلْت أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَعْلَمُ فقال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ وَاَللَّهِ لَا يَزِيدُ الْمَاءُ الشَّعْرَ إلَّا شُعْثًا فَسَمَّى اللَّهَ ثُمَّ أَفَاضَ على رَأْسِهِ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا تَمَاقَلُوا بين يَدَيْ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه وهو بِسَاحِلٍ من السَّوَاحِلِ وَعُمَرُ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ فلم يُنْكِرْهُ عليهم
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عبدالكريم الْجَزَرِيِّ عن عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ قال رُبَّمَا قال لي عُمَرُ بن الْخَطَّابِ تَعَالَ أُبَاقِيَك في الْمَاءِ أَيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ قال أخبرنا بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال الْجُنُبُ الْمُحْرِمُ وَغَيْرُ الْمُحْرِمِ إذَا اغْتَسَلَ ذلك ( ( ( دلك ) ) ) جِلْدَهُ إنْ شَاءَ ولم يُدَلِّكْ رَأْسَهُ قال بن جُرَيْجٍ فَقُلْت له لِمَ يُدَلِّكْ جِلْدَهُ إنْ شَاءَ وَلَا يُدَلِّكُ رَأْسَهُ قال من أَجْلِ أَنَّهُ يَبْدُو له من جِلْدِهِ ما لَا يَبْدُو له من رَأْسِهِ
أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن أَيُّوبَ عن نَافِعٍ عن أَسْلَمَ مولى عُمَرَ بن الْخَطَّابِ قال تَمَاقَلَ عَاصِمُ بن عُمَرَ وَعَبْدُ الرحمن بن زَيْدٍ وَهُمَا مُحْرِمَانِ وَعُمَرُ يَنْظُرُ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا أَكْرَهُ دُخُولَ الْحَمَّامِ لِلْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ غُسْلٌ وَالْغُسْلُ مُبَاحٌ لِمَعْنَيَيْنِ لِلطَّهَارَةِ وَالتَّنْظِيفِ وَكَذَلِكَ هو في الْحَمَّامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُدَلِّكُ الْوَسَخَ عنه في حَمَّامٍ كان أو غَيْرِهِ وَلَيْسَ في الْوَسَخِ نُسُكٌ وَلَا أَمْرٌ نهى عنه وَلَا أَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُدْخِلَ رَأْسَهُ في مَاءٍ سُخْنٍ وَلَا بَارِدٍ جَارٍ وَلَا ناقع ( ( ( نافع ) ) ) - * بَابُ الْمَوْضِعِ الذي يُسْتَحَبُّ فيه الْغُسْلُ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) أَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ لِلدُّخُولِ في الْإِهْلَالِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَلِلْوُقُوفِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَلِلْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَلِرَمْيِ الْجِمَارِ سِوَى يَوْمِ النَّحْرِ وَأَسْتَحِبُّ الْغُسْلَ بين هذا عِنْدَ تَغَيُّرِ الْبَدَنِ بِالْعَرَقِ وَغَيْرِهِ تَنْظِيفًا لِلْبَدَنِ وَكَذَلِكَ أُحِبُّهُ لِلْحَائِضِ وَلَيْسَ من هذا وَاحِدٌ وَاجِبٌ وروي
عن إِسْحَاقَ بن عبد اللَّهِ بن أبي فَرْوَةَ عن عُثْمَانَ بن عُرْوَةَ عن أبيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بَاتَ بِذِي طُوًى حتى صلى الصُّبْحَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بها وَدَخَلَ مَكَّةَ وَرَوَى عن أُمِّ هَانِئٍ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَيَغْتَسِلُ الْمُحْرِمُ من غَيْرِ جَنَابَةٍ وَلَا ضَرُورَةٍ وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ وَيُدَلِّكُ جَسَدَهُ بِالْمَاءِ وما تَغَيَّرَ من جَمِيعِ جَسَدِهِ لِيُنَقِّيَهُ وَيُذْهِبَ تَغَيُّرَهُ بِالْمَاءِ وإذا غَسَلَ رَأْسَهُ أَفْرَغَ عليه الْمَاءَ إفْرَاغًا وَأَحَبُّ إلى إنْ لم يَغْسِلْهُ من جَنَابَةٍ أَنْ لَا يُحَرِّكُهُ بِيَدَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ في ذلك ضِيقٌ وإذا غَسَلَهُ من جَنَابَةٍ أَحْبَبْت أَنْ يَغْسِلَهُ بِبُطُونِ أَنَامِلِهِ وَيَدَيْهِ وَيُزَايِلُ شَعْرَهُ مُزَايَلَةً رَفِيقَةً وَيُشْرِبُ الْمَاءَ أُصُولَ شَعْرِهِ وَلَا يَحُكَّهُ بِأَظْفَارِهِ وَيَتَوَقَّى أَنْ يَقْطَعَ منه شيئا فَإِنْ حَرَّكَهُ تَحْرِيكًا خَفِيفًا أو شَدِيدًا فَخَرَجَ في يَدَيْهِ من الشَّعْرِ شَيْءٌ فَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَفْدِيَهُ وَلَا يَجِبُ عليه أَنْ يَفْدِيَهُ حتى يَسْتَيْقِنُ أَنَّهُ قَطَعَهُ أو نَتَفَهُ بِفِعْلِهِ وَكَذَلِكَ ذلك في لِحْيَتِهِ لِأَنَّ الشَّعْرَ قد يُنْتَتَفُ وَيَتَعَلَّقُ بين الشَّعْرِ فإذا مَسَّ أو حَرَّكَ خَرَجَ الْمُنْتَتَفُ منه وَلَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِسِدْرٍ وَلَا خِطْمِيٍّ لِأَنَّ ذلك برجله ( ( ( يرجله ) ) ) فَإِنْ فَعَلَ أَحْبَبْت لو افْتَدَى وَلَا أَعْلَمُ ذلك وَاجِبًا وَلَا يُغَطِّسُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ في الْمَاءِ إذَا كان قد لَبَّدَهُ مِرَارًا لِيَلِينَ عليه وَيُدَلِّكُ الْمُحْرِمُ جَسَدَهُ دَلْكًا شَدِيدًا إنْ شَاءَ لِأَنَّهُ ليس في بَدَنِهِ من الشَّعْرِ ما يَتَوَقَّى كما يتوقاه ( ( ( يتوفاه ) ) ) في رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَإِنْ قَطَعَ من الشَّعْرِ شيئا من دَلْكِهِ إيَّاهُ فَدَاهُ - * بَابُ دُخُولِ الْمُحْرِمِ الْحَمَّامَ - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال

(2/146)


بِنْتِ أبي طَالِبٍ وَرَوَى عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه أَنَّ عليا ( ( ( علي ) ) ) بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ عنه كان يَغْتَسِلُ بِمَنْزِلِهِ بِمَكَّةَ حين يَقْدَمُ قبل أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ وَرَوَى عن صَالِحِ بن مُحَمَّدِ بن رائدة ( ( ( زائدة ) ) ) عن أُمِّ ذَرَّةَ أَنَّ عَائِشَةَ رضي اللَّهُ تعالى عنها كانت تَغْتَسِلُ بِذِي طُوًى حين تَقْدَمُ مَكَّةَ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كان إذَا خَرَجَ حَاجًّا أو مُعْتَمِرًا لم يَدْخُلْ مَكَّةَ حتى يَغْتَسِلَ وَيَأْمُرَ من معه فَيَغْتَسِلُوا - * بَابُ ما يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ من الثِّيَابِ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سمع عَمْرَو بن دِينَارٍ يقول سَمِعْت أَبَا الشَّعْثَاءِ جَابِرَ بن زَيْدٍ يقول سَمِعْت بن عَبَّاسٍ يقول سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَخْطُبُ وهو يقول إذَا لم يَجِدْ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ وإذا لم يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ سَرَاوِيلَ
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن الزُّهْرِيِّ عن سَالِمٍ عن أبيه أَنَّ رَجُلَا أتى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَسَأَلَهُ ما يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ من الثِّيَابِ فقال له رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْخُفَّيْنِ إلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَإِنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حتى يَكُونَا أَسْفَلَ من الْكَعْبَيْنِ
أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ما يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ من الثِّيَابِ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا تَلْبَسُوا الْقَمِيصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ من الْكَعْبَيْنِ أخبرنا مَالِكٌ عن عبد اللَّهِ بن دِينَارٍ عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ أو وَرْسٍ وقال من لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ من الْكَعْبَيْنِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) اسْتَثْنَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِمَنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ أَنْ يَلْبَسَ خُفَّيْنِ وَيَقْطَعَهُمَا أَسْفَلَ من الْكَعْبَيْنِ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) لَا تَقْطَعُ الْمَرْأَةُ الْخُفَّيْنِ وَالْمَرْأَةُ تَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ وَالْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارَ وَالدِّرْعَ من غَيْرِ ضَرُورَةٍ كَضَرُورَةِ الرَّجُلِ وَلَيْسَتْ في هذا كَالرَّجُلِ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال في كِتَابِ عَلِيٍّ رضي اللَّهُ عنه من لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَوَجَدَ خُفَّيْنِ فَلْيَلْبَسْهُمَا قُلْت أَتَتَيَقَّنُ بِأَنَّهُ كِتَابُ عَلِيٍّ قال ما أَشُكُّ أَنَّهُ كِتَابُهُ قال
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ لم يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ سَرَاوِيلَ فَهُمَا سَوَاءٌ غير أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ من السَّرَاوِيلِ شيئا لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَأْمُرْ بِقَطْعِهِ وَأَيَّهُمَا لَبِسَ ثُمَّ وَجَدَ بَعْدَ ذلك نَعْلَيْنِ لَبِسَ النَّعْلَيْنِ وَأَلْقَى الْخُفَّيْنِ وَإِنْ وَجَدَ بَعْدَ أَنْ لَبِسَ السَّرَاوِيلَ إزَارًا لَبِسَ الْإِزَارَ وَأَلْقَى السَّرَاوِيلَ فَإِنْ لم يَفْعَلْ افْتَدَى
أخبرنا مَالِكٌ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه عن أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ أنها كانت تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَاتِ الْمُشْبَعَاتِ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ ليس فيها زَعْفَرَانٌ
أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن أبي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بن عَلِيٍّ قال أَبْصَرَ عُمَرُ بن الْخَطَّابِ علي عبد اللَّهِ بن جَعْفَرٍ ثَوْبَيْنِ مُضَرَّجَيْنِ وهو مُحْرِمٌ فقال ما هذه الثِّيَابُ فقال عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ عنه ما إخال أَحَدًا يُعَلِّمُنَا السُّنَّةَ فَسَكَتَ عُمَرُ - * بَابُ ما تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ من الثِّيَابِ - *
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يقول لَا تَلْبَسُ الْمَرْأَةُ ثِيَابَ الطِّيبِ وَتَلْبَسُ الثِّيَابَ الْمُعَصْفَرَةَ وَلَا أَرَى الْمُعَصْفَرَ طِيبًا
أخبرنا سُفْيَانُ عن الزُّهْرِيِّ عن سَالِمٍ عن أبيه أَنَّهُ كان يفتى النِّسَاءَ إذَا أَحْرَمْنَ أَنْ يَقْطَعْنَ الْخُفَّيْنِ حتى أَخْبَرَتْهُ صَفِيَّةُ عن عَائِشَةَ أنها كانت تُفْتِي النِّسَاءَ أَنْ لَا يَقْطَعْنَ فَانْتَهَى عنه

(2/147)


وَلَيْسَ فيه فَلْيَقْطَعْهُمَا
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ قال من لم يَكُنْ له إزَارٌ وَلَهُ تُبَّانٌ أو سَرَاوِيلُ فَلْيَلْبَسْهُمَا قال سَعِيدُ بن سَالِمٍ لَا يُقْطَعُ الْخُفَّانِ (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) أَرَى أَنْ يُقْطَعَا لِأَنَّ ذلك في حديث بن عُمَرَ وَإِنْ لم يَكُنْ في حديث بن عَبَّاسٍ وَكِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ وَلَيْسَ زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا على الْآخَرِ شيئا لم يُؤَدِّهِ الْآخَرُ إمَّا عَزَبَ عنه وَإِمَّا شَكَّ فيه فلم يُؤَدِّهِ وَإِمَّا سَكَتَ عنه وَإِمَّا أَدَّاهُ فلم يُؤَدِّ عنه لِبَعْضِ هذه الْمَعَانِي اخْتِلَافًا وَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ إلَّا ما بَيَّنَّا أَنَّا تدعه ( ( ( ندعه ) ) ) وَالسُّنَّةُ ثُمَّ أَقَاوِيلُ أَكْثَرِ من حَفِظْت عنه من أَهْلِ الْعِلْمِ تَدُلُّ على أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ الْمُحْرِمَيْنِ يَجْتَمِعَانِ في اللُّبْسِ وَيَفْتَرِقَانِ فَأَمَّا ما يَجْتَمِعَانِ فيه فَلَا يَلْبَسُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ وَلَا وَرْسٍ وإذا لم يَلْبَسْ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِزَعْفَرَانٍ وَلَا وَرْسٍ لِأَنَّهُمَا طِيبٌ فَصَبْغُ الثَّوْبِ بِمَاءِ الْوَرْدِ أو الْمِسْكِ أو الْعَنْبَرِ أو غَيْرِ ذلك من الطِّيبِ الذي هو أَطْيَبُ من الْوَرْسِ أو مِثْلِهِ أو ما يُعَدُّ طِيبًا كان أَوْلَى أَنْ لَا يَلْبَسَانِهِ كان ذلك مِمَّا له لَوْنٌ في الثَّوْبِ أو لم يَكُنْ له إذَا كانت له رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ تُوجَدُ وَالثَّوْبُ جَافٌّ أو رَطْبٌ وَلَوْ أَخَذَ مَاءَ وَرْدٍ فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا فَكَانَ رَائِحَتُهُ تُوجَدُ منه وَالثَّوْبُ جَافٌّ أو مَبْلُولٌ لِأَنَّهُ أَثَرٌ طَيِّبٌ في الثَّوْبِ لم يَلْبَسْهُ الْمُحْرِمَانِ وَكَذَلِكَ لو صَعِدَ له زَعْفَرَانٌ حتى يَبْيَضَّ لم يَلْبَسْهُ الْمُحْرِمَانِ وَكَذَلِكَ لو غُمِسَ في نُضُوحٍ أو ضِيَاعٍ أو غَيْرِ ذلك وَكَذَلِكَ لو عَصَرَ له الرَّيْحَانَ الْعَرَبِيَّ أو الْفَارِسِيَّ أو شيئا من الرَّيَاحِينِ التي كُرِهَ لِلْمُحْرِمِ شَمُّهَا فَغَمَسَ في مَائِهِ لم يَلْبَسْهُ الْمُحْرِمَانِ وَجِمَاعُ هذا أَنْ يَنْظُرَ إلَى كل ما كان طِيبًا لَا يَشُمُّهُ الْمُحْرِمُ فإذا اُسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِأَيِّ وَجْهٍ اُسْتُخْرِجَ نِيئًا كان أو مَطْبُوخًا ثُمَّ غُمِسَ فيه الثَّوْبُ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ وَلَا لِلْمُحْرِمَةِ لُبْسُهُ وما كان مِمَّا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ وَالْمُحْرِمَةِ شَمَّهُ من نَبَاتِ الْأَرْضِ الذي لَا يُعَدُّ طِيبًا وَلَا رَيْحَانًا مِثْلَ الْإِذْخِرِ وَالضُّرُوِّ وَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَالْبَشَامِ وما أَشْبَهَهُ أو ما كان من النَّبَاتِ الْمَأْكُولِ الطَّيِّبِ الرِّيحِ مِثْلَ الْأُتْرُجِّ وَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ فَعُصِرَ مَاؤُهُ خَالِصًا فَغَمَسَ فيه الثَّوْبَ فَلَوْ تَوَقَّاهُ الْمُحْرِمَانِ كان أَحَبَّ إلى وَإِنْ لَبِسَاهُ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا وَيَجْتَمِعَانِ في أَنْ لَا يَتَبَرْقَعَانِ وَلَا يَلْبَسَانِ الْقُفَّازَيْنِ وَيَلْبَسَانِ مَعًا الثَّوْبَ الْمَصْبُوغَ بِالْعُصْفُرِ مُشْبَعًا كان أو غير مُشْبَعٍ وفي هذا دَلَالَةٌ على أَنْ لم يُمْنَعْ لُبْسُ الْمَصْبُوغِ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ لِلَوْنِهِ وَأَنَّ اللَّوْنَ إذَا لم يَكُنْ طِيبًا لم يَصْنَعْ شيئا وَلَكِنْ إنَّمَا نهى عَمَّا كان طِيبًا وَالْعُصْفُرُ ليس بِطِيبٍ وَاَلَّذِي أُحِبُّ لَهُمَا مَعًا أَنْ يَلْبَسَا الْبَيَاضَ وَأَكْرَهُ لَهُمَا كُلَّ شُهْرَةٍ من عُصْفُرٍ وَسَوَادٍ وَغَيْرِهِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا إنْ لَبِسَا غير الْمُطَيَّبِ وَيَلْبَسَانِ الْمُمَشَّقَ وَكُلَّ صِبَاغٍ بِغَيْرِ طِيبٍ وَلَوْ تَرَكَا ذلك وَلَبِسَا الْبَيَاضَ كان أَحَبُّ إلى الذي يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُقْتَدَى بِهِ أَمَّا الذي يُقْتَدَى بِهِ فَلِمَا قال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ يَرَاهُ الْجَاهِلُ فَيَذْهَبُ إلَى أَنَّ الصَّبْغَ وَاحِدٌ فَيَلْبَسُ الْمَصْبُوغَ بِالطِّيبِ وَأَمَّا الذي لَا يُقْتَدَى بِهِ فَأَخَافُ أَنْ يُسَاءَ الظَّنُّ بِهِ حين يَتْرُكُ مُسْتَحَقًّا بِإِحْرَامِهِ وَهَذَا وَإِنْ كان كما وَصَفْت فَالْمُقْتَدَى بِهِ وَغَيْرُ الْمُقْتَدَى بِهِ يَجْتَمِعَانِ فَيَتْرُكُ الْعَالِمُ عِنْدَ من جَهِلَ الْعِلْمَ مُسْتَحَقًّا بِإِحْرَامِهِ وإذا رأي الْجَاهِلَ فلم يُنْكِرْ عليه الْعَالِمُ رَأَى من يَجْهَلُ أَنَّهُ لم يُقِرَّ الْجَاهِلُ إلَّا وَهَذَا جَائِزٌ عِنْدَ الْعَالَمِ فيقول الْجَاهِلُ قد رَأَيْت فُلَانًا الْعَالِمَ رأي من لَبِسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وَصَحِبَهُ فلم يُنْكِرْ عليه ذلك ثُمَّ تُفَارِقُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فَيَكُونُ لها لُبْسُ الْخُفَّيْنِ وَلَا تَقْطَعْهُمَا وَتَلْبَسُهُمَا وَهِيَ تَجِدُ نَعْلَيْنِ من قِبَلِ أَنَّ لها لُبْسُ الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ وَالسَّرَاوِيلِ وَلَيْسَ الْخُفَّانِ بِأَكْثَرَ من وَاحِدٍ من هذا وَلَا أُحِبُّ لها أَنْ تَلْبَسَ نَعْلَيْنِ وَتُفَارِقُ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ فَيَكُونُ إحْرَامُهَا في وَجْهِهَا وَإِحْرَامُ الرَّجُلِ في رَأْسِهِ فَيَكُون

(2/148)


لِلرَّجُلِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ كُلِّهِ من غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا يَكُونُ ذلك لِلْمَرْأَةِ وَيَكُونُ لِلْمَرْأَةِ إذَا كانت بَارِزَةً تُرِيدُ السِّتْرَ من الناس أَنْ ترخى جِلْبَابَهَا أو بَعْضَ خِمَارِهَا أو غير ذلك من ثِيَابِهَا من فَوْقِ رَأْسِهَا وَتُجَافِيهِ عن وَجْهِهَا حتى تُغَطِّيَ وَجْهَهَا مُتَجَافِيًا كَالسَّتْرِ على وَجْهِهَا وَلَا يَكُونُ لها أَنْ تَنْتَقِبَ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ عن بن عَبَّاسٍ قال تدلى عليها من جِلْبَابِهَا وَلَا تَضْرِبُ بِهِ قُلْت وما لَا تَضْرِبُ بِهِ فَأَشَارَ إلى كما تُجَلْبِبُ الْمَرْأَةُ ثُمَّ أَشَارَ إلَى ما علي خَدِّهَا من الْجِلْبَابِ فقال لَا تُغَطِّيهِ فَتَضْرِبُ بِهِ على وَجْهِهَا فَذَلِكَ الذي يَبْقَى عليها وَلَكِنْ تَسْدُلُهُ على وَجْهِهَا كما هو مَسْدُولًا وَلَا تُقَلِّبُهُ وَلَا تَضْرِبُ بِهِ وَلَا تَعْطِفُهُ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن بن طَاوُسٍ عن أبيه قال لِتُدْلِ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ ثَوْبَهَا على وَجْهِهَا وَلَا تَنْتَقِبُ (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا تَرْفَعُ الثَّوْبَ من أَسْفَلَ إلَى فَوْقٍ وَلَا تغطى جَبْهَتَهَا وَلَا شيئا من وَجْهِهَا إلَّا ما لَا يَسْتَمْسِكُ الْخِمَارُ إلَّا عليه مِمَّا يَلِي قِصَاصَ شَعْرِهَا من وَجْهِهَا مِمَّا يُثَبِّتُ الْخِمَارَ وَيَسْتُرُ الشَّعْرَ لِأَنَّ الْخِمَارَ لو وُضِعَ على قِصَاصِ الشَّعْرِ فَقَطْ انْكَشَفَ الشَّعْرُ وَيَكُونُ لها الِاخْتِمَارُ وَلَا يَكُونُ لِلرَّجُلِ التَّعَمُّمُ وَلَا يَكُونُ له لُبْسُ الْخُفَّيْنِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَيَلْبَسُهُمَا وَيَقْطَعُهُمَا أَسْفَلَ من الْكَعْبَيْنِ وَلَا يَكُونُ له لُبْسُ السَّرَاوِيلِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ إزَارًا فَيَلْبَسُهُ وَلَا يَقْطَعُ منه شيئا وَيَكُونُ ذلك لها وَيَلْبَسَانِ رَقِيقَ الوشى وَالْعَصْبَ وَدَقِيقَ الْقُطْنِ وَغَلِيظَهُ وَالْمَصْبُوغَ كُلَّهُ بِالْمَدَرِ لِأَنَّ الْمَدَرَ ليس بِطِيبٍ وَالْمَصْبُوغَ بِالسِّدْرِ وَكُلَّ صَبْغٍ عَدَا الطِّيبِ وإذا أَصَابَ الثَّوْبَ طِيبٌ فبقى رِيحُهُ فيه لم يَلْبَسَاهُ وكان كَالصَّبْغِ وَلَوْ صُبِغَ ثَوْبٌ بِزَعْفَرَانٍ أو وَرْسٍ فَذَهَبَ رِيحُ الزَّعْفَرَانِ أو الْوَرْسِ من الثَّوْبِ لِطُولِ لُبْسٍ أو غَيْرِهِ وكان إذَا أَصَابَ وَاحِدًا مِنْهُمَا الْمَاءُ حَرَّكَ رِيحَهُ شيئا وَإِنْ قَلَّ لم يَلْبَسْهُ الْمُحْرِمُ وَإِنْ كان الْمَاءُ إذَا أَصَابَهُمَا لم يُحَرِّكْ وَاحِدًا مِنْهُمَا فَلَوْ غُسِلَا كان أَحَبَّ إلى وَأَحْسَنَ وَأَحْرَى أَنْ لَا يَبْقَى في النَّفْسِ مِنْهُمَا شَيْءٌ وَإِنْ لم يُغْسَلَا رَجَوْت أَنْ يَسَعَ لُبْسُهُمَا إذَا كَانَا هَكَذَا لِأَنَّ الصِّبَاغَ ليس بِنَجَسٍ وَإِنَّمَا أَرَدْنَا بِالْغُسْلِ ذَهَابَ الرِّيحِ فَإِنْ ذَهَبَ الرِّيحُ بِغَيْرِ غُسْلٍ رَجَوْت أَنْ يُجْزِئَ وَلَوْ كان أَمَرَهُ أَنْ لَا يَلْبَسَ من الثِّيَابِ شيئا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أو الْوَرْسُ بِحَالٍ كان إنْ مَسَّهُ ثُمَّ ذَهَبَ لم يَجُزْ لُبْسُهُ بَعْدَ غَسَلَاتٍ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا أُمِرَ أَنْ لَا يَلْبَسَهُ إذَا كان الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ مَوْجُودًا في ذلك الْحِينِ فيه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وما قُلْت مَوْجُودٌ من ذلك في الْخَبَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( قال ) وَكَذَلِكَ لو صُبِغَ ثَوْبٌ بَعْدَ الزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ بِسِدْرٍ أو سَوَادٍ فَكَانَا إذَا مَسَّهُمَا الْمَاءُ لم يَظْهَرْ لِلزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ رِيحٌ كان له لُبْسُهُمَا وَلَوْ كان الزَّعْفَرَانُ وَالْوَرْسُ إذَا مَسَّهُمَا الْمَاءُ يَظْهَرُ لَهُمَا شَيْءٌ من رِيحِ الزَّعْفَرَانِ أو الْوَرْسِ لم يَلْبَسْهُمَا وَلَوْ مَسَّ زَعْفَرَانٌ أو وَرْسٌ بَعْضَ الثَّوْبِ لم يَكُنْ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُهُ حتى يُغْسَلَ وَيَعْقِدَ الْمُحْرِمُ عليه إزَارَهُ لِأَنَّهُ من صَلَاحِ الْإِزَارِ وَالْإِزَارُ ما كان مَعْقُودًا وَلَا يَأْتَزِرُ ذَيْلَيْنِ ثُمَّ يَعْقِدُ الذَّيْلَيْنِ من وَرَائِهِ وَلَا يَعْقِدُ رِدَاءَهُ عليه وَلَكِنْ يَغْرِزُ طَرَفَيْ رِدَائِهِ إنْ شَاءَ في إزَارِهِ أو في سَرَاوِيلِهِ إذَا كان الرِّدَاءُ مَنْشُورًا فَإِنْ لَبِسَ شيئا مِمَّا قُلْت ليس له لُبْسُهُ ذَاكِرًا عَالِمًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ له لُبْسُهُ افْتَدَى وَقَلِيلُ لُبْسِهِ له وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ فَإِنْ قَنَعَ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ ذَاكِرًا عَالِمًا أو انْتَقَبَتْ الْمَرْأَةُ أو لَبِسَتْ ما ليس لها أَنْ تَلْبَسَهُ فَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ وَلَا يَعْصِبُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ من عِلَّةٍ وَلَا غَيْرِهَا فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى وَإِنْ لم يَكُنْ ذلك لِبَاسًا
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ قال في الْمُحْرِمِ يلوى الثَّوْبَ على بَطْنِهِ من ضَرُورَةٍ أو من بَرْدٍ قال إذَا لَوَاهُ من ضَرُورَةٍ فَلَا فِدْيَةَ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن هِشَامِ بن حُجَيْرٍ عن طَاوُسٍ قال رَأَيْت بن عُمَرَ يَسْعَى بِالْبَيْتِ وقد حَزَمَ على بَطْنِهِ بِثَوْبٍ
أخبرنا سَعِيد

(2/149)


بن سَالِمٍ عن إسْمَاعِيلَ بن أُمَيَّةَ أَنَّ نَافِعًا أخبره أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بن عُمَرَ لم يَكُنْ عَقَدَ الثَّوْبَ عليه إنَّمَا غَرَزَ طَرَفَيْهِ على إزَارِهِ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن مُسْلِمِ بن جُنْدُبٍ قال جاء رَجُلٌ يَسْأَلُ بن عُمَرَ وأنا معه قال أُخَالِفُ بين طَرَفَيْ ثَوْبِي من وَرَائِي ثُمَّ أَعْقِدُهُ وأنا مُحْرِمٌ فقال عبد اللَّهِ لَا تَعْقِدُ شيئا
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَوَشَّحَ بِالثَّوْبِ ثُمَّ يَعْقِدُ طَرَفَيْهِ من وَرَائِهِ إلَّا من ضَرُورَةٍ فَإِنْ فَعَلَ من ضَرُورَةٍ لم يَفْتَدِ
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رَأَى رَجُلًا مُحْتَزِمًا بِحَبْلٍ أَبْرَقَ فقال انْزِعْ الْحَبْلَ مَرَّتَيْنِ
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ في الْمُحْرِمِ يَجْعَلُ الْمِكْتَلَ على رَأْسِهِ فقال نعم لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَسَأَلْته عن الْعِصَابَةِ يَعْصِبُ بها الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ فقال لَا الْعِصَابَةُ تَكْفِتُ شَعْرًا كَثِيرًا (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا نَأْخُذُ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ كان لَا يَرَى بِلُبْسِ الْعُصْفُرِ وَالزَّعْفَرَانِ لِلْمُحْرِمِ بَأْسًا ما لم يَجِدْ رِيحَهُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) أَمَّا الْعُصْفُرُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا الزَّعْفَرَانُ فإذا كان إذَا مَسَّهُ الْمَاءُ ظَهَرَتْ رَائِحَتُهُ فَلَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ وَإِنْ لَبِسَهُ افْتَدَى
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال أخبرني الْحَسَنُ بن مُسْلِمٍ عن صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أنها قالت كنا عِنْدَ عَائِشَةَ إذْ جَاءَتْهَا امْرَأَةٌ من نِسَاءِ بَنِي عبد الدَّارِ يُقَالُ لها تَمْلِكُ فقالت يا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ ابْنَتِي فُلَانَةَ حَلَفَتْ أنها لَا تَلْبَسُ حُلِيَّهَا في الْمَوْسِمِ فقالت عَائِشَةُ قُولِي لها إنَّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُقْسِمُ عَلَيْك إلَّا لَبِسْت حُلِيَّك كُلَّهُ أخبرنا سَعِيدٌ عن مُوسَى بن عُبَيْدَةَ عن أَخِيهِ عبد اللَّهِ بن عُبَيْدَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بن دِينَارٍ قَالَا من السُّنَّةِ أَنْ تَمْسَحَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ بِشَيْءٍ من الْحِنَّاءِ وَلَا تُحْرِمُ وَهِيَ عَفَا + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَكَذَلِكَ أُحِبُّ لها ( قال ) إنْ اخْتَضَبَتْ الْمُحْرِمَةُ وَلَفَّتْ على يَدَيْهَا رَأَيْت أَنْ تَفْتَدِيَ وَأَمَّا لو مَسَحَتْ يَدَيْهَا بِالْحِنَّاءِ فإنى لَا أَرَى عليها فِدْيَةً وَأَكْرَهُهُ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ زِينَةٍ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ عن الْكُحْلِ الأثمد لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ الذي ليس فيه طِيبٌ قال أَكْرَهُهُ لِأَنَّهُ زِينَةٌ وَإِنَّمَا هِيَ أَيَّامُ تَخَشُّعٍ وَعِبَادَةٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالْكُحْلُ في الْمَرْأَةِ أَشَدُّ منه في الرَّجُلِ فَإِنْ فَعَلَا فَلَا أَعْلَمُ على وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِدْيَةً وَلَكِنْ إنْ كان فيه طِيبٌ فَأَيُّهُمَا اكْتَحَلَ بِهِ افْتَدَى
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن أَيُّوبَ بن مُوسَى عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ إذَا رَمِدَ وهو مُحْرِمٌ أَقَطَرَ في عَيْنَيْهِ الصَّبْرُ إقْطَارًا وَأَنَّهُ قال يَكْتَحِلُ الْمُحْرِمُ بِأَيِّ كُحْلٍ إذَا رَمَدَ ما لم يَكْتَحِلْ بِطِيبٍ وَمِنْ غَيْرِ رَمَدٍ بن عُمَرَ الْقَائِلُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) لَا بَأْسَ أَنْ يَرْتَدِيَ الْمُحْرِمُ وَيَطْرَحَ عليه الْقَمِيصَ وَالسَّرَاوِيلَ وَالْفَرْوَ وَغَيْرَ ذلك ما لم يَلْبَسْهُ لِبَاسًا وهو كَالرِّدَاءِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَغْسِلَ الْمُحْرِمُ ثِيَابَهُ وَثِيَابَ غَيْرِهِ وَيَلْبَسَ غير ما أَحْرَمَ فيه من الثِّيَابِ ما لم يَكُنْ من الثِّيَابِ الْمَنْهِيُّ عن لُبْسِهَا
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال وَلْيَلْبَسْ الْمُحْرِمُ من الثِّيَابِ ما لم يُهِلَّ فيه
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ كان لَا يَرَى بِالْمُمَشَّقِ لِلْمُحْرِمِ بَأْسًا أَنْ يَلْبَسَهُ وقال إنَّمَا هو مَدَرَةٌ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ قال الرَّبِيعُ أَظُنُّهُ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ كان لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَاجًا ما لم يَزُرَّهُ عليه فَإِنْ زَرَّهُ عليه عَمْدًا افْتَدَى كما يفتدى إذَا تَقَمَّصَ عَمْدًا

(2/150)


- * بَابُ لُبْسِ الْمِنْطَقَةِ وَالسَّيْفِ لِلْمُحْرِمِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ فَنَقُولُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَطَيَّبَ الرَّجُلُ قبل إحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ ما يَجِدُ من الطِّيبِ غالبة ( ( ( غالية ) ) ) وَمُجْمَرٍ وَغَيْرِهِمَا إلَّا ما نهى عنه الرَّجُلُ من التَّزَعْفُرِ وَلَا بَأْسَ على الْمَرْأَةِ في التَّطَيُّبِ بِمَا شَاءَتْ من الطِّيبِ قبل الْإِحْرَامِ وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْعَلَا بَعْدَ ما يَرْمِيَانِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَيَحْلِقُ الرَّجُلُ وَتُقَصِّرُ الْمَرْأَةُ قبل الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالْحُجَّةُ فيه ما وَصَفْنَا من تَطَيُّبِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْحَالَيْنِ وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ بِالْمُجْمَرِ وَغَيْرِهِ من الطِّيبِ لِأَنَّهُ أَحْرَمَ وَابْتَدَأَ الطِّيبَ حَلَالًا وهو مُبَاحٌ له وَبَقَاؤُهُ عليه ليس بِابْتِدَاءٍ منه له وَكَذَلِكَ إنْ كان الطِّيبُ دُهْنًا أو غَيْرَهُ وَلَكِنَّهُ إذَا أَحْرَمَ فَمَسَّ من الطِّيبِ شيئا قَلَّ أو كَثُرَ بيده أو أَمَسَّهُ جَسَدَهُ وهو ذَاكِرٌ لِحُرْمَتِهِ غير جَاهِلٍ بِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي له افْتَدَى وَكُلُّ ما سَمَّى الناس طِيبًا في هذه الْحَالِ من الْأَفَاوِيهِ وَغَيْرِهَا وَكُلُّ ما كان مَأْكُولًا إنَّمَا يُتَّخَذُ لِيُؤْكَلَ أو يُشْرَبَ لِدَوَاءٍ أو غَيْرِهِ وَإِنْ كان طَيِّبَ الرِّيحِ وَيَصْلُحُ في الطِّيبِ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَشَمِّهِ وَذَلِكَ مِثْلُ المصطكا ( ( ( المصطكى ) ) ) والزنحبيل ( ( ( والزنجبيل ) ) ) والدار صيني وما أَشْبَهَ هذا وَكَذَلِكَ كُلُّ مَعْلُوفٍ أو حَطَبٍ من نَبَاتِ الْأَرْضِ مِثْلَ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ والأذخر وما أَشْبَهَ هذا فَإِنْ شَمَّهُ أو أَكَلَهُ أو دَقَّهُ فَلَطَّخَ بِهِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْمِنْطَقَةَ وَلَوْ جَعَلَ في طَرَفِهَا سُيُورًا فَعَقَدَ بَعْضَهَا على بَعْضٍ لم يَضُرَّهُ وَيَتَقَلَّدُ الْمُحْرِمُ السَّيْفَ من خَوْفٍ وَلَا فِدْيَةَ عليه وَيُتَنَكَّبُ الْمُصْحَفَ - * بَابُ الطِّيبِ للاحرام - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن سَالِمِ بن عبد اللَّهِ قال قال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ ما حُرِّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ
أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن سَالِمٍ قال قالت عَائِشَةُ أنا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال سَالِمٌ وَسُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ
أخبرنا مَالِكٌ عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ عن أبيه عن عَائِشَةَ قالت كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِإِحْرَامِهِ قبل أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قبل أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ
أخبرنا سُفْيَانُ عن عبد الرحمن بن الْقَاسِمِ عن أبيه قال سَمِعْت عَائِشَةَ وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا تَقُولُ أنا طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ لِإِحْرَامِهِ حين أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قبل أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ
أخبرنا سُفْيَانُ عن الزُّهْرِيِّ عن عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ قالت طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ لِحُرْمِهِ حين أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قبل أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عُثْمَانَ بن عُرْوَةَ قال سَمِعْت أبي يقول سَمِعْت عَائِشَةَ تَقُولُ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِحَرَمِهِ وَلِحِلِّهِ فَقُلْت لها بِأَيِّ الطِّيبِ فقالت بِأَطْيَبِ الطِّيبِ وقال عُثْمَانُ ما رَوَى هِشَامٌ هذا الحديث إلَّا عَنِّي
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَطَاءِ بن السَّائِبِ عن إبْرَاهِيمَ عن الْأَسْوَدِ عن عَائِشَةَ قالت رَأَيْت وَبِيصَ الطِّيبِ في مُفَارِقِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعْدَ ثَلَاثٍ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عُمَرَ بن عبد اللَّهِ بن عُرْوَةَ أَنَّهُ سمع الْقَاسِمَ بن مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةَ يُخْبِرَانِ عن عَائِشَةَ أنها قالت طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِيَدَيْ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ
أخبرنا سُفْيَانُ عن مُحَمَّدِ بن عَجْلَانَ أَنَّهُ سمع عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ تَقُولُ طَيَّبْت أبى عِنْدَ إحْرَامِهِ بِالسُّكِّ وَالذَّرِيرَةِ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن حَسَنِ بن زَيْدٍ عن أبيه أَنَّهُ قال رَأَيْت بن عَبَّاسٍ مُحْرِمًا وَأَنَّ على رَأْسِهِ لَمِثْلَ الرُّبِّ من الْغَالِيَةِ

(2/151)


يده ( ( ( جسده ) ) ) فَلَا فِدْيَةَ عليه لِأَنَّهُ ليس بِطِيبٍ وَلَا دُهْنٍ وَالرَّيْحَانُ عِنْدِي طِيبٌ وما طَيَّبَ من الْأَدْهَانِ بِالرَّيَاحِينِ فبقى طِيبًا كان طِيبًا وما رُبِّبَ بها عِنْدِي طِيبٌ إذَا بقى طِيبًا مِثْلَ الزَّنْبَقِ وَالْخَيْرِيِّ وَالْكَاذِي وَالْبَانِ الْمَنْشُوشِ وَلَيْسَ الْبَنَفْسَجُ بِطِيبٍ إنَّمَا يُرَبَّبُ لِلْمَنْفَعَةِ لَا لِلطِّيبِ
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن أبي الزُّبَيْرِ عن جَابِرٍ أَنَّهُ سُئِلَ أَيَشُمُّ الْمُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَالدُّهْنَ وَالطِّيبَ فقال لَا
أُخْبِرْنَا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ قال ما أَرَى الْوَرْدَ وَالْيَاسَمِينَ إلَّا طِيبًا (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وما مَسَّ الْمُحْرِمُ من رَطْبِ الطِّيبِ بِشَيْءٍ من بَدَنِهِ افْتَدَى وَإِنْ مَسَّ بيده منه شيئا يَابِسًا لَا يَبْقَى له أَثَرٌ في يَدِهِ وَلَا له رِيحٌ كَرِهْته له ولم أَرَ عليه الْفِدْيَةَ وَإِنَّمَا يفتدى ( ( ( يفدي ) ) ) من الشَّمِّ خَاصَّةً بِمَا أَثَّرَ من الطِّيبِ من الشَّمِّ لِأَنَّ غَايَةَ الطِّيبِ لِلتَّطَيُّبِ وَإِنْ جَلَسَ إلَى عَطَّارٍ فَأَطَالَ أو مَرَّ بِهِ فَوَجَدَ رِيحَ الطِّيبِ أو وَجَدَ رِيحَ الْكَعْبَةِ مُطَيَّبَةً أو مُجْمَرَةً لم يَكُنْ عليه فِدْيَةٌ وَإِنْ مَسَّ خَلُوقَ الْكَعْبَةِ جَافًّا كان كما وَصَفْت لَا فِدْيَةَ عليه فيه لِأَنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ وَلَا يَبْقَى رِيحُهُ في بَدَنِهِ وَكَذَلِكَ الرُّكْنُ وَإِنْ مَسَّ الْخَلُوقَ رَطْبًا افْتَدَى وَإِنْ انْتَضَحَ عليه أو تَلَطَّخَ بِهِ غير عَامِدٍ له غَسَلَهُ وَلَا فِدْيَةَ عليه وَكَذَلِكَ لو أَصَابَ ثَوْبَهُ وَلَوْ عَقَدَ طِيبًا فَحَمَلَهُ في خِرْقَةٍ أو غَيْرِهَا وَرِيحُهُ يَظْهَرُ منها لم يَكُنْ عليه فِدْيَةٌ وَكَرِهْته له لِأَنَّهُ لم يَمَسَّ الطِّيبَ نَفْسَهُ وَلَوْ أَكَلَ طِيبًا أو اسْتَعَطَ بِهِ أو احْتَقَنَ بِهِ افْتَدَى وإذا كان طَعَامٌ قد خَالَطَهُ زَعْفَرَانٌ أَصَابَتْهُ نَارٌ أو لم تُصِبْهُ فأنظر فَإِنْ كان رِيحُهُ يُوجَدُ أو كان طَعْمُ الطِّيبِ يَظْهَرُ فيه فَأَكَلَهُ الْمُحْرِمُ افْتَدَى وَإِنْ كان لَا يَظْهَرُ فيه رِيحٌ وَلَا يُوجَدُ له طَعْمٌ وَإِنْ ظَهَرَ لَوْنُهُ فَأَكَلَهُ الْمُحْرِمُ لم يَفْتَدِ لِأَنَّهُ قد يَكْثُرُ الطِّيبُ في الْمَأْكُولِ وَيَمَسُّ النَّارَ فَيَظْهَرُ فيه رِيحُهُ وَطَعْمُهُ وَيَقِلُّ وَلَا تَمَسُّهُ نَارٌ فَلَا يَظْهَرُ فيه طَعْمُهُ وَلَا لَوْنُهُ وَإِنَّمَا الْفِدْيَةُ وَتَرْكُهَا من قِبَلِ الرِّيحِ وَالطَّعْمِ وَلَيْسَ لِلَّوْنِ مَعْنًى لِأَنَّ اللَّوْنَ ليس بِطِيبٍ وَإِنْ حَشَا الْمُحْرِمُ في جُرْحٍ له طِيبًا افْتَدَى وَالْأَدْهَانُ دُهْنَانِ دُهْنٌ طِيبٌ فَذَلِكَ يفتدى صَاحِبُهُ إذَا دَهَنَ بِهِ من جَسَدِهِ شيئا قَلَّ أو كَثُرَ وَذَلِكَ مِثْلُ الْبَانِ الْمَنْشُوشِ بِالطِّيبِ وَالزَّنْبَقِ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَغَيْرِهِ ( قال ) وَدُهْنٌ ليس بِطِيبٍ مِثْلِ سَلِيخَةِ الْبَانِ غَيْرِ الْمَنْشُوشِ وَالشِّبْرِقِ وَالزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَالزُّبْدِ فَذَلِكَ إنْ دَهَنَ بِهِ أَيَّ جَسَدِهِ شَاءَ غير رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ أو أَكَلَهُ أو شَرِبَهُ فَلَا فِدْيَةَ عليه فيه وَإِنْ دَهَنَ بِهِ رَأْسَهُ أو لِحْيَتَهُ افْتَدَى لِأَنَّهُمَا في مَوْضِعِ الدُّهْنِ وَهُمَا يُرَجِّلَانِ وَيَذْهَبُ شَعَثُهُمَا بِالدُّهْنِ فَأَيُّ دُهْنٍ أَذْهَبَ شَعْثَهُمَا وَرَجَّلَهُمَا بَقَّى فِيهِمَا طِيبًا أو لم يُبَقِّ فَعَلَى الْمُدَّهِنِ بِهِ فِدْيَةٌ وَلَوْ دَهَنَ رَأْسَهُ بِعَسَلٍ أو لَبَنٍ لم يَفْتَدِ لِأَنَّهُ لَا طِيبَ وَلَا دُهْنَ إنَّمَا هو يُقَذِّرُ لَا يُرَجِّلُ وَلَا يهنيء ( ( ( يهنئ ) ) ) الرَّأْسَ
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال يَدْهُنُ الْمُحْرِمُ قَدَمَيْهِ إذَا تَشَقَّقَتْ بِالْوَدَكِ ما لم يَكُنْ طِيبًا
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عن الْمُحْرِمِ يَتَشَقَّقُ رَأْسُهُ أَيَدْهُنُ الشِّقَاقَ منه بِسَمْنٍ قال لَا وَلَا بِوَدَكٍ غَيْرِ السَّمْنِ إلَّا أَنْ يفتدى فَقُلْت له إنَّهُ ليس بِطِيبٍ قال وَلَكِنَّهُ يُرَجِّلُ رَأْسَهُ قال فَقُلْت له فإنه يَدْهُنُ قَدَمَهُ إذَا تَشَقَّقَتْ بِالْوَدَكِ ما لم يَكُنْ طِيبًا فقال إنَّ الْقَدَمَ لَيْسَتْ كَالشَّعْرِ إنَّ الشَّعْرَ يُرَجَّلُ قال عَطَاءٌ وَاللِّحْيَةُ في ذلك مِثْلُ الرَّأْسِ - * بَابُ لُبْسِ الْمُحْرِمِ وَطِيبِهِ جَاهِلًا - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن عَطَاءِ بن أبي رَبَاحٍ عن صَفْوَانَ بن يعلي بن أُمَيَّةَ عن أبيه قال كنا عِنْدَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْجِعْرَانَةِ فَأَتَاهُ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ مُقَطَّعَةٌ يَعْنِي جُبَّةً وهو مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ فقال يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَحْرَمْت بِالْعُمْرَةِ وَهَذِهِ عَلَيَّ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ما كُنْت تَصْنَعُ في حَجِّك قال كُنْت أَنْزِعُ هذه الْمُقَطَّعَةَ وَأَغْسِلُ هذا الْخَلُوقَ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ما كُنْت صَانِعًا في حَجِّك فَاصْنَعْهُ في عُمْرَتِ

