Translate فتح الباري وتفسير بن كثير كيكي520.

الخميس، 12 مايو 2022

كتاب :19. فتح الباري المؤلف : أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ)

 3141-   الي 3373.

الكتاب :19.  فتح الباري
المؤلف : أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ)
المحقق : عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومحب الدين الخطيب
رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه وذكر أطرافها : محمد فؤاد عبد الباقي
الناشر : دار الفكر ( مصور عن الطبعة السلفية )
مصدر الكتاب : موقع مكتبة المدينة الرقمية
http://www.raqamiya.org
[متن صحيح البخاري مشكول وترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بتعليقات الشيخ ابن باز وحواشي محب الدين الخطيب ، وعقب كل حديث أطرافه كما ذكرها محمد فؤاد عبد الباقي]

من الكوفيين، وهذا الحديث يدل لإلحاق بني المطلب بهم، وقيل هم قريش كلها لكن يعطي الإمام منهم من يراه، وبهذا قال أصبغ، وهذا الحديث حجة عليه، وفيه توهين قول من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعطاهم بعلة الحاجة إذ لو أعطاهم بعلة الحاجة لم يخص قوما دون قوم، والحديث ظاهر في أنه أعطاهم بسبب النصرة وما أصابهم بسبب الإسلام من بقية قومهم الذين لم يسلموا، والملخص أن الآية نصت على استحقاق قربى النبي صلى الله عليه وسلم وهي متحققة في بني عبد شمس لأنه شقيق، وفي بني نوفل إذا لم تعتبر قرابة الأم. واختلف الشافعية في سبب إخراجهم فقيل: العلة القرابة مع النصرة فلذلك دخل بنو هاشم وبنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس وبنو نوفل لفقدان جزء العلة أو شرطها؛ وقيل: الاستحقاق بالقرابة، ووجد ببني عبد شمس ونوفل مانع لكونهم انحازوا عن بني هاشم وحاربوهم. والثالث أن القربى عام مخصوص وبينته السنة. قال ابن بطال: وفيه رد لقوله الشافعي أن خمس الخمس يقسم بين ذوي القربى لا يفضل غني على فقير، وأنه يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين. قلت: ولا حجة فيه لما ذكر لا إثباتا ولا نفيا، أما الأول فليس في الحديث إلا أنه قسم خمس الخمس بين بني هاشم والمطلب ولم يتعرض لتفضيل ولا عدمه، وإذا لم يتعرض فالأصل في القسمة إذا أطلقت التسوية والتعميم، فالحديث إذا حجة للشافعي لا عليه. ويمكن التوصل إلى التعميم بأن يأمر الإمام نائبه في كل إقليم يضبط من فيه ويجوز النقل من مكان إلى مكان للحاجة، وقيل لا بل يختص كل ناحية بمن فيها. وأما الثاني فليس فيه تعرض لكيفية القسم، لكن ظاهره التسوية وبها قال المزني وطائفة، فيحتاج من جعل سبيله سبيل الميراث إلى دليل، والله أعلم. وذهب الأكثر إلى تعميم ذوي القربى في قسمة سهمهم عليهم بخلاف اليتامى فيخص الفقراء منهم عند الشافعي وأحمد، وعن مالك يعمهم في الإعطاء، وعن أبي حنيفة يخص الفقراء من الصنفين، وحجة الشافعي أنهم لما منعوا الزكاة عموا بالسهم ولأنهم أعطوا بجهة القرابة إكراما لهم، بخلاف اليتامى فإنهم أعطوا لسد الخلة. واستدل به على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة، فإن ذوي القربى لفظ عام خص ببني هاشم والمطلب، قال ابن الحاجب: ولم ينقل اقتران إجمالي مع أن الأصل عدمه.

(6/246)


باب من لم يخمس الأسلاب و من قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس ، و حكم الإمام فيه
...
18 - باب مَنْ لَمْ يُخَمِّسْ الأَسْلاَبَ
وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخَمِّسَ، وَحُكْمِ الإِمَامِ فِيهِ
3141- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ بَيْنَا أَنَا وَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَإِذَا أَنَا بِغُلاَمَيْنِ مِنْ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ قُلْتُ نَعَمْ مَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي قَالَ أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لاَ يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ فَغَمَزَنِي الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَهَا فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ قُلْتُ أَلاَ إِنَّ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي سَأَلْتُمَانِي فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلاَهُ ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا

(6/246)


قَتَلْتُهُ. فَقَالَ: هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ قَالاَ: لاَ. فَنَظَرَ فِي السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: كِلاَكُمَا قَتَلَهُ سَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ. وَكَانَا مُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ وَمُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ". قَالَ مُحَمَّدٌ سَمِعَ يُوسُفُ صَالِحًا وَسمعَ إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ عبدُ الرَّحمنِ بنِ عَوفِ.
[الحديث 3141 – طرفاه في: 3964، 3988]
3142- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ أَفْلَحَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلاَ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَدَرْتُ حَتَّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ حَتَّى ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ مَا بَالُ النَّاسِ قَالَ أَمْرُ اللَّهِ ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ فَقُمْتُ فَقُلْتُ مَنْ يَشْهَدُ لِي ثُمَّ جَلَسْتُ ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَةَ مِثْلَهُ فَقُمْتُ فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ فَقَالَ رَجُلٌ صَدَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ عَنِّي فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لاَهَا اللَّهِ إِذًا لاَ يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَ فَأَعْطَاهُ فَبِعْتُ الدِّرْعَ فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنَّهُ لاَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلاَمِ".
قوله: "باب من لم يخمس الأسلاب" السلب بفتح المهملة واللام بعدها موحدة هو ما يوجد مع المحارب من ملبوس وغيره عند الجمهور، وعن أحمد: لا تدخل الدابة، وعن الشافعي يختص بأداة الحرب. قوله: "ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس، وحكم الإمام فيه" أما قوله: "ومن قتل قتيلا فله سلبه" فهو قطعة من حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب، وقد أخرجه المصنف بهذا القدر حسب من حديث أنس، وأما قوله: "من غير أن يخمس" فهو من تفقهه، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى الخلاف في المسألة وهو شهير، وإلى ما تضمنته الترجمة ذهب الجمهور، وهو أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أو لم يقل ذلك، وهو ظاهر حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب. وقال: إنه فتوى من النبي صلى الله عليه وسلم وإخبار عن الحكم الشرعي، وعن المالكية والحنفية لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك. وعن مالك يخير الإمام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه واختاره إسماعيل القاضي، وعن إسحاق إذا كثرت الأسلاب خمست، ومكحول والثوري يخمس مطلقا، وقد حكى الشافعي أيضا وتمسكوا بعموم قوله: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} ولم يستثن شيئا، واحتج الجمهور بقوله صلى الله عليه وسلم: "من قتل قتيلا فله سلبه" فإنه خصص ذلك العموم، وتعقب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقل من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين، قال مالك: لم يبلغني ذلك في غير حنين. وأجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدة مواطن، منها يوم بدر كما في أول حديثي الباب، ومنها حديث حاطب بن أبي بلتعة أنه قتل رجلا يوم أحد

(6/247)


فسلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه أخرجه البيهقي، ومنها حديث جابر أن عقيل بن أبي طالب قتل يوم مؤتة رجلا فنفله النبي صلى الله عليه وسلم درعه. ثم كان ذلك مقررا عند الصحابة كما روى مسلم من حديث عوف بن مالك في قصته مع خالد بن الوليد وإنكاره عليه أخذه السلب من القاتل. الحديث بطوله، وكما روى الحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن سعد ابن أبي وقاص "أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد تعال بنا ندعو، فدعا سعد فقال: اللهم ارزقني رجلا شديدا بأسه فأقاتله ويقاتلني ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه" الحديث، وكما روى أحمد بإسناد قوي عن عبد الله بن الزبير قال: "كانت صفية في حصن حسان بن ثابت يوم الخندق" فذكر الحديث في قصة قتلها اليهودي، وقولها لحسان "أنزل فأسلبه؛ فقال: ما لي بسلبه حاجة" وكما روى ابن إسحاق في المغازي في قصة قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود يوم الخندق أيضا فقال له عمرو "هلا استلبت درعه فإنه ليس للعرب خير منها، فقال: إن اتقاني بسوأته" وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما قال ذلك يوم حنين بعد أن فرغ القتال، كما هو صريح في ثاني حديثي الباب، حثى قال مالك يكره للإمام أن يقول من قتل قتيلا فله سلبه لئلا تضعف نيات المجاهدين، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك إلا بعد انقضاء الحرب. وعن الحنفية لا كراهة في ذلك، وإذا ناله قبل الحرب أو في أثنائها استحق القاتل. حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة قتل أبي جهل، والغرض منه هنا قوله في آخره: "كلاكما قتله، سلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" فقد احتج به من قال إن إعطاء القاتل السلب مفوض إلى رأي الإمام، وقرره الطحاوي وغيره بأنه لو كان يجب للقاتل لكان السلب مستحقا بالقتل ولكان جعله بينهما لاشتراكهما في قتله، فلما خص به أحدهما دل على أنه لا يستحق بالقتل وإنما يستحق بتعيين الإمام. وأجاب الجمهور بأن في السياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن، قال المهلب: نطره صلى الله عليه وسلم في السيفين واستلاله لهما هو ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار عمق دخولهما في جسم المقتول ليحكم بالسلب لمن كان في ذلك أبلغ، ولذلك سألهما أولا هل مسحتما سيفيكما أم لا؟ لأنهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك وإنما قال كلاكما قتله وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه ليطيب نفس الآخر. وقال الإسماعيلي: أقول إن الأنصاريين ضرباه فأثخناه وبلغا به المبلغ الذي يعلم معه أنه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلا قدر ما يطفأ، وقد دل قوله: "كلاكما قتله" على أن كلا منهما وصل إلى قطع الحشوة وإبانتها أو بما يعلم أن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر، غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت لجراحه حتى وقعت به ضربة الثاني فاشتركا في القتل، إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع والآخر قتله وهو مثبت فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه، وسيأتي شرحه في غزوة بدر مع قول ابن مسعود إنه قتله، وتأتي كيفية الجمع هناك إن شاء الله تعالى. قوله: "حديثة" بالجر صفة للغلامين و"أسنانهما" بالرفع. قوله: "بين أضلع منهما" كذا للأكثر بفتح أوله وسكون المعجمة وضم اللام فجمع ضلع، وروي بضم اللام وفتح العين من الضلاعة وهي القوة، ووقع في رواية الحموي وحده "بين أصلح منهما" بالصاد والحاء المهملتين ونسبه ابن بطال لمسدد شيخ البخاري، وقد خالفه إبراهيم بن حمزة عند الطحاوي وموسى ابن إسماعيل عند ابن سنجر وعفان عند ابن أبي شيبة يعني كلهم عن يوسف شيخ البخاري فيه فقالوا "أضلع" بالضاد المعجمة والعين، قال واجتماع ثلاثة من الحفاظ أولى من انفراد واحد انتهى. وقد ظهر أن الخلاف على الرواة عن الفربري فلا يليق الجزم بأن مسددا نطق به هكذا، وقد رواه أحمد في مسنده وأبو يعلى عن عبيد الله القواريري وبشر بن الوليد وغيرهما كلهم عن

(6/248)


يوسف كالجماعة؛ وكذلك أخرجه الإسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن عفان كذلك. قوله: "لا يفارق سواده" بفتح السين وهو الشخص. قوله: "حتى يموت الأعجل منا" أي الأقرب أجلا، وقيل إن لفظ الأعجل تحريف وإنما هو الأعجز، وهو الذي يقع في كلام العرب كثيرا، والصواب ما وقع في الرواية لوضوح معناه. قوله: "قال محمد" هو المصنف "سمع يوسف" يعني ابن الماجشون "صالحا" يعني ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف المذكور في الإسناد "وسمع إبراهيم أباه عبد الرحمن بن عوف" وهذه الزيادة لأبي ذر وأبي الوقت هنا، وتقدم في الوكالة في حديث آخر بهذا الإسناد مثله وبينت هناك سماع إبراهيم من أبيه وأما سماع يوسف من صالح فوقع في رواية عفان عند الإسماعيلي. ولعل البخاري أشار إلى أن الذي أدخل بين يوسف وصالح في هذا الحديث رجلا لم يضبط، وذلك فيما أخرجه البزار، والرجل هو عبد الواحد ابن أبي عون، ويحتمل أن يكون يوسف سمعه من صالح وثبته فيه عبد الواحد والله أعلم. حديث أبي قتادة وسيأتي شرحه مستوفى في المغازي، وقوله فيه: "عن ابن أفلح" نسبه إلى جده، وهو عمر ابن كثير بن أفلح، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق وكلهم مدنيون إلا الراوي عن مالك وقد نزلها. وقوله: "فاستدبرت" كذا للأكثر وللكشميهني: "فاستدرت" بغير موحدة. قوله: "فقال رجل: صدق يا رسول الله، وسلبه عندي" لم أقف على اسمه، واستدل به على دخول من لا يسهم له في عموم قوله: "من قتل قتيلا" وعن الشافعي في قول، وبه قال مالك لا يستحق السلب إلا من استحق السهم لأنه قال إذا لم يستحق السهم فلا يستحق السلب بطريق الأولى، وعورض بأن السهم علق على المظنة، والسلب يستحق بالفعل فهو أولى، وهذا هو الأصل، واستدل به على أن السلب للقاتل في كل حال حتى قال أبو ثور وابن المنذر: يستحقه ولو كان المقتول منهزما. وقال أحمد لا يستحقه إلا بالمبارزة، وعن الأوزاعي إذا التقى الزحفان فلا سلب، واستدل به على أنه مستحق للقاتل الذي أثخنه بالقتل دون من ذهب عليه كما سيأتي في قصة ابن مسعود مع أبي جهل في غزوة بدر، واستدل به على أن السلب يستحقه القاتل من كل مقتول حتى لو كان المقتول امرأة، وبه قال أبو ثور وابن المنذر. وقال الجمهور: شرطه أن يكون المقتول من المقاتلة، واتفقوا على أنه لا يقبل قول من ادعى السلب إلا ببينة تشهد له بأنه قتله، والحجة فيه قوله في هذا الحديث: "له عليه بينة" فمفهومه أنه إذا لم تكن له بينة لا يقبل، وسياق أبي قتادة يشهد لذلك، وعن الأوزاعي يقبل قوله بغير بينة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه لأبي قتادة بغير بينة. وفيه نظر لأنه وقع في "مغازي الواقدي" أن أوس بن خولي شهد لأبي قتادة، وعلى تقدير أن لا يصح فيحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنه القاتل بطريق من الطرق، وأبعد من قال من المالكية: أن المراد بالبينة هنا الذي أقر له أن السلب عنده فهو شاهد، والشاهد الثاني وجود السلب فإنه بمنزلة الشاهد على أنه قتله ولذلك جعل لوثا في "باب القسامة"، وقيل إنما استحقه أبو قتادة بإقرار الذي هو بيده، وهو ضعيف لأن الإقرار إنما يفيد إذا كان المال منسوبا لمن هو بيده فيؤاخذ بإقراره، والمال هنا منسوب لجميع الجيش. ونقل ابن عطية عن أكثر الفقهاء أن البينة هنا شاهد واحد يكتفى به.

(6/249)


باب ما كان النبي صلى الله عليه و سلم يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس و نحوه رواه عبدالله بن زيد عن النبي صلى الله عليه و سلم
...
19 - باب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِي الْمُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ وَغَيْرَهُمْ مِنْ الْخُمُسِ وَنَحْوِهِ
رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
3143- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ

(6/249)


أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْطَانِي ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ لِي يَا حَكِيمُ إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى قَالَ حَكِيمٌ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَدْعُو حَكِيمًا لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ الَّذِي قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ هَذَا الْفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ شَيْئًا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ".
3144- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ عَلَيَّ اعْتِكَافُ يَوْمٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ بِهِ قَالَ وَأَصَابَ عُمَرُ جَارِيَتَيْنِ مِنْ سَبْيِ حُنَيْنٍ فَوَضَعَهُمَا فِي بَعْضِ بُيُوتِ مَكَّةَ قَالَ فَمَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبْيِ حُنَيْنٍ فَجَعَلُوا يَسْعَوْنَ فِي السِّكَكِ فَقَالَ عُمَرُ يَا عَبْدَ اللَّهِ انْظُرْ مَا هَذَا فَقَالَ مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّبْيِ قَالَ اذْهَبْ فَأَرْسِلْ الْجَارِيَتَيْنِ قَالَ نَافِعٌ وَلَمْ يَعْتَمِرْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ وَلَوْ اعْتَمَرَ لَمْ يَخْفَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ".
وَزَادَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وقَالَ: "مِنْ الْخُمُسِ".
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي النَّذْرِ وَلَمْ يَقُلْ "يَوْمٍ".
3145- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا وَمَنَعَ آخَرِينَ فَكَأَنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي أُعْطِي قَوْمًا أَخَافُ ظَلَعَهُمْ وَجَزَعَهُمْ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْخَيْرِ وَالْغِنَى مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُمْرَ النَّعَمِ". وَزَادَ أَبُو عَاصِمٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ بِسَبْيٍ فَقَسَمَهُ ... بِهَذَا".
3146- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي أُعْطِي قُرَيْشًا أَتَأَلَّفُهُمْ لِأَنَّهُمْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ".
[الحديث 3146 – أطرافه في: 3147، 3528، 3778، 3793، 4331، 4332، 4333، 4334، 4337، 5860، 6762، 7441]
3147- حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا الزهري قال أخبرني أنس بن مالك "أن ناسا من

(6/250)


الأنصار قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال هوازن ما أفاء فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويدعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من آدم ولم يدع معهم أحدا غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما كان حديث بلغني عنكم قال له فقهاؤهم أما ذوو آرائنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشا ويترك الأنصار وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أعطي رجالا حديث عهدهم بكفر أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعوا إلى رحالكم برسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به قالوا بلى يا رسول الله قد رضينا فقال لهم إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على الحوض قال أنس: فلم نصبر".
3148- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ "أَنَّهُ بَيْنَا هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ النَّاسُ مُقْبِلًا مِنْ حُنَيْنٍ عَلِقَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَعْطُونِي رِدَائِي فَلَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلاَ كَذُوبًا وَلاَ جَبَانًا".
3149- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ ثُمَّ قَالَ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ".
[الحديث 3149 – طرفاه في: 5809، 6088]
3150- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسًا فِي الْقِسْمَةِ فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنْ الإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ قَالَ رَجُلٌ وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ فَقُلْتُ وَاللَّهِ لاَخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ فَمَنْ يَعْدِلُ

(6/251)


إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى، قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ".
[الحديث 3150 – أطرافه في: 3405، 4335، 4336، 6059، 6100، 6291، 6336]
3151- حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: "كُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَأْسِي وَهِيَ مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ".
وَقَالَ أَبُو ضَمْرَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْطَعَ الزُّبَيْرَ أَرْضًا مِنْ أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ".
[الحديث 3151 – طرفه في: 5224]
3152- حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ الْيَهُودَ مِنْهَا وَكَانَتْ الأَرْضُ لَمَّا ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلْيَهُودِ وَلِلرَّسُولِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فَسَأَلَ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى أَنْ يَكْفُوا الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا فَأُقِرُّوا حَتَّى أَجْلاَهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتِهِ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَا".
قوله: "باب ما كان رسول صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم" سيأتي بيانهم، وأنهم من أسلم ونيته ضعيفة، أو كان يتوقع بإعطائه إسلام نظرائه في تفسير براءة. قوله: "وغيرهم" أي غير المؤلفة ممن تظهر له المصلحة في إعطائه. قوله: "من الخمس ونحوه" أي من مال الخراج والجزية والفيء، قال إسماعيل القاضي: في إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم للمؤلفة من الخمس دلالة على أن الخمس إلى الإمام يفعل فيه ما يرى من المصلحة. وقال الطبري استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال: وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة. واختلف بعد ذلك من أين كان يعطي المؤلفة؟ فقال مالك وجماعة: من الخمس. وقال الشافعي وجماعة من خمس الخمس، قيل ليس في أحاديث الباب شيء صريح بالإعطاء من نفس الخمس. قوله: "رواه عبد الله بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم" يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين، وسيأتي هناك موصولا مع الكلام عليه، والغرض منه هنا قوله: "لما أفاء الله على رسوله يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم " الحديث. ثم أورد في الباب تسعة أحاديث: أحدها: حديث حكيم بن حزام "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني" الحديث بطوله، وفيه قصته مع عمر، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى في كتاب الزكاة. حديث ابن عمر في نذر عمر في الجاهلية وفيه: "وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين" وهو موضع الترجمة. قوله: "عن نافع أن عمر قال: يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم" كذا رواه حماد بن زيد عن أيوب عن نافع مرسلا ليس فيه ابن عمر، وسيأتي في المغازي أن البخاري نقل أن بعضهم رواه عن حماد بن زيد موصولا، وهو عند مسلم وابن خزيمة لكن في القصة الثالثة المتعلقة بعمرة الجعرانة

(6/252)


لا في جميع الحديث، وذكر هنا أن معمرا وصله أيضا عن أيوب، ورواية معمر وصلها في المغازي وهو في قصة النذر فقط، وذكر في المغازي أيضا أن حماد بن سلمة رواه موصولا، وسيأتي بيان ذلك واضحا أيضا هناك وأنه أيضا في النذر فقط، ويأتي الكلام على ما يتعلق منه بالنذر في كتاب الأيمان والنذور، والذي قدمته اتفق عليه جميع رواة البخاري إلا الجرجاني فقال: "عن نافع عن ابن عمر" وهو وهم منه، ويظهر ذلك من تصرف البخاري هنا، وهو في المغازي، وبذلك جزم أبو علي الجياني. وقال الدار قطني: حديث حماد بن زيد مرسل وحديث جرير بن حازم موصول، وحماد أثبت في أيوب من جرير، فأما رواية معمر الموصولة فهي في قصة النذر فقط دون قصة الجاريتين، قال: وقد روى سفيان بن عيينة عن أيوب حديث الجاريتين فوصله عنه قوم وأرسله آخرون. قوله: "فأمره"، في رواية جرير بن حازم عند مسلم أن سؤاله لذلك وقع وهو بالجعرانة بعد أن رجع إلى الطائف. قوله: "وأصاب عمر جاريتين من سبي حنين" أي من هوازن، لم أر من سماهما. وفي رواية ابن عيينة عند الإسماعيلي موصولا أن عمر قال، فذكر حديث النذر، قال: "فأمرني أن أعتكف فلم أعكتف حتى كان بعد حنين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني جارية، فبينا أنا معتكف إذ سمعت تكبيرا" الحديث. قوله: "قال من رسول الله صلى الله عليه وسلم على السبي" ستأتي صفة ذلك في المغازي، وفي هذا السياق حذف تقديره فنظر أو سأل عن سبب سعيهم في السكك فقيل له فقال لعمر. وفي رواية ابن عيينة المذكورة "فقلت ما هذا؟ فقالوا السبي أسلموا فأرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت والجارية فأرسلها" قوله: "قال اذهب فأرسل الجاريتين" يستفاد منه الأخذ بخبر الواحد. "تنبيه": اتفقت الروايات كلها على أن قوله: "ورواه معمر" بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة، وحكى بعض الشراح أنه بضم الميم وبعد العين مثناة مفتوحة ثم ميم مكسورة وهو تصحيف. قوله: "قال نافع: ولم يعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة ولو اعتمر لم يخف علي عبد الله" هكذا رواه أبو النعمان شيخ البخاري مرسلا، ووصله مسلم وابن خزيمة جميعا عن أحمد بن عبدة عن حماد بن زيد فقال في روايته عن نافع "ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة فقال: لم يعتمر منها" وقد ذكرت في أبواب العمرة الأحاديث الوارد في اعتماره من الجعرانة، وتقدم في أواخر الجهاد في "باب من قسم الغنيمة في غزوه" أيضا حديث أنس في ذلك، وذكرت في أبواب العمرة سبب خفاء عمرة النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة على كثير من أصحابه فليراجع منه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. قال ابن التين: ليس كل ما علمه ابن عمر حدث به نافعا، ولا كل ما حدث به نافعا حفظه. قلت: وهذا يرده رواية مسلم التي ذكرتها، فإن حاصله أن ابن عمر كان يعرفها ولم يحدث بها نافعا. ودلت رواية مسلم على أن ابن عمر كان ينفيها. قال: "وليس كل ما علمه ابن عمر لم يدخل عليه فيه نسيان" انتهى. وهذا أيضا يقتضي أنه كان عرف بها ونسيها، وليس كذلك بل لم يعرف بها لا هو ولا عدد كثير من الصحابة. حديث عمرو بن تغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام بعدها موحدة وهو النمري بفتح النون والميم. قوله: "أخاف ظلعهم" بفتح الظاء المعجمة المشالة واللام وبالمهملة أي اعوجاجهم "وجزعهم" بالجيم والزاي بوزنه، وأصل الظلع الميل، وأطلق هنا على مرض القلب وضعف اليقين. قوله: "والغنا" بفتح المعجمة ثم النون ومد وهو الكفاية. وفي رواية الكشميهني بالكسر والقصر بلفظ ضد الفقر، وقوله: "بكلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم" أي التي قالها في حقه وهي إدخاله إياه في أهل الخير والغناء، وقيل المراد الكلمة التي قالها في حق غيره، فالمعنى لا أحب أن يكون لي حمر النعم بدلا من الكلمة المذكورة التي لي أو يكون لي ذلك، وتقال تلك

(6/253)


الكلمة في حقي. قوله: "زاد أبو عاصم عن جرير" هو ابن حازم، وقد تقدم موصولا في أواخر الجمعة عن محمد بن معمر عن أبي عاصم، وهو من المواضع التي تمسك بها من زعم أن البخاري قد يعلق عن بعض شيوخه ما بينه وبينهم فيه واسطة مثل هذا، فإن أبا عاصم شيخه وقد علق عنه هذا هنا، ولما ساقه موصولا أدخل بينه وبين أبي عاصم واسطة. قوله: "أو بسبي" في رواية الكشميهني: "بشيء" وهو أشمل. حديث أنس في عطية المؤلفين يوم حنين، ذكره مطولا ومختصرا، وسيأتي شرحه مستوفى في غزوة حنين فقد ذكره هناك من أربعة أوجه عن أنس. حديث جبير بن مطعم، وإبراهيم في إسناده هو ابن سعد، وصالح هو ابن كيسان، وعمر بن محمد بن جبير تقدم ذكره في أوائل الجهاد في "باب الشجاعة في الحرب" مع الكلام على بعض شرح المتن، وقوله: "مقفله من حنين" أي مرجعه، كذا للكشميهني، ووقع لغيره هنا "مقبلا" وهو منصوب على الحال. و"السمرة" بفتح المهملة وضم الميم شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل صغيرة الورق والشوك صلبة الخشب قاله ابن التين. وقال القزاز: والعضاه شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر. وقال الداودي: السمرة هي العضاه. وقال الخطابي: ورق السمرة أثبت وظلها أكثف، ويقال هي شجرة الطلح. واختلف في واحدة العضاه فقيل عضة بفتحتين مثل شفة وشفاه، والأصل عضهة وشفهة فحذفت الهاء، وقيل واحدها عضاهة. قوله: "فخطفت رداءه" في مرسل عمرو بن سعيد عند عمر بن شبة في "كتاب مكة" حتى عدلوا بناقته عن الطريق، فمر بسمرات فانتهسن ظهره وانتزعن رداءه فقال: "ناولوني ردائي" فذكر نحو حديث جبير بن مطعم وفيه: "فنزل ونزل الناس معه، فأقبلت هوازن فقالوا: جئنا نستشفع بالمؤمنين إليك، ونستشفع بك إلى المؤمنين" فذكر القصة. وفيه ذم الخصال المذكورة وهي البخل والكذب والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها. وفيه ما كان في النبي صلى الله عليه وسلم من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود والصبر على جفاة الأعراب. وفيه جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة كخوف ظن أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا يكون ذلك من الفخر المذموم. وفيه رضا السائل للحق بالوعد إذا تحقق عن الواعد التنجيز. وفيه أن الإمام مخير في قسم الغنيمة إن شاء بعد فراغ الحرب وإن شاء بعد ذلك، وقد تقدم البحث فيه. حديث أنس في قصة الأعرابي الذي جبذ رداء النبي صلى الله عليه وسلم وهو في معنى الذي قبله. ونجران بنون وجيم وزن شعبان بلدة مشهورة، وسيأتي شرحه في الأدب، والغرض منه قوله: "ثم أمر له بعطاء". حديث ابن مسعود قال: "لما كان يوم حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسا في القسمة" الحديث، وسيأتي شرحه في غزوة حنين إن شاء الله تعالى وعيينة بمهملة وتحتانية مصغرا هو ابن حصن الفزاري. حديث أسماء بنت أبي بكر "كنت أنقل النوى من أرض الزبير" الحديث، وسيأتي في كتاب النكاح بأتم من هذا السياق، ويأتي شرحه هناك. وقوله: "وقال أبو ضمرة" هو أنس بن عياض، وهشام هو ابن عروة بن الزبير، والغرض بهذا التعليق بيان فائدتين: إحداهما أن أبا ضمرة خالف أبا أسامة في وصله فأرسله، ثانيتهما أن في رواية أبي ضمرة تعيين الأرض المذكورة وأنها كانت مما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير فأقطع الزبير منها، وبذلك يرتفع استشكال الخطابي حيث قال: لا أدري كيف أقطع النبي صلى الله عليه وسلم أرض المدينة وأهلها قد أسلموا راغبين في الدين، إلا أن يكون المراد ما وقع من الأنصار أنهم جعلوا للنبي صلى الله عليه وسلم ما لا يبلغه المأمن من أرضهم، فأقطع النبي صلى الله عليه وسلم من شاء منه. حديث ابن عمر في معاملة أهل خيبر، وفيه قصة إجلاء عمر لهم باختصار، وقد مر شرحه في كتاب المزارعة، وقوله فيه: "نترككم" من الترك. وفي رواية

(6/254)


الكشميهني: "نقركم" من التقرير. وقوله هنا "وكانت الأرض لما ظهر عليها لليهود وللرسول صلى الله عليه وسلم وللمسلمين" كذا للأكثر. وفي رواية ابن السكن "لما ظهر عليها لله وللرسول وللمسلمين"؛ فقد قيل إن هذا هو الصواب. وقال ابن أبي صفرة والذي في الأصل صحيح أيضا، قال: والمراد بقوله: "لما ظهر عليها" أي لما ظهر على فتح أكثرها قبل أن يسأله اليهود أن يصالحوه فكانت لليهود، فلما صالحهم على أن يسلموا له الأرض كانت لله ولرسوله، ويحتمل أن يكون على حذف مضاف أي ثمرة الأرض، ويحتمل أن يكون المراد بالأرض ما هو أعم من المفتتحة وغير المفتتحة، والمراد بظهوره عليها غلبته لهم فكان حينئذ بعض الأرض لليهود وبعضها للرسول وللمسلمين. وقال ابن المنير: أحاديث الباب مطابقة للترجمة إلا هذا الأخير فليس فيه للعطاء ذكر، ولكن فيه ذكر جهات مطابقة للترجمة قد علم من مكان آخر أنها كانت جهات عطاء، فبهذه الطريق تدخل تحت الترجمة، والله أعلم.

(6/255)


20 - باب مَا يُصِيبُ مِنْ الطَّعَامِ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ
3153- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ فَرَمَى إِنْسَانٌ بِجِرَابٍ فِيهِ شَحْمٌ فَنَزَوْتُ لِآخُذَهُ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ".
[الحديث 3153 – طرفاه في: 4224، 5508]
3154- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلاَ نَرْفَعُهُ".
3155- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: "أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ لَيَالِيَ خَيْبَرَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ وَقَعْنَا فِي الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ فَانْتَحَرْنَاهَا فَلَمَّا غَلَتِ الْقُدُورُ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْفِئُوا الْقُدُورَ فَلاَ تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا".
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: "فَقُلْنَا إِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهَا لَمْ تُخَمَّسْ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ وَسَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَرَّمَهَا أَلْبَتَّةَ".
[الحديث 3155 – أطرافه في: 4220، 4222، 4224، 5526]
قوله: "باب ما يصيب" أي المجاهد "من الطعام في أرض الحرب" أي هل يجب تخميسه في الغانمين، أو يباح أكله للمقاتلين؟ وهي مسألة خلاف، والجمهور على جواز أخذ الغانمين من القوت وما يصلح به وكل طعام يعتاد أكله عموما، وكذلك علف الدواب، سواء كان قبل القسمة أو بعدها، بإذن الإمام وبغير إذنه. والمعنى فيه أن الطعام يعز في دار الحرب فأبيح للضرورة. والجمهور أيضا على جواز الأخذ ولو لم تكن الضرورة ناجزة، واتفقوا على جواز ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال سلاحهم في حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب

(6/255)


وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام، وعليه أن يرده كلما فرغت حاجته، ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر برده انقضاء الحرب لئلا يعرضه للهلاك، وحجته حديث رويفع ابن ثابت مرفوعا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها حتى إذا أعجفها ردها إلى المغانم" وذكر في الثوب مثل ذلك، وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والطحاوي، ونقل عن أبي يوسف أنه حمله على ما إذا كان الآخذ غير محتاج يبقى دابته أو ثوبه بخلاف من ليس له ثوب ولا دابة. وقال الزهري: لا يأخذ شيئا من الطعام ولا غيره إلا بإذن الإمام. وقال سليمان بن موسى: يأخذ إلا إن نهى الإمام. وقال ابن المنذر. قد وردت الأحاديث الصحيحة في التشديد في الغلول، واتفق علماء الأمصار على جواز أكل الطعام، وجاء الحديث بنحو ذلك فليقتصر عليه، وأما العلف فهو في معناه. وقال مالك: يباح ذبح الأنعام للأكل كما يجوز أخذ الطعام، وقيده الشافعي بالضرورة إلى الأكل حيث لا طعام، وقد تقدم في "باب ما يكره من ذبح الإبل" في أواخر الجهاد شيء من ذلك. قوله: "عن عبد الله بن مغفل" بالمعجمة والفاء وزن محمد. وفي رواية بهز بن أسد عن شعبة عند مسلم: "سمعت عبد الله بن مغفل" وفي رواية سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال "حدثني عبد الله بن مغفل" والإسناد كله بصريون. قوله: "فرمى إنسان" لم أقف على اسمه ولأبي داود من طريق سليمان بن المغيرة "دلي بجراب يوم خيبر فالتزمته". قوله: "بجراب" بكسر الجيم. قوله: "فنزوت" بالنون والزاي أي وثبت مسرعا، ووقع في رواية سليمان ابن المغيرة "فالتزمته فقلت لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا" وقد أخرج ابن وهب بسند معضل "أن صاحب المغانم كعب بن عمرو بن زيد الأنصاري أخذ منه الجراب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خل بينه وبين جرابه" وبهذا يتبين معنى قوله: "فاستحييت من رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولعله استحيا من فعله ذلك ومن قوله معا، وموضع الحجة منه عدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم، بل في رواية مسلم ما يدل على رضاه فإنه قال فيه: "فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما" وزاد أبو داود الطيالسي في آخره: "فقال هو لك" وكأنه عرف شدة حاجته إليه فسوغ له الاستئثار به. وفي قوله: "فاستحييت" إشارة إلى ما كانوا عليه من توقير النبي صلى الله عليه وسلم، ومن معاناة التنزه عن خوارم المروءة. وفيه جواز أكل الشحوم التي توجد عند اليهود، وكانت محرمة على اليهود، وكرهها مالك. وعن أحمد تحريمها، وسيأتي ذلك في باب مفرد في كتاب الذبائح إن شاء الله تعالى. حديث ابن عمر "كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه" رواه يونس بن محمد عند أبي نعيم وأحمد بن إبراهيم عند الإسماعيلي عن حماد بن زيد فزاد فيه: "والفواكه" ورواه الإسماعيلي من طريق ابن المبارك عن حماد بن زيد بلفظ: "كنا نصيب العسل والسمن في المغازي فنأكله" ومن طريق جرير بن حازم عن أيوب بلفظ: "أصبنا طعاما وأغناما يوم اليرموك فلم يقسم" وهذا الموقوف لا يغاير الأول لاختلاف السياق، وللأول حكم المرفوع للتصريح بكونه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما يوم اليرموك فكان بعده فهو موقوف يوافق المرفوع. قوله: "ولا نرفعه" أي ولا نحمله على سبيل الادخار، ويحتمل أن يريد ولا نرفعه إلى متولي أمر الغنيمة أو إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا نستأذنه في أكله اكتفاء بما سبق منه من الإذن. حديث عبد الله ابن أبي أوفى في ذبحهم الحمر الأهلية يوم خيبر، وفيه الأمر بإراقتها، وفيه اختلافهم في سبب النهي هل هو لكونها لم تخمس أو لتحريم الحمر الأهلية، وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الذبائح، والغرض منه هنا أنه يشعر بأن عادتهم جرت بالإسراع إلى المأكولات وانطلاق الأيدي فيها ولولا ذلك ما قدموا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقد ظهر

(6/256)


أنه لم يأمرهم بإراقة لحوم الحمر إلا لأنها لم تخمس، وأما حديث ثعلبة بن الحكم قال: "أصبنا يوم خيبر غنما" فذكر الأمر بإكفائها وفيه: "فإنها لا تحل النهبة" قال ابن المنذر إنما كان ذلك لأجل ما وقع من النهبة، لأن أكل نعم أهل الحرب غير جائز. ومن أحاديث الباب حديث عبد الله بن أبي أوفى أيضا: "أصبنا طعاما يوم خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ثم ينصرف" أخرجه أبو داود والحاكم والطحاوي ولفظه: "فيأخذ منه حاجته". قوله: "قال عبد الله" هو ابن أبي أوفى راوي الحديث، وبين ذلك في المغازي من وجه آخر عن الشيباني بلفظ: "قال ابن أبي أوفى فتحدثنا" فذكر نحوه، ولمسلم من طريق علي بن مسهر عن الشيباني قال: "فتحدثنا بيننا" أي الصحابة. وقوله: "وقال آخرون" أي من الصحابة. والحاصل أن الصحابة اختلفوا في علة النهي عن لحم الحمر هل هو لذاتها أو لعارض، وسيأتي في المغازي في هذا الحديث قول من قال: لأنها كانت بأكل العذرة. قوله: "وسألت سعيد بن جبير" قائل ذلك هو الشيباني ورواية الشيباني عن سعيد بن جبير لغير هذا الحديث عند النسائي.