(2/152)



أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ أَنَّهُ كان يقول من أَحْرَمَ في قَمِيصٍ أو جُبَّةٍ فَلْيَنْزِعْهَا نَزْعًا وَلَا يَشُقَّهَا (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَهَذَا كما قال عَطَاءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وقد أَهَلَّ من مِيقَاتِهِ وَالْجُبَّةُ لَا تَمْنَعُهُ أَنْ يَكُونَ مُهِلًّا وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) أَحْسَبُ من نهى الْمُحْرِمَ عن التَّطَيُّبِ قبل الْإِحْرَامِ وَالْإِفَاضَةِ بَلَغَهُ هذا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ أَمَرَ الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الْخَلُوقِ عنه وَنَزْعِ الْجُبَّةِ وهو مُحْرِمٌ فَذَهَبَ إلَى أَنَّ النَّهْيَ عن الطِّيبِ لِأَنَّ الْخَلُوقَ كان عِنْدَهُ طِيبًا وخفى عليهم ما رَوَتْ عَائِشَةُ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو عَلِمُوهُ فَرَأَوْهُ مُخْتَلِفًا فَأَخَذُوا بِالنَّهْيِ عن الطِّيبِ وَإِنَّمَا أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْأَعْرَابِيَّ بِغَسْلِ الْخَلُوقِ عنه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّهُ نهى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرني إسْمَاعِيلُ الذي يُعْرَفُ بِابْنِ عُلَيَّةَ قال أخبرني عبد الْعَزِيزِ بن صُهَيْبٍ عن أَنَسٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ فَإِنْ قال قَائِلٌ إنَّ حَدِيثَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في صَاحِبِ الْجُبَّةِ بِغَسْلِ الْخَلُوقِ يَحْتَمِلُ ما وَصَفْت وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمَرَهُ بِغَسْلِهِ لِأَنَّهُ طِيبٌ وَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يبقى عليه الطِّيبَ وَإِنْ كان قبل الْإِحْرَامِ قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَوْ كان كما قُلْت كان مَنْسُوخًا فَإِنْ قال وما نَسَخَهُ قُلْنَا حَدِيثُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الْأَعْرَابِيِّ بِالْجِعْرَانَةِ وَالْجِعْرَانَةُ في سَنَةِ ثَمَانٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أنها طَيَّبَتْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِحِلِّهِ وَحَرَمِهِ في حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ فَإِنْ قال فَقَدْ نهى عنه عُمَرُ قُلْنَا لَعَلَّهُ نهى عنه على الْمَعْنَى الذي وَصَفْت إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قال أَفَلَا تَخَافُ غَلَطَ من رَوَى عن عَائِشَةَ قِيلَ هُمْ أَوْلَى أَنْ لَا يُغَلَّطُوا مِمَّنْ رَوَى عن بن عُمَرَ عن عُمَرَ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَوَى هذا عن بن عُمَرَ عن عُمَرَ رَجُلٌ أو اثْنَانِ وَرَوَى هذا عن عَائِشَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سِتَّةٌ أو سَبْعَةٌ وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ أَوْلَى أَنْ لَا يُغَلَّطُوا من الْعَدَدِ الْقَلِيلِ وَكُلٌّ عِنْدَنَا لم يَغْلَطْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ جَازَ إذَا خَالَفَ ما روى عن عُمَرَ ما روى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الطِّيبِ أَنْ يُخَافَ غَلَطُ من رَوَى هذا الحديث عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم جَازَ أَنْ يُخَافَ غَلَطُ من رَوَى هذا عن عُمَرَ وإذا كان عِلْمُنَا بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تَطَيَّبَ وَأَنَّ عُمَرَ كَرِهَ عِلْمًا وَاحِدًا من جِهَةِ الْخَبَرِ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ قَوْلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يُتْرَكُ بِحَالٍ إلَّا لِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا لِقَوْلِ غَيْرِهِ وقد خَالَفَ عُمَرَ سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا وقد يَتْرُكُ من يَكْرَهُ الطِّيبَ للاحرام وَالْإِحْلَالِ لِقَوْلِ عُمَرَ أَقَاوِيلَ لِعُمَرَ لِقَوْلِ الْوَاحِدِ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَقَاوِيلُ لِعُمَرَ لَا يُخَالِفُهُ فيها أَحَدٌ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَيُخَالِفُ عُمَرُ لرأى نَفْسِهِ فإذا كان يُصْنَعُ هذا في بَعْضِ قَوْلِ عُمَرَ فَكَيْفَ جَازَ أَنْ يَدَعَ السُّنَّةَ التي فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى على الْخَلْقِ اتِّبَاعَهَا لِقَوْلِ من يَفْعَلُ في قَوْلِهِ مِثْلَ هذا لَعَمْرِي لَئِنْ جَازَ له أَنْ يَأْخُذَ بِهِ فَيَدَعُ السُّنَّةَ بِخِلَافِهِ فما لَا سُنَّةَ عليه فيه أَضْيَقُ وَأَحْرَى أَنْ لَا يَخْرُجَ من خِلَافِهِ وهو يَكْثُرُ خِلَافُهُ فِيمَا لَا سُنَّةَ فيه وَلِمَا أَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم السَّائِلَ بِأَنْ يَنْزِعَ الْجُبَّةَ عنه وَيَغْسِلَ الصُّفْرَةَ ولم يَأْمُرْهُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالسُّنَّةُ كما قال عَطَاءٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَمَرَ صَاحِبَ الْجُبَّةِ أَنْ يَنْزِعَهَا ولم يَأْمُرْهُ بِشَقِّهَا
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ قال قُلْت لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت لو أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ من مِيقَاتِهِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ ثُمَّ سَارَ أَمْيَالًا ثُمَّ ذَكَرَهَا فَنَزَعَهَا أَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ إلَى مِيقَاتِهِ فَيُحْدِثَ إحْرَامًا قال لَا حَسْبُهُ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ

(2/153)


بِالْكَفَّارَةِ قُلْنَا من لَبِسَ ما ليس له لُبْسُهُ قبل الْإِحْرَامِ جَاهِلًا بِمَا عليه في لُبْسِهِ أو نَاسِيًا لِحَرَمِهِ ثُمَّ يَثْبُتُ عليه أَيُّ مُدَّةٍ ما ثَبَتَ عليه بَعْدَ الْإِحْرَامِ أو ابْتَدَأَ لُبْسَهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ جَاهِلًا بِمَا عليه في لُبْسِهِ أو نَاسِيًا لِحَرَمِهِ أو مُخْطِئًا بِهِ وَذَلِكَ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ فَيَلْبَسَهُ نَزَعَ الْجُبَّةَ وَالْقَمِيصَ نَزْعًا ولم يَشُقَّهُ وَلَا فِدْيَةَ عليه في لُبْسِهِ وَكَذَلِكَ الطِّيبُ قِيَاسًا عليه إنْ كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا أَمَرَهُ بِغَسْلِهِ لِمَا وَصَفْنَا من الصُّفْرَةِ وَإِنْ كان لِلطِّيبِ فَهُوَ أَكْثَرُ أو مِثْلُهُ والصفرة ( ( ( والصفر ) ) ) جَامِعَةٌ لِأَنَّهَا طِيبٌ وَصُفْرَةٌ فَإِنْ قال قَائِلٌ كَيْفَ قُلْت هذا في النَّاسِي وَالْجَاهِلِ في اللُّبْسِ وَالطِّيبِ ولم تَقُلْهُ فِيمَنْ جَزَّ شَعْرَهُ أو قَتَلَ صَيْدًا قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قُلْته خَبَرًا وَقِيَاسًا وَأَنَّ حاله في اللُّبْسِ وَالطِّيبِ مُخَالَفَةُ حَالِهِ في جَزِّ الشَّعْرِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ فَإِنْ قال فما فَرَّقَ بين الطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَقَتَلَ الصَّيْدَ وَجَزَّ الشَّعْرَ وهو جَاهِلٌ في ذلك كُلِّهِ قِيلَ له الطِّيبُ وَاللُّبْسُ شَيْءٌ إذَا أَزَالَهُ عنه زَالَ فَكَانَ إذَا أَزَالَهُ كَحَالِهِ قبل أَنْ يَلْبَسَ وَيَتَطَيَّبَ لم يُتْلِفْ شيئا حَرُمَ عليه أَنْ يُتْلِفَهُ ولم يُزِلْ شيئا حُرِّمَ عليه إزَالَتُهُ إنَّمَا أَزَالَ ما أُمِرَ بِإِزَالَتِهِ مِمَّا ليس له أَنْ يَثْبُتَ عليه وَقَاتِلُ الصَّيْدِ أَتْلَفَ ما حُرِّمَ عليه في وَقْتِهِ ذلك إتْلَافَهُ وَجَازَ الشَّعْرُ وَالظُّفْرُ أَزَالَ بِقَطْعِهِ ما هو مَمْنُوعٌ من إزَالَتِهِ في ذلك الْوَقْتِ وَالْإِزَالَةُ لِمَا ليس له إزَالَتُهُ إتْلَافٌ وفي الْإِتْلَافِ لِمَا نهى عن إتْلَافِهِ عِوَضٌ خَطَأً كان أو عَمْدًا لِمَا جَعَلَ اللَّهُ في إتْلَافِ النَّفْسِ خَطَأً من الدِّيَةِ وَلَيْسَ ذلك غير ( ( ( غيره ) ) ) في الْإِتْلَافِ كَهُوَ في الْإِتْلَافِ وَلَكِنَّهُ إذَا فَعَلَهُ عَالِمًا بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ له وَذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ وَغَيْرَ مخطيء ( ( ( مخطئ ) ) ) فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ في قَلِيلِ اللُّبْسِ وَالطِّيبِ وَكَثِيرِهِ على ما وَصَفْت في الْبَابِ قبل هذا وَلَوْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أو جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَهُ فَتَرَكَهُ عليه سَاعَةً وقد أَمْكَنَهُ إزَالَتَهُ عنه بِنَزْعِ ثَوْبٍ أو غَسْلِ طِيبٍ افْتَدَى لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الثَّوْبَ وَالطِّيبَ عليه بَعْدَ ذَهَابِ الْعُذْرِ وَإِنْ لم يُمْكِنْهُ نَزْعُ الثَّوْبِ لِعِلَّةِ مَرَضٍ أو عَطَبٍ في بَدَنِهِ وَانْتَظَرَ من يَنْزِعُهُ فلم يَقْدِرْ عليه فَهَذَا عُذْرٌ وَمَتَى أَمْكَنَهُ نَزْعُهُ نَزَعَهُ وَإِلَّا افْتَدَى إذَا تَرَكَهُ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَا يفتدى إذَا نَزَعَهُ بَعْدَ الْإِمْكَانِ وَلَوْ لم يُمْكِنْهُ غَسْلُ الطِّيبِ وكان في جَسَدِهِ رَأَيْت أَنْ يَمْسَحَهُ بِخِرْقَةٍ فَإِنْ لم يَجِدْ خِرْقَةً فَبِتُرَابٍ إنْ أَذْهَبَهُ فَإِنْ لم يُذْهِبْهُ فَبِشَجَرٍ أو حَشِيشٍ فَإِنْ لم يَقْدِرْ عليه أو قَدَرَ فلم يُذْهِبْهُ فَهَذَا عُذْرٌ وَمَتَى أَمْكَنَهُ الْمَاءُ غَسَلَهُ وَلَوْ وَجَدَ مَاءً قَلِيلًا إنْ غَسَلَهُ بِهِ لم يَكْفِهِ لِوُضُوئِهِ غَسَلَهُ بِهِ وَتَيَمَّمَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْلِهِ وَلَا رُخْصَةَ له في تَرْكِهِ إذَا قَدَرَ على غَسْلِهِ وَهَذَا مُرَخَّصٌ له في التَّيَمُّمِ إذَا لم يَجِدْ مَاءً وَلَوْ غَسَلَ الطِّيبَ غَيْرُهُ كان أَحَبَّ إلى وَإِنْ غَسَلَهُ هو بيده لم يَفْتَدِ من قِبَلِ أَنَّ عليه غَسْلَهُ وَإِنْ مَاسَّهُ فَإِنَّمَا مَاسَّهُ لِيُذْهِبَهُ عنه لم يُمَاسَّهُ لِيَتَطَيَّبَ بِهِ وَلَا يُثْبِتُهُ وَهَكَذَا ما وَجَبَ عليه الْخُرُوجُ منه خَرَجَ منه كما يَسْتَطِيعُ وَلَوْ دخل دَارَ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنٍ لم يَكُنْ جَائِزًا له وكان عليه الْخُرُوجُ منها ولم أَزْعُمْ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْخُرُوجِ منها وَإِنْ كان يمشى فِيمَا لم يُؤْذَنْ له فيه لِأَنَّ مَشْيَهُ لِلْخُرُوجِ من الذَّنْبِ لَا لِلزِّيَادَةِ فيه فَهَكَذَا هذا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ - * بَابُ الْوَقْتِ الذي يَجُوزُ فيه الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ - * (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال اللَّهُ عز وجل { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ } إلَى قَوْلِهِ { في الْحَجِّ }
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن أبي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سمع جَابِرَ بن عبد اللَّهِ يَسْأَلُ عن الرَّجُلِ يُهِلُّ بِالْحَجِّ قبل أَشْهُرِ الْحَجِّ فقال لَا أخبرنا الرَّبِيعُ قال
أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مُسْلِمٌ عن بن جُرَيْجٍ قال قُلْت لِنَافِعٍ أَسَمِعْت عبد اللَّهِ بن عُمَرَ يسمى شُهُورَ الْحَجِّ فقال نعم كان يسمى شَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ وَذَا الْحِجَّة

(2/154)


قُلْت لِنَافِعٍ فَإِنْ أَهَلَّ إنْسَانٌ بِالْحَجِّ قَبْلَهُنَّ قال لم أَسْمَعْ منه في ذلك شيئا
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ قال قال طَاوُسٌ هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ قال لِعَطَاءٍ أَرَأَيْت لو أَنَّ رَجُلًا جاء مُهِلًّا بِالْحَجِّ في شَهْرِ رَمَضَانَ كَيْفَ كُنْت قَائِلًا له قال أَقُولُ له اجْعَلْهَا عُمْرَةً
أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ عن بن جُرَيْجٍ قال أخبرنا عُمَرُ بن عَطَاءٍ عن عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قال لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إلَّا في أَشْهُرِ الْحَجِّ من أَجْلِ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يلبى بِحَجٍّ ثُمَّ يُقِيمَ - * بَابُ هل يسمى الْحَجَّ أو الْعُمْرَةَ عِنْدَ الْإِهْلَالِ أو تكفى النِّيَّةُ مِنْهُمَا - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ سَمَّى الْمُحْرِمُ ذلك لم أَكْرَهْهُ إلَّا أَنَّهُ لو كان سُنَّةً سَمَّاهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أو من بَعْدَهُ وَلَوْ لَبَّى الْمُحْرِمُ فقال لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وهو يُرِيدُ حَجَّةً كان مُفْرِدًا وَلَوْ أَرَادَ عُمْرَةً كان مُعْتَمِرًا وَلَوْ سَمَّى عُمْرَةً وهو يُرِيدُ حَجًّا كان حَجًّا وَلَوْ سَمَّى عُمْرَةً وهو يُرِيدُ قِرَانًا كان قِرَانًا إنَّمَا يَصِيرُ أَمْرُهُ إلَى النِّيَّةِ إذَا أَظْهَرَ التَّلْبِيَةَ مَعَهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إذَا لم يَكُنْ له نِيَّةٌ أَنْ يَكُونَ عليه أَكْثَرُ من لَفْظِهِ وَذَلِكَ أَنَّ هذا عَمَلٌ لِلَّهِ خَالِصًا لَا شَيْءَ لِأَحَدٍ من الْآدَمِيِّينَ غَيْرُهُ فيه فَيُؤْخَذُ فيه بِمَا ظَهَرَ من قَوْلِهِ دُونَ نِيَّتِهِ وَلَوْ لَبَّى رَجُلٌ لَا يُرِيدُ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً لم يَكُنْ حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا كما لو كَبَّرَ لَا يُرِيدُ صَلَاةً لم يَكُنْ دَاخِلًا في الصَّلَاةِ وَلَوْ أَكَلَ سَحَرًا لَا يُرِيدُ صَوْمًا لم يَكُنْ دَاخِلًا في الصَّوْمِ وَكَذَلِكَ لو لم يَأْكُلْ يَوْمًا كَامِلًا وَلَا ينوى صَوْمًا لم يَكُنْ صَائِمًا وروى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ لقى رَكْبًا بِالسَّاحِلِ مُحْرِمِينَ فَلَبَّوْا فَلَبَّى بن مَسْعُودٍ وهو دَاخِلٌ إلَى الْكُوفَةِ وَالتَّلْبِيَةُ ذِكْرٌ من ذِكْرِ اللَّهِ عز وجل لَا يَضِيقُ على أَحَدٍ أَنْ يَقُولَ وَلَا يُوجِبُ على أَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ في إحْرَامٍ إذَا لم يَنْوِهِ - * بَاب كَيْفَ التَّلْبِيَةُ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك قال نَافِعٌ كان عبد اللَّهِ بن عُمَرَ يَزِيدُ فيها لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه عن جَابِرِ بن عبد اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك وَذَكَرَ الْمَاجِشُونُ عن عبد اللَّهِ بن الْفَضْلِ عن الْأَعْرَجِ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّهُ عنه قال كان من تَلْبِيَةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَبَّيْكَ إلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) كما رَوَى جَابِرٌ وبن عُمَرَ كانت أَكْثَرُ تَلْبِيَةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ فِيمَا حَكَيْنَا من الْأَحَادِيثِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم دَلِيلٌ على أَنَّ نِيَّةَ الْمُلَبِّي كَافِيَةٌ له من أَنْ يُظْهِرَ ما يُحْرِمُ بِهِ كما تَكُونُ نِيَّةُ المصلى مَكْتُوبَةً أو نَافِلَةً أو نَذْرًا كَافِيَةً له من إظْهَارِ ما يَنْوِي منها بِأَيِّ إحْرَامٍ نَوَى وَنِيَّةُ الصَّائِمِ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ لو حَجَّ أو اعْتَمَرَ عن غَيْرِهِ كَفَتْهُ نِيَّتُهُ من أَنْ يسمى أَنَّ حَجَّهُ هذا عن غَيْرِهِ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن مُحَمَّدٍ عن سَعِيدِ بن عبد الرحمن أَنَّ جَابِرَ بن عبد اللَّهِ قال ما سَمَّى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في تَلْبِيَتِهِ حَجًّا قَطُّ وَلَا عُمْرَةً

(2/155)


وَهِيَ التي أُحِبُّ أَنْ تَكُونَ تَلْبِيَةَ الْمُحْرِمِ لَا يَقْصُرُ عنها وَلَا يُجَاوِزُهَا إلَّا أَنْ يُدْخِلَ ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فإنه مِثْلُهَا في الْمَعْنَى لِأَنَّهَا تَلْبِيَةٌ وَالتَّلْبِيَةُ إجَابَةٌ فَأَبَانَ أَنَّهُ أَجَابَ إلَهَ الْحَقِّ بِلَبَّيْكَ أَوَّلًا وَآخِرًا
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال أخبرني حُمَيْدٌ الْأَعْرَجُ عن مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قال كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يُظْهِرُ من التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك قال حتى إذَا كان ذَاتَ يَوْمٍ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عنه كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ ما هو فيه فَزَادَ فيها لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ قال بن جُرَيْجٍ وَحَسِبْت أَنَّ ذلك يَوْمُ عَرَفَةَ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِمَا أَمَرَ بِهِ جِبْرِيلُ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نأمر ( ( ( فأمر ) ) ) الرِّجَالَ الْمُحْرِمِينَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ على أَنَّ أَصْحَابَهُ هُمْ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْفَعُوا جَهْدَهُمْ ما لم يَبْلُغْ ذلك أَنْ يَقْطَعَ أَصْوَاتَهُمْ فكانا نَكْرَهُ قَطْعَ أَصْوَاتِهِمْ وإذا كان الْحَدِيثُ يَدُلُّ على أَنَّ الْمَأْمُورِينَ بِرَفْعِ الْأَصْوَاتِ بِالتَّلْبِيَةِ الرِّجَالُ فَكَانَ النِّسَاءُ مَأْمُورَاتٍ بِالسَّتْرِ فأن لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمَرْأَةِ أَحَدٌ أَوْلَى بها وَأَسْتَرُ لها فَلَا تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ صَوْتَهَا بِالتَّلْبِيَةِ وَتُسْمِعُ نَفْسَهَا - * بَابُ أَيْنَ يُسْتَحَبُّ لُزُومُ التَّلْبِيَةِ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مُسْلِمُ بن خَالِدٍ وَسَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّهِ بن عبد الرحمن بن سَابِطٍ قال كان سَلَفُنَا لَا يَدَعُونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَرْبَعٍ عِنْدَ اضْطِمَامِ الرِّفَاقِ حتى تَنْضَمَّ وَعِنْدَ إشْرَافِهِمْ على الشَّيْءِ وَهُبُوطِهِمْ من بُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَعِنْدَ هُبُوطِهِمْ من الشَّيْءِ الذي يُشْرِفُونَ منه وَعِنْدَ الصَّلَاةِ إذَا فَرَغُوا منها + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وما رَوَى بن سَابِطٍ عن السَّلَفِ هو مُوَافِقٌ ما روى عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السَّلَامُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُمْ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وإذا كانت التَّلْبِيَةُ بَرًّا أُمِرَ الْمُلَبُّونَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ فَأَوْلَى الْمَوَاضِعِ أَنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِهِ مُجْتَمَعُ الناس حَيْثُ كَانُوا من مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ وَالْأَسْوَاقِ وَاضْطِمَامِ الرِّفَاقِ وَأَيْنَ كان اجْتِمَاعُهُمْ لما ( ( ( بما ) ) ) يَجْمَعُ من ذلك من طَاعَتِهِمْ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وَأَنَّ مَعْنَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ كَمَعْنَى رَفْعِهِ بِالْأَذَانِ الذي لَا يَسْمَعُهُ شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ له بِهِ وَإِنَّ في ذلك تَنْبِيهًا لِلسَّامِعِ له يُحْدِثُ له الرَّغْبَةَ في الْعَمَلِ لِلَّهِ بِنَفْسِهِ وَلِسَانِهِ أو بَعْضِهَا وَيُؤْجَرُ له الْمُنَبِّهُ له إلَيْهِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَهَذِهِ تَلْبِيَةٌ كَتَلْبِيَتِهِ التي رُوِيَتْ عنه وَأَخْبَرَ أَنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ لَا عَيْشُ الدُّنْيَا وَلَا ما فيها وَلَا يَضِيقُ على أَحَدٍ في مِثْلِ ما قال بن عُمَرَ وَلَا غَيْرِهِ من تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ مع التَّلْبِيَةِ غير أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ ما رَوَى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من التَّلْبِيَةِ وَلَا يَصِلَ بها شيئا إلَّا ما ذُكِرَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيُعَظِّمُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ بَعْدَ قَطْعِ التَّلْبِيَةِ
أخبرنا سَعِيدٌ عن الْقَاسِمِ بن مَعْنٍ عن مُحَمَّدِ بن عَجْلَانَ عن عبد اللَّهِ بن أبي سَلَمَةَ أَنَّهُ قال سمع سَعْدٌ بَعْضَ بَنِي أَخِيهِ وهو يُلَبِّي يا ذَا الْمَعَارِجِ فقال سَعْدٌ الْمَعَارِجُ إنَّهُ لِذُو الْمَعَارِجِ وما هَكَذَا كنا نُلَبِّي على عَهْدِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم - * بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكُ بن أَنَسٍ عن عبد اللَّهِ بن أبي بَكْرِ بن مُحَمَّدِ بن عَمْرِو بن حَزْمٍ عن عبد الْمَلِكِ بن أبي بَكْرِ بن عبد الرحمن بن الحرث بن هِشَامٍ عن خَلَّادِ بن السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ عن أبيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أو من مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ أو بِالْإِهْلَالِ يُرِيدُ أَحَدَهُمَا

(2/156)


- * بَابُ الْخِلَافِ في رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ في الْمَسَاجِدِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبَلَغَنِي عن مُحَمَّدِ بن الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُلَبِّي الْمُحْرِمُ وهو جُنُبٌ فقال نعم + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالتَّلْبِيَةُ ذِكْرٌ من ذِكْرِ اللَّهِ عز وجل فَيُلَبِّي الْمَرْءُ طَاهِرًا وَجُنُبًا وَغَيْرَ مُتَوَضِّئٍ وَالْمَرْأَةُ حَائِضًا وَجُنُبًا وَطَاهِرًا وفي كل حَالٍ وقد قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِعَائِشَةَ وَعَرَكَتْ افْعَلِي ما يَفْعَلُ الْحَاجُّ غير أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَالتَّلْبِيَةُ مِمَّا يَفْعَلُ الْحَاجُّ - * بَابُ ما يُسْتَحَبُّ من الْقَوْلِ في أَثَرِ التَّلْبِيَةِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) أستحب إذَا سَلَّمَ المصلى أَنْ يلبى ثَلَاثًا وأستحب إذَا فَرَغَ من التَّلْبِيَةِ أَنْ يُتْبِعَهَا الصَّلَاةَ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيَسْأَلَ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ وَالتَّعَوُّذَ من النَّارِ اتِّبَاعًا وَمَعْقُولًا أَنَّ الْمُلَبِّيَ وَافِدُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ مَنْطِقَهُ بِالتَّلْبِيَةِ مَنْطِقُهُ بِإِجَابَةِ دَاعِي اللَّهِ وَأَنَّ تَمَامَ الدُّعَاءِ وَرَجَاءَ إجَابَتِهِ الصَّلَاةُ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى في إثْرِ كَمَالِ ذلك بِالصَّلَاةِ على النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْجَنَّةَ وَيَتَعَوَّذَ من النَّارِ فإن ذلك أَعْظَمُ ما يَسْأَلُ وَيَسْأَلُ بَعْدَهَا ما أَحَبَّ
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن مُحَمَّدٍ عن صَالِحِ بن مُحَمَّدِ بن زَائِدَةَ عن عُمَارَةَ بن خُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ عن أبيه عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ كان إذَا فَرَغَ من تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَاسْتَعْفَاهُ بِرَحْمَتِهِ من النَّارِ
أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بن مُحَمَّدٍ كان يَأْمُرُ إذَا فَرَغَ من التَّلْبِيَةِ أَنْ يصلى على مُحَمَّدٍ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَإِنْ قال قَائِلٌ لَا يَرْفَعُ الملبى صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ في مَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ إلَّا في مَسْجِدِ مَكَّةَ وَمِنًى فَهَذَا قَوْلٌ يُخَالِفُ الحديث ثُمَّ لَا يَكُونُ له مَعْنًى يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ إلَيْهِ أَحَدٌ إذْ حكى عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ فَمَتَى كانت التَّلْبِيَةُ من الرَّجُلِ فَيَنْبَغِي له أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بها وَلَوْ جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ يَرْفَعُهَا في حَالٍ دُونَ حَال جَازَ عليه أَنْ يَقُولَ يَرْفَعُهَا حَيْثُ زَعَمْت أَنَّهُ يَخْفِضَهَا وَيَخْفِضَهَا حَيْثُ زَعَمْت أَنَّهُ يَرْفَعُهَا وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِأَحَدٍ وفي حديث بن سَابِطٍ عن السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَدَعُونَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ اضْطِمَامِ الرِّفَاقِ دَلِيلٌ على أَنَّهُمْ وَاظَبُوا عليها عِنْدَ اجْتِمَاعِ الناس وإذا تَحَرَّوْا اجْتِمَاعَ الناس على الطَّرِيقِ كانت الْمَسَاجِدُ أَوْلَى أَنْ يَجْهَرُوا بِذَلِكَ فيها أو في مِثْلِ مَعْنَاهَا أَرَأَيْت الْأَذَانَ أَيُتْرَكُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ في مَسْجِدِ الْجَمَاعَاتِ فَإِنْ قِيلَ لَا لِأَنَّهُ قد أَمَرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ قِيلَ وَكَذَلِكَ التَّلْبِيَةُ بِهِ أَرَأَيْت لو لم يَعْلَمْ أَحَدٌ من هَؤُلَاءِ شيئا أَكَانَتْ التَّلْبِيَةُ تَعْدُو أَنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بها مع الْجَمَاعَاتِ فَكُلُّ جَمَاعَةٍ في ذلك سَوَاءٌ أو يَنْهَى عنها في الْجَمَاعَاتِ لِأَنَّ ذلك يُشْغِلُ المصلى عن صَلَاتِهِ فَهِيَ في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ مِنًى أَوْلَى أَنْ لَا يُرْفَعَ عليهم الصَّوْتُ أو مِثْلِ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كان ذلك كَرَاهِيَةَ رَفْعِ الصَّوْتِ في الْمَسَاجِدِ أَدَبًا وَإِعْظَامًا لها فَأَوْلَى الْمَسَاجِدِ أَنْ يُعَظَّمَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ وَمَسْجِدُ مِنًى لِأَنَّهُ في الْحَرَمِ - * بَابُ التَّلْبِيَةِ في كل حَالٍ - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن مُحَمَّدِ بن أبي حُمَيْدٍ عن مُحَمَّدِ بن الْمُنْكَدِرِ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يُكْثِرُ من التَّلْبِيَةِ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كان يُلَبِّي رَاكِبًا وَنَازِلًا وَمُضْطَجِعًا

(2/157)


- * بَابُ الِاسْتِثْنَاءِ في الْحَجِّ - *
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا سُفْيَانُ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَرَّ بضباعة بِنْتِ الزُّبَيْرِ فقال أَمَّا تُرِيدِينَ الْحَجَّ فقالت إنِّي شَاكِيَةٌ فقال لها حِجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي
أخبرنا سُفْيَانُ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه قال قالت لي عَائِشَةُ هل تَسْتَثْنِي إذَا حَجَجْت فَقُلْت لها مَاذَا أَقُولُ فقالت قُلْ اللَّهُمَّ الْحَجَّ أَرَدْت وَلَهُ عَمَدْت فَإِنْ يَسَّرْت فَهُوَ الْحَجُّ وَإِنْ حَبَسْتَنِي بِحَابِسٍ فَهِيَ عُمْرَةٌ (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ قال اللَّهُ عز وجل { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رؤوسكم ( ( ( رءوسكم ) ) ) حتى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } الْآيَةَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فلم أَسْمَعْ مِمَّنْ حَفِظْت عنه من أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مُخَالِفًا في أَنَّ هذه الْآيَةَ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ حين أُحْصِرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَحَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم نَحَرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلَقَ وَرَجَعَ حَلَالًا ولم يَصِلْ إلَى الْبَيْتِ وَلَا أَصْحَابُهُ إلَّا عُثْمَانَ بن عَفَّانَ وَحْدَهُ وَسَنَذْكُرُ قِصَّتَهُ وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ عز وجل إيَّاهُمْ أَنْ لَا يَحْلِقُوا حتى يَبْلُغَ الهدى مَحِلَّهُ وَأَمْرَهُ من ( ( ( ومن ) ) ) كان بِهِ أَذًى من رَأْسِهِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عُرْوَةَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في الِاسْتِثْنَاءِ لم أُعَدِّهِ إلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدِي خِلَافُ ما ثَبَتَ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَكَانَتْ الْحُجَّةُ فيه أَنْ يَكُونَ المستثني مُخَالِفًا غير المستثني من مُحْصَرٍ بِعَدُوٍّ أو مَرَضٍ أو ذَهَابِ مَالٍ أو خَطَأِ عَدَدٍ أو تَوَانٍ وكان إذَا اشْتَرَطَ فَحُبِسَ بِعَدُوٍّ أو مَرَضٍ أو ذَهَابِ مَالٍ أو ضَعْفٍ عن الْبُلُوغِ حَلَّ في الْمَوْضِعِ الذي حُبِسَ فيه بِلَا هدى وَلَا كَفَّارَةِ غَيْرِهِ وَانْصَرَفَ إلَى بِلَادِهِ وَلَا قَضَاءَ عليه إلَّا أَنْ يَكُونَ لم يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَيَحُجُّهَا وَكَانَتْ الْحُجَّةُ فيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَأْمُرْ بِشَرْطٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ على ما يَأْمُرُ بِهِ وكان حَدِيثُ عُرْوَةَ عن عَائِشَةَ يُوَافِقُهُ في مَعْنَى أنها أَمَرَتْ بِالشَّرْطِ وكان وَجْهُ أَمْرِهَا بِالشَّرْطِ إنْ حُبِسَ عن الْحَجِّ فَهِيَ عُمْرَةٌ أَنْ يَقُولَ إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ عن الْحَجِّ وَوَجَدْت سَبِيلًا إلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ فَهِيَ عُمْرَةٌ وكان مَوْجُودًا في قَوْلِهَا أَنَّهُ لَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ عليه وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَمَنْ لم يُثْبِتْ حَدِيثَ عُرْوَةَ لِانْقِطَاعِهِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم احْتَمَلَ أَنْ يَحْتَجَّ في حديث عَائِشَةَ لِأَنَّهَا تَقُولُ إنْ كان حَجٌّ وَإِلَّا فَهِيَ عُمْرَةٌ وقال أَسْتَدِلُّ بانها لم تَرَهُ يَحِلُّ إلَّا بِالْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ وَلَوْ كانت إذَا ابْتَدَأَتْ أَنْ تَأْمُرَهُ بِشَرْطٍ رَأَتْ له أَنْ يَحِلَّ بِغَيْرِ وُصُولٍ إلَى الْبَيْتِ أَمَرَتْهُ بِهِ وَذَهَبَ إلَى أَنَّ الِاشْتِرَاطَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ وَذَهَبَ إلَى أَنَّ على الْحَاجِّ الْقَضَاءُ إذَا حَلَّ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ كما روى عن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ فِيمَنْ قال هذا أَنْ يُدْخِلَ عليه خِلَافَ عَائِشَةَ إذْ أَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ وَالْجَمْعُ بين من اشْتَرَطَ ولم يَشْتَرِطْ فَلَا يَكُونُ لِلشَّرْطِ مَعْنًى وَهَذَا مِمَّا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ تَعَالَى فيه وَلَوْ جَرَّدَ أَحَدٌ خِلَافَ عَائِشَةَ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ عُمَرَ فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ وَيَهْدِي وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا يَذْهَبُ إلَى إبْطَالِ الشَّرْطِ وَلَيْسَ يَذْهَبُ في إبْطَالِهِ إلَى شَيْءٍ عَالٍ أَحْفَظُهُ
أخبرنا مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عن الِاسْتِثْنَاءِ في الْحَجِّ فَأَنْكَرَهُ وَمَنْ أَبْطَلَ الِاسْتِثْنَاءَ فَعَمِلَ رَجُلٌ بِهِ فَحَلَّ من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ فَأَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ جَعَلَهُ مُفْسِدًا وَجَعَلَ عليه الْكَفَّارَةَ فِيمَا أَصَابَ وَأَنْ يَعُودَ حَرَامًا حتى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمَّ يَقْضِيَ حَجًّا إنْ كان أَحْرَمَ بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ إنْ كان أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ - * بَابُ الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ - *

(2/158)


بِفِدْيَةٍ سَمَّاهَا وقال عز وجل { فإذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ } الْآيَةَ وما بَعْدَهَا يُشْبِهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ لَا يَكُونَ على الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ قَضَاءٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يذكر عليه قَضَاءً وَذَكَرَ فَرَائِضَ في الْإِحْرَامِ بَعْدَ ذِكْرِ أَمْرِهِ ( قال ) وَاَلَّذِي أَعْقِلُ في أَخْبَارِ أَهْلِ الْمَغَازِي شَبِيهٌ بِمَا ذَكَرْت من ظَاهِرِ الْآيَةِ وَذَلِكَ أَنَّا قد عَلِمْنَا في متواطيء ( ( ( متواطئ ) ) ) أَحَادِيثِهِمْ أَنْ قد كان مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ رِجَالٌ يُعْرَفُونَ بِأَسْمَائِهِمْ ثُمَّ اعْتَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَتَخَلَّفَ بَعْضُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ من غَيْرِ ضَرُورَةٍ في نَفْسٍ وَلَا مَالٍ عَلِمْته وَلَوْ لَزِمَهُمْ الْقَضَاءُ لَأَمَرَهُمْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ لَا يَتَخَلَّفُوا عنه وما تَخَلَّفُوا عن أَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وفي تَوَاطُؤٍ أخبار ( ( ( أخبر ) ) ) أَهْلُ الْمَغَازِي وما وَصَفْت من تَخَلُّفِ بَعْضِ من أَحُصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَالْحُدَيْبِيَةِ مَوْضِعٌ من الْأَرْضِ منه ما هو في الْحِلِّ وَمِنْهُ ما هو في الْحَرَمِ فَإِنَّمَا نحر ( ( ( نجر ) ) ) الهدى عِنْدَنَا في الْحِلِّ وَفِيهِ مَسْجِدُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الذي بُويِعَ فيه تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل { لقد رضي اللَّهُ عن الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَك تَحْتَ الشَّجَرَةِ } فَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ فَنَقُولُ من أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ حَلَّ حَيْثُ يُحْبَسُ في حِلٍّ كان أو حَرَمٍ وَنَحَرَ أو ذَبَحَ هَدْيًا وَأَقَلُّ ما يَذْبَحُ شَاةٌ فَإِنْ اشْتَرَكَ سَبْعَةٌ في بَدَنَةٍ أو بَقَرَةٍ أَجْزَأَتْهُمْ أَخْرَجُوا مَعًا ثَمَنَهَا أو أَحَدُهُمْ وَوَهَبَ لهم حِصَصَهُمْ منها قبل ذَبْحِهَا فَذَبَحُوهَا فَأَمَّا إنْ ذَبَحَهَا ثُمَّ وَهَبَ لهم حِصَصَهُمْ منها فَهِيَ له وَلَا تَجْزِيهِمْ وَلَا قَضَاءَ على الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ إذَا خَرَجَ من إحْرَامِهِ وَالْحَصْرُ قَائِمٌ عليه فَإِنْ خَرَجَ من إحْرَامِهِ وَالْعَدُوُّ بِحَالِهِ ثُمَّ زَالَ الْعَدُوُّ قبل أَنْ يَنْصَرِفَ فَكَانُوا على رَجَاءٍ من الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ بِإِذْنِ الْعَدُوِّ لهم أو زَوَالِهِمْ عن الْبَيْتِ أَحْبَبْت أَنْ لَا يُعَجِّلُوا بِالْإِحْلَالِ وَلَوْ عَجَّلُوا بِهِ ولم يَنْتَظِرُوا جَازَ لهم إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ أَقَامَ الْمُحْصَرُ مُتَأَنِّيًا لِأَيِّ وَجْهٍ ما كان أو مُتَوَانِيًا في الْإِحْلَالِ فَاحْتَاجَ إلَى شَيْءٍ مِمَّا عليه فيه الْفِدْيَةُ فَفَعَلَهُ افْتَدَى لِأَنَّ فِدْيَةَ الْأَذَى نَزَلَتْ في كَعْبِ بن عُجْرَةَ وهو مُحْصَرٌ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما قَوْلُ اللَّهِ عز وجل في الْحُدَيْبِيَةِ { حتى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } قِيلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا السُّنَّةُ فَتَدُلُّ على أَنَّ مَحِلَّهُ في هذا الْمَوْضِعِ نَحْرُهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَحَرَ في الْحِلِّ فَإِنْ قال فَقَدْ قال اللَّهُ عز وجل في الْبُدْنِ { ثُمَّ مَحِلُّهَا إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ } قِيلَ ذلك إذَا قَدَرَ على أَنْ يَنْحَرَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَهُوَ مَحِلُّهَا فَإِنْ قال فَهَلْ خَالَفَك أَحَدٌ في هدى الْمُحْصَرِ قِيلَ نعم عَطَاءُ بن أبي رَبَاحٍ كان يَزْعُمُ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نَحَرَ في الْحَرَمِ فَإِنْ قال فبأى شَيْءٍ رَدَدْت ذلك وَخَبَرُ عَطَاءٍ وَإِنْ كان مُنْقَطِعًا شَبِيهٌ بِخَبَرِك عن أَهْلِ الْمَغَازِي قُلْت عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ يَذْهَبُونَ إلَى أَنْ مَحَلَّ الهدى وَغَيْرُهُ مِمَّنْ خَالَفَنَا يقول لَا يَحِلُّ الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ وَلَا مَرَضٍ حتى يَبْلُغَ الهدى الْحَرَمَ فَيُنْحَرُ فيه لِمَا وَصَفْت من ذِكْرِهِمْ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَنْحَرْ إلَّا في الْحَرَمِ فَإِنْ قال فَهَلْ من شَيْءٍ يُبَيِّنُ ما قُلْت قُلْت نعم إذَا زَعَمُوا وَزَعَمْنَا أَنَّ الْحَرَمَ مُنْتَهَى الهدى بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ نَحَرَ فيه فَقَدْ أَجْزَأَ عنه وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ على أَنَّ هدى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَبْلُغْ الْحَرَمَ فَإِنْ قال وَأَيْنَ ذلك قُلْت قال اللَّهُ عز وجل { هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عن الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } فَإِنْ قال قَائِلٌ فإن اللَّهَ عز وجل يقول { حتى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } قُلْت اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَحَلِّهِ هَا هُنَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إذَا أُحْصِرَ نَحْرُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ كما وَصَفْت وَمَحَلُّهُ في غَيْرِ الْإِحْصَارِ الْحَرَمُ وهو كَلَامٌ عَرَبِيٌّ وَاسِعٌ وَخَالَفَنَا بَعْضُ الناس فقال الْمُحْصَرُ بِالْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَلَهُمَا الْخُرُوجُ من الْإِحْرَامِ وقال عُمْرَةُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم التي اعْتَمَرَ بَعْدَ حَصْرِهِ قَضَاءُ عُمْرَتِهِ التي أُحْصِرَ بها أَلَا تَرَى أنها تُسَمَّى عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَعُمْرَةَ الْقِصَاصِ فَقِيلَ لِبَعْضِ من قال هذا الْقَوْلَ إنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ وَاسِعٌ فَهِيَ تَقُولُ اقْتَضَيْت ما صُنِعَ بِي
____________________

(2/159)


وَاقْتَصَصْت ما صُنِعَ بِي فَبَلَغْت ما مُنِعْت مِمَّا يَجِبُ لي وما لَا يَجِبُ عَلَيَّ أَنْ أَبْلُغَهُ وَإِنْ وَجَبَ لي (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال فَهَذَا قَوْلُ رَجُلٍ لَا يَلْزَمُنِي قَوْلُهُ قُلْت ما زَعَمْنَا أَنَّ قَوْلَهُ يَلْزَمُك لَوْلَا دَلَالَةُ الْقُرْآنِ وَأَخْبَارُ أَهْلِ الْمَغَازِي وما تَدُلُّ عليه السُّنَّةُ فقال قد سَمِعْت ما ذَكَرْت من السُّنَّةِ ولم تُسْنِدْ فيه حَدِيثًا بَيِّنًا فَقُلْت وَلَا أنت أَسْنَدْت فيه حَدِيثًا في أَنَّ عُمْرَةَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يُقَالُ لها عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَإِنَّمَا عِنْدَك فيها أَخْبَارُهُمْ فَكَانَ لي دَفْعُ ما عَلِمْت ولم تُقِمْ فيه حَدِيثًا مُسْنَدًا مِمَّا يَثْبُتُ على الِانْفِرَادِ ولم يَكُنْ إذَا كان مَعْرُوفًا مُتَوَاطِئًا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي فَإِنْ لم يَكُنْ لي دَفْعُك عنه بهذا لم يَكُنْ لَك دَفْعِي عن أَنَّهُ تَخَلَّفَ بَعْضُ من شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عن عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ فقال ما يُقْنِعُنِي هذا الْجَوَابُ فَادْلُلْنِي على الدَّلَالَةِ من الْقُرْآنِ قُلْت قال اللَّهُ عز وجل { الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عليه بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } قال فَمِنْ حُجَّتِي أَنَّ اللَّهَ عز وجل قال { قِصَاصٌ } وَالْقِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ بِوَاجِبٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَقُلْت له إنَّ الْقِصَاصَ وَإِنْ كان يَجِبُ لِمَنْ له الْقِصَاصُ فَلَيْسَ الْقِصَاصُ وَاجِبًا عليه أَنْ يَقْتَصَّ قال وما دَلَّ على ذلك قُلْت قال اللَّهُ عز وجل { وَالْجُرُوحُ قِصَاصٌ } أَفَوَاجِبٌ على من جُرِحَ أَنْ يَقْتَصَّ مِمَّنْ جَرَحَهُ أو مُبَاحٌ له أَنْ يَقْتَصَّ وَخَيْرٌ له أَنْ يَعْفُوَ قال له أَنْ يَعْفُوَ وَمُبَاحٌ له أَنْ يَقْتَصَّ وَقُلْت له قال اللَّهُ عز وجل { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عليه بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } فَلَوْ أَنَّ مُعْتَدِيًا مُشْرِكًا اعْتَدَى عَلَيْنَا كان لنا أَنْ نعتدى عليه بِمِثْلِ ما اعْتَدَى عَلَيْنَا ولم يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْنَا أَنْ نَفْعَلَ قال ذلك على ما وَصَفْت فَقُلْت فَهَذَا يَدُلُّك على ما وَصَفْت وما قال مُجَاهِدٌ من أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَقَصَّهُ منهم فَدَخَلَ عليهم في مِثْلِ الشَّهْرِ الذي رَدُّوهُ فيه وَلَيْسَتْ فيه دَلَالَةٌ على أَنَّ دُخُولَهُ كان وَاجِبًا عليه من جِهَةِ قَضَاءِ النُّسُكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَإِنَّمَا يُدْرَكُ الْوَاجِبُ فيه وَغَيْرُ الْوَاجِبِ خَبَرًا وَالْخَبَرُ يَدُلُّ على مِثْلِ ما وَصَفْنَا من أَنَّهُ ليس بِوَاجِبٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ أُحْصِرَ في مَوْضِعٍ كان له أَنْ يَرْجِعَ عن مَوْضِعِهِ الذي أُحْصِرَ فيه وَيَحِلُّ فإذا أَمِنَ بَعْدَ انْصِرَافِهِ كان له أَنْ يُتِمَّ على الِانْصِرَافِ قَرِيبًا كان أو بَعِيدًا إلَّا أَنِّي إذَا أَمَرْته بِالْخُرُوجِ من إحْرَامِهِ عَادَ كَمَنْ لم يُحْرِمْ قَطُّ غير أَنِّي أُحِبُّ له إذَا كان قَرِيبًا أو بَعِيدًا أَنْ يَرْجِعَ حتى يَصِلَ إلَى ما صُدَّ عنه من الْبَيْتِ وَاخْتِيَارِي له في ذلك بِالْقُرْبِ بِأَنَّهُ وَإِنْ كان الرُّجُوعُ له مُبَاحًا فَتَرْكُ الرُّجُوعِ كان فيه وَحْشَةٌ أَكْثَرُ بهذا الْمَعْنَى وَإِنْ كان الرَّاجِعُ من بُعْدٍ أَعْظَمَ أَجْرًا وَلَوْ أَبَحْت له أَنْ يَذْبَحَ وَيَحْلِقَ وَيَحِلَّ وَيَنْصَرِفَ فَذَبَحَ ولم يَحْلِقْ حتى يَزُولَ الْعَدُوُّ لم يَكُنْ له الْحِلَاقُ وكان عليه الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ لم يَحِلَّ حتى صَارَ غير مَحْصُورٍ وهو مَأْجُورٌ في الذَّبْحِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا قَوْلُ من يقول لَا يَكْمُلُ إحْلَالُ الْمُحْرِمِ إلَّا بِالْحِلَاقِ وَمَنْ قال يَكْمُلُ إحْلَالُهُ قبل الْحِلَاقِ وَالْحِلَاقُ أَوَّلُ الْإِحْلَالِ قال إذَا ذَبَحَ فَقَدْ حَلَّ وَلَيْسَ عليه إذَا ذَبَحَ أَنْ يَمْضِيَ على وَجْهِهِ وَلَوْ أُحْصِرَ وَمَعَهُ هدى قد سَاقَهُ مُتَطَوِّعًا بِهِ أو وَاجِبًا عليه قبل الْإِحْصَارِ فَلَهُ ذَبْحُهُ في مَكَانِهِ كما ذَبَحَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هَدْيَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وقد أَوْجَبَهُ قبل أَنْ يُحْصَرَ وإذا كان عليه أَنْ يَحِلَّ بِالْبَيْتِ فَمَنَعَهُ فَحَلَّ دُونَهُ بِالْعُذْرِ كان كَذَلِكَ الهدى أَوْلَى أَنْ يَكُونَ له نَحْرُهُ حَيْثُ حُبِسَ وَعَلَيْهِ الهدى لِإِحْصَارِهِ سِوَى ما وَجَبَ قبل أَنْ يُحْصَرَ من هدى وَجَبَ عليه بِكُلِّ حَالٍ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ وَجَبَ عليه هدى في فَوْرِهِ ذلك فلم يَكُنْ معه كان له أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيَذْبَحَهُ مَكَانَهُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَاَلَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ من هذا أنها إنَّمَا سُمِّيَتْ عُمْرَةَ الْقِصَاصِ وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ عز وجل اقْتَصَّ لِرَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَدَخَلَ عليهم كما مَنَعُوهُ لَا على أَنَّ ذلك وَجَبَ عليه قال أَفَتَذْكُرُ في ذلك شيئا فَقُلْت نعم أخبرنا سُفْيَانُ عن مُجَاهِدٍ