(6/257)


كتاب الجزية و الموادعة
باب الجزية و الموادعة ، مع أهل الذمة و الحرب
...
1 - باب الْجِزْيَةِ وَالْمُوَادَعَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ
وَقَوْلِ اللَّه تَعَالَى [29 التوبة]: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} يَعْنِي أَذِلاَءُ. وَمَا جَاءَ فِي أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالْعَجَمِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّأْمِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ
3156- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَمْرًا قَالَ: "كُنْتُ جَالِسًا مَعَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَمْرِو بْنِ أَوْسٍ فَحَدَّثَهُمَا بَجَالَةُ سَنَةَ سَبْعِينَ عَامَ حَجَّ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ عِنْدَ دَرَجِ زَمْزَمَ قَالَ كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الأَحْنَفِ فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنْ الْمَجُوسِ وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ الْمَجُوسِ".
3157- حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ".
3158- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ الأَنْصَارِيَّ وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ

(6/257)


الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنْ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتْ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَوَافَتْ صَلاَةَ الصُّبْحِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْفَجْرَ انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ أَظُنُّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدْ جَاءَ بِشَيْءٍ قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ لاَ الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ".
[الحديث 3158 – طرفاه في: 4015، 6425]
3159- حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ وَزِيَادُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ بَعَثَ عُمَرُ النَّاسَ فِي أَفْنَاءِ الأَمْصَارِ يُقَاتِلُونَ الْمُشْرِكِينَ فَأَسْلَمَ الْهُرْمُزَانُ فَقَالَ إِنِّي مُسْتَشِيرُكَ فِي مَغَازِيَّ هَذِهِ قَالَ نَعَمْ مَثَلُهَا وَمَثَلُ مَنْ فِيهَا مِنْ النَّاسِ مِنْ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ مَثَلُ طَائِرٍ لَهُ رَأْسٌ وَلَهُ جَنَاحَانِ وَلَهُ رِجْلاَنِ فَإِنْ كُسِرَ أَحَدُ الْجَنَاحَيْنِ نَهَضَتْ الرِّجْلاَنِ بِجَنَاحٍ وَالرَّأْسُ فَإِنْ كُسِرَ الْجَنَاحُ الْآخَرُ نَهَضَتْ الرِّجْلاَنِ وَالرَّأْسُ وَإِنْ شُدِخَ الرَّأْسُ ذَهَبَتْ الرِّجْلاَنِ وَالْجَنَاحَانِ وَالرَّأْسُ فَالرَّأْسُ كِسْرَى وَالْجَنَاحُ قَيْصَرُ وَالْجَنَاحُ الْآخَرُ فَارِسُ فَمُرْ الْمُسْلِمِينَ فَلْيَنْفِرُوا إِلَى كِسْرَى وَقَالَ بَكْرٌ وَزِيَادٌ جَمِيعًا عَنْ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ قَالَ فَنَدَبَنَا عُمَرُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا النُّعْمَانَ بْنَ مُقَرِّنٍ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَخَرَجَ عَلَيْنَا عَامِلُ كِسْرَى فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا فَقَامَ تَرْجُمَانٌ فَقَالَ لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ سَلْ عَمَّا شِئْتَ قَالَ مَا أَنْتُمْ قَالَ نَحْنُ أُنَاسٌ مِنْ الْعَرَبِ كُنَّا فِي شَقَاءٍ شَدِيدٍ وَبَلاَءٍ شَدِيدٍ نَمَصُّ الْجِلْدَ وَالنَّوَى مِنْ الْجُوعِ وَنَلْبَسُ الْوَبَرَ وَالشَّعَرَ وَنَعْبُدُ الشَّجَرَ وَالْحَجَرَ فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الأَرَضِينَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ إِلَيْنَا نَبِيًّا مِنْ أَنْفُسِنَا نَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فَأَمَرَنَا نَبِيُّنَا رَسُولُ رَبِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تَعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ أَوْ تُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ وَأَخْبَرَنَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ رِسَالَةِ رَبِّنَا أَنَّهُ مَنْ قُتِلَ مِنَّا صَارَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي نَعِيمٍ لَمْ يَرَ مِثْلَهَا قَطُّ وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا مَلَكَ رِقَابَكُمْ".
3160- فَقَالَ النُّعْمَانُ رُبَّمَا أَشْهَدَكَ اللَّهُ مِثْلَهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُنَدِّمْكَ وَلَمْ يُخْزِكَ وَلَكِنِّي شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ وَتَحْضُرَ الصَّلَوَاتُ".
قوله: "باب الجزية" كذا للأكثر، ووقع عند ابن بطال وأبي نعيم "كتاب الجزية" ووقع لجميعهم البسملة

(6/258)


أوله سوى أبي ذر. قوله: "الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب" فيه لف ونشر مرتب، لأن الجزية مع أهل الذمة، والموادعة مع أهل الحرب. والجزية من جزأت الشيء إذا قسمته ثم سهلت الهمزة، وقيل من الجزاء أي لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام، أو من الإجزاء لأنها تكفي من توضع عليه في عصمة دمه. والموادعة المتاركة، والمراد بها متاركة أهل الحرب مدة معينة لمصلحة. قال ابن المنير: وليس في أحاديث الباب ما يوافقها إلا الحديث الأخير في تأخير النعمان بن مقرن القتال وانتظاره زوال الشمس. قلت: وليست هذه الموادعة المعروفة، والذي يظهر أن الصواب ما وقع عند أبي نعيم من إثبات لفظ: "كتاب" في صدر هذه الترجمة ويكون الكتاب معقودا للجزية والمهادنة، والأبواب المذكورة بعد ذلك مفرعة عنه، والله أعلم. قال العلماء: الحكمة في وضع الجزية أن الذل الذي يلحقهم ويحملهم على الدخول في الإسلام مع ما في مخالطة المسلمين من الاطلاع على محاسن الإسلام. واختلف في سنة مشروعيتها فقيل في سنة ثمان، وقيل في سنة تسع. قوله: "وقول الله عز وجل {قَاتِلُوا الَّذِينَ} إلخ" هذه الآية هي الأصل في مشروعية الجزية، ودل منطوق الآية على مشروعيتها مع أهل الكتاب، ومفهومها أن غيرهم لا يشاركهم فيها. قوله: "يعني أذلاء" هو تفسير {وَهُمْ صَاغِرُونَ} قال أبو عبيدة في المجاز: الصاغر الذليل الحقير. قال: وقوله: {عَنْ يَدٍ} أي عن طيب نفس، وكل من أطاع لقاهر وأعطاه عن طيب نفس من يد فقد أعطاه عن يد. وقيل معنى قوله: {عَنْ يَدٍ} أي نعمة منكم عليهم، وقيل يعطيها من يده ولا يبعث بها، وعن الشافعي: المراد بالصغار هنا التزام حكم الإسلام، وهو يرجع إلى التفسير اللغوي. لأن الحكم على الشخص بما لا يعتقده ويضطر إلى احتماله يستلزم الذل. قوله: "والمسكنة مصدر المسكين فلان أسكن من فلان أحوج منه ولم يذهب إلى السكون" هذا الكلام ثبت في كلام أبي عبيدة في المجاز، والقائل "ولم يذهب إلى السكون" قيل هو الفربري الراوي عن البخاري، أراد أن ينبه على أن قول البخاري "أسكن" من المسكنة لا من السكون، وإن كان أصل المادة واحدا، ووجه ذكر المسكنة هنا أنه لما فسر الصغار بالذلة وجاء في وصف أهل الكتاب أنهم {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} ناسب ذكر المسكنة عند ذكر الذلة. قوله: "وما جاء في أخذ الجزية من اليهود والنصارى والمجوس والعجم" هذه بقية الترجمة، قيل وعطف العجم على من تقدم ذكره من عطف الخاص على العام، وفيه نظر، والظاهر أن بينهما خصوصا وعموما وجهيا، فأما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق، وأما المجوس فقد ذكر مستنده في الباب، وفرق الحنفية فقالوا: تؤخذ من مجوس العجم دون مجوس العرب، وحكى الطحاوي عنهم تقبل الجزية من أهل الكتاب ومن جميع كفار العجم ولا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف، وعن مالك تقبل من جميع الكفار إلا من ارتد، وبه قال الأوزاعي وفقهاء الشام، وحكى ابن القاسم عنه لا تقبل من قريش، وحكى ابن عبد البر الاتفاق على قبولها من المجوس، لكن حكى ابن التين عن عبد الملك أنها لا تقبل إلا من اليهود والنصارى فقط، ونقل أيضا الاتفاق على أنه لا يحل نكاح نسائهم ولا أكل ذبائحهم، لكن حكى غيره عن أبي ثور حل ذلك، قال ابن قدامة: هذا خلاف إجماع من تقدمه. قلت: وفيه نظر، فقد حكى ابن عبد البر عن سعيد بن المسيب أنه لم يكن يرى بذبيحة المجوسي بأسا إذا أمره المسلم بذبحها، وروى ابن أبي شيبة عنه وعن عطاء وطاوس وعمرو بن دينار أنهم لم يكونوا يرون بأسا بالتسري بالمجوسية. وقال الشافعي: تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو عجما ويلتحق بهم المجوس في ذلك، واحتج بالآية المذكورة فإن مفهومها أنها لا تقبل من غير أهل الكتاب وقد أخذها النبي

(6/259)


صلى الله عليه وسلم من المجوس فدل على إلحاقهم بهم واقتصر عليه. وقال أبو عبيد: ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب وعلى المجوس بالسنة، واحتج غيره بعموم قوله في حديث بريده وغيره: "فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا فالجزية" واحتجوا أيضا بأن أخذها من المجوس يدل على ترك مفهوم الآية، فلما انتفى تخصيص أهل الكتاب بذلك دل على أن لا مفهوم لقوله: "من أهل الكتاب"، وأجيب بأن المجوس كان لهم كتاب ثم رفع، وروى الشافعي وغيره في ذلك حديثا عن علي، وسيأتي في هذا الباب ذكره. وتعقب بقوله تعالى: {إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} ، وأجيب بأن المراد مما اطلع عليه القائلون وهم قريش لأنهم لم يشتهر عندهم من جميع الطوائف من له كتاب إلا اليهود والنصارى، وليس في ذلك نفي بقية الكتب المنزلة كالزبور وصحف إبراهيم وغير ذلك. قوله: "وقال ابن عيينة إلخ" وصله عبد الرزاق عنه به وزاد بعد قوله: "أهل الشام من أهل الكتاب تؤخذ منهم الجزية إلخ" وأشار بهذا الأثر إلى جواز التفاوت في الجزية، وأقل الجزية عند الجمهور دينار لكل سنة، وخصه الحنفية بالفقير، وأما المتوسط فعليه ديناران وعلى الغني أربعة، وهو موافق الأثر مجاهد كما دل عليه حديث عمر، وعند الشافعية أن للإمام أن يماكس حتى يأخذها منهم وبه قال أحمد، روى أبو عبيد من طريق أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب "عن عمر أنه بعث عثمان بن حنيف بوضع الجزية على أهل السواد ثمانية وأربعين وأربعة وعشرين واثني عشر" وهذا على حساب الدينار باثني عشر. وعن مالك لا يزاد على الأربعين، وينقص منها عمن لا يطيق، وهذا محتمل أن يكون جعله على حساب الدينار بعشرة، والقدر الذي لا بد منه دينار، وفيه حديث مسروق عن معاذ "أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن قال: خذ من كل حالم دينارا" أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي والحاكم، واختلف السلف في أخذها من الصبي فالجمهور لا على مفهوم حديث معاذ، وكذا لا تؤخذ من شيخ فان ولا زمن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات في قول، والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخرا. قوله: "سمعت عمرا" هو ابن دينار. قوله: "كنت جالسا مع جابر بن زيد" هو أبو الشعثاء البصري "وعمرو بن أوس" هو الثقفي المتقدم ذكر روايته عن عبد الرحمن بن أبي بكر في الحج وعن عبد الله بن عمرو في التهجد، وليست له هنا رواية، بل ذكره عمرو بن دينار ليبين أن بحالة لم يقصده بالتحدث وإنما حدث غيره فسمعه هو، وهذا وجه من وجوه التحمل بالاتفاق، وإنما اختلفوا هل يسوغ أن يقول: "حدثنا"؟ والجمهور على الجواز، ومنع منه النسائي وطائفة قليلة. وقال البرقاني: يقول: "سمعت فلانا". قوله: "فحدثهما بجالة" هو بفتح الموحدة والجيم الخفيفة تابعي شهير كبير تميمي بصري وهو ابن عبدة بفتح المهملة والموحدة، ويقال فيه عبد بالسكون بلا هاء، وماله في البخاري سوى هذا الموضع. قوله: "عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة" أي وحج حينئذ بحالة معه، وبذلك صرح أحمد في روايته عن سفيان، وكان مصعب أميرا على البصرة من قبل أخيه عبد الله بن الزبير. وقتل مصعب بعد ذلك بسنة أو سنتين. قوله: "كنت كاتبا لجزء" بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة هكذا يقوله المحدثون، وضبطه أهل النسب بكسر الزاي بعدها تحتانية ساكنة ثم همزة. ومن قاله بلفظ التصغير فقد صحف. وهو ابن معاوية ابن حصن بن عبادة التميمي السعدي، عم الأحنف بن قيس. وهو معدود في الصحابة. وكان عامل عمر على الأهواز. ووقع في رواية الترمذي أنه كان على تنادر

(6/260)


"قلت" هي من قرى الأهواز. وذكر البلاذري أنه عاش إلى خلافة معاوية، وولى لزياد بعض عمله. قوله: "قبل موته بسنة" كان ذلك سنة اثنتين وعشرين، لأن عمر قتل سنة ثلاث. قوله: "فرقوا بين كل ذي محرم من المجوس" زاد مسدد وأبو يعلى في روايتهما: "اقتلوا كل ساحر قال: فقتلنا في يوم ثلاث سواحر، وفرقنا بين المحارم منهم، وصنع طعاما فدعاهم وعرض السيف على فخذيه، فأكلوا بغير زمزمة" قال الخطابي: أراد عمر بالتفرقة بين المحارم من المجوس منعهم من إظهار ذلك وإفشاء عقودهم به، وهو كما شرط على النصارى أن لا يظهروا صليبهم. قلت: قد روى سعيد بن منصور من وجه آخر عن بجالة ما يبين سبب ذلك ولفظه: "أن فرقوا بين المجوس وبين محارمهم كيما نلحقهم بأهل الكتاب" فهذا يدل على أن ذلك عند عمر شرط في قبول الجزية منهم، وأما الأمر بقتل الساحر فهو من مسائل الخلاف، وقد وقع في رواية سعيد بن منصور المذكورة من الزيادة "واقتلوا كل ساحر وكاهن" وسيأتي الكلام على حكم الساحر في "باب هل يعفى عن الذمي إذا سحر". قوله: "ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف" قلت: إن كان هذا من جملة كتاب عمر فهو متصل وتكون فيه رواية عمر عن عبد الرحمن بن عوف، وبذلك وقع التصريح في رواية الترمذي ولفظه: "فجاءنا كتاب عمر: انظر مجوس من قبلك فخذ منهم الجزية، فإن عبد الرحمن ابن عوف أخبرني" فذكره. لكن أصحاب الأطراف ذكروا هذا الحديث في ترجمة بجالة بن عبدة عن عبد الرحمن ابن عوف، وليس بجيد، وقد أخرج أبو داود من طريق قشير بن عمرو عن بجالة عن ابن عباس قال: "جاء رجل من مجوس هجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرج قلت له: ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شر، الإسلام أو القتل. قال: وقال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن عباس فأخذ الناس بقول عبد الرحمن وتركوا ما سمعت"؛ وعلى هذا فبجالة يرويه عن ابن عباس سماعا وعن عمر كتابة كلاهما عن عبد الرحمن بن عوف، وروى أبو عبيد بإسناد صحيح عن حذيفة "لولا أني رأيت أصحابي أخذوا الجزية من المجوس ما أخذتها" وفي الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه "أن عمر قال: لا أدري ما أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب" وهذا منقطع مع ثقة رجاله، ورواه ابن المنذر والدار قطني في "الغرائب" من طريق أبي علي الحنفي عن مالك فزاد فيه: "عن جده" وهو منقطع أيضا لأن جده علي بن الحسين لم يلحق عبد الرحمن بن عوف ولا عمر، فإن كان الضمير في قوله: "عن جده" يعود على محمد بن علي فيكون متصلا لأن جده الحسين بن علي سمع من عمر بن الخطاب ومن عبد الرحمن بن عوف، وله شاهد من حديث مسلم بن العلاء بن الحضرمي أخرجه الطبراني في آخر حديث بلفظ: "سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب" قال أبو عمر: هذا من الكلام العام الذي أريد به الخاص، لأن المراد سنة أهل الكتاب في أخذ الجزية فقط. قلت: وقع في آخر رواية أبي علي الحنفي "قال مالك في الجزية: واستدل بقوله سنة أهل الكتاب على أنهم ليسوا أهل كتاب" لكن روى الشافعي وعبد الرزاق وغيرهما بإسناد حسن عن علي "كان المجوس أهل كتاب يقرؤونه وعلم يدرسونه، فشرب أميرهم الخمر فوقع على أخته، فلما أصبح دعا أهل الطمع فأعطاهم وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته، فأطاعوه وقتل من خالفه فأسرى على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه فلم يبق عندهم منه شيء" وروى عبد بن حميد في تفسير سورة البروج بإسناد صحيح عن ابن أبزى "لما هزم المسلمون أهل فارس قال عمر: اجتمعوا. فقال: إن المجوس ليسوا أهل كتاب فنضع عليهم، ولا من عبدة الأوثان فنجري عليهم أحكامهم

(6/261)


فقال علي: بل هم أهل كتاب" فذكر نحوه لكن قال: "وقع على ابنته" وقال في آخره: "فوضع الأخدود لمن خالفه" فهذا حجة لمن قال كان لهم كتاب، وأما قول ابن بطال: لو كان لهم كتاب ورفع لرفع حكمه ولما استثنى حل ذبائحهم ونكاح نسائهم، فالجواب أن الاستثناء وقع تبعا للأثر الوارد في ذلك لأن في ذلك شبهة تقتضي حقن الدم، بخلاف النكاح فإنه مما يحتاط له. وقال ابن المنذر: ليس تحريم نسائهم وذبائحهم متفقا عليه، ولكن الأكثر من أهل العلم عليه. وفي الحديث قبول خبر الواحد، وأن الصحابي الجليل قد يغيب عنه علم ما اطلع عليه غيره من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه، وأنه لا نقص عليه في ذلك. وفيه التمسك بالمفهوم لأن عمر فهم من قوله: "أهل الكتاب" اختصاصهم بذلك حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف بإلحاق المجوس بهم فرجع إليه. قوله: "الأنصاري" المعروف عند أهل المغازي أنه من المهاجرين وهو موافق لقوله هنا "وهو حليف لبني عامر بن لؤي" لأنه يشعر بكونه من أهل مكة، ويحتمل أن يكون وصفه بالأنصاري بالمعنى الأعم، ولا مانع أن يكون أصله من الأوس والخزرج ونزل مكة وحالف بعض أهلها فبهذا الاعتبار يكون أنصاريا مهاجريا، ثم ظهر لي أن لفظة الأنصاري وهم، وقد تفرد بها شعيب عن الزهري، ورواه أصحاب الزهري كلهم عنه بدونها في الصحيحين وغيرهما، وهو معدود في أهل بدر باتفاقهم، ووقع عند موسى بن عقبة في المغازي أنه عمير بن عوف بالتصغير، وسيأتي في الرقاق من طريق موسى بن عقبة عن الزهري بغير تصغير، وكأنه كان يقال فيه بالوجهين، وقد فرق العسكري بين عمير بن عوف وعمرو بن عوف والصواب الوحدة. قوله: "بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين" أي البلد المشهور بالعراق، وهي بين البصرة وهجر، وقوله: "يأتي بجزيتها" أي بجزية أهلها، وكان غالب أهلها إذ ذاك المجوس، ففيه تقوية للحديث الذي قبله، ومن ثم ترجم عليه النسائي: "أخذ الجزية من المجوس"، وذكر ابن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد قسمة الغنائم بالجعرانة أرسل العلاء إلى المنذر بن ساوى عامل البحرين يدعوه إلى الإسلام فأسلم وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية. قوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين" كان ذلك في سنة الوفود سنة تسع من الهجرة، والعلاء بن الحضرمي صحابي شهير واسم الحضرمي عبد الله بن مالك بن ربيعة، وكان من أهل حضرموت فقدم مكة فخالف بها بني مخزوم، وقيل: كان اسم الحضرمي في الجاهلية زهرمز، وذكر عمر ابن شبة في "كتاب مكة" عن أبي غسان عن عبد العزيز بن عمران أن كسرى لما أغار بنو تميم وبنو شيبان على ماله أرسل إليهم عسكرا عليهم زهرمز فكانت وقعة ذي قار فقتلوا الفرس وأسروا أميرهم، فاشتراه صخر بن رزين الديلي فسرقه منه رجل من حضرموت فتبعه صخر حتى افتداه منه فقدم به مكة، وكان صناعا فعتق وأقام بمكة وولد له أولاد نجباء وتزوج أبو سفيان ابنته الصعبة فصارت دعواهم في آل حرب، ثم تزوجها عبيد الله بن عثمان والد طلحة أحد العشرة فولدت له طلحة. قال: وقال غير عبد العزيز: أن كلثوم ابن رزين أو أخاه الأسود خرج تاجرا فرأى بحضرموت عبدا فارسا نجارا يقال له زهرمز فقدم به مكة ثم اشتراه من مولاه وكان حميريا يكنى أبا رفاعة فأقام بمكة فصار يقال له الحضرمي حتى غلب على اسمه، فجاور أبا سفيان وانقطع إليه، وكان آل رزين حلفاء لحرب بن أمية، وأسلم العلاء قديما ومات الثلاثة المذكورون أبو عبيدة والعلاء باليمين وعمرو بن عوف في خلافة عمر رضي الله عنهم. قوله: "فقدم أبو عبيدة" تقدم في كتاب الصلاة بيان المال المذكور وقدره وقصة العباس في الأخذ منه وهي التي ذكرت هنا أيضا. قوله: "فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافقت صلاة الصبح" يؤخذ منه أنهم كانوا لا يجتمعون في كل الصلوات

(6/262)


في التجميع إلا لأمر يطرأ، وكانوا يصلون في مساجدهم، إذ كان لكل قبيلة مسجد يجتمعون فيه، فلأجل ذلك عرف النبي صلى الله عليه وسلم أنهم اجتمعوا لأمر، ودلت القرينة على تعيين ذلك الأمر وهو احتياجهم إلى المال للتوسعة عليهم فأبوا إلا أن يكون للمهاجرين مثل ذلك، وقد تقدم هناك من حديث أنس، فلما قدم المال رأوا أن لهم فيه حقا. ويحتمل أن يكون وعدهم بأن يعطيهم منه إذا حضر، وقد وعد جابرا بعد هذا أن يعطيه من مال البحرين فوفى له أبو بكر. قوله: "فتعرضوا له" أي سألوه بالإشارة. قوله: "قالوا أجل يا رسول الله" قال الأخفش: أجل في المعنى مثل نعم، لكن نعم يحسن أن تقال جواب الاستفهام، وأجل أحسن من نعم في التصديق. قوله: "فأبشروا" أمر معناه الإخبار بحصول المقصود. قوله: "فتنافسوها" يأتي الكلام عليه في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. وفي هذا الحديث أن طلب العطاء من الإمام لا غضاضة فيه، وفيه البشرى من الإمام لأتباعه وتوسيع أملهم منه، وفيه من أعلام النبوة إخباره صلى الله عليه وسلم بما يفتح عليهم، وفيه أن المنافسة في الدنيا قد تجر إلى هلاك الدين. ووقع في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم مرفوعا: "تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون" أو نحو ذلك، وفيه إشارة إلى أن كل خصلة من المذكورات مسببة عن التي قبلها، وسيأتي بقية الكلام على ذلك في الرقاق إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثنا المعتمر بن سليمان" كذا في جميع النسخ بسكون العين المهملة وفتح المثناة وكسر الميم، وكذا وقع في مستخرج الإسماعيلي وغيره في هذا الحديث، وزعم الدمياطي أن الصواب المعمر بفتح المهملة وتشديد الميم المفتوحة بغير مثناة قال: لأن عبد الله بن جعفر الرقي لا يروي عن المعتمر البصري، وتعقب بأن ذلك ليس بكاف في رد الروايات الصحيحة، وهب أن أحدهما لم يدخل بلد الآخر أما يجوز أن يكونا التقيا مثلا في الحج أو في الغزو؟ وما ذكره معارض بمثله، فأن المعمر بن سليمان رقي وسعيد بن عبيد الله بصري فمهما استبعد من لقاء الرقي البصري جاء مثله في لقاء الرقي للبصري، وأيضا فالذين جمعوا رجال البخاري لم يذكروا فيهم المعمر بن سليمان الرقي وأطبقوا على ذكر المعتمر بن سليمان التيمي البصري، وأغرب الكرماني فحكى أنه قيل: الصواب في هذا معمر بن راشد يعني شيخ عبد الرزاق. قلت: وهذا هو الخطأ بعينه، فليست لعبد الله بن جعفر الرقي عن معمر بن راشد رواية أصلا، والله المستعان. ثم رأيت سلف الدمياطي فيما جزم به فقال ابن قرقول في المطالع: وقع في التوحيد وفي الجزية عن الفضل بن يعقوب عن عبد الله بن جعفر عن معتمر بن سليمان عن سعيد بن عبيد الله كذا للجميع في الموضعين، قالوا وهو وهم، وإنما هو المعمر بن سليمان الرقي، وكذا كان في أصل الأصيلي فزاد فيه التاء وأصلحه في الموضعين، قال الأصيلي: المعتمر هو الصحيح. وقال غيره: المعمر هو الصحيح والرقي لا يروى عن المعتمر، قال: ولم يذكر الحاكم ولا الباجي في رجال البخاري المعمر بن سليمان، بل قال الباجي في ترجمة عبد الله بن جعفر: يروى عن المعتمر، ولم يذكر له البخاري عنه رواية. قوله: "حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي" هو ابن جبير بن حية المذكور بعد، وزياد بن جبير شيخه هو ابن عمه. قوله: "عن جبير بن حية" هو جد زياد وحية أبوه بمهملة وتحتانية مثقلة، وهو من كبار التابعين، واسم جده مسعود بن معتب بمهملة ومثناة ثم موحدة، ومنهم من عده في الصحابة وليس ذلك عندي ببعيد، لأن من شهد الفتوح في وسط خلافة عمر يكون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مميزا، وقد نقل ابن عبد البر أنه لم يبق في سنة حجة الوداع من قريش وثقيف أحد إلا أسلم وشهدها وهذا منهم، وهو من بيت كبير فإن عمه عروة بن مسعود كان رئيس ثقيف في زمانه والمغيرة بن شعبة ابن عمه.

(6/263)


ووقع في رواية الطبري من طريق مبارك بن فضالة عن زياد بن جبير "حدثني أبي" ولسعيد حفيده رواية أخرى في الأشربة والتوحيد، وعمه زياد بن جبير تقدمت له روايات أخرى في الصوم والحج، وذكر أبو الشيخ أن جبير بن حية ولي إمرة أصبهان ومات في خلافة عبد الملك بن مروان. قوله: "بعث عمر الناس في أفناء الأمصار" أي في مجموع البلاد الكبار، والأفناء بالفاء والنون ممدود جمع فنو بكسر الفاء وسكون النون، ويقال فلان من أفناء الناس إذا لم تعين قبيلته. والمصر: المدينة العظيمة، ووقع عند الكرماني "الأنصار" بالنون بدل الميم وشرح عليه ثم قال: وفي بعضها الأمصار. قوله: "فأسلم الهرمزان" في السياق اختصار كثير لأن إسلام الهرمزان كان بعد قتال كثير بينه وبين المسلمين بمدينة تستر، ثم نزل على حكم عمر فأسره أبو موسى الأشعري وأرسل به إلى عمر مع أنس فأسلم فصار عمر يقربه ويستشيره، ثم اتفق أن عبيد الله - بالتصغير - ابن عمر بن الخطاب اتهمه بأنه واطأ أبا لؤلؤة على قتل عمر فعدا على الهرمزان فقتله بعد قتل عمر، وستأتي قصة إسلام الهرمزان بعد عشرة أبواب. وهو بضم الهاء وسكون الراء وضم الميم بعدها زاي، وكان من زعماء الفرس. قوله: "إني مستشيرك في مغازي" بالتشديد، وهذه إشارة إلى ما في قصده، ووقع في رواية ابن أبي شيبة من طريق معقل بن يسار "أن عمر شاور الهرمزان في فارس وأصبهان وأذربيجان" أي بأيها يبدأ، وهذا يشعر بأن المراد أنه استشاره في جهات مخصوصة، والهرمزان كان من أهل تلك البلاد وكان أعلم بأحوالها من غيره، وعلى هذا ففي قوله في حديث الباب: "فالرأس كسرى والجناح قيصر والجناح الآخر فارس" نظر، لأن كسرى هو رأس أهل فارس، وأما قيصر صاحب الروم فلم يكن كسرى رأسا لهم. وقد وقع عند الطبري من طريق مبارك بن فضالة المذكورة قال: "فإن فارس اليوم رأس وجناحان" وهذا موافق لرواية ابن أبي شيبة وهو أولى، لأن قيصر كان بالشام ثم ببلاد الشمال ولا تعلق لهم بالعراق وفارس والمشرق. ولو أراد أن يجعل كسرى رأس الملوك وهو ملك المشرق وقيصر ملك الروم دونه ولذلك جعله جناحان لكان المناسب أن يجعل الجناح الثاني ما يقابله من جهة اليمين كملوك الهند والصين مثلا، لكن دلت الرواية الأخرى على أنه لم يرد إلا أهل بلاده التي هو عالم بها، وكأن الجيوش إذ ذاك كانت بالبلاد الثلاثة، وأكثرها وأعظمها بالبلدة التي فيها كسرى لأنه كان رأسهم. قوله: "فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى" في رواية مبارك أن الهرمزان قال: "فاقطع الجناحين يلن لك الرأس" فأنكر عليه عمر فقال: "بل أقطع الرأس أولا" فيحتمل أنه لما أنكر عليه عاد فأشار عليه بالصواب. قوله: "واستعمل علينا النعمان بن مقرن" بالقاف وتشديد الراء وهو المزني، وكان من أفاضل الصحابة هاجر هو وإخوة له سبعة وقيل عشرة. وقال ابن مسعود "إن للإيمان بيوتا، وإن بيت آل مقرن من بيوت الإيمان" وكان النعمان قدم على عمر بفتح القادسية ففي رواية ابن أبي شيبة المذكورة "فدخل عمر المسجد فإذا هو بالنعمان يصلي فقعد، فلما فرغ قال: إني مستعملك، قال أما جابيا فلا، ولكن غازيا، قال: فإنك غاز، فخرج معه الزبير وحذيفة وابن عمرو والأشعث وعمرو بن معد يكرب" وفي رواية الطبري المذكورة "فأراد عمر المسير بنفسه، ثم بعث النعمان ومعه ابن عمر وجماعة، وكتب إلى أبي موسى أن يسير بأهل البصرة، وإلى حذيفة أن يسير بأهل الكوفة، حتى يجتمعوا بنهاوند، وهي بفتح النون والهاء والواو وسكون الثانية، قال: وإذا التقيتم فأميركم النعمان بن مقرن". قوله: "حتى إذا كنا بأرض العدو" وقد عرف من رواية الطبري أنها نهاوند. قوله: "خرج علينا عامل كسرى" سماه مبارك بن فضالة في

(6/264)


روايته بندار، وعند ابن أبي شيبة أنه ذو الجناحين، فلعل أحدهما لقبه. قوله: "فقام ترجمان" في رواية الطبري من الزيادة "فلما اجتمعوا أرسل بندار إليهم أن أرسلوا إلينا رجلا نكلمه، فأرسلوا إليه المغيرة" وفي رواية ابن أبي شيبة: "وكان بينهم نهر. فسرح إليهم المغيرة، فعبر النهر، فشاور ذو الجناحين أصحابه كيف نقعد للرسول؟ فقالوا له: اقعد في هيئة الملك وبهجته، فقعد على سريره ووضع التاج على رأسه وقام أبناء الملوك حوله سماطين عليهم أساور الذهب والقرطة والديباج، قال فأذن للمغيرة فأخذ بضبعيه رجلان ومعه رمحه وسيفه، فجعل يطعن برمحه في بسطهم ليتطيروا" وفي رواية الطبري "قال المغيرة: فمضيت ونكست رأسي فدفعت فقلت لهم: إن الرسول لا يفعل به هذا". قوله: "ما أنتم" هكذا خاطبه بصيغة من لا يعقل احتقارا له، وفي روايته ابن أبي شيبة: "فقال إنكم معشر العرب أصابكم جوع وجهد فجئتم، فإن شئتم مرناكم" بكسر الميم وسكون الراء أي أعطيناكم الميرة أي الزاد ورجعتم. وفي رواية الطبري "إنكم معشر العرب أطول الناس جوعا وأبعد الناس من كل خير، وما منعني أن آمر هؤلاء الأساورة أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا لجيفكم" قال: "فحمدت الله وأثنيت عليه ثم قلت: ما أخطأت شيئا من صفتنا، كذلك كنا، حتى بعث الله إلينا رسوله". قوله: "نعرف أباه وأمه" زاد في رواية ابن أبي شيبة: "في شرف منا، أوسطنا حسبا، وأصدقنا حديثا". قوله: "فأمرنا نبينا رسول ربنا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية" هذا القدر هو الذي يحتاج إليه في هذا الباب، وفيه إخبار المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتال المجوس حتى يؤدوا الجزية، ففيه دفع لقول من زعم أن عبد الرحمن بن عوف تفرد بذلك، وزاد في رواية الطبري "وإنا والله لا نرجع إلى ذلك الشقاء حتى نغلبكم على ما في أيديكم". قوله: "فقال النعمان" هكذا وقع في هذه الرواية مختصرا، قال ابن بطال: قول النعمان للمغيرة "ربما أشهدك الله مثلها" أي مثل هذه الشدة، وقوله: "فلم يندمك" أي ما لقيت معه من الشدة "ولم يحزنك" أي لو قتلت معه لعلمك بما تصير إليه من النعيم وثواب الشهادة، قال وقوله: "ولكني شهدت إلخ" كلام مستأنف وابتداء قصة أخرى اهـ، وقد بين مبارك بن فضالة في روايته عن زياد بن جبير ارتباط كلام النعمان بما قبله، وبسياقه يتبين أنه ليس قصة مستأنفة، وحاصله أن المغيرة أنكر على النعمان تأخير القتال فاعتذر النعمان بما قاله، وما أول به قوله: "فلم يندمك إلخ" فيه أيضا نظر، والذي يظهر أنه أراد بقوله: "فلم يندمك" أي على التأني والصبر حتى تزول الشمس، وقوله: "ولم يحزنك" شرحه على أنه بالمهملة والنون من الحزن وفي رواية المستملي بالخاء المعجمة بغير نون وهو أوجه لوفاق ما قبله، وهو نظير ما تقدم في وفد عبد القيس "غير خزايا ولا ندامى" ولفظ مبارك ملخصا أنهم "أرسلوا إليهم إما أن تعبروا إلينا النهر أو نعبر إليكم، قال النعمان اعبروا إليهم، قال فتلاقوا وقد قرن بعضهم بعضا وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا يفروا، قال فرأى المغيرة كثرتهم فقال لم أر كاليوم فشلا أن عدونا يتركون يتأهبون، أما والله لو كان الأمر إلي لقد أعجلتهم" وفي رواية ابن أبي شيبة: "فصاففناهم، فرشقونا حتى أسرعوا فينا، فقال المغيرة للنعمان أنه قد أسرع في الناس فلو حملت، فقال النعمان: إنك لذو مناقب، وقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلها" وفي رواية الطبري "قد كان الله أشهدك أمثالها، والله ما منعني أن أناجزهم إلا شيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم". قوله: "حتى تهب الأرواح" جمع ريح وأصله الواو، لكن لما انكسر ما قبل الواو الساكنة انقلبت ياء والجمع يرد الأشياء إلى أصولها، وقد حكى ابن جنى جمع ريح على أرياح. قوله: "وتحضر الصلوات" في رواية ابن أبي شيبة: "وتزول الشمس" وهو بالمعنى؛ وزاد في رواية الطبري