(2/160)


وَلَوْ كان وَجَبَ عليه قبل ذلك كان ذلك له وَلَوْ أَخَّرَ هَدْيَهُ لِيَبْعَثَ بِهِ إذَا ذَهَبَ الْحَصْرُ كان أَحَبَّ إلى لِأَنَّهُ شَيْءٌ لم يَجِبْ عليه في فَوْرِهِ وَتَأْخِيرُهُ بَعْدَ فَوْرِهِ كَتَأْخِيرِهِ بعد ما وَجَبَ عليه ( قال ) وَلَوْ أُحْصِرَ وَلَا هدى معه اشْتَرَى مَكَانَهُ هَدْيًا وَذَبَحَهُ وَحَلَّ وَلَوْ وُهِبَ له أو مَلَكَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ ما كان فَذَبَحَهُ أَجْزَأَ عنه فَإِنْ كان مُوسِرًا لَأَنْ يَشْتَرِيَ هَدْيًا ولم يَجِدْ هَدْيًا مَكَانَهُ أو مُعْسِرًا بهدى وقد أُحْصِرَ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا يَحِلُّ إلَّا بهدى وَالْآخَرُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَأْتِيَ بِمَا يَقْدِرُ عليه فإذا لم يَقْدِرْ على شَيْءٍ خَرَجَ مِمَّا عليه وكان عليه أَنْ يأتى بِهِ إذَا قَدَرَ عليه وَمَنْ قال هذا قال يَحِلُّ مَكَانَهُ وَيَذْبَحُ إذَا قَدَرَ فَإِنْ قَدَرَ على أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ بِمَكَّةَ لم يَجُزْ أَنْ يَذْبَحَ إلَّا بها وَإِنْ لم يَقْدِرْ ذَبَحَ حَيْثُ يَقْدِرُ ( قال ) وَيُقَالُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا هدى وَيُقَالُ يُجْزِئْهُ إذَا لم يَجِدْ هَدْيًا إطْعَامٌ أو صِيَامٍ فَإِنْ لم يَجِدْ الطَّعَامَ كان كَمَنْ لم يَجِدْ الهدى وَإِنْ لم يَقْدِرْ على الصِّيَامِ كان كَمَنْ لم يَجِدْ هَدْيًا وَلَا طَعَامًا وإذا قَدَرَ أَدَّى أَيَّ هذا كان عليه وَإِنْ أُحْصِرَ عَبْدٌ قد أَذِنَ له سَيِّدُهُ في الْحَجِّ وَالْعَبْدُ لَا مَالَ له وَعَلَيْهِ الصَّوْمُ تُقَوَّمُ له الشَّاةُ دَرَاهِمَ ثُمَّ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا ثُمَّ يَصُومُ عن كل مُدٍّ يَوْمًا وَالْقَوْلُ في إحْلَالِهِ قبل الصَّوْمِ وَاحِدٌ من قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَحِلَّ قبل الصَّوْمِ وَالْآخَرُ لَا يَحِلُّ حتى يَصُومَ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُهُمَا بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ إذَا أُمِرَ بِالْخُرُوجِ من الْإِحْرَامِ وَالرُّجُوعِ لِلْخَوْفِ أَشْبَهَ أَنْ لَا يُؤْمَرَ بِالْمُقَامِ على الْخَوْفِ لِلصَّوْمِ وَالصَّوْمُ يَجْزِيهِ في كل مَوْضِعٍ وإذا أُحْصِرَ رَجُلٌ أو امْرَأَةٌ أو عَدَدٌ كَثِيرٌ بِعَدُوٍّ مُشْرِكِينَ كَالْعَدُوِّ الذي أُحْصِرَ بِهِمْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَصْحَابُهُ فَكَانَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ على قِتَالِهِمْ أو لم تَكُنْ كان لهم الِانْصِرَافُ لِأَنَّ لهم تَرْكُ الْقِتَالِ إلَّا في النَّفِيرِ أو أَنْ يَبْدَءُوا بِالْقِتَالِ وَإِنْ كان النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الرُّجُوعَ عَنْهُمْ اخْتَرْت ذلك لهم وَإِنْ كان النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ قتالهم ( ( ( قتلاهم ) ) ) اخْتَرْت قِتَالَهُمْ وَلُبْسَ السِّلَاحِ وَالْفِدْيَةِ وإذا أَحُصِرُوا بِغَيْرِ مُشْرِكِينَ اخْتَرْت الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ بِكُلِّ حَالٍ بَعْدَ الْإِحْلَالِ من الْإِحْصَارِ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّ الْإِحْصَارَ بِالْمُسْلِمِينَ إحْصَارٌ يَحِلُّ بِهِ الْمُحْرِمُ إذْ كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إنَّمَا أُحْصِرَ بِمُشْرِكِينَ قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ اللَّهُ الْإِحْصَارَ بِالْعَدُوِّ مُطْلَقًا لم يُخَصِّصْ فيه إحْصَارًا بِكَافِرٍ دُونَ مُسْلِمٍ وكان الْمَعْنَى الذي ( ( ( للذي ) ) ) في الشِّرْكِ الْحَاضِرِ الذي أَحَلَّ بِهِ الْمُحْصَرُ الْخُرُوجَ من الْإِحْرَامِ خَوْفًا أَنْ يَنَالَ الْعَدُوُّ من الْمُحْرِمِ ما يَنَالُ عَدُوُّهُ فَكَانَ مَعْقُولًا في نَصِّ السُّنَّةِ أَنَّ من كان بِهَذِهِ الْحَالِ كان لِلْمُحْرِمِ عُذْرٌ بِأَنْ يَخْرُجَ من إحْرَامِهِ بِهِ
أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ في الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا فقال إنْ صُدِدْت عن الْبَيْتِ صَنَعْنَا كما صَنَعْنَا مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) يعنى أَحْلَلْنَا كما أَحْلَلْنَا مع رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَوْلُ بن عُمَرَ هذا في مِثْلِ الْمَعْنَى الذي وَصَفْت لِأَنَّهُ إنَّمَا كان بِمَكَّةَ بن الزُّبَيْرِ وَأَهْلُ الشَّامِ فَرَأَى أَنَّهُمْ إنْ مَنَعُوهُ أو خَافَهُمْ إنْ لم يَمْنَعُوهُ أَنْ يُنَالَ في غِمَارِ الناس فَهُوَ في حَالِ من أُحْصِرَ فَكَانَ له أَنْ يَحِلَّ وَإِنْ أُحْصِرَ بِمُشْرِكِينَ أو غَيْرِهِمْ فَأَعْطَوْهُمْ الْأَمَانَ على أَنْ يَأْذَنُوا لهم في أَنْ يَحِلُّوا لم يَكُنْ لهم الرُّجُوعُ وَكَانُوا كَغَيْرِ مُحْصَرِينَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا مِمَّنْ لَا يُوثَقُ بِأَمَانِهِ وَيُعْرَفُ غَدْرُهُمْ فَيَكُونُ لهم الِانْصِرَافُ إذَا كَانُوا هَكَذَا بَعْدَ الْإِحْلَالِ وَلَوْ كَانُوا مِمَّنْ يُوثَقُ بِأَمَانِهِ بَعْدُ فَأَعْطَوْهُ أَنْ يَدْخُلَ فَيَحِلُّ على جُعْلٍ قَلِيلٍ أو كَثِيرٍ لم أَرَ أَنْ يُعْطُوهُمْ شيئا لِأَنَّ لهم عُذْرًا في الْإِحْصَارِ يَحِلُّ لهم بِهِ الْخُرُوجُ من الْإِحْرَامِ وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَنَالَ مُشْرِكٌ من مُسْلِمٍ أَخْذَ شَيْءٍ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ الْمَأْخُوذُ منهم الصَّغَارَ وَلَوْ فَعَلُوا ما حُرِّمَ ذلك عليهم وَإِنْ كَرِهْته لهم كما لَا يَحْرُمُ عليهم ما وَهَبُوا الْمُشْرِكِينَ من أَمْوَالِهِمْ وَمُبَاحٌ لِلْمُحْصَرِ قِتَالُ من مَنَعَهُ من الْبَيْتِ من الْمُشْرِكِينَ وَمُبَاحٌ له الأنصراف عَنْهُمْ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قد فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ فَقَاتَلَهُم

(2/161)


وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ وَلَوْ قَاتَلَهُمْ الْمُحْصَرُ فَقَتَلَ وَجَرَحَ وَأَصَابَ دَوَابَّ أنسية فَقَتَلَهَا لم يَكُنْ عليه في ذلك غُرْمٌ وَلَوْ قَاتَلَهُمْ فَأَصَابَ لهم صَيْدًا يَمْلِكُونَهُ جَزَاهُ بمثله ولم يَضْمَنْ لهم شيئا وَلَوْ كان الصَّيْدُ لِمَنْ هو بين ظَهْرَانِيهِمْ من الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُهُمْ فَأَصَابَهُ جَزَاهُ بمثله وَضَمِنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ بِدَارِ حَرْبٍ فَيُبَاحُ ما فيها وَلَوْ كان الْوَحْشُ لِغَيْرِ مَالِكٍ جَزَاهُ الْمُحْرِمُ بمثله إنْ شَاءَ مَكَانَهُ لِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِدْيَةَ الرَّأْسِ في مَكَانِهِ وَأَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بها كَعْبًا وَجَعَلَ الهدى في مَكَانِهِ وَنَحَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ما سَاقَ من الهدى تَطَوُّعًا في مَكَانِهِ فَيَكُونُ حَالُ الْإِحْصَارِ غير حَالِ الْوُصُولِ وَلَوْ كَرِهْت أَنْ يُوَصِّلَهُ إلَى الْبَيْتِ لم أَكْرَهْ ذلك إلَّا لَأَنْ يَحْدُثَ عليه حَدَثٌ فَلَا يقضي عنه وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ فَأَرَادُوا الْإِحْلَالَ ثُمَّ قَاتَلُوهُمْ لم أَرَ بِذَلِكَ بَأْسًا وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ غير مُقِيمِينَ بِمَكَّةَ أو في الْمَوْضِعِ الذي أُحْصِرُوا فيه فَكَانَ الْمُحْرِمُ يُؤَمِّلُ انْصِرَافَهُمْ وَيَأْمَنُهُمْ في مَكَانِهِ لم أَرَ أَنْ يَنْصَرِفَ أَيَّامًا ثَلَاثًا وَلَوْ زَادَ كان أَحَبَّ إلى وَلَوْ انْصَرَفَ بَعْدَ إحْلَالِهِ ولم يُتِمَّ ثَلَاثًا جَازَ له ذلك لِأَنَّ مَعْنَى انْصِرَافِ الْعَدُوِّ مُغَيَّبٌ وقد يُرِيدُونَ الِانْصِرَافَ ثُمَّ لَا يَنْصَرِفُونَ وَلَا يُرِيدُونَهُ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وانما كان مُقَامُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْحُدَيْبِيَةِ مُرَاسَلَةَ الْمُشْرِكِينَ وَمُهَادَنَتَهُمْ وَلَوْ أُحْصِرَ قَوْمٌ بِعَدُوٍّ دُونَ مَكَّةَ وكان لِلْحَاجِّ طَرِيقٌ على غَيْرِ الْعَدُوِّ رَأَيْت أَنْ يَسْلُكُوا تِلْكَ الطَّرِيقَ إنْ كَانُوا يَأْمَنُونَ بها ولم يَكُنْ لهم رُخْصَةٌ في الْإِحْلَالِ وَهُمْ يَأْمَنُونَ فيها أَنْ يَصِلُوا إلَى الْبَيْتِ وَيَقْدِرُوا فَإِنْ كانت طَرِيقُهُمْ التي يَأْمَنُونَ فيها بَحْرًا لَا بَرًّا لم يَلْزَمْهُمْ رُكُوبُ الْبَحْرِ لِأَنَّهُ مَخُوفُ تَلَفٍ وَلَوْ فَعَلُوا كان أَحَبَّ إلى وَإِنْ كان طَرِيقُهُمْ بَرًّا وَكَانُوا غير قَادِرِينَ عليه في أَمْوَالِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ كان لهم أَنْ يَحِلُّوا إذَا كَانُوا غير قَادِرِينَ على الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ مُحْصَرِينَ بِعَدُوٍّ فَإِنْ كان طَرِيقُهُمْ بَرًّا يَبْعُدُ وَكَانُوا قَادِرِينَ على الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَبَدَانِ وكان الْحَجُّ يَفُوتُهُمْ وَهُمْ مُحْرِمُونَ لم يَكُنْ لهم أَنْ يَحِلُّوا حتى يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّ أَوَّلَ الْإِحْلَالِ من الْحَجِّ الطَّوَافُ وَالْقَوْلُ في أَنَّ عليهم الْإِعَادَةُ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عليهم وَاحِدٌ من قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا إعَادَةَ لِلْحَجِّ عليهم لِأَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ منه بِعَدُوٍّ وقد جاؤوا بِمَا عليهم مِمَّا قَدَرُوا من الطَّوَافِ وَمَنْ قال هذا قال وَعَلَيْهِمْ هدى لِفَوْتِ الْحَجِّ وهو الصَّحِيحُ في الْقِيَاسِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّ عليهم حَجًّا وَهَدْيًا وَهُمْ كَمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ مِمَّنْ أُحْصِرَ بِغَيْرِ عَدُوٍّ إذَا صَارُوا إلَى الْوُصُولِ إلَى الْبَيْتِ وَلِهَذَا وَجْهٌ وَلَوْ وَصَلُوا إلَى مَكَّةَ وَأُحْصِرُوا فَمُنِعُوا عَرَفَةَ حَلَّوْا بِطَوَافٍ وسعى وَحِلَاقٍ وَذَبْحٍ وكان الْقَوْلُ في هذا كَالْقَوْلِ في الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا وَسَوَاءٌ الْمَكِّيُّ الْمُحْصَرُ إنْ أَقْبَلَ من أُفُقٍ مُحْرِمًا وَغَيْرُ الْمَكِّيِّ يَجِبُ على كُلٍّ ما يَجِبُ على كُلٍّ وَإِنْ أُحْصِرَ الْمَكِّيُّ بِمَكَّةَ عن عَرَفَةَ فَهُوَ كَالْغَرِيبِ يُحْصَرُ بِمَكَّةَ عن عَرَفَةَ يَذْبَحَانِ وَيَطُوفَانِ وَيَسْعَيَانِ وَيَحِلَّانِ وَالْقَوْلُ في قَضَائِهِمَا كَالْقَوْلِ في الْمَسْأَلَتَيْنِ قبل مَسْأَلَتِهِمَا وَلَا يَخْرُجُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا من مَكَّةَ إذَا كان إهلاله بِالْحَجِّ وَلَوْ أَهَلَّا من مَكَّةَ فلم يَطُوفَا حتى أُخْرِجَا منها أو أَحُصِرَا في نَاحِيَتِهِمَا وَمُنِعَا الطَّوَافَ كَانَا كَمَنْ أُحْصِرَ خَارِجًا منها فى الْقِيَاسِ وَلَوْ تَرَبَّصَا لَعَلَّهُمَا يَصِلَانِ إلَى الطَّوَافِ كان احْتِيَاطًا حَسَنًا وَلَوْ أُحْصِرَ حَاجٌّ بَعْدَ عَرَفَةَ بِمُزْدَلِفَةَ أو بِمِنًى أو بِمَكَّةَ فَمَنَعَ عَمَلَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَالطَّوَافَ كان له أَنْ يَذْبَحَ وَيَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ وَيَحِلَّ إذَا كان له الْخُرُوجُ من الْإِحْرَامِ كُلِّهِ كان له الْخُرُوجُ من بَعْضِهِ فَإِنْ كانت حَجَّةَ الْإِسْلَامِ فَحَلَّ إلَّا النِّسَاءَ قَضَى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَإِنْ كانت غير حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فَلَا قَضَاءَ عليه لِأَنَّهُ مُحْصَرٌ بِعَدُوٍّ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَمْسِكَ عن الْإِحْلَالِ حتى يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ فَيَطُوفَ بِهِ وَيُهْرِيقَ دَمًا لِتَرْكِ مُزْدَلِفَةَ وَدَمًا لِتَرْكِ الْجِمَارِ وَدَمًا لِتَرْكِ الْبَيْتُوتَةِ بِمِنًى لَيَالِي مِنًى أَجْزَأَ ذلك عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ مَتَى طَافَ بِالْبَيْتِ وَإِنْ بَعْدَ ذلك لِأَنَّهُ لو فَعَلَ هذا كُلَّهُ بَعْدَ إحْصَارٍ ثُمَّ أَهَرَاقَ له دَمًا أَجْزَأَ عنه من حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ لو أَصَابَ صَيْدًا فَدَاهُ وَإِنَّمَا يَفْسُدُ عليه أَنْ يجزئ عنه من حَجَّةِ
____________________

(2/162)


الْإِسْلَامِ النِّسَاءُ فَقَطْ لِأَنَّ الذي يُفْسِدُ الْحَجَّ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا فَعَلَ فيه وَالْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ وَالْمَحْبُوسُ أَيَّ حَبْسٍ ما كان نَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ منه فَإِنْ كَانُوا مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ فَأَصَابُوا النِّسَاءَ قبل يَحِلُّونَ فَهُمْ مُفْسِدُونَ لِلْحَجِّ وَعَلَيْهِمْ مَعًا بَدَنَةٌ وَحَجٌّ بَعْدَ الْحَجِّ الذي أَفْسَدُوهُ وإذا أَصَابُوا ما فيه الْفِدْيَةُ كانت عليهم الْفِدْيَةُ ما لم يَحِلُّوا فإذا حَلُّوا فَهُمْ كَمَنْ لم يُحْرِمْ - * بَابُ الْإِحْصَارِ بِغَيْرِ حَبْسِ الْعَدُوِّ - * أخبرنا الرَّبِيعُ قال (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) في الرَّجُلِ يُهِلُّ بِالْحَجِّ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ فَيَمْنَعُهُ وَالِدَاهُ أو أَحَدُهُمَا أَرَى وَاسِعًا له أَنْ يَحِلَّ مَحَلَّ الْمُحْصَرِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَهَذَا إذَا كانت حَجَّةُ تَطَوُّعٍ فَأَمَّا الْفَرِيضَةُ إذَا أَهَلَّ بها مَضَى فيها ولم يَكُنْ لِوَاحِدٍ من وَالِدِيهِ مَنْعُهُ بَعْدَ ما لَزِمَتْهُ وَأَهَلَّ بها فَإِنْ قال قَائِلٌ أَرَأَيْت الْعَدُوَّ إذَا كان مَانِعًا مَخُوفًا فَأَذِنْت لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَحِلَّ بِمَنْعِهِ أَفَتَجِدُ أَبَا الرَّجُلِ وَأُمَّهُ وَسَيِّدَ الْعَبْدِ وَزَوْجَ الْمَرْأَةِ في مَعْنَاهُ قِيلَ له نعم هُمْ في مَعْنَاهُ في أَنَّهُمْ مَانِعُونَ وفي أَكْثَرِ من مَعْنَاهُ في أَنَّ لهم الْمَنْعَ وَلَيْسَ لِلْعَدُوِّ الْمَنْعُ وَمُخَالِفُونَ له في أَنَّهُمْ غَيْرُ مَخُوفِينَ خَوْفَهُ فَإِنْ قال كَيْفَ جَمَعْت بَيْنَهُمْ وَهُمْ مُفْتَرِقُونَ في مَعْنًى وَإِنْ اجْتَمَعُوا في مَعْنًى غَيْرِهِ قُلْت اجْتَمَعُوا في مَعْنًى وراد ( ( ( وارد ) ) ) هَؤُلَاءِ أَنَّ لهم الْمَنْعُ وَحَفِظْت عن غَيْرِ وَاحِدٍ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ غير حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ كان لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا وَحَفِظَتْ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ أَنْ تَصُومَ يَوْمًا وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ فَكَانَ هذا على التَّطَوُّعِ دُونَ الفريضه وَكَانَتْ إذَا لم يَحِلَّ لها الصَّوْمُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَكَانَ له أَنْ يُفْطِرَهَا وَإِنْ صَامَتْ لِأَنَّهُ لم يَكُنْ لها الصَّوْمُ وكان هَكَذَا الْحَجُّ وكان سَيِّدُ الْعَبْدِ أَقْدَرَ عليه من زَوْجِ الْمَرْأَةِ على الْمَرْأَةِ وكان حَقُّ أَحَدِ وَالِدَيْ الرَّجُلِ أَعْظَمُ عليه من حَقِّ الزَّوْجِ على الْمَرْأَةِ وَطَاعَتُهُمَا أَوْجَبَ فَبِهَذَا قُلْت ما وَصَفْت - * بَابُ الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فما اسْتَيْسَرَ من الْهَدْيِ } + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فلم أَسْمَعْ مُخَالِفًا مِمَّنْ حَفِظْت عنه مِمَّنْ لَقِيت من أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ في أنها نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَذَلِكَ إحْصَارُ عَدُوٍّ فَكَانَ في الْحَصْرِ إذْنُ اللَّهِ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ فيه بِمَا اسْتَيْسَرَ من الهدى ثُمَّ بَيَّنَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ الذي يَحِلُّ منه الْمُحْرِمُ الْإِحْصَارُ بِالْعَدُوِّ فَرَأَيْت أَنَّ الْآيَةَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ عَامَّةٌ على كل حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ إلَّا من اسْتَثْنَى اللَّهُ ثُمَّ سَنَّ فيه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم من الْحَصْرِ بِالْعَدُوِّ وكان الْمَرِيضُ عِنْدِي مِمَّنْ عليه عُمُومُ الْآيَةِ وَقَوْلُ بن عَبَّاسٍ وبن عُمَرَ وَعَائِشَةَ يُوَافِقُ مَعْنَى ما قُلْت وَإِنْ لم يَلْفِظُوا بِهِ إلَّا كما حَدَّثَ عَنْهُمْ
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن بن طَاوُسٍ عن أبيه عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) قَوْلُ بن عَبَّاسٍ لَا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ لَا حَصْرَ يَحِلُّ منه الْمُحْصَرُ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ كَأَنَّهُ يُرِيدُ مِثْلَ الْمَعْنَى الذي وَصَفْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
أخبرنا مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عن سَالِمِ بن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ عن أبيه أَنَّهُ قال من حُبِسَ دُونَ الْبَيْتِ بِمَرَضٍ فإنه لَا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
أخبرنا مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ عن سَالِمٍ عن أبيه أَنَّهُ قال الْمُحْصَرُ لَا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَهَلَّ بِالْحَجِّ فَحَبَسَهُ سُلْطَانٌ فَإِنْ كان لِحَبْسِهِ غَايَةٌ يَرَى أَنَّهُ يَدْرِك مَعَهَا الْحَجَّ وَكَانَتْ طَرِيقُهُ آمِنَةً بِمَكَّةَ لم يَحْلِلْ فَإِنْ أُرْسِلَ مَضَى وَإِنْ كان حَبْسُهُ مَغِيبًا عنه لَا تُدْرَى غَايَتُهُ أو كانت له غَايَةٌ لَا يَدْرِك مَعَهَا الْحَجَّ إذَا أُرْسِلَ أو لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ إلَى بَلَدِهِ فَلَهُ أَنْ يَحِلَّ كما يَحِلُّ الْمُحْصَرُ وَالْقِيَاسُ في هذا كُلِّهِ أَنَّهُ مُحْصَرٌ كَحَصْرِ الْعَدُوِّ وَمِثْلُهُ الْمَرْأَةُ تُهِلُّ بِالْحَجِّ فَيَمْنَعُهَا زَوْجُهَا وَمِثْلُهَا الْعَبِيدُ يُهِلُّونَ فَيَمْنَعُهُمْ ساداتهم ( ( ( سادتهم ) ) )