(6/265)


"ويطيب القتال" وفي رواية ابن أبي شيبة: "وينزل النصر" وزاد معا واللفظ لمبارك بن فضالة عن زياد بن جبير "فقال النعمان: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام وذل الكفر والشهادة لي" ثم قال: "إني هاز اللواء فتيسروا للقتال". وفي رواية ابن أبي شيبة: "فليقض الرجل حاجته وليتوطأ، ثم هازه الثانية فتأهبوا" وفي رواية ابن أبي شيبة: "فلينظر الرجل إلى نفسه ويرمى من سلاحه، ثم هازه الثالثة فاحملوا، ولا يلوين أحد على أحد، ولو قتلت، فإن قتلت فعلى الناس حذيفة. قال: فحمل وحمل الناس، فوالله ما علمت أن أحدا يومئذ يريد أن يرجع إلى أهله حتى يقتل أو يظفر. فثبتوا لنا، ثم انهزموا، فجعل الواحد يقع على الآخر فيقتل سبعة، وجعل الحسك الذي جعلوه خلفهم يعقرهم" وفي رواية ابن أبي شيبة: "ووقع ذو الجناحين عن بغلة شهباء فانشق بطنه، ففتح الله على المسلمين" وفي رواية الطبري "وجعل النعمان يتقدم باللواء، فلما تحقق الفتح جاءته نشابة في خاصرته فصرعته، فسجاه أخوه معقل ثوبا وأخذ اللواء، ورجع الناس فنزلوا وبايعوا حذيفة، فكتب بالفتح إلى عمر مع رجل من المسلمين" قلت: وسماه سيف في "الفتوح" طريف بن سهم، وعند ابن أبي شيبة من طريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان هو النهدي أنه ذهب بالبشارة إلى عمر، فيمكن أن يكونا ترافقا، وذكر الطبري أن ذلك كان سنة تسع عشرة وقيل سنة إحدى وعشرين، وفي الحديث منقبة للنعمان ومعرفة المغيرة بالحرب وقوة نفسه وشهامته وفصاحته وبلاغته، ولقد اشتمل كلامه هذا الوجيز على بيان أحوالهم الدنيوية من المطعم والملبس ونحوهما، وعلى أحوالهم الدينية أولا وثانيا، وعلى معتقدهم من التوحيد والرسالة والإيمان بالمعاد، وعلى بيان معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وإخباره بالمغيبات ووقوعها كما أخبر، وفيه فضل المشورة وأن الكبير لا نقص عليه في مشاورة من هو دونه، وأن المفضول قد يكون أميرا على الأفضل، لأن الزبير بن العوام كان في جيش عليه فيه النعمان بن مقرن والزبير أفضل منه اتفاقا، ومثله تأمير عمرو بن العاص على جيش فيه أبو بكر وعمر كما سيأتي في أواخر المغازي، وفيه ضرب المثل وجودة تصور الهرمزان ولذلك استشاره عمر، وتشبيه لغائب المجوس بحاضر محسوس لتقريبه إلى الفهم، وفيه البداءة بقتال الأهم فالأهم، وبيان ما كان العرب عليه في الجاهلية من الفقر وشظف العيش، والإرسال إلى الإمام بالبشارة، وفضل القتال بعد زوال الشمس على ما قبله، وقد تقدم ذلك في الجهاد، ولا يعارضه ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يغير صباحا لأن هذا عند المصاففة وذاك عند الغارة.

(6/266)


2 - باب إِذَا وَادَعَ الإِمَامُ مَلِكَ الْقَرْيَةِ هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ لِبَقِيَّتِهِمْ؟
3161- حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: "غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ".
قوله: "باب إذا وادع الإمام ملك القرية هل يكون ذلك لبقيتهم؟" أي لبقية أهل القرية. حديث أبي حميد الساعدي "غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم تبوك فأهدى ملك أيلة بغلة" الحديث، وقد تقدم بتمامه في كتاب الزكاة، وقوله: "وكساه بردا" كذا فيه بالواو، ولأبي ذر بالفاء وهو أولى لأن فاعل كسا هو النبي صلى الله عليه وسلم.

(6/266)


وقوله: "ببحرهم" أي بقريتهم، قال ابن المنير: لم يقع في لفظ الحديث عند البخاري صيغة الأمان ولا صيغة الطلب لكنه بناه على العادة في أن الملك الذي أهدى إنما طلب إبقاء ملكه، وإنما يبقى ملكه ببقاء رعيته، فيؤخذ من هذا أن موادعته موادعة لرعيته. قلت: وهذا القدر لا يكفي في مطابقة الحديث للترجمة، لأن العادة بذلك معروفة من غير الحديث، وإنما جرى البخاري على عادته في الإشارة إلى بعض طرق الحديث الذي يورده، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق في السيرة فقال: "لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه بحنة بن رؤبة صاحب أيلة فصالحه وأعطاه الجزية، وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم: بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله لبحنة بن رؤبة وأهل أيلة" فذكره. قال ابن بطال: العلماء مجمعون على أن الإمام إذا صالح ملك القرية أنه يدخل في ذلك الصلح بقيتهم، واختلفوا في عكس ذلك هو ما إذا استأمن لطائفة معينة هل يدخل هو فيهم؟ فذهب الأكثر إلى أنه لا بد من تعيينه لفظا. وقال أصبغ وسحنون: لا يحتاج إلى ذلك، بل يكتفي بالقرينة، لأنه لم يأخذ الأمان لغيره إلا وهو يقصد إدخال نفسه.

(6/267)


باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله صلى الله عليه و سلم . و الذمة العهد ، و الإل القرابة
...
3 - باب الْوَصَاةِ بِأَهْلِ ذِمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَالذِّمَّةُ: الْعَهْدُ. وَالإِلُّ: الْقَرَابَةُ.
3162- حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ جُوَيْرِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ التَّمِيمِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قُلْنَا: أَوْصِنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِذِمَّةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ ذِمَّةُ نَبِيِّكُمْ وَرِزْقُ عِيَالِكُمْ".
قوله: "باب الوصاة بأهل ذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم" الوصاة بفتح الواو والمهملة مخففا بمعنى الوصية، تقول وصيته وأوصيته توصية والاسم الوصاة والوصية. وقد تقدم بسطه في أول كتاب الوصايا. قوله: "والذمة العهد والإل القرابة" هو تفسير الضحاك في قوله تعالى: {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً} وهو كقول الشاعر:
وأشهد أن إلك من قريش ... كإل السقب من رأل النعام
وقال أبو عبيدة في "المجاز" الإل: العهد والميثاق واليمين، ومجاز الذمة التذمم والجمع ذمم. وقال غيره: يطلق الإل أيضا على العهد وعلى الجوار. وعن مجاهد: الإل الله، وأنكره عليه غير واحد. قوله: "حدثنا أبو جمرة" هو بالجيم والراء الضبعي صاحب ابن عباس، وجويرية بن قدامة بالجيم مصغر ماله في البخاري سوى هذا الموضع، وهو مختصر من حديث طويل في قصة مقتل عمر، وسأذكر ما فيه من فائدة زائدة في الكلام على حديث عمر المذكور في مناقبه، وقيل إن جويرية هذا هو جارية بن قدامة الصحابي المشهور، وقد بينت في كتابي في الصحابة ما يقويه، فإن ثبت وإلا فهو من كبار التابعين. قوله: "أوصيكم بذمة الله فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم" في رواية عمرو بن ميمون "وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم" قلت: ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه. وقوله في هذه الرواية: "ورزق عيالكم" أي ما يؤخذ منهم من الجزية والخراج. قال المهلب: في الحديث والحض على الوفاء بالعهد، وحسن النظر في عواقب الأمور، والإصلاح لمعاني المال وأصول الاكتساب.

(6/267)


باب ما أقطع النبي صلى الله عليه و سلم من البحرين ، و ما وعد من مال البحرين و الجزية و لمن يقسم الفيء و الجزية ؟
...
4 - باب مَا أَقْطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَحْرَيْنِ، وَمَا وَعَدَ مِنْ مَالِ الْبَحْرَيْنِ وَالْجِزْيَةِ،وَلِمَنْ يُقْسَمُ الْفَيْءُ وَالْجِزْيَةُ ؟
3163- حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير عن يحيى بن سعيد قال سمعت أنسا رضي الله عنه قال: "دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليكتب لهم بالبحرين فقالوا لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها فقال ذاك لهم ما شاء الله على ذلك يقولون له. قال: فإنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".
3164- حدثنا علي بن عبد الله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال أخبرني روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي لو قد جاءنا مال البحرين قد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء مال البحرين قال أبو بكر من كانت له ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة فليأتني فأتيته فقلت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان قال لي لو قد جاءنا مال البحرين لأعطيتك هكذا وهكذا وهكذا فقال لي احثه فحثوت حثية فقال لي عدها فعددتها فإذا هي خمسمائة فأعطاني ألفا وخمسمائة".
3165- وقال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فقال انثروه في المسجد فكان أكثر مال أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه العباس فقال يا رسول الله أعطني إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا قال خذ فحثا في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي قال لا قال فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يرفعه فقال فمر بعضهم يرفعه علي قال لا قال فارفعه أنت علي قال لا فنثر منه ثم احتمله على كاهله ثم انطلق فما زال يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثم منها درهم".
قوله: "باب ما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم من البحرين وما وعد من مال البحرين والجزية ولمن يقسم الفيء والجزية" اشتملت هذه الترجمة على ثلاثة أحكام، وأحاديث الباب ثلاثة موزعة عليها على الترتيب. فأما إقطاعه صلى الله عليه وسلم من البحرين فالحديث الأول دال على أنه صلى الله عليه وسلم هم بذلك وأشار على الأنصار به مرارا فلما لم يقبلوا تركه، فنزل المصنف ما بالقوة منزلة ما بالفعل، وهو في حقه صلى الله عليه وسلم واضح لأنه لا يأمر إلا بما يجوز فعله والمراد بالبحرين البلد المشهور بالعراق، وقد تقدم في فرض الخمس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صالحهم وضرب عليهم الجزية، وتقدم في كتاب الشرب في الكلام على هذا الحديث أن المراد بإقطاعها للأنصار تخصيصهم بما يتحصل من جزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها لأن أرض الصلح

(6/268)


لا تقسم ولا تقطع. وأما ما وعد من مال البحرين والجزية فحديث جابر دال عليه وقد مضى في الخمس مشروحا. وأما مصرف الفيء والجزية فعطف الجزية على الفيء من عطف الخاص على العام لأنها من جملة الفيء، قال الشافعي وغيره من العلماء: الفيء كل ما حصل للمسلمين مما لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب، وحديث أنس المعلق يشعر بأنه راجع إلى نظر الإمام يفضل من شاء بما شاء، وقد تقدم الحديث بهذا الإسناد المعلق بعينه في المساجد من كتاب الصلاة، وذكرت هناك من وصله وبعض فوائده، وأعاده في الجهاد وغيره بأخصر من هذا، وتقدم في الخمس أن المال الذي أتى به من البحرين كأن من الجزية وأن مصرف الجزية مصرف الفيء، وتقدم بيان الاختلاف في مصرف الفيء، وأن المصنف يختار أنه إلى نظر الإمام والله أعلم. وروى عبد الرزاق في حديث عمر الطويل حين دخل عليه العباس وعلي يختصمان قال: "قرأ عمر {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} الآية، فقالوا: استوعبت هذه المسلمين" ورواه أبو عبيدة من وجه آخر وقال فيه: "فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد إلا له فيها حق، إلا بعض من تملكون من أرقائكم" قال أبو عبيد: حكم الفيء والخراج والجزية واحد، ويلتحق به ما يؤخذ من مال أهل الذمة من العشر إذا اتجروا في بلاد الإسلام، وهو حق المسلمين يعم به الفقير والغني وتصرف منه أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وما ينوب الإمام من جميع ما فيه صلاح الإسلام والمسلمين. واختلف الصحابة في قسم الفيء: فذهب أبو بكر إلى التسوية وهو قول علي وعطاء واختيار الشافعي، وذهب عمر وعثمان إلى التفضيل وبه قال مالك، وذهب الكوفيون إلى أن ذلك إلى رأي الإمام إن شاء فضل وإن شاء سوى، قال ابن بطال: أحاديث الباب حجة لمن قال بالتفضيل، كذا قال، والذي يظهر أن من قال بالتفضيل يشترط التعميم بخلاف من قال إنه إلى نظر الإمام وهو الذي تدل عليه أحاديث الباب والله أعلم. وروى أبو داود من حديث عوف بن مالك "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه في قسمة من يومه، فأعطى الآهل حظين وأعطى الأعزب حظا واحدا". وقال ابن المنذر: انفرد الشافعي بقوله إن في الفيء الخمس كخمس الغنيمة، ولا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم، لأن الآيات التاليات الآية الفيء معطوفات على آية الفيء من قوله: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ} إلى آخرها فهي مفسرة لما تقدم من قوله: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} ، والشافعي حمل الآية الأولى على أن القسمة إنما وقعت، لمن ذكر فيها فقط، ثم لما رأى الإجماع على أن أعطية المقاتلة وأرزاق الذرية وغير ذلك من مال الفيء تأول أن الذي ذكر في الآية هو الخمس فجعل خمس الفيء واجبا لهم، وخالفه عامة أهل العلم اتباعا لعمر والله أعلم. وفي قصة العباس دلالة على أن سهم ذوي القربى من الفيء لا يختص بفقيرهم لأن العباس كان من الأغنياء، قال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد في قول عمر "ما على الأرض مسلم إلا وله من هذا الفيء حق إلا ما ملكت أيمانكم" قال يقول: الفيء للغني وللفقير، وكذا قال إسحاق بن راهويه.

(6/269)


باب إثم من قبل معاهدا بغير جرم
...
5 - باب إِثْمِ مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا بِغَيْرِ جُرْمٍ
3166- حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ

(6/269)


مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا".
[الحديث 3166 – طرفه في: 6914]
قوله: "باب إثم من قتل معاهدا بغير جرم" كذا قيده في الترجمة، وليس التقييد في الخبر، لكنه مستفاد من قواعد الشرع، ووقع منصوصا في رواية أبي معاوية الآتي ذكرها بلفظ: "بغير حق" وفيما أخرجه النسائي وأبو داود من حديث أبي بكرة بلفظ: "من قتل نفسا معاهدة بغير حلها حرم الله عليه الجنة" وسيأتي الكلام على المتن في الديات فإنه ذكره فيه بهذا الإسناد بعينه. عبد الواحد شيخ شيخه هو ابن زياد، والحسن ابن عمرو هو الفقيمي بالفاء والقاف مصغرا كوفي ثقة ماله في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في الأدب. قوله: "مجاهد عن عبد الله بن عمرو" أي ابن العاص، كذا قال عبد الواحد عن الحسن بن عمرو، وتابعه أبو معاوية عند ابن ماجة وعمرو بن عبد الغفار الفقيمي عند الإسماعيلي فهؤلاء ثلاثة رووه هكذا، وخالفهم مروان بن معاوية فرواه عن الحسن بن عمرو فزاد فيه رجلا بين مجاهد وعبد الله بن عمرو وهو جنادة بن أبي أمية أخرجه من طريقه النسائي، ورجح الدار قطني رواية مروان لأجل هذه الزيادة، لكن سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو ثابت، وليس بمدلس فيحتمل أن يكون مجاهد سمعه أولا من جنادة ثم لقي عبد الله بن عمرو، أو سمعاه معا وثبته فيه جنادة فحدث به عن عبد الله بن عمرو تارة وحدث به عن جنادة أخرى، ولعل السر في ذلك ما وقع بينهما من زيادة أو اختلاف لفظ فإن لفظ النسائي من طريقه "من قتل قتيلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة" فقال: "من أهل الذمة" ولم يقل معاهدا وهو بالمعنى، ووقع في رواية أبي معاوية "بغير حق" كما تقدم، ووقع في رواية الجميع "أربعين عاما" إلا عمرو بن عبد الغفار فقال: "سبعين" ووقع مثله في حديث أبي هريرة عند الترمذي. "تنبيهان": أحدهما اتفقت النسخ على أن الحديث من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، إلا ما رواه الأصيلي عن الجرجاني عن الفربري فقال: "عبد الله بن عمر" بضم العين بغير واو، وهو تصحيف نبه عليه الجياني. ثانيهما قوله: "لم يرح" بفتح الياء والراء وأصله يراح أي وجد ريح، وحكى ابن التين ضم أوله وكسر الراء، قال: والأول أجود وعليه الأكثر، وحكى ابن الجوزي ثالثة وهو فتح أوله وكسر ثانيه من راح يريح، والله أعلم.

(6/270)


باب إخراج اليهود من جزيرة العرب . و قال عمر عن النبي صلى الله عليه و سلم (( أقركم ما أقركم الله ))
...
6 - باب إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
وَقَالَ عُمَرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ بِهِ".
3167- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ فَخَرَجْنَا حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَالَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ فَمَنْ يَجِدْ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ وَإِلاَ فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ".
[الحديث 3167 – طرفاه في: 6944، 7248]
3168- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَحْوَلِ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: يَوْمُ الْخَمِيسِ، وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى. قُلْتُ: يَا ابن

(6/270)


عَبَّاسٍ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ: "اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا فَتَنَازَعُوا وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُعٌ فَقَالُوا مَا لَهُ أَهَجَرَ اسْتَفْهِمُوهُ فَقَالَ ذَرُونِي فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ بِثَلاَثٍ قَالَ أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ وَالثَّالِثَةُ خَيْرٌ". إِمَّا أَنْ سَكَتَ عَنْهَا وَإِمَّا أَنْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا. قَالَ سُفْيَانُ هَذَا مِنْ قَوْلِ سُلَيْمَانَ.
قوله: "باب إخراج اليهود من جزيرة العرب" تقدم الكلام على جزيرة العرب في "باب هل يستشفع إلى أهل الذمة" من كتاب الجهاد، وتقدم فيه حديث ابن عباس ثاني حديثي الباب ولفظه: "أخرجوا المشركين" وكأن المصنف اقتصر على ذكر اليهود لأنهم يوحدون الله تعالى إلا القليل منهم ومع ذلك أمر بإخراجهم فيكون إخراج غيرهم من الكفار بطريق الأولى. قوله: "وقال عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أقركم ما أقركم الله" هو طرف من قصة أهل خيبر، وقد تقدم موصولا في المزارعة مع الكلام عليه. حديث أبي هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم لليهود "أسلموا تسلموا" وسيأتي بأتم من هذا السياق في كتاب الإكراه وفي الاعتصام، ولم أر من صرح بنسب اليهود المذكورين والظاهر أنهم بقايا من اليهود تأخروا بالمدينة بعد إخلاء بني قينقاع وقريظة والنضير والفراغ من أمرهم، لأنه كان قبل إسلام أبي هريرة، وإنما جاء أبو هريرة بعد فتح خيبر كما سيأتي بيان ذلك كله في المغازي، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم يهود خيبر على أن يعملوا في الأرض كما تقدم، واستمروا إلى أن أجلاهم عمر، ويحتمل والله أعلم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فتح ما بقي من خيبر هم بإجلاء من بقي ممن صالح من اليهود ثم سألوه أن يبقيهم ليعملوا في الأرض فبقاهم، أو كان قد بقي بالمدينة من اليهود المذكورين طائفة استمروا فيها معتمدين على الرضا بإبقائهم للعمل في أرض خيبر ثم منعهم النبي صلى الله عليه وسلم من سكنى المدينة أصلا والله أعلم، بل سياق كلام القرطبي في شرح مسلم يقتضي أنه فهم أن المراد بذلك بنو النضير، ولكن لا يصح ذلك لتقدمه على مجيء أبي هريرة، وأبو هريرة يقول في هذا الحديث إنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وبيت المدراس بكسر أوله هو البيت الذي يدرس فيه كتابهم، أو المراد بالمدراس العالم الذي يدرس كتابهم، والأول أرجح لأن في الرواية الأخرى "حتى أتى المدراس" وقوله: "أسلموا تسلموا" من الجناس الحسن لسهولة لفظه وعدم تكلفه، وقد تقدم نظيره في كتاب هرقل "أسلم تسلم" وقوله: "اعلموا" جملة مستأنفة كأنهم قالوا في جواب قوله أسلموا تسلموا: لم قلت هذا وكررته؟ فقال: اعلموا أني أريد أن أجليكم فإن أسلمتم سلمتم من ذلك ومما هو أشق منه . وقولهم "قد بلغت"(1) كلمة مكر ومداجاة ليدافعوه بما يوهمه ظاهرها ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "ذلك أريد" أي التبليغ. قوله: "فمن يجد منكم بماله" من الوجدان أي يجد مشتريا، أو من الوجد أي المحبة أي يحبه، والغرض أن منهم من يشق عليه فراق شيء من ماله مما يعسر تحويله فقد أذن له في بيعه. حديث ابن عباس فيما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاته، والغرض منه قوله: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" ووقع في رواية الجرجاني "أخرجوا اليهود" والأول أثبت. قوله: "حدثنا محمد حدثنا ابن عيينة" محمد هذا هو ابن سلام، وقد تقدم في كتاب الوضوء في حديث آخر "حدثنا محمد بن سلام
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: وقولهم: "قد بلغت" وقوله بعده: "ذلك أريد" كذا في نسخ الشرح التي بأيدينا، وليس في نسخ البخاري شيء من ذلك، فلعلها رواية وقعت له فكتب عليها.

(6/271)


حدثنا ابن عيينة" وسيأتي الكلام على شرح المتن في الوفاة آخر المغازي إن شاء الله تعالى. قال الطبري: فيه أن على الإمام إخراج كل من دان بغير دين الإسلام من كل بلد غلب عليها المسلمون عنوة إذا لم يكن بالمسلمين ضرورة إليهم كعمل الأرض ونحو ذلك، وعلى ذلك أقر عمر من أقر بالسواد والشام، وزعم أن ذلك لا يختص بجزيرة العرب بل يلتحق بها ما كان على حكمها.

(6/272)


7 - باب إِذَا غَدَرَ الْمُشْرِكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ هَلْ يُعْفَى عَنْهُمْ
3169- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ قَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَبُوكُمْ قَالُوا فُلاَنٌ فَقَالَ كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ قَالُوا صَدَقْتَ قَالَ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ لَهُمْ مَنْ أَهْلُ النَّارِ قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اخْسَئُوا فِيهَا وَاللَّهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا ثُمَّ قَالَ هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا قَالُوا نَعَمْ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ".
[الحديث 3169 – طرفاه في: 4249، 5777]
قوله: "باب إذا غدر المشركون بالمسلمين هل يعفى عنهم" ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر. حديث أبي هريرة في قصة اليهود في سم الشاة بعد فتح خيبر، وسيأتي الكلام عليه مستوفى في المغازي، ولم يجزم البخاري بالحكم إشارة إلى ما وقع من الاختلاف في معاقبة المرأة التي أهدت السم، وسيأتي بسطه هناك إن شاء الله تعالى.

(6/272)


8 - باب دُعَاءِ الإِمَامِ عَلَى مَنْ نَكَثَ عَهْدًا
3170- حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: "سَأَلْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الْقُنُوتِ قَالَ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَقُلْتُ إِنَّ فُلاَنًا يَزْعُمُ أَنَّكَ قُلْتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ كَذَبَ ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ بَعَثَ أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ – يَشُكُّ فِيهِ – مِنْ الْقُرَّاءِ إِلَى أُنَاسٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَعَرَضَ لَهُمْ هَؤُلاَءِ فَقَتَلُوهُمْ وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ فَمَا رَأَيْتُهُ وَجَدَ عَلَى أَحَدٍ مَا وَجَدَ عَلَيْهِمْ".
قوله: "باب دعاء الإمام على من نكث عهدا" ذكر فيه حديث أنس في القنوت. وقد سبق شرحه مستوفى في

(6/272)


باب أمان النساء و جوارهن
...
9 - باب أَمَانِ النِّسَاءِ وَجِوَارِهِنَّ
3171- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ: "ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَسْتُرُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا قَدْ أَجَرْتُهُ فُلاَنُ بْنُ هُبَيْرَةَ". فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ، قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحًى".
قوله: "باب أمان النساء وجوارهن" الجوار بكسر الجيم وضمها المجاورة، والمراد هنا الإجارة، تقول جاورته أجاوره مجاورة وجوارا، وأجرته أجيره إجارا وجوارا. ذكر فيه حديث أم هانئ وقد تقدم في أوائل الصلاة ما يتعلق بالمراد بفلان ابن هبيرة وغير ذلك من فوائده، ووقع هنا للداودي الشارح وهم، فإنه قال: قوله عام الحديبية وهم من عبد الله بن يوسف والذي قاله غيره يوم الفتح، وتعقبه ابن التين بأن الروايات كلها على خلاف ما قال الداودي وليس فيها إلا يوم الفتح على الصواب. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على جواز أمان المرأة، إلا شيئا ذكره عبد الملك - يعني ابن الماجشون صاحب مالك - لا أحفظ ذلك عن غيره قال: إن أمر الأمان إلى الإمام، وتأول ما ورد مما يخالف ذلك على قضايا خاصة، قال ابن المنذر: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسعى بذمتهم أدناهم" دلالة على إغفال هذا القائل انتهى. وجاء عن سحنون مثل قول ابن الماجشون فقال: هو إلى الإمام، إن أجازه جاز وإن رده رد.

(6/273)


باب . ذمة المسلمين و جوارهم واحدة ، يسعى بها أدناهم
...
10 - باب ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَجِوَارُهُمْ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ
3172- حدثني محمد أخبرنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال خطبنا علي فقال: "ما عندنا كتاب نقرأه إلا كتاب الله وما في هذه الصحيفة فقال فيها الجراحات وأسنان الإبل والمدينة حرم ما بين عير إلى كذا فمن أحدث فيها حدثا أو آوى فيها محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل ومن مواليه فعليه مثل ذلك وذمة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلما فعليه مثل ذلك".
قوله: "باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بذمتهم أدناهم" ذكر فيه حديث علي في الصحيفة. ومحمد شيخه

(6/273)


باب إذا قالوا صبأنا و لم يحسنوا أسلمنا
...
11 - باب إِذَا قَالُوا صَبَأْنَا وَلَمْ يُحْسِنُوا أَسْلَمْنَا
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: "فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ، فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ".
وَقَالَ عُمَرُ: إِذَا قَالَ مَتْرَسْ فَقَدْ آمَنَهُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الأَلْسِنَةَ كُلَّهَا. وَقَالَ: تَكَلَّمْ، لاَ بَأْسَ.
قوله: "باب إذا قالوا" أي المشركون حين يقاتلون "صبأنا" أي وأرادوا الإخبار بأنهم أسلموا "ولم يحسنوا أسلمنا" أي جريا منهم على لغتهم، هل يكون ذلك كافيا في رفع القتال عنهم أم لا؟ قال ابن المنير: مقصود الترجمة أن المقاصد تعتبر بأداتها كيفما كانت الأدلة لفظية أو غير لفظية بأي لغة كانت. قوله: "وقال ابن عمر فجعل خالد يقتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبرأ إليك مما صنع خالد" هذا طرف من حديث طويل أخرجه المؤلف في غزوة الفتح من المغازي، ويأتي الكلام عليه مستوفى هناك، وحاصله أن خالد بن الوليد غزا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم قوما فقالوا صبأنا وأرادوا أسلمنا، فلم يقبل خالد ذلك منهم وقتلهم بناء على ظهر اللفظ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فأنكره، فدل على أنه يكتفى من كل قوم بما يعرف من لغتهم. وقد عذر النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في اجتهاده، ولذلك لم يقد منه. وقال ابن بطال: لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود، لكن ينظر فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الإثم ساقط، وأما الضمان فيلزم عند الأكثر. وقال الثوري وأهل الرأي وأحمد وإسحاق: ما كان في قتل أو جراح ففي بيت المال. وقال الأوزاعي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة: على العاقلة. وقال ابن الماجشون لا يلزم فيه ضمان. وسيأتي البحث في ذلك في كتاب الأحكام، وهذا من المواضع التي يتمسك بها في أن البخاري يترجم ببعض ما ورد في الحديث وإن لم يورده في تلك الترجمة فإنه ترجم بقوله: "صبأنا" ولم يوردها، واكتفى بطرف الحديث الذي وقعت هذه اللفظة فيه. قوله: "وقال عمر إذا قال مترس فقد آمنه إن الله يعلم الألسنة كلها" وصله عبد الرزاق من طريق أبي وائل قال: "جاءنا كتاب عمر ونحن نحاصر قصر فارس فقال: إذا حاصرتم قصرا

(6/274)


فلا تقولوا أنزل على حكم الله فإنكم لا تدرون ما حكم الله، ولكن أنزلوهم على حكمكم ثم اقضوا فيهم، وإذا لقي الرجل الرجل فقال لا تخف فقد أمنه، وإذا قال مترس فقد أمنه، إن الله يعلم الألسنة كلها" وأول هذا الأثر أخرجه مسلم من طريق بريدة مرفوعا في حديث طويل. و"مترس" كلمة فارسية معناها لا تخف وهي بفتح الميم وتشديد المثناة وإسكان الراء بعدها مهملة وقد تخفف التاء وبه جزم بعض من لقيناه من العجم، وقيل بإسكان المثناة وفتح الراء ووقع في الموطأ رواية يحيى بن يحيى الأندلسي مطرس بالطاء بدل المثناة، قال ابن قرقول: هي كلمة أعجمية، والظاهر أن الراوي فخم المثناة فصارت تشبه الطاء كما يقع من كثير من الأندلسيين. قوله: "وقال تكلم لا بأس" فاعل قال هو عمر، وروى ابن أبي شيبة ويعقوب بن سفيان في تاريخه من طرق بإسناد صحيح عن أنس بن مالك قال: "حاصرنا تستر، فنزل الهرمزان على حكم عمر، فلما قدم به عليه استعجم، فقال له عمر: تكلم لا بأس عليك، وكان ذلك تأمينا من عمر" ورويناه مطولا في سنن سعيد ابن منصور حدثنا هشيم أخبرنا حميد، وفي نسخة إسماعيل بن جعفر من طريق ابن خزيمة عن علي بن حجر عنه عن حميد عن أنس قال: "بعث معي أبو موسى بالهرمزان إلى عمر، فجعل عمر يكلمه فلا يتكلم، فقال له: تكلم، قال: أكلام حي أم كلام ميت؟ قال تكلم لا بأس" فذكر القصة، فأل فأراد قتله فقلت: لا سبيل إلى ذلك، قد قلت له تكلم لا بأس، فقال من يشهد لك؟ فشهد لي الزبير بمثل ذلك، فتركه فأسلم، وفرض له في العطاء. قال ابن المنير: يستفاد منه أن الحاكم إذا نسى حكمه فشهد عنده اثنان به نفذه، وأنه إذا توقف في قبول شهادة الواحد فشهد الثاني بوفقه انتفت الريبة ولا يكون ذلك قدحا في شهادة الأول، وقوله: "إن الله يعلم الألسنة كلها" المراد اللغات، ويقال إنها ثنتان وسبعون لغة: ستة عشر في ولد سام، ومثلها في ولد حام، والبقية في ولد يافث.

(6/275)


باب الموادعة و المصالحة مع المشركين بالمال و غيره ، وإثم من لم يف بالعهد و قوله : { و إن جنحوا للسلم ـ جنحوا : طلبوا السلم ـ فاجنح لها }اللآية
...
12 - باب الْمُوَادَعَةِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَإِثْمِ مَنْ لَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ
وَقَوْلِهِ [61 الأنفال]: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} جنحُوا: طلبو السّلم {فَاجْنَحْ لَهَا} الْآيَةَ
3173- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا بِشْرٌ هُوَ ابْنُ الْمُفَضَّلِ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ قَالُوا وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ قَالَ فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ فَقَالُوا كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ".
قوله: "باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره" أي كالأسرى. قوله: "{وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ} - جنحوا طلبوا السلم – {فَاجْنَحْ لَهَا}" أي أن هذه الآية دالة على مشروعية المصالحة مع المشركين، وتفسير جنحوا بطلبوا هو للمصنف. وقال غيره: معنى جنحوا مالوا. وقال أبو عبيدة: السلم والسلم واحد وهو الصلح. وقال

(6/275)


أبو عمر: والسلم بالفتح الصلح، والسلم بالكسر الإسلام. ومعنى الشرط في الآية أن الأمر بالصلح مقيد بما إذا كان الأحظ للإسلام المصالحة، أما إذا كان الإسلام ظاهرا على الكفر ولم تظهر المصلحة في المصالحة فلا. حديث سهل بن أبي حثمة في قصة عبد الله ابن سهل وقتله بخيبر. والغرض منه قوله: "انطلق إلى خيبر وهي يومئذ صلح" وفهم المهلب من قوله في آخره: "فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده" أنه يوافق قوله في الترجمة "والمصالحة مع المشركين بالمال" فقال: إنما وداه من عنده استئلافا لليهود وطمعا في دخولهم في الإسلام. وهذا الذي قاله يرده ما في نفس الحديث من غير هذه الطريق "فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل دمه" فإنه مشعر بأن سبب إعطائه ديته من عنده كان تطيبا لقلوب أهله. ويحتمل أن يكون كل منهما سببا لذلك. وبهذا تتم الترجمة. وأما أصل المسألة فاختلف فيه. فقال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي عن موادعة إمام المسلمين أهل الحرب على مال يؤدونه إليهم فقال: لا يصلح ذلك إلا عن ضرورة كشغل المسلمين عن حربهم. وقال لا بأس أن يصالحهم على غير شيء يؤدونه إليهم كما وقع في الحديبية. وقال الشافعي: إذا ضعف المسلمون عن قتال المشركين جازت لهم مهادنتهم على غير شيء يعطونهم، لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعز من أن يعطى المشركون على أن يكفرا عنهم، إلا في حالة مخافة اصطلام المسلمين لكثرة العدو، لأن ذلك من معاني الضرورات، وكذلك إذا أسر رجل مسلم فلم يطلق إلا بفدية جاز. وأما قول المصنف "وإثم من لم يف بالعهد" فليس في حديث الباب ما يشعر به، وسيأتي البحث فيه في كتاب القسامة من كتاب الديات إن شاء الله تعالى. "تنبيه": قوله في نسب محيصة بن مسعود "ابن زيد" يقال إن الصواب "كعب" بدل زيد.

(6/276)


13 - باب فَضْلِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
3174- حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن بن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره أن عبد الله بن عباس أخبره أن أبا سفيان بن حرب أخبره "أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش كانوا تجارا بالشام في المدة التي ماد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان في كفار قريش".
قوله: "باب فضل الوفاء بالعهد" ذكر فيه طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، قال ابن بطال: أشار البخاري بهذا إلى أن الغدر عند كل أمة قبيح مذموم، وليس هو من صفات الرسل.