(2/163)


وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى شَيْءٍ من لُبْسِ الثِّيَابِ التي لَا بُدَّ له منها صَنَعَ ذلك وَافْتَدَى (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَسَوَاءٌ في هذا كُلِّهِ أَيُّ مَرَضٍ ما كان وَسَوَاءٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ أو ( ( ( فيما ) ) ) لم يَذْهَبْ وَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى دَوَاءٍ يداوى بِهِ دووى وَإِنْ ذَهَبَ عَقْلُهُ فَدَى عنه فِدْيَةَ ذلك الدَّوَاءِ فَإِنْ قال قَائِلٌ كَيْفَ أَمَرْت الذَّاهِبَ الْعَقْلَ أَنْ يفتدى عنه وَالْقَلَمُ مَرْفُوعٌ عنه في حاله ( ( ( حال ) ) ) تِلْكَ قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ إنَّمَا يُدَاوِيه من يَعْقِلُ وَالْفِدْيَةُ لَازِمَةٌ بِأَنَّ فَاعِلَهَا يَعْقِلُ وَهِيَ على الْمُدَاوِي له في مَالِهِ إنْ شَاءَ ذلك الْمُدَاوِي لِأَنَّهَا جِنَايَةٌ من الْمُدَاوِي على الْمُدَاوَى وَإِنْ غَلَبَ الْمُحْرِمُ على عَقْلِهِ فَأَصَابَ صَيْدًا فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ عليه جَزَاءَهُ من قِبَلِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُحْرِمَ بِإِصَابَةِ الصَّيْدِ جَزَاءٌ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ كما يَلْزَمُهُ لو قَتَلَهُ لِرَجُلٍ وَالْقَاتِلُ مَغْلُوبٌ على عَقْلِهِ وَلَوْ أَتْلَفَ لِرَجُلٍ مَالًا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ وَيَحْتَمِلُ حَلْقُهُ شَعْرَهُ هذا الْمَعْنَى في الْوَجْهَيْنِ جميعا وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَا شَيْءَ عليه من قِبَلِ أَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عنه وَأَصْلُ الصَّيْدِ ليس بِمُحَرَّمٍ وَكَذَلِكَ حَلْقُ الشَّعْرِ وَإِنَّمَا جُعِلَ هذا عُقُوبَةٌ على من أَتَاهُ تَعَبُّدًا لِلَّهِ وَالْمَغْلُوبُ على عَقْلِهِ غَيْرُ مُتَعَبِّدٍ في حَالِ غَلَبَتِهِ وَلَيْسَ كَأَمْوَالِ الناس الْمَمْنُوعَةِ بِكُلِّ حَالٍ كَالْمُبَاحِ إلَّا في حَالٍ ( قال ) وَلَوْ أَصَابَ امْرَأَتَهُ احْتَمَلَ الْمَعْنَيَيْنِ وكان أَخَفَّ لِأَنَّهُ ليس في إصَابَتِهِ لِامْرَأَتِهِ إتْلَافٌ لِشَيْءٍ فَأَمَّا طِيبُهُ وَلُبْسُهُ فَلَا شَيْءَ عليه فيه من قِبَلِ أَنَّا نَضَعُهُ عن الْجَاهِلِ الْعَاقِلِ وَالنَّاسِي الْعَاقِلِ وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يُوضَعَ عنه وَذَلِكَ أَنَّهُ ليس في وَاحِدٍ مِنْهُمَا إتْلَافٌ لِشَيْءٍ وقد يَحْتَمِلُ الْجِمَاعَ من الْمَغْلُوبِ الْعَقْلِ أَنْ يُقَاسَ على هذا لِأَنَّهُ ليس بِإِتْلَافِ شَيْءٍ فَإِنْ قال قَائِلٌ أَفَرَأَيْت إذَا غَلَبَ على عَقْلِهِ كَيْفَ لم تَزْعُمْ أَنَّهُ خَارِجٌ من الْإِحْرَامِ كما أَنَّهُ خَارِجٌ من الصَّلَاةِ قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ لِاخْتِلَافِ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَأَيْنَ اخْتِلَافُهُمَا قِيلَ يَحْتَاجُ المصلى إلَى أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا في صَلَاتِهِ عَاقِلًا لها وَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا لها كُلُّهَا لِأَنَّ كُلَّهَا عَمَلٌ لَا يَجْزِيه غَيْرُهُ وَالْحَاجُّ يَجُوزُ له كَثِيرٌ من عَمَلِ الْحَجِّ وهو جُنُبٌ وَتَعْمَلُهُ الْحَائِضُ كُلَّهُ إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَإِنْ قال قَائِلٌ فما أَقَلُّ ما يجزى الْحَاجَّ أَنْ يَكُونَ فيه عَاقِلًا قِيلَ له عَمَلُ الْحَجِّ على ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَنْ يُحْرِمَ وهو يَعْقِلُ وَيَدْخُلُ عَرَفَةَ في وَقْتِهَا وهو يَعْقِلُ وَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وهو يَعْقِلُ فإذا جَمَعَ هذه الْخِصَالَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ فيما بَيْنَهَا فَعَمِلَ عنه أَجْزَأَ عنه حَجُّهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَهَذَا مَكْتُوبٌ في دُخُولِ عَرَفَةَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) في مَكِّيٍّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ من مَكَّةَ أو غَرِيبٍ دَخَلَهَا مُحْرِمًا فَحَلَّ ثُمَّ أَقَامَ بها حتى أَنْشَأَ الْحَجَّ منها فَمَنَعَهُمَا مَرَضٌ حتى فَاتَهُمَا الْحَجُّ يَطُوفَانِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَحْلِقَانِ أو يُقَصِّرَانِ فإذا كان قَابِلٌ حَجَّا وَأَجْزَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَخْرُجَ من الْحَرَمِ إلَى الْحِلِّ لِأَنَّهُمَا لم يَكُونَا مُعْتَمِرَيْنِ قَطُّ إنَّمَا يَخْرُجَانِ بِأَقَلِّ ما يَخْرُجُ بِهِ من عَمَلِ الْحَجِّ إذَا لم يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يَعْمَلَا بِعَرَفَةَ وَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ وَذَلِكَ طَوَافٌ وسعى وَأَخْذٌ من شَعْرِهِ فَإِنْ قال
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) يعنى الْمُحْصَرَ بِالْمَرَضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن عُمَرَ وَمَرْوَان بن الْحَكَمِ وبن الزُّبَيْرِ أَفْتَوْا بن حُزَابَةَ الْمَخْزُومِيَّ وَأَنَّهُ صُرِعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ أَنْ يَتَدَاوَى بِمَا لَا بُدَّ له منه ويفتدى فإذا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ من إحْرَامِهِ وكان عليه أَنْ يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا ويهدى
أخبرنا مَالِكٌ عن أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عن رَجُلٍ من أَهْلِ الْبَصْرَةِ كان قَدِيمًا أَنَّهُ قال خَرَجْت إلَى مَكَّةَ حتى إذَا كُنْت بِالطَّرِيقِ كُسِرَتْ فَخِذِي فَأُرْسِلْت إلَى مَكَّةَ وَبِهَا عبد اللَّهِ بن عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بن عُمَرَ رضي اللَّهُ عنهم ( ( ( عنهما ) ) ) وَالنَّاسُ فلم يُرَخِّصْ لي أَحَدٌ في أَنْ أَحِلَّ فَأَقَمْت على ذلك الْمَاءِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ ثُمَّ حَلَلْت بِعُمْرَةٍ
أخبرنا إسْمَاعِيلُ بن عُلَيَّةَ عن رَجُلٍ كان قَدِيمًا وَأَحْسَبُهُ قد سَمَّاهُ وَذَكَرَ نَسَبَهُ وَسَمَّى الْمَاءَ الذي أَقَامَ بِهِ الدَّثْنَةُ وَحَدَّثَ شَبِيهًا بِمَعْنَى حديث مَالِكٍ
أخبرنا مَالِكٌ عن يحيى بن سَعِيدٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ عن عَائِشَةَ أنها كانت تَقُولُ الْمُحْرِمُ لَا يَحِلُّهُ إلَّا الْبَيْتُ

(2/164)


قَائِلٌ فَكَيْفَ بِمَا روى عن عُمَرَ من هذا قِيلَ له على مَعْنَى ما قُلْت إنْ شَاءَ اللَّهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ قال لِسَائِلِهِ اعْمَلْ ما يَعْمَلُ الْمُعْتَمِرُ ولم يَقُلْ له إنَّك مُعْتَمِرٌ وقال له اُحْجُجْ قَابِلًا وَأَهْدِ وَلَوْ انْقَلَبَ إحْرَامُهُ عُمْرَةً لم يَكُنْ عليه حَجٌّ وكان مُدْرِكًا لِلْعُمْرَةِ وفي أَمْرِهِ وَأَمْرِنَا إيَّاهُ بِحَجٍّ قَابِلٍ دَلَالَةٌ على أَنَّ إحْرَامَهُ حَجٌّ وَأَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ عُمْرَةً وَلَوْ انْقَلَبَ عُمْرَةً لم يَجُزْ أَنْ نأمره ( ( ( تأمره ) ) ) بِحَجٍّ قَابِلٍ قَضَاءً وَكَيْفَ يَقْضِي ما قد انْقَلَبَ عنه وَلَكِنْ أمره بِالْقَضَاءِ لِأَنَّهُ فَائِتٌ له وقد جاء من فَاتَهُ الْحَجُّ فَسَأَلَ عُمَرَ وهو يَنْحَرُ وَلَا أَشُكُّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ قد دخل الْحَرَمَ قبل طُلُوعِ الْفَجْرِ من لَيْلَةِ النَّحْرِ فَلَوْ كان حَجُّهُ صَارَ عُمْرَةً حين طَلَعَ الْفَجْرُ من لَيْلَةِ النَّحْرِ وكان الْحَجُّ فَائِتًا لَأَمَرَهُ عُمَرَ أَنْ يَخْرُجَ بِنَفْسِهِ إلَى الْحِلِّ فَيُلَبِّيَ منه وَلَكِنَّهُ كما وَصَفْت إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا كَقَوْلِ من قال صَارَ عُمْرَةً وَإِنَّمَا قَوْلُ من قال صَارَ عُمْرَةً بِغَلَطٍ إلَى قَوْلِهِ يعنى صَارَ عَمَلُهُ عُمْرَةً وَسَقَطَ بَعْضُ عَمَلِ الْحَجِّ إذَا فَاتَتْ عَرَفَةُ وَلَوْ كان صَارَ عُمْرَةً أَجْزَأَ عنه من عُمْرَةٍ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَةٍ لو نَذَرَهَا فَنَوَاهَا عِنْدَ فَوْتِ الْحَجِّ له وهو لَا يجزى من وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَمَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ فَحُبِسَ عن الْحَجِّ بِمَرَضٍ أو ذَهَابِ عَقْلٍ أو شَغْلٍ أو تَوَانٍ أو خَطَأِ عَدَدٍ ثُمَّ أَفَاقَ من الْمَرَضِ في حِينِ يَقْدِرُ على إتْيَانِ الْبَيْتِ لم يَحْلِلْ من شَيْءٍ من إحْرَامِهِ حتى يَصِلَ إلَى الْبَيْتِ فَإِنْ أَدْرَكَ الْحَجَّ عَامَهُ الذي أَحْرَمَ فيه لم يَحْلِلْ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ وَإِنْ فَاتَهُ حَجُّ عَامِهِ الذي أَحْرَمَ فيه حَلَّ إذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَحَلَقَ أو قَصَّرَ فَإِنْ كان إهْلَالُهُ بِحَجٍّ فَأَدْرَكَهُ فَلَا شَيْءَ عليه وَإِنْ كان إهْلَالُهُ بِحَجٍّ فَفَاتَهُ خَرَجَ منه بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ أو بَعْدَ ذلك وما اسْتَيْسَرَ من الهدى وَإِنْ كان قَارِنًا فَأَدْرَكَ الْحَجَّ فَقَدْ أَدْرَكَهُ وَالْعُمْرَةَ فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ حَجَّ بِالطَّوَافِ والسعى وَالْحَلْقِ أو التَّقْصِيرِ وكان عليه أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَقْرُونَيْنِ لَا يَزِيدُ على ذلك شيئا كما إذَا فَاتَهُ صَلَاةٌ أو صَوْمٌ أو عُمْرَةٌ أَمَرْنَاهُ أَنْ يَقْضِيَ ذلك بمثله لَا يَزِيدُ على قَضَائِهِ شيئا غَيْرَهُ وإذا فَاتَهُ الْحَجُّ فَجَاءَ بَعْدَ عَرَفَةَ لم يَقُمْ بِمِنًى ولم يَعْمَلْ من عَمَلِ الْحَجِّ شيئا وقد خَرَجَ من عَمَلِ الْحَجِّ مُفْرِدًا كان أو قَارِنًا بِعَمَلِ عُمْرَةٍ من طَوَافٍ وسعى وَحَلْقٍ أو تَقْصِيرٍ وَحَجٌّ قَابِلٌ أَحَبُّ إلى فَإِنْ أَخَّرَ ذلك فَأَدَّاهُ بَعْدُ أَجْزَأَ عنه كما يُؤَخِّرُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَعْوَامًا فَيُؤَدِّيهَا عنه مَتَى أَدَّاهَا وَإِنْ اُضْطُرَّ قبل الْإِحْلَالِ إلَى شَيْءٍ مِمَّا عليه فيه فِدْيَةٌ إذَا كان مُحْرِمًا أو أَصَابَهُ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ وكان إذَا لم يَصِلْ إلَى الْبَيْتِ كَامِلَ الْإِحْرَامِ قبل فَوْتِ الْحَجِّ وَبَعْدَهُ يَجِبُ عليه الْفِدْيَةُ فِيمَا فيه فِدْيَةٌ وَالْفَسَادُ فِيمَا فيه فَسَادٌ لَا يَخْتَلِفُ ذلك لِأَنَّ الْإِحْرَامَ قَائِمٌ عليه وَلَوْ كان مِمَّنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْمَرِيضَ يَحِلُّ بهدى يَبْعَثُ بِهِ فَبَعَثَ بهدى وَنَحْرٍ أو ذَبْحٍ عنه وَحَلَّ كان كَمَنْ حَلَّ ولم يَبْعَثْ بهدى ولم يَنْحَرْ ولم يَذْبَحْ عنه حَرَامًا بِحَالِهِ وَلَوْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ رَجَعَ حَرَامًا بِحَالِهِ وَلَوْ صَحَّ وقد بَعَثَ بهدى فَمَضَى إلَى الْبَيْتِ من فَوْرِهِ ذلك وقد ذَبَحَ الهدى لم يَجُزْ ذلك الهدى عنه من شَيْءٍ وَجَبَ عليه في إحْرَامِهِ فِدْيَةٌ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ لِأَنَّهُ ذَبَحَهُ عَمَّا لَا يَلْزَمُهُ وَلَوْ أَدْرَكَ الهدى قبل أَنْ يَذْبَحَ فَحَبَسَهُ كان ذلك له ما لم يَتَكَلَّمْ بِإِيجَابِهِ وَلَوْ أَدْرَكَ الهدى قبل أَنْ يَنْحَرَ أو يَذْبَحَ وقد أَوْجَبَهُ بِكَلَامٍ يُوجِبُهُ كان وَاجِبًا أَنْ يَذْبَحَ وكان كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وكان كَمَنْ أَوْجَبَهُ تَطَوُّعًا وكان كَمَنْ أَعْتَقَ عن شَيْءٍ لم يَلْزَمْهُ فيه الْعِتْقُ فَالْعِتْقُ مَاضٍ تَطَوُّعًا وَلَوْ لم يُوجِبْ الهدى بِكَلَامٍ وَبَعَثَ بِهِ فَأَدْرَكَهُ قبل أَنْ يَذْبَحَ كان مَالًا من مَالِهِ وَلَوْ لم يُوجِبْهُ بِكَلَامٍ وَقَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ وَبَعَثَ بِهِ فَأَدْرَكَهُ قبل أَنْ يَذْبَحَ فَمَنْ قال نِيَّتُهُ في هَدْيِهِ وَتَجْلِيلِهِ وَتَقْلِيدِهِ وَإِعْلَامِهِ أَيْ عَلَامَاتِ الْحَجِّ أَعْلَمُهُ يُوجِبُهُ عليه كان كَالْكَلَامِ بِهِ وَمَنْ قال هذا الْقَوْلُ أَشْبَهَ أَنْ يُفَرِّقَ بين الْعَمَلِ في نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْعَمَلِ في
____________________

(2/165)