(6/276)


14 - باب هَلْ يُعْفَى عَنْ الذِّمِّيِّ إِذَا سَحَرَ ؟
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ "عَنْ ابْنِ شِهَابٍ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ"
3175- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ".
[الحديث 3175 – أطرافه في: 2268، 5763، 5765، 5766، 6063، 6391]

(6/276)


باب ما يحذر من الغدر و قول الله تعالى : { و إن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله }الآية
...
15 - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ الْغَدْرِ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى [62 الأنفال]: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} الآية.
3176- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلاَءِ بْنِ زَبْرٍ قَالَ سَمِعْتُ بُسْرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ قَالَ سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَقَالَ اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ مَوْتِي ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا ثُمَّ فِتْنَةٌ لاَ يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلاَّ دَخَلَتْهُ ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا".
قوله: "باب ما يحذر" بضم أوله مخففا ومثقلا "من الغدر". قوله: "وقول الله عز وجل: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ} الآية" هو بالجر عطفا على لفظ الغدر، وحسب بإسكان المهملة أي كاف. وفي هذه الآية إشارة إلى أن احتمال طلب العدو للصلح خديعة لا يمنع من الإجابة إذا ظهر للمسلمين، بل يعزم ويتوكل على الله سبحانه. قوله: "سمعت بسر بن عبيد الله" بضم الموحدة وسكون المهملة، والإسناد كله شاميون إلا شيخ البخاري، وفي تصريح عبد الله بن العلاء بالسماع له من بسر دلالة على أن الذي وقع في رواية الطبراني من طريق دحيم عن الوليد عن عبد الله بن العلاء عن زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله، فزاد في الإسناد زيد بن واقد فهو من المزيد في متصل الأسانيد. وقد أخرجه أبو داود وابن ماجه والإسماعيلي وغيرهم من طرق ليس فيها زيد بن واقد. قوله: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم" زاد في رواية المؤمل بن الفضل عن الوليد عند أبي داود

(6/277)


"فسلمت، فرد، فقال: ادخل . فقلت: أكلي يا رسول الله؟ قال: كلك . فدخلت" فقال الوليد قال عثمان بن أبي العاتكة: "إنما قال ذلك من صغر القبة". قوله: "ستا" أي ست علامات لقيام الساعة، أو لظهور أشراطها المقتربة منها. قوله: "ثم موتان" بضم الميم وسكون الواو، قال القزاز: هو الموت. وقال غيره الموت الكثير الوقوع، ويقال بالضم لغة تميم وغيرهم يفتحونها. ويقال للبليد موتان القلب بفتح الميم والسكون. وقال ابن الجوزي: يغلط بعض المحدثين فيقول موتان بفتح الميم والواو، وإنما ذاك اسم الأرض التي لم تحي بالزرع والإصلاح. "تنبيه": في رواية ابن السكن "ثم موتتان" بلفظ التثنية وحينئذ فهو بفتح الميم. قوله: "كعقاص الغنم" بضم العين المهملة(1) وتخفيف القاف وآخره مهملة، هو داء يأخذ الدواب فيسيل من أنوفها شيء فتموت فجأة. قال أبو عبيدة: ومنه أخذ الإقعاص وهو القتل مكانه. وقال ابن فارس: العقاص داء يأخذ في الصدر كأنه يكسر العنق. ويقال أن هذه الآية ظهرت في طاعون عمواس في خلافة عمر وكان ذلك بعد فتح بيت المقدس. قوله: "ثم استفاضة المال" أي كثرته، وظهرت في خلافة عثمان عند تلك الفتوح العظيمة، والفتنة المشار إليها افتتحت بقتل عثمان، واستمرت الفتن بعده، والسادسة لم تجيء بعد. قوله: "هدنة" بضم الهاء وسكون المهملة بعدها نون هي الصلح على ترك القتال بعد التحرك فيه. قوله: "بني الأصفر" هم الروم. قوله: "غاية" أي راية، وسميت بذلك لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف. ووقع في حديث ذي مخبر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة عند أبي داود في نحو هذا الحديث بلفظ: "راية" بدل غاية. وفي أوله "ستصالحون الروم صلحا أمنا، ثم تغزون أنتم وهم عدوا فتنصرون، ثم تنزلون مرجا فيرفع رجل من أهل الصليب الصليب فيقول غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه، فعند ذلك تغدر الروم ويجتمعون للملحمة فيأتون" فذكره. ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي يؤيد الله بهم الدين" وله من حديث معاذ بن جبل مرفوعا: "الملحمة الكبرى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر" وله من حديث عبد الله بن بسر رفعه: "بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة" وإسناده أصح من إسناد حديث معاذ، قال ابن الجوزي: رواه بعضهم "غابة" بموحدة بدل التحتانية والغابة الأجمة كأنه شبه كثرة الرماح بالأجمة. وقال الخطابي: الغابة الغيضة، فاستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الجيش لما يشرع معها من الرماح، وجملة العدد المشار إليه تسعمائة ألف وستون ألفا، ولعل أصله ألف ألف فألغيت كسوره. ووقع مثله في رواية ابن ماجة من حديث ذي مخبر ولفظه: "فيجتمعون للملحمة، فيأتون تحت ثمانين غابة تحت كل غابة اثنا عشر ألفا" ، ووقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن الوليد بن مسلم قال: تذاكرنا هذا الحديث وشيخنا من شيوخ المدينة فقال: أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يقول في هذا الحديث مكان فتح بيت المقدس "عمران بيت المقدس" قال المهلب: فيه أن الغدر من أشراط الساعة. وفيه أشياء من علامات النبوة قد ظهر أكثرها. وقال ابن المنير: أما قصة الروم فلم يجتمع إلى الآن ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد فهي من الأمور التي لم تقع بعد. وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: كذا في نسخ الشارح التي بأيدينا، والذي في نسخ البخاري بتقديم القاف على العين، وبه ضبط القسطلاني، وهو المنصوص في كتب اللغة والمتعين من قول أبي عبيد، ومنه أخذ الاقعاص.

(6/278)


أضعاف ما هو عليه. ووقع في رواية للحاكم من طريق الشعبي عن عوف بن مالك في هذا الحديث: "أن عوف بن مالك قال لمعاذ في طاعون عمواس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: أعدد ستا بين يدي الساعة، فقد وقع منهن ثلاث، يعني موته صلى الله عليه وسلم وفتح بيت المقدس والطاعون، قال وبقي ثلاث فقال له معاذ: أن لهذا أهلا". ووقع في الفتن لنعيم بن حماد أن هذه القصة تكون في زمن المهدي على يد ملك من آل هرقل.

(6/279)


16 - باب كَيْفَ يُنْبَذُ إِلَى أَهْلِ الْعَهْدِ
وَقَوْلِ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ [58 الأنفال]: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} الْآيَةَ.
3178- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: "بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَنْ يُؤَذِّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى لاَ يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَيَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ وَإِنَّمَا قِيلَ الأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ الْحَجُّ الأَصْغَرُ فَنَبَذَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْعَامِ فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ الَّذِي حَجَّ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُشْرِكٌ".
قوله: "باب كيف ينبذ إلى أهل العهد، وقول الله عز وجل: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ} أي اطرح إليهم عهدهم، وذلك بأن يرسل إليهم من يعلمهم بأن العهد انتقض، قال ابن عباس: أي على مثل، وقيل على عدل، وقيل أعلمهم أنك قد حاربتهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك. وقال الأزهري: المعنى إذا عاهدت قوما فخشيت منهم النقض فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتى تعلمهم. ثم ذكر فيه حديث أبي هريرة "بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى" الحديث، وقد تقدم شرحه في الحج وأنه سيشرح في تفسير براءة. قال المهلب: خشى رسول الله صلى الله عليه وسلم غدر المشركين فلذلك بعث من ينادي بذلك.

(6/279)


باب إثم من عاهد ثم غدر و قول الله { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة ، و هم لا يتقون }
...
17 - باب إِثْمِ مَنْ عَاهَدَ ثُمَّ غَدَرَ
وَقَوْلِ اللَّهِ [56 الأنفال]: {الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ}
3178- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَرْبَعُ خِلاَلٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا".
3179- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا كَتَبْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ الْقُرْآنَ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْمَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ

(6/279)


18 - باب
3181- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ قَالَ: "سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ شَهِدْتَ صِفِّينَ قَالَ نَعَمْ فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَدَدْتُهُ وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لِأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلاَّ أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا".
[الحديث 3181 – أطرافه في: 3182، 3189، 4844، 7308]
3182- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ قَالَ: "كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فَقَالَ بَلَى فَقَالَ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ قَالَ بَلَى قَالَ فَعَلاَمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ".
3183- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدَّتِهِمْ مَعَ أَبِيهَا فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا قَالَ نَعَمْ صِلِيهَا".
قوله: "باب" كذا هو بلا ترجمة عند الجميع، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وذكر فيه حديثين: أحدهما عن سهل بن حنيف في قصة الحديبية، وذكره من وجهين، والطريق الأولى منهما مختصرة، وقد ساقه منها بتمامه في الاعتصام، وقد تقدمت الإشارة إلى فوائده في الكلام على حديث المسور في كتاب الشروط، وسيأتي ما يتعلق منه بصفين في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. وقول سهل بن حنيف "يوم أبي جندل" أراد به يوم الحديبية، وإنما نسبه لأبي جندل لأنه لم يكن فيه على المسلمين أشد من قصته كما تقدم بيانه، وعبد

(6/281)


19 - باب الْمُصَالَحَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوْ وَقْتٍ مَعْلُومٍ
3184- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي الْبَرَاءُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَعْتَمِرَ أَرْسَلَ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ يَسْتَأْذِنُهُمْ لِيَدْخُلَ مَكَّةَ فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يُقِيمَ بِهَا إِلاَّ ثَلاَثَ لَيَالٍ وَلاَ يَدْخُلَهَا إِلاَّ بِجُلُبَّانِ السِّلاَحِ وَلاَ يَدْعُوَ مِنْهُمْ أَحَدًا قَالَ فَأَخَذَ يَكْتُبُ الشَّرْطَ بَيْنهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَكَتَبَ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالُوا لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نَمْنَعْكَ وَلَبَايَعْنَاكَ وَلكِنِ اكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ أَنَا وَاللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَا وَاللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ وَكَانَ لاَ يَكْتُبُ قَالَ فَقَالَ لِعَلِيٍّ امْحَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ عَلِيٌّ وَاللَّهِ لاَ أَمْحَاهُ أَبَدًا قَالَ فَأَرِنِيهِ قَالَ فَأَرَاهُ إِيَّاهُ فَمَحَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَلَمَّا دَخَلَ وَمَضَتْ الأَيَّامُ أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا مُرْ صَاحِبَكَ فَلْيَرْتَحِلْ فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ ارْتَحَلَ".
قوله: "باب المصالحة على ثلاثة أيام أو وقت معلوم" أي يستفاد من وقوع المصالحة على ثلاثة أيام جوازها في وقت معلوم ولم تكن ثلاثة. وأورد فيه حديث البراء في العمرة وقد تقدم في الصلح، وسيأتي شرح ما يتعلق بكتابة الصلح منه في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى.

(6/282)


باب الموادعة من غير وقت ، و قول النبي صلى الله عليه و سلم : (( أقركم على ما أقركم الله ))
...
20 - باب الْمُوَادَعَةِ مِنْ غَيْرِ وَقْتٍ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أُقِرُّكُمْ عَلَى مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ بِهِ".
قوله: "باب الموادعة من غير وقت وقول النبي صلى الله عليه وسلم: أقركم على ما أقركم الله" هو طرف من حديث معاملة أهل خيبر، وقد تقدم شرحه في المزارعة وبيان الاختلاف في أصل المسألة، وأما ما يتعلق بالجهاد فالموادعة فيه لا حد لها معلوم لا يجوز غيره، بل ذلك راجع إلى رأي الإمام بحسب ما يراه الأحظ والأحوط للمسلمين.

(6/282)


باب طرح جيف المشركين في البئر ، و لا يؤخذ لهم ثمن
...
21 - باب طَرْحِ جِيَفِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْبِئْرِ وَلاَ يُؤْخَذُ لَهمْ ثَمَنٌ
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي

(6/282)


باب إثم الغادر للبر و الفاجر
...
22 - باب إِثْمِ الْغَادِرِ لِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ
3186، 3187- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ وَقَالَ الْآخَرُ يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ".
3188- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُنْصَبُ بِغَدْرَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
[الحديث 3188 – أطرافه في: 6177، 6178، 6966، 7111]
3189- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ لاَ هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ قَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ".

(6/283)


كتاب بدء الخلق
مدخل
...
59 - كِتَاب بَدْءِ الْخَلْقِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب بدء الخلق" كذا للأكثر وسقطت البسملة لأبي ذر، وللنسفي "ذكر" بدل كتاب، وللصغاني "أبواب" بدل كتاب. و"وبدء الخلق" بفتح أوله وبالهمزة أي ابتداؤه. والمراد خلق المخلوقات.

(6/286)


باب ما جاء في قول الله تعالى { و هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، و هو أهون عليه }
...
مَنَازِلَهُمْ حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ".
3193- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أُرَاهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَشْتِمُنِي ابْنُ آدَمَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي وَيُكَذِّبُنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي".
[الحديث 3193 – طرفاه في: 9474، 4975]
3194- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي".
[الحديث 3194 – أطرافه في: 7404، 7412، 7453، 7553، 7554]
قوله: "باب ما جاء في قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} وقال الربيع ابن خثيم" بالمعجمة والمثلثة مصغر، وهو كوفي من كبار التابعين، والحسن هو البصري. قوله: "كل عليه هين" أي البدء والإعادة، أي أنهما حملا أهون على غير التفضيل وأن المراد بها الصفة كقوله الله أكبر وكقول الشاعر لعمرك ما أدري وإني لأوجل أي وإني لوجل، وأثر الربيع وصله الطبري من طريق منذر الثوري عنه نحوه، وأما أثر الحسن فروى الطبري أيضا من طريق قتادة وأظنه عن الحسن ولكن لفظه: "وإعادته أهون عليه من بدئه، وكل على الله هين" وظاهر هذا اللفظ إبقاء صيغة أفعل على بابها، وكذا قال مجاهد فيما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره وقد ذكر عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة أن ابن مسعود كان يقرؤها "وهو عليه هين" وحكى بعضهم عن ابن عباس أن الضمير للمخلوق لأنه ابتدئ نطفة ثم علقة ثم مضغة، والإعادة أن يقول له كن فيكون، فهو أهون على المخلوق، انتهى. ولا يثبت هذا عن ابن عباس بل هو من تفسير الكلبي كما حكاه الفراء، لأنه يقتضي تخصيصه بالحيوان ولأن الضمير الذي بعده وهو قوله: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} يصير معطوفا على غير المذكور قبله قريبا. وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس بإسناد صحيح في قوله: {أَهْوَنُ عَلَيْهِ} أيسر. وقال الزجاج: خوطب العباد بما يعقلون لأن عندهم أن البعث أهون من الابتداء فجعله مثلا وله المثل الأعلى، وذكر الربيع عن الشافعي في هذه الآية قال: "هو أهون عليه" أي في القدرة عليه، لا أن شيئا يعظم على الله، لأنه يقول: لما لم يكن كن فيخرج متصلا، وأخرجه أبو نعيم. وأخرج ابن أبي حاتم نحوه عن الضحاك وإليه نحا الفراء، والله أعلم. قوله: "وهين وهين مثل لين ولين وميت وميت وضيق وضيق" الأول بالتشديد والثاني بالتخفيف في الجميع، قال أبو عبيدة في تفسير الفرقان في قوله تعالى :{وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً} هي مخففة بمنزلة هين ولين وضيق بالتخفيف فيها والتشديد، وسيأتي ذلك أيضا في آخر تفسير سورة النحل، وعن ابن الأعرابي: أن العرب تمدح بالهين اللين مخففا وتذم بهما مثقلا، فالهين بالتخفيف من الهون وهو السكينة والوقار ومنه {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً} وعينه واو، بخلاف الهين بالتشديد. قوله: {أَفَعَيِينَا} أفا عيا علينا حين أنشأكم وأنشأ خلفكم. كأنه أراد أن

(6/287)


معنى قوله: {أَفَعَيِينَا} استفهام إنكار، أي ما أعجزنا الخلق الأول حين أنشأناكم، وكأنه عدل عن التكلم إلى الغيبة لمراعاة اللفظ الوارد في القرآن في قوله تعالى :{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} وقد روى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى :{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} يقول: أفأعيا علينا إنشاؤكم خلقا جديدا فتشكوا في البعث؟ وقال أهل اللغة: عييت بالأمر إذا لم أعرف وجهه، ومنه العي في الكلام. قوله: "لغوب النصب" أي تفسير قوله: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} أي من نصب، والنصب التعب وزنا ومعنى، وهذا تفسير مجاهد فيما أخرجه ابن أبي حاتم. وأخرج من طريق قتادة قال: أكذب الله جل وعلا اليهود في زعمهم أنه استراح في اليوم السابع فقال: {وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} أي من إعياء، وغفل الداودي الشارح فظن أن النصب في كلام المصنف بسكون الصاد وأنه أراد ضبط اللغوب فقال متعقبا عليه، لم أر أحدا نصب اللام في الفعل، قال وإنما هو بالنصب الأحمق. قوله: "أطوارا طورا كذا وطورا كذا" يريد تفسير قوله تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} والأطوار الأحوال المختلفة وأحدها طور بالفتح. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في معنى الأطوار كونه مرة نطفة ومرة علقة إلخ. وأخرج الطبري عن ابن عباس وجماعة نحوه وقال: المراد اختلاف أحوال الإنسان من صحة وسقم، وقيل معناه أصنافا في الألوان واللغات. قوله: "عن صفوان بن محرز عن عمران" في رواية أبي عاصم عن سفيان في المغازي "حدثنا صفوان حدثنا عمران". قوله: "جاء نفر من بني تميم" يعني وفدهم وسيأتي بيان وقت قدومهم ومن عرف منهم في أواخر المغازي قوله: "أبشروا" بهمزة قطع من البشارة. قوله: "فقالوا بشرتنا" القائل ذلك منهم الأقرع بن حابس، ذكره ابن الجوزي. قوله: "فتغير وجهه" إما للأسف عليهم كيف آثروا الدنيا، وإما لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم به، أو لكل منهما. قوله: "فجاءه أهل اليمن" هم الأشعريون قوم أبي موسى، وقد أورد البخاري حديث عمران هذا وفيه ما يستأنس به لذلك. ثم ظهر لي أن المراد بأهل اليمن هنا نافع بن زيد الحميري مع من وفد معه من أهل حمير، وقد ذكرت مستند ذلك في "باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن" وأن هذا هو السر في عطف أهل اليمن على الأشعريين مع أن الأشعريين من جملة أهل اليمن، لما كان زمان قدوم الطائفتين مختلفا ولكل منهما قصة غير قصة الآخرين وقع العطف. قوله: "اقبلوا البشرى" بضم أوله وسكون المعجمة والقصر أي اقبلوا مني ما يقتضي أن تبشروا إذا أخذتم به بالجنة، كالفقه في الدين والعمل به، وحكى عياض أن في رواية الأصيلي: "اليسرى" بالتحتانية والمهملة، قال: والصواب الأول. قوله: "إذ لم يقبلها" في الرواية الأخرى "أن لم يقبلها" وهو بفتح "أن" أي من أجل تركهم لها ويروى بكسر إن. قوله: "فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يحدث بدء الخلق والعرش"، أي عن بدء الخلق وعن حال العرش، وكأنه ضمن "يحدث" معنى يذكر، وكأنهم سألوا عن أحوال هذا العالم وهو الظاهر، ويحتمل أن يكونوا سألوا عن أول جنس المخلوقات، فعلى الأول يقتضي السياق أنه أخبر أن أول شيء خلق منه السماوات والأرض، وعلى الثاني يقتضي أن العرش والماء تقدم خلقهما قبل ذلك، ووقع في قصة نافع بن زيد "نسألك عن أول هذا الأمر". قوله: "قالوا جئنا نسألك" كذا الكشميهني، ولغيره: "جئناك لنسألك" وزاد في التوحيد "ونتفقه في الدين" وكذا هي في قصة نافع بن زيد التي أشرت إليها آنفا. قوله: "عن هذا الأمر" أي الحاضر الموجود، والأمر يطلق ويراد به المأمور ويراد به الشأن والحكم

(6/288)