نَفْسِهِ وَمَالِهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآدَمِيِّينَ فلم يُوجِبْ عليه لِلْآدَمِيِّينَ الا ما تَكَلَّمَ بِهِ ولم يَلْزَمْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ إلَّا ما تَكَلَّمَ بِهِ مِمَّا يَكُون فيه الْكَلَامُ وقال فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل تَجْزِيهِ النِّيَّةُ وَالْعَمَلُ كما تَجْزِيهِ في الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ ولم يَتَكَلَّمْ بِفَرْضِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ وَلَا صَوْمٍ وَلَا حَجٍّ إلَّا أَنَّهُ نَوَاهُ وَعَمِلَهُ وَالْمَكِّيُّ يُهِلُّ بِالْحَجِّ من مَكَّةَ أو الْحِلُّ من مِيقَاتٍ أو غَيْرِ مِيقَاتٍ ثُمَّ يَمْرَضُ أو يَغْلِبُ على عَقْلِهِ أو يَفُوتُهُ الْحَجُّ بِأَيِّ وَجْهٍ ما كان مِثْلَ الْغَرِيبِ لَا يُزَايِلُهُ يَحِلُّ بِطَوَافٍ وسعى وَحَلْقٍ أو تَقْصِيرٍ وَيَكُونُ عليه حَجٌّ بَعْدَ حَجِّهِ الذي فَاتَهُ وَأَنْ يهدى ما اسْتَيْسَرَ من الهدى شَاةً - * بَابُ فَوْتِ الْحَجِّ بِلَا حَصْرِ عَدُوٍّ وَلَا مَرَضٍ وَلَا غَلَبَةٍ على الْعَقْلِ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِهَذَا كُلِّهِ نَأْخُذُ وفي حديث يحيى عن سُلَيْمَانَ دَلَالَةٌ عن عُمَرَ أَنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ مُعْتَمِرٍ لَا أَنَّ إحْرَامَهُ عُمْرَةٌ وَإِنْ كان الذي يَفُوتُهُ الْحَجَّ قَارِنًا حَجَّ قَارِنًا وَقَرَنَ وَأَهْدَى هَدْيًا لِفَوْتِ الْحَجِّ وَهَدْيًا لِلْقِرَانِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُحْرِمُ بِالْحَجِّ إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يُقِيمَ إلَى قَابِلٍ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ لم يَكُنْ ذلك له وإذا لم يَكُنْ ذلك له فَهَذَا دَلَالَةٌ على ما قُلْنَا من أَنَّهُ لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ مُهِلًّا بِالْحَجِّ في غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ لِأَنَّ أَشْهُرَ الْحَجِّ مَعْلُومَاتٌ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } فَأَشْبَهَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ حُظِرَ الْحَجُّ في غَيْرِهَا فَإِنْ قال قَائِلٌ فَلِمَ لم تَقُلْ أَنَّهُ يُقِيمُ مُهِلًّا بِالْحَجِّ إلَى قَابِلٍ قِيلَ لِمَا وَصَفْت من الْآيَةِ وَالْأَثَرِ عن عُمَرَ وبن عُمَرَ وما لَا أَعْلَمُ اخْتَلَفُوا فيه وفي هذا دَلَالَةٌ على أَنَّهُ لو كان له أَنْ يُقِيمَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ إلَى أَنْ يَحُجَّ قَابِلًا كان عليه الْمُقَامُ ولم يَكُنْ له الْخُرُوجُ من عَمَلٍ يَقْدِرُ على الْمُقَامِ فيه حتى يُكْمِلَهُ لِأَنَّا رَأَيْنَا كَذَلِكَ الْعُمْرَةَ وَكُلُّ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ كان له الْمُقَامُ فيها كان عليه أَنْ يُقِيمَ فيها حتى يُكْمِلَهَا إذَا كانت مِمَّا يَلْزَمُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَخَالَفَنَا بَعْضُ الناس وَبَعْضُ مَكِّيِّينَا في مَحْبُوسٍ عن الْحَجِّ بِمَرَضٍ فَقَالُوا هو وَالْمُحْصَرُ بعدو ( ( ( بعد ) ) ) لا يَفْتَرِقَانِ في شَيْءٍ وقال ذلك بَعْضُ من لَقِيت منهم وقال يَبْعَثُ الْمُحْصَرُ بالهدى وَيُوَاعِدُهُ الْمَبْعُوثُ بالهدى معه يَوْمًا يَذْبَحُهُ فيه عنه وقال بَعْضُهُمْ يَحْتَاطُ يَوْمًا أو يَوْمَيْنِ بَعْدَ مَوْعِدِهِ ثُمَّ يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ ثُمَّ يَحِلُّ وَيَعُودُ إلَى بَلَدِهِ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ إحْرَامِهِ الذي فَاتَهُ وقال بَعْضُ مَكِّيِّينَا كما فَاتَهُ لَا يَزِيدُ عليه وقال بَعْضُ الناس بَلْ إنْ كان مُهِلًّا بِحَجٍّ قَضَى حَجًّا وَعُمْرَةً لِأَنَّ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ صَارَ عُمْرَةً وَأَحْسَبُهُ قال فَإِنْ كان قَارِنًا فَحَجًّا وَعُمْرَتَيْنِ لِأَنَّ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى من فَاتَهُ الْحَجُّ لَا بِحَصْرِ الْعَدُوِّ وَلَا مَحْبُوسًا بِمَرَضٍ وَلَا ذَهَابِ عَقْلٍ بِأَيِّ وَجْهٍ ما فَاتَهُ من خَطَأِ عَدَدٍ أو إبْطَاءٍ في مَسِيرِهِ أو شَغْلٍ أو تَوَانٍ فَسَوَاءٌ ذلك كُلُّهُ وَالْمَرِيضُ وَالذَّاهِبُ الْعَقْلَ يَفُوتُهُ الْحَجَّ يَجِبُ على كُلٍّ الْفِدْيَةُ وَالْقَضَاءُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْحِلَاقُ أو التَّقْصِيرُ وما وَجَبَ على بَعْضِهِمْ وَجَبَ على كُلٍّ غير أَنَّ الْمُتَوَانِي حتى يَفُوتَهُ الْحَجُّ آثِمٌ إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عنه فَإِنْ قال قَائِلٌ فَهَلْ من أَثَرٍ فِيمَا قُلْت قُلْت نعم في بَعْضِهِ وَغَيْرُهُ في مَعْنَاهُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا أَنَسُ بن عِيَاضٍ عن مُوسَى بن عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن عبد اللَّهِ بن عُمَرَ أَنَّهُ قال من أَدْرَكَ لَيْلَةَ النَّحْرِ من الْحَاجِّ فَوَقَفَ بِحِيَالِ عَرَفَةَ قبل أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ وَمَنْ لم يُدْرِكْ عَرَفَةَ فَيَقِفُ بها قبل أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَلْيَأْتِ الْبَيْتَ فَلْيَطُفْ بِهِ سَبْعًا وَلْيَطُفْ بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا ثُمَّ لِيَحْلِقْ أو يُقَصِّرْ إنْ شَاءَ وَإِنْ كان معه هدى فَلْيَنْحَرْهُ قبل أَنْ يَحْلِقَ فإذا فَرَغَ من طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ فَلْيَحْلِقْ أو يُقَصِّرْ ثُمَّ لِيَرْجِعْ إلَى أَهْلِهِ فَإِنْ أَدْرَكَهُ الْحَجُّ قَابِلًا فَلْيَحْجُجْ إنْ اسْتَطَاعَ وَلْيَهْدِ في حَجِّهِ فَإِنْ لم يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ
أخبرنا مَالِكٌ عن يحيى بن سَعِيدٍ قال أخبرني سُلَيْمَانُ بن يَسَارٍ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ خَرَجَ حَاجًّا حتى إذَا كان بِالْبَادِيَةِ من طَرِيقِ مَكَّةَ أَضَلَّ رَوَاحِلَهُ وَأَنَّهُ قَدِمَ على عُمَرَ بن الْخَطَّابِ يَوْم النَّحْرِ فذكر ذلك له فقال له اصْنَعْ كما يَصْنَعُ الْمُعْتَمِرُ ثُمَّ قد حَلَلْت فإذا أَدْرَكَك الْحَجُّ قَابِلًا حُجَّ وَأَهْدِ ما اسْتَيْسَرَ من الهدى أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ أَنْ هَبَّارَ بن الْأَسْوَدِ جاء وَعُمَرُ بن الْخَطَّابِ يَنْحَرُ هَدْيَهُ فقال له عُمَرُ اذْهَبْ فَطُفْ وَمَنْ مَعَك وَانْحَرُوا هَدْيًا إنْ كان مَعَكُمْ ثُمَّ احْلِقُوا أو قَصِّرُوا ثُمَّ ارْجِعُوا فإذا كان قَابِلٌ حُجُّوا وَأَهْدُوا فَمَنْ لم يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ في الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ

(2/166)


حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً وَإِنْ كان مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ قَضَى عُمْرَةً وقال لي بَعْضُ من ذَهَبَ إلَى هذا الْقَوْلِ لَا نُخَالِفُك في أَنَّ آيَةَ الْإِحْصَارِ نَزَلَتْ في الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَّهُ إحْصَارُ عَدُوٍّ أَفَرَأَيْت إذْنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُحْصَرِ بِمَا اسْتَيْسَرَ من الهدى ثُمَّ سَنَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الذَّبْحَ وَالْإِحْلَالَ كَيْفَ لم تَجْعَلْ الْمُحْصَرَ بِالْمَرَضِ قِيَاسًا على الْمُحْصَرِ بِالْعَدُوِّ أَنْ تَحْكُمَ له حُكْمَك له فَقُلْت له الْأَصْلُ على الْفَرْضِ إتْمَامُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ وَالرُّخْصَةِ في الْإِحْلَالِ لِلْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ فَقُلْنَا في كُلٍّ بِأَمْرِ اللَّهِ عز وجل ولم نَعْدُ بِالرُّخْصَةِ مَوْضِعَهَا كما لم نَعْدُ بِالرُّخْصَةِ الْمَسْحَ على الْخُفَّيْنِ ولم نَجْعَلْ عِمَامَةً وَلَا قُفَّازَيْنِ قِيَاسًا على الْخُفَّيْنِ فقال فَهَلْ يَفْتَرِقُ الاحصار ( ( ( الحصار ) ) ) بِالْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ قُلْت نعم قال وَأَيْنَ قُلْت الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ خَائِفٌ الْقَتْلَ على نَفْسِهِ إنْ أَقْدَمَ عليه وَغَيْرُ عَالِمٍ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ منه إذَا أَقْدَمَ عليه وقد رَخَّصَ لِمَنْ لقى الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَتَحَرَّفَ لِلْقِتَالِ أو يَتَحَيَّزَ إلَى فِئَةٍ فإذا فَارَقَ الْمُحْصَرُ مَوْضِعَهُ رَاجِعًا صَارَ إلَى حَالٍ أَحْسَنَ من حَالِهِ في التَّقَدُّمِ وَالْمُقَامِ لِمُزَايِلَةِ الْخَوْفِ إلَى الْأَمْنِ وَالْمَرِيضُ ليس في شَيْءٍ من هذه الْمَعَانِي لَا هو خَائِفٌ بَشَرًا وَلَا صَائِرٌ بِالرُّجُوعِ إلَى أَمْنٍ بَعْدَ خَوْفٍ وَلَا حَالٌ يَنْتَقِلُ عنه إلَّا رَجَاءَ الْبِرِّ وَاَلَّذِي يَرْجُوهُ في تَقَدُّمِهِ رَجَاؤُهُ في رُجُوعِهِ وَمُقَامِهِ حتى يَكُونَ الْحَالُ بِهِ مُعْتَدِلًا له في الْمُقَامِ وَالتَّقَدُّمِ إلَى الْبَيْتِ وَالرُّجُوعِ فَالْمَرِيضُ أَوْلَى أَنْ لَا يُقَاسَ على الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ من الْعِمَامَةِ وَالْقُفَّازَيْنِ وَالْبُرْقُعِ على الْخُفَّيْنِ وَلَوْ جَازَ أَنْ يَجْهَلَ ما وَصَفْنَا من الْأَصْلِ في إتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَأَنَّ المستثني الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ فَقُلْنَا الْحَبْسُ ما كان كَالْعَدُوِّ جَازَ لنا لو ضَلَّ رَجُلٌ طَرِيقًا أو أَخْطَأَ عَدَدًا حتى يَفُوتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَحِلَّ فقال بَعْضُهُمْ إنَّا إنَّمَا اعْتَمَدْنَا في هذا على الشَّيْءِ رَوَيْنَاهُ عن بن مَسْعُودٍ وَبِهِ قُلْنَا قلت لو لم يُخَالِفْهُ وَاحِدٌ مِمَّنْ سَمَّيْنَا أنا قُلْنَا بِقَوْلِهِ أَمَا كُنْتَ مَحْجُوجًا بِهِ قال وَمِنْ أَيْنَ قلت أَلَسْنَا وَإِيَّاكُمْ نَزْعُمُ أَنَّ رَجُلَيْنِ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لو اخْتَلَفَا فَكَانَ قَوْلُ أَحَدِهِمَا أَشْبَهَ بِالْقُرْآنِ كان الْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَصِيرَ إلَى أَشْبَهِ الْقَوْلَيْنِ بِالْقُرْآنِ فَقَوْلُنَا أَشْبَهُ بِالْقُرْآنِ بِمَا وَصَفْتُ لَك أو رَأَيْتَ لو لم نَسْتَدِلَّ على قَوْلِنَا وَقَوْلِك بِالْقُرْآنِ وكان قَوْلُنَا أَصَحَّ في الِابْتِدَاءِ وَالْمُتَعَقَّبِ من قَوْلِك أَكَانَ قَوْلُنَا أَوْلَى أَنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ قال بَلَى إنْ كان كما تَقُولُ قُلْت فَهُوَ كما أَقُولُ وَمَعَنَا ثَلَاثَةٌ من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَثَلَاثَةٌ أَكْثَرُ عَدَدًا من وَاحِدٍ قال فَأَيْنَ هو أَصَحُّ قلت أَرَأَيْت إذَا مَرِضَ فَأَمَرْتَهُ أَنْ يَبْعَثَ بهدى وَيُوَاعِدَهُ يَوْمًا يَذْبَحُ فيه عنه الهدى ثُمَّ يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ وَيَحِلُّ أَلَسْتَ قد أَمَرْتَهُ بِأَنْ يَحِلَّ وَأَنْتَ لَا تَدْرِي لَعَلَّ الهدى لم يَبْلُغْ مَحِلَّهُ وَأَنْتَ تَعِيبُ على الناس أَنْ يَأْمُرُوا أَحَدًا بِالْخُرُوجِ من شَيْءٍ لَزِمَهُمْ بِالظُّنُونِ قال فَإِنَّا لَا نَقُولُ بِظَنٍّ وَلَكِنْ بِالظَّاهِرِ قُلْت الظَّاهِرُ في هذا ظَنٌّ وَلَوْ خَرَجَ الظَّاهِرُ في هذا من أَنْ يَكُونَ ظَنًّا كُنْتَ أَيْضًا مُتَنَاقِضَ الْقَوْلِ فيه قال وَمِنْ أَيْنَ قلت إذَا كان الْحُكْمُ في أَمْرِكَ الْمَرِيضَ بِالْإِحْلَالِ بِالْمَوْعِدِ بِذَبْحِ الهدى وكان الظَّاهِرُ عِنْدَك أَنَّهُ قد حَلَّ بِهَذِهِ الْمُدَّةِ فَكَيْفَ زَعَمْتَ أَنَّهُ إنْ بَلَغَهُ أَنَّ الهدى عَطِبَ أو ضَلَّ أو سُرِقَ وقد أَمَرْتَهُ بِالْإِحْلَالِ فَحَلَّ وَجَامَعَ وَصَادَ ( قال ) يَكُونُ عليه جَزَاءُ الصَّيْدِ وَالْفِدْيَةُ وَيَعُودُ حَرَامًا كما كان قلت وَهَكَذَا لو بَعَثَ الهدى عِشْرِينَ مَرَّةً وَأَصَابَهُ مِثْلُ هذا قال نعم قلت أَفْلَسْتَ قد أَبَحْتَ له الْإِحْلَالَ ثُمَّ جَعَلْتَ عليه الْفِدْيَةَ فِيمَا أَبَحْتَ له وَالْفَسَادَ فيه وَجَعَلْتَهُ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ حَلَالًا أَيَّامًا وَحَرَامًا أَيَّامًا فَأَيُّ قَوْلٍ أَشَدُّ تَنَاقُضًا وَأَوْلَى أَنْ يُتْرَكَ من هذا وَأَيُّ شَيْءٍ يُؤْخَذُ من قَوْلٍ أَوْلَى أَنْ تَرُدَّهُ الْعُقُولُ من هذا وقال أَيْضًا في الرَّجُلِ تَفُوتُهُ عَرَفَةَ ويأتى يَوْمُ النَّحْرِ فقال كما قُلْنَا يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ وَعَلَيْهِ حَجٌّ قَابِلٌ ثُمَّ خَالَفَنَا فقال لَا هدى عليه وروي فيه حَدِيثًا عن عُمَرَ أَنَّهُ لم يذكر فيه أَمْرٌ بالهدى قال وَسَأَلْتُ زَيْدَ بن ثَابِتٍ بَعْدَ ذلك بِعِشْرِينَ سَنَةً فقال كما قال عُمَرُ وقال قد رَوَيْنَا هذا عن عُمَرَ ( قال ) فَإِلَى قَوْلِ من ذَهَبْتُمْ فقلت رَوَيْنَا عن عُمَرَ مِثْلَ قَوْلِنَا من أَمَرَهُ بالهدى قال رَوَيْتُمُوهُ
____________________

(2/167)


مُنْقَطِعًا وَحَدِيثُنَا مُتَّصِلٌ قُلْنَا فَحَدِيثُك الْمُتَّصِلُ يُوَافِقُ حَدِيثَنَا عن عُمَرَ وَيَزِيدُ عليه الهدى وَاَلَّذِي يَزِيدُ في الحديث أَوْلَى بِالْحِفْظِ من الذي لم يَأْتِ بِالزِّيَادَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك قال لَا أُثْبِتُهُ لَك بِالْحَالِ عن عُمَرَ مُنْقَطِعًا فَهَلْ تَرْوِيه عن غَيْرِ عُمَرَ قُلْنَا نعم عن بن عُمَرَ كما قُلْنَا مُتَّصِلًا قال فَكَيْفَ اخْتَرْتَ ما رَوَيْتَ عن بن عُمَرَ على ما رَوَيْنَا عن عُمَرَ قُلْنَا رَوَيْنَا عن عُمَرَ مِثْلَ رِوَايَتِنَا عن بن عُمَرَ وَإِنْ لم يَكُنْ مُتَّصِلًا قال أَفَذَهَبْتَ فِيمَا اخْتَرْت من قَوْلِ بن عُمَرَ إلَى شَيْءٍ غَيْرِ تَقْلِيدِ بن عُمَرَ فَيَكُونُ لنا تَقْلِيدُ عُمَرَ على بن عُمَرَ فقلت له نعم ذَهَبْتَ إلَى ما يَلْزَمُك أنت خَاصَّةً أَكْثَرَ مِمَّا يَلْزَمُ الناس حتى يَكُونَ عَلَيْكَ تَرْكُ قَوْلِكَ لِقَوْلِنَا قال وَأَيْنَ قُلْت له زَعَمْت أَنَّ الْحَائِضَ إذَا لم تَطْهُرْ إلَى عَرَفَةَ وَهِيَ مُعْتَمِرَةٌ رَفَضَتْ الْعُمْرَةَ وَأَهَلَّتْ بِالْحَجِّ وأهراقت لِرَفْضِ الْعُمْرَةِ دَمًا وكان عليها قَضَاؤُهَا ثُمَّ قُلْتُمْ هذا فِيمَنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ من الرِّجَالِ الْمُعْتَمِرِينَ قال قد قُلْتُهُ في الْحَائِضِ وَفِيمَنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ من الرِّجَالِ الْمُعْتَمِرِينَ ثُمَّ شَكَكْتُ في الرِّجَالِ الْمُعْتَمِرِينَ وأنا ثَابِتٌ على الْحَائِضِ بِمَا رَوَيْنَا فيها فَقُلْت له وَلِمَ شَكَكْت هل كان عليها أَنْ تَهْرِيقَ دَمًا عِنْدَك إلَّا لِفَوْتِ الْعُمْرَةِ قال فَإِنْ قُلْت ليس لِفَوْتِ الْعُمْرَةِ قلت فَقُلْ ما شِئْتَ قال لِخُرُوجِهَا من الْعُمْرَةِ بِلَا فَوْتٍ لِأَنَّهَا لو شَاءَتْ أَقَامَتْ على الْعُمْرَةِ قلت فما تَقُولُ إنْ لم يُرْهِقْهَا الْحَجُّ فَأَرَادَتْ الْخُرُوجَ من الْعُمْرَةِ بِدَمٍ تَهْرِيقُهُ ثُمَّ تَحُجُّ وَتَقْضِي الْعُمْرَةَ قال ليس ذلك لها قُلْت فَهَلْ أَمَرْتَهَا بِالْخُرُوجِ من الْعُمْرَةِ إلَّا بِفَوْتِهَا عِنْدَك وَهِيَ لو أَقَامَتْ على الْعُمْرَةِ لم يَكُنْ عليها شَيْءٌ وَالْحَاجُّ عِنْدَك إذَا فَاتَهُ الْحَجُّ لم يَكُنْ له الْمُقَامُ على الْحَجِّ وكان قد خَرَجَ منه قَبْلُ يُكْمِلُهُ كما خَرَجَتْ الْحَائِضُ من الْعُمْرَةِ قبل تُكْمِلُهَا فَلِمَ جَعَلْتَ على الْحَائِضِ دَمًا لِخُرُوجِهَا قبل إكْمَالِ الْإِحْرَامِ الذي لَزِمَهَا ولم تَجْعَلْ ذلك على الْحَاجِّ وقد خَرَجَ منه قبل إكْمَالِ الْإِحْرَامِ الذي لَزِمَهُ وَاجْتَمَعَا في هذا الْمَعْنَى وفي أَنَّهُمَا يَقْضِيَانِ ما خَرَجَا منه فَكَيْفَ فَرَّقْت بَيْنَهُمَا في الدَّمِ وَقُلْتُمْ عن بن عُمَرَ أن رَجُلًا لو كان عليه صَوْمٌ من شَهْرِ رَمَضَانَ فَنَسِيَهُ إلَى أَنْ يَأْتِيَ رَمَضَانُ آخَرُ فَصَامَهُ أَنَّهُ يَصُومُ بَعْدَهُ ما عليه من الشَّهْرِ لِرَمَضَانَ الذي نسى وَيَتَصَدَّقُ عن كل يَوْمٍ على مِسْكِينٍ لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِالصَّوْمِ في مَوْضِعِهِ فَالْحَاجُّ يَفُوتُهُ الْحَجُّ في مِثْلِ مَعْنَاهُ وَأَوْلَى أَنْ تَقُولُوا بِهِ فيه وَخَالَفَنَا أَيْضًا فقال إنْ كان الذي فَاتَهُ الْحَجُّ مُفْرِدًا بِالْحَجِّ فَعَلَيْهِ حَجّ وَعُمْرَةٌ وَإِنْ كان قَارِنًا فَعَلَيْهِ حَجٌّ وَعُمْرَتَانِ فقلت له أَقَلْتَ هذا خَبَرًا أَمْ قِيَاسًا فلم يذكر خَبَرًا نَرَاهُ وَلَا عِنْدَهُ هو إذَا أَنْصَفَ حُجَّةً قال قلته قِيَاسًا قُلْنَا فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ قِسْتَهُ قال إنَّ عُمَرَ قال اعْمَلْ ما يَعْمَلُ الْمُعْتَمِرُ فَدَلَّ هذا على أَنَّ حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً فقلت له لَمَّا لم يَكُنْ يَخْرُجُ من الْإِحْرَامِ إلَّا بِطَوَافٍ وسعى في حَجٍّ كان أو عُمْرَةٍ وكان الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ كَمَالَ ما يَخْرُجُ بِهِ من الْعُمْرَةِ وَعَرَفَةَ وَالْجِمَارِ وَمِنًى وَالطَّوَافُ كَمَالُ ما يَخْرُجُ بِهِ من الْحَجِّ فَكَانَ إذَا فَاتَتْهُ عَرَفَةُ لَا حَجَّ له وَلَا عَمَلَ عليه من عَمَلِ الْحَجِّ فَقِيلَ اُخْرُجْ بِأَقَلَّ ما يَخْرُجُ بِهِ من الْإِحْرَامِ وَذَلِكَ عَمَلُ مُعْتَمِرٍ لَا أَنَّ حَجَّهُ صَارَ عُمْرَةً أَرَأَيْت لو كانت عليه عُمْرَةٌ وَاجِبَةٌ فَنَوَى بهذا الْحَجَّ عُمْرَةً فَفَاتَتْهُ أيقضى الْعُمْرَةَ الْوَاجِبَةَ عنه قال لَا لِأَنَّهُ عَقَدَهُ حَجًّا قُلْت فإذا عَقَدَهُ حَجًّا لم يَصِرْ عِنْدَك عُمْرَةً تَجْزِي عنه قال لَا فَقُلْت فَمِنْ أَيْنَ زَعَمْتَ أَنَّهُ عُمْرَةٌ وهو لَا يجزئ عنه من عُمْرَةٍ وَاجِبَةٍ وَلَوْ ابْتَدَأَ بِإِحْرَامِهِ ابْتَدَأَ الْعُمْرَةَ الْوَاجِبَةَ عليه وَقُلْتُ له وَلَوْ كان صَارَ عُمْرَةً كان أَبْعَدَ لِقَوْلِك أَنْ لَا تَقُولَ عليه حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ لِأَنَّهُ قد قَضَى الْعُمْرَةَ وَإِنَّمَا فَاتَهُ الْحَجُّ فَلَا يَكُونُ عليه حَجٌّ وَعُمْرَةٌ فقال إنَّمَا قُلْته لِأَنَّ الْحَجَّ تَحَوَّلَ عُمْرَةً فَفَاتَهُ لَمَّا فَاتَهُ الْحَجُّ فقلت له ما أَعْلَمُكَ تُورِدُ حُجَّةً إلَّا كانت عَلَيْك أَرَأَيْتَ إحْرَامَهُ بِالْحَجِّ مَتَى صَارَ عُمْرَةً قال بَعْدَ عَرَفَةَ قُلْت فَلَوْ ابْتَدَأَ الْإِحْرَامَ بَعْدَ عَرَفَةَ بِعُمْرَةٍ أَيَكُونُ غير مُحْرِمٍ بها أو مُحْرِمًا يَجْزِيه الْعَمَلُ عنها وَلَا يَقْضِيهَا قال فَنَقُولُ مَاذَا قلت أَيُّهُمَا قُلْتَ فَقَدْ لَزِمَك تَرْكُ ما احْتَجَجْتَ بِهِ قال فَدَعْ هذا قلت أَقَاوِيلُك مُتَبَايِنَةٌ قال وَكَيْفَ قلت رَوَيْتَ عن عُمَرَ أَنَّهُ أَمَرَ من فَاتَهُ الْحَجَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرُ أو يَحْلِقُ وَيَحُجُّ
____________________

(2/168)


قَابِلًا وَقُلْت لو كان عليه هدى أَمَرَهُ بِهِ ورددت ( ( ( وردت ) ) ) رِوَايَتُنَا عنه أَنَّهُ أَمَرَ بالهدى فَإِنْ قُلْتَ هِيَ مَقْطُوعَةٌ فَكَيْفَ إذَا كان في رِوَايَتِكَ عنه أَنَّهُ أَمَرَهُ بِحَجٍّ قَابِلٍ ولم يَأْمُرْهُ بِعُمْرَةٍ فَلِمَ لَا تَقُولُ لَا عُمْرَةَ عليه اتِّبَاعًا لِقَوْلِ عُمَرَ وَزَيْدِ بن ثَابِتٍ وَرِوَايَتِنَا عن بن عُمَرَ ما أَعْلَمُك إلَّا قَصَدْتَ قَصْدَ خِلَافِهِمْ مَعًا ثُمَّ خَالَفْتَهُمْ بِمُحَالٍ فَقُلْتَ لِرَجُلٍ فَاتَهُ الْحَجُّ عَلَيْك عُمْرَةٌ وَحَجٌّ وَهَلْ رَأَيْت أَحَدًا قَطُّ فَاتَهُ شَيْءٌ فَكَانَ عليه قَضَاءُ ما فَاتَهُ وَآخَرُ معه وَالْآخَرُ ليس الذي فَاتَهُ لِأَنَّ الْحَجَّ ليس عُمْرَةٌ وَالْعُمْرَةُ لَيْسَتْ بِحَجٍّ - * بَابُ هدى الذي يَفُوتُهُ الْحَجُّ - * (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا اغْتَسَلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ لِدُخُولِ مَكَّةَ وهو حَلَالٌ يُصِيبُ الطِّيبَ فَلَا أَرَاهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَرَكَ الِاغْتِسَالَ لِيَدْخُلَهَا حَرَامًا وهو في الْحَرَمِ لَا يُصِيبُ الطِّيبَ
أخبرنا مَالِكٌ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كان يَغْتَسِلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَأُحِبُّ الْغُسْلَ لِدُخُولِ مَكَّةَ وَإِنْ تَرَكَهُ تَارِكٌ لم يَكُنْ عليه فيه فِدْيَةٌ لِأَنَّهُ ليس من الْغُسْلِ الْوَاجِبِ - * بَابُ الْقَوْلِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَيْتِ - *
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان إذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقال اللَّهُمَّ زِدْ هذا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً وَزِدْ من شَرَفِهِ وَكَرَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ أو اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال حَدَّثْت عن مِقْسَمٍ مولى عبد اللَّهِ بن الحرث عن بن عَبَّاسٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال تُرْفَعُ الْأَيْدِي في الصَّلَاةِ وإذا رَأَى الْبَيْتَ وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَبِجُمْعٍ وَعِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ وَعَلَى الْمَيِّتِ
أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن مُحَمَّدِ بن سَعِيدِ بن الْمُسَيِّبِ عن أبيه أَنَّهُ كان حين يَنْظُرُ إلَى الْبَيْتِ يقول اللَّهُمَّ أنت السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَأَسْتَحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا رأي الْبَيْتَ أَنْ يَقُولَ ما حَكَيْتُ وما قال من حَسَنٍ أَجْزَأَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالي - * بَابُ ما جاء في تَعْجِيلِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حِين يَدْخُلَ مَكَّةَ - *
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ قال لَمَّا دخل رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مَكَّةَ لم يَلْوِ ولم يَعْرُجْ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ لم يَبْلُغْنَا أَنَّهُ حين دخل مَكَّةَ لَوَى لِشَيْءٍ وَلَا عَرَجَ في حَجَّتِهِ هذه وَلَا عُمْرَتِهِ كُلِّهَا حتى دخل الْمَسْجِدَ وَلَا صَنَعَ شيئا حين دخل الْمَسْجِدَ لَا رَكَعَ وَلَا صَنَعَ غير ذلك حتى بَدَأَ بِالْبَيْتِ فَطَافَ هذا أَجْمَعُ في حَجِّهِ وفي عُمْرَتِهِ كُلِّهَا
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ قال قال عَطَاءٌ فِيمَنْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقَدِمَ الْمَسْجِدَ لَأَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ فَلَا يُمْنَعُ الطَّوَافَ وَلَا يُصَلِّي تَطَوُّعًا حتى يَطُوفَ وَإِنْ وَجَدَ الناس في الْمَكْتُوبَةِ فَلْيُصَلِّ مَعَهُمْ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يصلى بَعْدَهَا شيئا حتى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَإِنْ جاء قبل الصَّلَاةِ فَلَا يَجْلِسُ وَلَا يَنْتَظِرُهَا وَلْيَطُفْ فَإِنْ قَطَعَ الْإِمَامُ طَوَافَهُ فَلْيُتِمَّ بَعْدُ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ يَسُوقُ هَدْيًا وَاجِبًا أو هدى تَطَوُّعٍ يَنْحَرُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيْثُ أُحْصِرَ وَلَا يجزئ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عنه من هدى الْإِحْصَارِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجَبَ عليه الْوَاجِبُ بِوُجُوبِهِ وَالتَّطَوُّعُ بِإِيجَابِهِ قبل أَنْ يَلْزَمَهُ هدى الْإِحْصَارِ فإذا أُحْصِرَ فَعَلَيْهِ هدى سِوَاهُمَا يَحِلُّ بِهِ فَأَمَّا من فَاتَهُ الْحَجُّ بِمَرَضٍ أو غَيْرِهِ فَلَا يَجْزِيهِ الهدى حتى يَبْلُغَ الْحَرَمَ - * بَابُ الْغُسْلِ لِدُخُولِ مَكَّةَ - *

(2/169)


عن بن جُرَيْجٍ قال قلت لِعَطَاءٍ أَلَا أَرْكَعُ قبل تِلْكَ الْمَكْتُوبَةِ إنْ لم أَكُنْ رَكَعْت رَكْعَتَيْنِ قال لَا إلَّا رَكْعَتَيْ الصُّبْحِ إنْ لم تَكُنْ رَكْعَتَهُمَا فَارْكَعْهُمَا ثُمَّ طُفْ لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ شَأْنًا من غَيْرِهِمَا
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ قال لِعَطَاءٍ الْمَرْأَةُ تَقْدَمُ نَهَارًا قال ما أُبَالِي إنْ كانت مَسْتُورَةً أَنْ تَقْدَمَ نَهَارًا (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) لَا اخْتِلَافَ أَنَّ حَدَّ مَدْخَلِ الطَّوَافِ من الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَأَنَّ إكْمَالَ الطَّوَافِ إلَيْهِ وَأُحِبُّ اسْتِلَامَهُ حين يَدْخُلُ الرَّجُلُ الطَّوَافَ فَإِنْ دخل الطَّوَافَ في مَوْضِعٍ فلم يُحَاذِ بِالرُّكْنِ لم يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ وَإِنْ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بيده من مَوْضِعٍ فلم يُحَاذِ الرُّكْنَ لم يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ بِحَالٍ لِأَنَّ الطَّوَافَ على الْبَدَنِ كُلِّهِ لَا على بَعْضِ الْبَدَنِ دُونَ بَعْضٍ وإذا حَاذَى الشَّيْءَ من الرُّكْنِ بِبَدَنِهِ كُلِّهِ اعْتَدَّ بِذَلِكَ الطَّوَافِ وَكَذَلِكَ إذَا حَاذَى بِشَيْءٍ من الرُّكْنِ في السَّابِعِ فَقَدْ أَكْمَلَ الطَّوَافَ وَإِنْ قَطَعَهُ قبل أَنْ يُحَاذِي بِشَيْءٍ من الرُّكْنِ وَإِنْ اسْتَلَمَهُ فلم يُكْمِلْ ذلك الطَّوَافَ - * بَابُ ما يُقَالُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الرُّكْنِ - *
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ قال أُخْبِرْتُ أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ إذَا اسْتَلَمْنَا الْحَجَرَ قال قُولُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ إيمَانًا بِاَللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِمَا جاء بِهِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ هَكَذَا أُحِبُّ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ وَيَقُولُ كُلَّمَا حَاذَى الرُّكْنَ بَعْدُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وما ذَكَرَ اللَّهَ بِهِ وَصَلَّى على رَسُولِهِ فَحَسَنٌ - * بَابُ ما يَفْتَتِحُ بِهِ الطَّوَافَ وما يَسْتَلِمُ من الْأَرْكَانِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَأُحِبُّ أَنْ يَفْتَتِحَ الطَّائِفُ الطَّوَافَ بِالِاسْتِلَامِ وَأُحِبُّ أَنْ يُقَبِّلَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ وَإِنْ اسْتَلَمَهُ بيده قَبَّلَ يَدَهُ وَأُحِبُّ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ بيده وَيُقَبِّلَهَا وَلَا يُقَبِّلُهُ لِأَنِّي لم أَعْلَمْ أَحَدًا رَوَى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قَبَّلَ إلَّا الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَإِنْ قَبَّلَهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا آمُرُهُ بِاسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَلَوْ اسْتَلَمَهُمَا أو ما بين الْأَرْكَانِ من الْبَيْتِ لم يَكُنْ عليه إعَادَةٌ وَلَا فِدْيَةٌ إلَّا أَنِّي أُحِبُّ أَنْ يُقْتَدَى بِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم + ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَبَّلَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ فَكَذَلِكَ أُحِبُّ وَيَجُوزُ اسْتِلَامُهُ بِلَا تَقْبِيلٍ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَبِمَا قال عَطَاءٌ كُلُّهُ آخُذُ لِمُوَافَقَتِهِ السُّنَّةَ فَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ قَدَرَ على الطَّوَافِ أَنْ يَبْدَأَ بِشَيْءٍ قبل الطَّوَافِ إلَّا أَنْ يَكُونَ نسى مَكْتُوبَةً فيصلها ( ( ( فيصليها ) ) ) أو يَقْدَمَ في آخِرِ مَكْتُوبَةٍ فَيَخَافُ فَوْتَهَا فَيَبْدَأُ بِصَلَاتِهَا أو خَافَ فَوْتَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَيَبْدَأُ بِهِمَا أو نسى الْوِتْرَ فَلْيَبْدَأْ بِهِ ثُمَّ يَطُوفُ فإذا جاء وقد مُنِعَ الناس الطَّوَافَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ إذَا مُنِعَ الطَّوَافُ فَإِنْ جاء وقد أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ فَإِنْ جاء وقد تَقَارَبَتْ إقَامَةُ الصَّلَاةِ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فِيمَا أَحْبَبْتُ من التَّعْجِيلِ حين يَقْدَمُونَ لَيْلًا سَوَاءٌ وَكَذَلِكَ هُمْ إذَا قَدِمُوا نَهَارًا إلَّا امْرَأَةً لها شَبَابٌ وَمَنْظَرٌ فَإِنِّي أُحِبُّ لِتِلْكَ تُؤَخِّرُ الطَّوَافَ حتى اللَّيْلِ لِيَسْتُرَ اللَّيْلُ منها - * بَابُ من أَيْنَ يَبْدَأُ بِالطَّوَافِ - *
أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن مَنْصُورٍ عن أبي وَائِلٍ عن مَسْرُوقٍ عن عبد اللَّهِ بن مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَآهُ بَدَأَ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ ثُمَّ أَخَذَ عن يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلَاثَةَ أَطَوَافً وَمَشَى أَرْبَعَةً ثُمَّ أتى الْمَقَامَ فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ
أخبرنا سُفْيَانُ عن بن أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ عن بن عَبَّاسٍ قال يلبى الْمُعْتَمِرُ حين يَفْتَتِحُ الطَّوَافَ مُسْتَلِمًا أو غير مُسْتَلِمٍ

(2/170)


لِأَنَّهُ قد اسْتَلَمَهُ وَاسْتِلَامُهُ دُونَ تَقْبِيلِهِ
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن أبي جَعْفَرٍ قال رَأَيْت بن عَبَّاسٍ جاء يوم التَّرْوِيَةِ مُسَبِّدًا رَأْسَهُ فَقَبَّلَ الرُّكْنَ ثُمَّ سَجَدَ عليه ثُمَّ قَبَّلَهُ ثُمَّ سَجَدَ عليه ثُمَّ قَبَّلَهُ ثُمَّ سَجَدَ عليه ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
أخبرنا سَعِيدٌ عن حَنْظَلَةَ بن أبي سُفْيَانَ عن طَاوُسٍ أَنَّهُ كان لَا يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ إلَّا أَنْ يَرَاهُ خَالِيًا قال وكان إذَا اسْتَلَمَهُ قَبَّلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَسَجَدَ عليه على أَثَرِ كل تقبيله (1) ( قال الشَّافِعِيُّ ) الذي فَعَلَ بن عَبَّاسٍ أَحَبُّ إلى لِأَنَّهُ كان يَرْوِيهِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وقد رَوَاهُ عُمَرُ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَيْسَ تَرْكُ اسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَدُلُّ على أَنَّ مِنْهُمَا مَهْجُورًا وَكَيْفَ يُهْجَرُ ما يُطَافُ بِهِ وَلَوْ كان تَرْكُ اسْتِلَامِهِمَا هِجْرَانًا لَهُمَا لَكَانَ تَرْكُ اسْتِلَامِ ما بين الْأَرْكَانِ هِجْرَانًا لها - * بَابُ اسْتِحْبَابِ الِاسْتِلَامِ في الْوِتْرِ - *
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن عُثْمَانَ بن الْأَسْوَدِ عن مُجَاهِدٍ أَنَّهُ كان لَا يَكَادُ أَنْ يَدَعَ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَالْحَجَرَ في كل وِتْرٍ من طَوَافِهِ
أخبرنا سُفْيَانُ عن بن أبي نَجِيحٍ عن طَاوُسٍ أَنَّهُ قال اسْتَلِمُوا هذا لنا خَامِسٌ + ( قال الشَّافِعِيُّ ) أُحِبُّ الِاسْتِلَامَ في كل وِتْرٍ أَكْثَرُ مِمَّا أَسْتَحِبُّ في كل شَفْعٍ فإذا لم يَكُنْ زِحَامٌ أَحْبَبْت الِاسْتِلَامَ في كل طَوَافٍ - * الِاسْتِلَامُ في الزِّحَامِ - * + ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأُحِبُّ الِاسْتِلَامَ حين أبتديء ( ( ( أبتدئ ) ) ) بِالطَّوَافِ بِكُلِّ حَالٍ وَأُحِبُّ أَنْ يَسْتَلِمَ الرَّجُلُ إذَا لم يُؤْذِ ولم يُؤْذَ بِالزِّحَامِ وَيَدَعُ إذَا أُوذِيَ أو آذَى بِالزِّحَامِ وَلَا أُحِبُّ الزِّحَامَ إلَّا في بَدْءِ الطَّوَافِ وَإِنْ زَاحَمَ فَفِي الْآخِرَةِ وَأَحْسَبُ
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) وأنا أُحِبُّ إذَا أَمْكَنَنِي ما صَنَعَ بن عَبَّاسٍ من السُّجُودِ على الرُّكْنِ لِأَنَّهُ تَقْبِيلٌ وَزِيَادَةُ سُجُودٍ لِلَّهِ تَعَالَى وإذا اسْتَلَمَهُ لم يَدَعْ تَقْبِيلَهُ وَإِنْ تَرَكَ ذلك تَارِكٌ فَلَا فِدْيَةَ عليه
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ قال قُلْت لِعَطَاءٍ هل رَأَيْت أَحَدًا من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ قال نعم رَأَيْت جَابِرَ بن عبد اللَّهِ وبن عُمَرَ وَأَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَأَبَا هُرَيْرَةَ إذَا اسْتَلَمُوا قَبَّلُوا أَيْدِيَهُمْ قُلْت وبن عَبَّاسٍ قال نعم حَسِبْت كَثِيرًا قُلْت هل تَدَعُ أنت إذَا اسْتَلَمْت أَنْ تُقَبِّلَ يَدَك قال فَلِمَ أَسْتَلِمْهُ إذًا ( قال الشافعى ) وإذا تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنِ لم أُحِبَّ ذلك له وَلَا شَيْءَ عليه
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن إبْرَاهِيمَ بن نَافِعٍ قال طُفْتُ مع طَاوُسٍ فلم يَسْتَلِمْ شيئا من الْأَرْكَان حتى فَرَغَ من طَوَافِهِ - * الرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ - *
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن مُوسَى بن عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيِّ عن مُحَمَّدِ بن كَعْبٍ القرظى أَنَّ رَجُلًا من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان يَمْسَحُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا وَيَقُولُ لَا يَنْبَغِي لِبَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ منه مَهْجُورًا وكان بن عَبَّاسٍ يقول { لقد كان لَكُمْ في رسول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }

(2/171)


النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال لِعَبْدِ الرحمن أَصَبْتَ أَنَّهُ وَصْفٌ له أَنَّهُ اسْتَلَمَ في غَيْرِ زِحَامٍ وَتَرَكَ في زِحَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَقُولَ له أَصَبْتَ في فِعْلٍ وَتَرْكٍ إلَّا إذَا اخْتَلَفَ الْحَالُ في الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِلَامَ في جَمِيعِ طَوَافِهِ وهو يُمْكِنُهُ أو اسْتَلَمَ وهو يُؤْذِي وَيُؤْذَى بِطَوَافِهِ لم أُحِبَّهُ له وَلَا فِدْيَةَ وَلَا إعَادَةَ عليه
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن عَطَاءٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قال إذَا وَجَدْتَ على الرُّكْنِ زِحَامًا فَانْصَرِفْ وَلَا تَقِفْ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن عُمَرَ بن سَعِيدِ بن أبي حُسَيْنٍ عن مَنْبُوذِ بن أبي سُلَيْمَانَ عن أُمِّهِ أنها كانت عِنْدَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنها فَدَخَلَتْ عليها مَوْلَاةٌ لها فقالت لها يا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ طُفْتُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَاسْتَلَمْتُ الرُّكْنَ مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا فقالت لها عَائِشَةُ لَا أَجَرَك اللَّهُ لَا أَجَرَك اللَّهُ تُدَافِعِينَ الرِّجَالَ أَلَا كَبَّرْت وَمَرَرْت
أخبرنا سَعِيدٌ عن عُثْمَانَ بن مِقْسَمٍ الريي ( ( ( الربي ) ) ) عن عَائِشَةَ بِنْتِ سَعْدٍ أنها قالت كان أبي يقول لنا إذَا وَجَدْتُنَّ فُرْجَةً من الناس فَاسْتَلِمْنَ وَإِلَّا فَكَبِّرْنَ وَامْضِينَ فلما قالت عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَسَعْدٌ آمُرُ الرِّجَالَ إذَا اسْتَلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَا يُزَاحِمُوهُنَّ وَيَمْضُوا عَنْهُنَّ لِأَنِّي أَكْرَهُ لِكُلٍّ زِحَامًا عليه وَأُحِبُّ إذَا أَمْكَنَ الطَّائِفُ الِاسْتِلَامَ أَنْ يَسْتَلِمَ الرُّكْنَيْنِ الْحَجَرَ وَالْيَمَانِيَّ وَيَسْتَلِمَهُمَا بيده وَيُقَبِّلُ يَدَهُ وَأُحِبُّ إذَا أَمْكَنَهُ الْحَجَرُ أَنْ يُقَبِّلَهُ بِفِيهِ وَيَسْتَلِمَ الْيَمَانِيَّ بيده فَإِنْ قال قَائِلٌ كَيْفَ أَمَرَتْ بِتَقْبِيلِ الْحَجَرِ ولم تَأْمُرْ بِتَقْبِيلِ الْيَمَانِيِّ قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ رَوَيْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَبَّلَ الرُّكْنَ وَأَنَّهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ وَرَأَيْنَا أَهْلَ الْعِلْمِ يُقَبِّلُونَ هذا وَيَسْتَلِمُونَ هذا فَإِنْ قال فَلَوْ قَبَّلَهُ مُقَبِّلٌ قُلْت حَسَنٌ وأى الْبَيْتِ قَبَّلَ فَحَسَنٌ غير أَنَّا إنَّمَا نَأْمُرُ بِالِاتِّبَاعِ وَأَنْ نَفْعَلَ ما فَعَلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ فَإِنْ قال فَكَيْفَ لم تَأْمُرْ بِاسْتِلَامِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ قُلْنَا له لَا نَعْلَمُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم اسْتَلَمَهُمَا وَرَأَيْنَا أَكْثَرَ الناس لَا يَسْتَلِمُونَهُمَا فَإِنْ قال فَإِنَّا نَرَى ذلك قُلْنَا اللَّهُ أَعْلَمُ أَمَّا الْحُجَّةُ في تَرْكِ اسْتِلَامِهِمَا فَهِيَ كَتَرْكِ اسْتِلَامِ ما بقى من الْبَيْتِ فَقُلْنَا نَسْتَلِمُ ما رؤى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَسْتَلِمُهُ دُونَ ما لم يُرَ يَسْتَلِمُهُ وَأَمَّا الْعِلَّةُ فِيهِمَا فَنَرَى أَنَّ الْبَيْتَ لم يُتَمَّمْ على قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فَكَانَا كَسَائِرِ الْبَيْتِ إذَا لم يَكُونَا مُسْتَوْظَفًا بِهِمَا الْبَيْتُ فَإِنْ مَسَحَهُمَا رَجُلٌ كما يَمْسَحُ سَائِرَ الْبَيْتِ فَحَسَنٌ
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ قال أخبرني مُوسَى بن عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ عن مُحَمَّدِ بن كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَنْ بن عَبَّاسٍ كان يَمْسَحُ على الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ وكان بن الزُّبَيْرِ يَمْسَحُ على الْأَرْكَانِ كُلِّهَا وَيَقُولُ لَا يَنْبَغِي لِبَيْتِ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ منه مَهْجُورًا وكان بن عَبَّاسٍ يقول { لقد كان لَكُمْ في رسول اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } (1)
____________________
1- ( قال الشَّافِعِيُّ ) كان بن عَبَّاسٍ يُخْبِرُ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم اسْتِلَامَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ دُونَ الشَّامِيِّينَ وَبِهَذَا نَقُولُ وَقَوْلُ بن الزُّبَيْرِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ من بَيْتِ اللَّهِ مَهْجُورًا وَلَكِنْ لم يَدَّعِ أَحَدٌ اسْتِلَامَ الرُّكْنِ هِجْرَةً لِبَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ اسْتَلَمَ ما اسْتَلَمَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَمْسَكَ عَمَّا أَمْسَكَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن اسْتِلَامِهِ وقد تَرَكَ اسْتِلَامَ ما سِوَى الْأَرْكَانِ من الْبَيْتِ فلم يَكُنْ أَحَدٌ تَرَكَهُ على أَنْ هَجَرَ من بَيْتِ اللَّهِ شيئا
أخبرنا سَعِيدُ بن سَالِمٍ عن أبي مُسْلِمٍ عن إبْرَاهِيمَ بن مَيْسَرَةَ قال ذَكَرَ بن طَاوُسٍ قال كان لَا يَدَعُ الرُّكْنَيْنِ أَنْ يَسْتَلِمَهُمَا قال لَكِنْ أَفْضَلُ منه كان يَدَعُهُمَا أَبُوهُ - * الْقَوْلُ في الطَّوَافِ - *
أخبرنا سَعِيدٌ عن بن جُرَيْجٍ عن يحيى بن عُبَيْدٍ مولى السَّائِبِ عن أبيه عن السَّائِبِ أَنَّهُ سمع النبي صلى اللَّهُ عليه وسل

(2/172)