والحث على الفعل غير ذلك. قوله: "كان الله ولم يكن شيء غيره" في الرواية الآتية في التوحيد "ولم يكن شيء قبله" وفي رواية غير البخاري "ولم يكن شيء معه" والقصة متحدة فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى، ولعل راويها أخذها من قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه في صلاة الليل - كما تقدم من حديث ابن عباس - "أنت الأول فليس قبلك شيء" لكن رواية الباب أصرح في العدم، وفيه دلالة على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما، لأن كل ذلك غير الله تعالى ويكون قبله "وكان عرشه على الماء" معناه أنه خلق الماء سابقا ثم خلق العرش على الماء، وقد وقع في قصة نافع بن زيد الحميري بلفظ: "كان عرشه على الماء ثم خلق القلم فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات والأرض وما فيهن" فصرح بترتيب المخلوقات بعد الماء والعرش. قوله: "وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، وخلق السموات والأرض" هكذا جاءت هذه الأمور الثلاثة معطوفة بالواو، ووقع في الرواية التي في التوحيد "ثم خلق السماوات والأرض" ولم يقع بلفظ: "ثم" إلا في ذكر خلق السماوات والأرض، وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: "أن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء" وهذا الحديث يؤيد رواية من روى "ثم خلق السماوات والأرض" باللفظ الدال على الترتيب. "تنبيه": وقع في بعض الكتب في هذا الحديث: "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان" وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية، وهو مسلم في قوله، "وهو الآن" إلى آخره، وأما لفظ: "ولا شيء معه" فرواية الباب بلفظ: "ولا شيء غيره" بمعناها. ووقع في ترجمة نافع بن زيد الحميري المذكور "كان الله لا شيء غيره" بغير واو. قوله: "وكان عرشه على الماء" قال الطيبي: هو فصل مستقل لأن القديم من لم يسبقه شيء، ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله: "وكان عرشه على الماء" إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم لكونهما خلقا قبل خلق السموات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء. ومحصل الحديث أن مطلق قوله: "وكان عرشه على الماء" مقيد بقوله: "ولم يكن شيء غيره" والمراد بكان في الأول الأزلية وفي الثاني الحدوث بعد العدم. وقد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعا: "أن الماء خلق قبل العرش" وروى السدي في تفسيره بأسانيد متعددة "أن الله لم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء" وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا: "أول ما خلق الله القلم، ثم قال اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" فيجمع بينه وبين ما قبله بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش أو بالنسبة إلى ما منه صدر من الكتابة، أي أنه قيل له اكتب أول ما خلق، وأما حديث: "أول ما خلق الله العقل" فليس له طريق ثبت، وعلى تقدير ثبوته فهذا التقدير الأخير هو تأويله والله أعلم. وحكى أبو العلاء الهمداني أن للعلماء قولين في أيهما خلق أولا العرش أو القلم؟ قال: والأكثر على سبق خلق العرش، واختار ابن جرير ومن تبعه الثاني، وروى ابن أبي حازم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة خمسمائة عام، فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش: اكتب، فقال وما أكتب؟ قال علمي في خلقي إلى يوم القيامة" ذكره في تفسير سورة سبحان، وليس فيه سبق خلق القلم على العرش، بل فيه سبق العرش. وأخرج البيهقي في "الأسماء والصفات" من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: "أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب، فقال: يا رب وما أكتب؟ قال أكتب القدر،

(6/289)


فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة" وأخرج سعيد بن منصور عن أبي عوانة عن أبي بشر عن مجاهد قال: "بدء الخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء" والجمع بين هذه الآثار واضح. قوله: "وكتب" أي قدر. "في الذكر" أي في محل الذكر، أي في اللوح المحفوظ. "كل شيء" أي من الكائنات. وفي الحديث جواز السؤال عن مبدأ الأشياء والبحث عن ذلك وجواز جواب العالم بما يستحضره من ذلك، وعليه الكف إن خشي على السائل ما يدخل على معتقده. وفيه أن جنس الزمان ونوعه حادث، وأن الله أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن، لا عن عجز عن ذلك بل مع القدرة. واستنبط بعضهم من سؤال الأشعريين عن هذه القصة أن الكلام في أصول الدين وحدوث العلم مستمران في ذريتهم حتى ظهر ذلك منهم في أبي الحسن الأشعري، أشار إلى ذلك ابن عساكر. قوله: "فنادى مناد" في الرواية الأخرى "فجاء رجل فقال: يا عمران" ولم أقف على اسمه في شيء من الروايات. قوله: "ذهبت ناقتك يا ابن الحصين" أي انفلتت، ووقع في الرواية الأولى "فجاء رجل فقال: يا عمران راحلتك" أي أدرك راحلتك فهو بالنصب، أو ذهبت راحلتك فهو بالرفع، ويؤيده الرواية الأخرى ولم أقف على اسم هذا الرجل. وقوله: "تفلتت" بالفاء أي شردت. قوله: "فإذا هي يقطع" بفتح أوله "دونها السراب" بالضم أي يحول بيني وبين رؤيتها، والسراب بالمهملة معروف، وهو ما يرى نهارا في الفلاة كأنه ماء. قوله: "فوالله لوددت أني كنت تركتها" في التوحيد "أنها ذهبت ولم أقم" يعني لأنه قام قبل أن يكمل النبي صلى الله عليه وسلم حديثه في ظنه، فتأسف على ما فاته من ذلك. وفيه ما كان عليه من الحرص على تحصيل العلم. وقد كنت كثير التطلب لتحصيل ما ظن عمران أنه فاته من هذه القصة إلى أن وقفت على قصة نافع بن زيد الحميري فقوي في ظني أنه لم يفته شيء من هذا القصة بخصوصها لخلو قصة نافع بن زيد عن قدر زائد على حديث عمران، إلا أن في آخره بعد قوله وما فيهن "واستوى على عرشه عز وجل". الحديث الثاني حديث عمر قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم " الحديث. قوله: "وروى عيسى عن رقبة" كذا للأكثر وسقط منه رجل فقال ابن الفلكي: ينبغي أن يكون بين عيسى ورقبة أبو حمزة، وبذلك جزم أبو مسعود. وقال الطرقي: سقط أبو حمزة من كتاب الفربري وثبت في رواية حماد بن شاكر فعنده عن البخاري "روى عيسى عن أبي حمزة عن رقبة قال" وكذا قال ابن رميح عن الفربري، قلت: وبذلك جزم أبو نعيم في "المستخرج" وهو يروي الصحيح عن الجرجاني عن الفربري، فالاختلاف فيه حينئذ عن الفربري، ثم رأيته أسقط أيضا من رواية النسفي، لكن جعل بين عيسى ورقبة ضبة، ويغلب على الظن أن أبا حمزة ألحق في رواية الجرجاني وقد وصفوه بقلة الإتقان، وعيسى المذكور هو ابن موسى البخاري ولقبه غنجار بمعجمة مضمومة ثم نون ساكنة ثم جيم، وليس له في البخاري إلا هذا الموضع، وقد وصل الحديث المذكور من طريق عيسى المذكور عن أبي حمزة وهو محمد ابن ميمون السكري عن رقبة الطبراني في مسند رقبة المذكور، وهو بفتح الراء والقاف والموحدة الخفيفة ابن مصقلة بفتح الميم وسكون الصاد المهملة وقد تبدل سينا بعدها قاف، ولم ينفرد به عيسى فقد أخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق عن أبي حمزة نحوه، لكن بإسناد ضعيف. قوله: "حتى دخل أهل الجنة" هي غاية قوله: "أخبرنا" أي أخبرنا عن مبتدأ الخلق شيئا بعد شيء إلى أن انتهى الأخبار عن حال الاستقرار في الجنة والنار، ووضع الماضي موضع المضارع مبالغة للتحقق المستفاد من

(6/290)


خبر الصادق، وكان السياق يقتضي أن يقول: حتى يدخل، ودل ذلك على أنه أخبر في المجلس الواحد بجميع أحوال المخلوقات منذ ابتدئت إلى أن تفنى إلى أن تبعث، فشمل ذلك الإخبار عن المبدأ والمعاش والمعاد، في تيسير إيراد ذلك كله في مجلس واحد من خوارق العادة أمر عظيم، ويقرب ذلك مع كون معجزاته لا مرية في كثرتها أنه صلى الله عليه وسلم أعطى جوامع الكلم، ومثل هذا من جهة أخرى ما رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا؛ ثم قال للذي في شماله مثله في أهل النار ". وقال في آخر الحديث: "فقال بيديه فنبذهما ثم قال فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير" وإسناده حسن. ووجه الشبه بينهما أن الأول فيه تيسير القول الكثير في الزمن القليل، وهذا فيه تيسير الجرم الواسع في الظرف الضيق، وظاهر قوله "فنبذهما" بعد قوله "وفي يده كتابان" أنهما كانا مرئيين لهم والله أعلم. ولحديث الباب شاهد من حديث حذيفة سيأتي في كتاب القدر إن شاء الله تعالى، ومن حديث أنى زيد الأنصاري أخرجه أحمد ومسلم قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، فصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى بنا الظهر. ثم صعد المنير فخطبنا ثم صلى العصر كذلك حتى غابت الشمس، فحدثنا بما كان وما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا" لفظ أحمد. وأخرجه من حديث أبي سعيد مختصرا ومطولا، وأخرجه الترمذي من حديثه مطولا، وترجم له "باب ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم مما هو كائن إلى يوم القيامة" ثم ساقه بلفظ: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة العصر ثم قام يحدثنا فلم يدع شيئا يكون إلى قيام الساعة إلا أخبرنا به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه" ثم ساق الحديث وقال: حسن. وفي الباب عن حذيفة وأبي زيد بن أخطب وأبي مريم والمغيرة بن شعبة انتهى. ولم يقع له حديث عمر حديث الباب وهو على شرطه، وأفاد حديث أبي زيد بيان المقام المذكور زمانا ومكانا في حديث عمر رضي الله عنه وأنه كان على المنبر من أول النهار إلى أن غابت الشمس، والله أعلم. قوله: "عن أبي أحمد" هو محمد بن عبد الله بن الزبير الزبيري وسفيان هو الثوري. قوله: "يشتمني ابن آدم" بكسر التاء من "يشتمني" والشتم هو الوصف بما يقتضي النقص، ولا شك أن دعوى الولد لله يستلزم الإمكان المستدعي للحدوث، وذلك غاية النقص في حق الباري سبحانه وتعالى، والمراد من الحديث هنا قوله "ليس يعيدني كما بدأني" وهو قول منكري البعث من عباد الأوثان. قوله: "لما قضى الله الخلق" أي خلق الخلق كقوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} أو المراد أوجد جنسه، وقضى يطلق بمعنى حكم وأتقن وفرغ وأمضى. قوله: "كتب في كتابه " أي أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ، وقد تقدم في حديث عبادة بن الصامت قريبا "فقال للقلم اكتب، فجرى بما هو كائن" ويحتمل أن يكون المراد بالكتاب اللفظ الذي قضاه، وهو كقوله تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي}. قوله: "فهو عنده فوق العرش" قيل معناه دون العرش، وهو كقوله تعالى: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}، والحامل على هذا التأويل استبعاد أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش، ولا محذور في إجراء ذلك على ظاهره؛ لأن العرش خلق من خلق الله، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: "فهو عنده" أي ذكره أو علمه فلا تكون العندية مكانية بل هي إشارة إلى كمال كونه مخفيا عن الخلق مرفوعا عن حيز إدراكهم، وحكى الكرماني أن بعضهم زعم أن لفظ: "فوق" زائد كقوله:

(6/291)


{فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} والمراد اثنتان فصاعدا، ولم يتعقبه، وهو متعقب، لأن محل دعوى الزيادة ما إذا بقي الكلام مستقيما مع حذفها كما في الآية، وأما في الحديث فإنه يبقى مع الحذف، فهو عنده العرش وذلك غير مستقيم. قوله: "إن رحمتي" بفتح أن على أنها بدل من كتب، وبكسرها على حكاية مضمون الكتاب قوله: "غلبت" في رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد "سبقت" بدل غلبت، والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق، أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب، لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد الحادث، وبهذا التقرير يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة وغيرها. وقيل معنى الغلبة الكثرة والشمول، تقول غلب على فلان الكرم أي أكثر أفعاله، وهذا كله بناء على أن الرحمة والغضب من صفات الذات. وقال بعض العلماء الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات، ولا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض فتكون الإشارة بالرحمة إلى إسكان آدم الجنة أول ما خلق مثلا ومقابلها ما وقع من إخراجه منها، وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم. وأما ما أشكل من أمر من يعذب من الموحدين فالرحمة سابقة في حقهم أيضا، ولولا وجودها لخلدوا أبدا. وقال الطيبي في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك.

(6/292)


باب ما جاء في سبع أرضين ، و قول الله تعالى { الله الذي خلق سبع سماوات و من الأرض مثلهن ، يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير ، و أن الله قد أحاط بكل شيء علما }
...
2 - باب مَا جَاءَ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [12 الطلاق]: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}. {وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} السَّمَاءُ. {سَمْكَهَا} بِنَاءَهَا. {الْحُبُكُ} اسْتِوَاؤُهَا وَحُسْنُهَا. {وَأَذِنَتْ} سَمِعَتْ وَأَطَاعَتْ. {وَأَلْقَتْ} أَخْرَجَتْ مَا فِيهَا مِنْ الْمَوْتَى. {وَتَخَلَّتْ} عَنْهُمْ. {طَحَاهَا} دَحَاهَا. {بِالسَّاهِرَةِ} وَجْهُ الأَرْضِ، كَانَ فِيهَا الْحَيَوَانُ نَوْمُهُمْ وَسَهَرُهُمْ.
3195- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ فِي أَرْضٍ فَدَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَذَكَرَ لَهَا ذَلِكَ فَقَالَتْ يَا أَبَا سَلَمَةَ اجْتَنِبْ الأَرْضَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
3196- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قال النبي

(6/292)


صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ".
3197- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".
3197- حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أَنَّهُ انْتَقَصَهُ لَهَا إِلَى مَرْوَانَ فَقَالَ سَعِيدٌ أَنَا أَنْتَقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنْ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ" قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ...".
قوله: "باب ما جاء في سبع أرضين" أو في بيان وضعها. قوله: "وقول الله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} الآية" قال الداودي: فيه دلالة على أن الأرضين بعضها فوق بعض مثل السماوات ونقل عن بعض المتكلمين أن المثلية في العدد خاصة وأن السبع متجاورة. وحكى ابن التين عن بعضهم أن الأرض واحدة، قال وهو مردود بالقرآن والسنة. قلت: لعله القول بالتجاور، وإلا فيصير صريحا في المخالفة، ويدل للقول الظاهر ما رواه ابن جرير من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في هذه الآية {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} قال: في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصرا وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق عطاء بن السائب عن أبي الضحى مطولا وأوله أي سبع أرضين "في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسى ونبي كنبيكم" قال البيهقي: إسناده صحيح، إلا أنه شاذ بمرة. وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لو حدثكم بتفسير هذه الآية لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها. ومن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه وزاد وهن مكتوبات بعضهن على بعض. وظاهر قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} يرد أيضا على أهل الهيئة قولهم أن لا مسافة بين كل أرض وأرض وإن كانت فوقها، وأن السابعة صماء لا جوف لها، وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة، إلى غير ذلك من أقوالهم التي لا برهان عليها. وقد روى أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأن سمك كل سماء كذلك، وأن بين كل أرض وأرض خمسمائة عام" وأخرجه إسحاق بن راهويه والبزار من حديث أبي ذر نحوه، ولأبي داود والترمذي من حديث العباس بن عبد المطلب مرفوعا: "بين كل سماء وسماء إحدى أو اثنتان وسبعون سنة" وجمع بين الحديثين بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته. قوله: "{وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} السماء" هو تفسير مجاهد، أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وغيرهما من طريق ابن أبي نجيح عنه، ومن طريق قتادة نحوه، وسيأتي عن علي مثله في "باب الملائكة" ولابن أبي حاتم من طريق الربيع بن

(6/293)


أنس {وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ} العرش، كذا قال، والأول أكثر، وهو يقتضي الرد على من قال إن السماء كرية لأن السقف في اللغة العربية لا يكون كريا. قوله: "سمكها" بفتح المهملة وسكون الميم "بناءها" بالمد، يريد تفسير قوله تعالى: {رَفَعَ سَمْكَهَا} أي رفع بنيانها، وهو تفسير ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله وزاد: "بغير عمد" ومن طريق قتادة مثله. وله: "والحبك:استواؤها وحسنها" هو تفسير ابن عباس أخرجه ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه. وأخرج من طريق سعد الإسكاف عن عكرمة عنه بلفظ: "ذات الحبك" أي البهاء والجمال، غير أنها كالبرد المسلسل" ومن طريق علي بن أبي طلحة عنه قال: "ذات الحبك أي الخلق الحسن" والحبك بضمتين جمع حبيكة كطرق وطريقة وزنا ومعنى، وقيل وأحدها حباك كمثال ومثل. وقيل: الحبك الطريق التي ترى في السماء من آثار الغيم، وروى الطبري عن الضحاك نحوه. وقيل: هي النجوم أخرجه الطبري بإسناد حسن عن الحسن، وروى الطبري عن عبد الله بن عمرو أو المراد بالسماء هنا السماء السابعة. قوله: "أذنت: سمعت وأطاعت" يريد تفسير قوله تعالى: { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ . وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} ومعنى سمعها وإطاعتها قبولها ما يراد منها، وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "وأذنت لربها" أي أطاعت، ومن طريق الضحاك "أذنت لربها" أي سمعت، ومن طريق سعيد بن جبير "وحقت" أي حق لها أن تطيع. قوله: "وألقت" أخرجت ما فيها من الموتى "وتخلت" أي "عنهم" يريد تفسير بقية الآيات، وهو عند ابن أبي حاتم من طريق مجاهد نحوه، ومن طريق سعيد بن جبير ألقت ما استودعها الله من عباده وتخلت عنهم إليه. قوله: "طحاها: دحاها" هو تفسير مجاهد أخرجه عبد بن حميد وغيره من طريقه، والمعنى بسطها يمينا وشمالا من كل جانب. وأخرج ابن أبي حاتم أيضا من طريق ابن عباس والسدي وغيرهما: دحاها أي بسطها. قوله: "بالساهرة: وجه الأرض كان فيها الحيوان نومهم وسهرهم" هو تفسير عكرمة أخرجه ابن أبي حاتم، أو المراد بالأرض أرض القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مصعب بن ثابت عن أبي حازم عن سهل بن سعد في قوله: "فإذا هم بالساهرة" قال: أرض بيضاء عفراء كالخبزة، وسيأتي من وجه آخر عن أبي حازم مرفوعا في الرقاق لكن ليس فيه تفسير الساهرة. حديث عائشة "من ظلم قيد شبر" وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب المظالم. حديث ابن عمر في المعنى، وقد تقدم هناك أيضا، وعبد الله في إسناده هو ابن المبارك، والراوي عنه بشر بن محمد مروزي سمع من ابن المبارك بخراسان، وهو يؤيد البحث الذي قدمته من أنه لا يلزم من كون هذا الحديث ليس في كتب ابن المبارك بخراسان أن لا يكون حدث به هناك، ويحتمل أن يكون بشر صحب ابن المبارك فسمعه منه بالبصرة فيصح أنه لم يحدث به إلا بالبصرة والله أعلم. حديث أبي بكرة "أن الزمان قد استدار كهيئته" وسيأتي بأتم من هذا السياق في آخر المغازي في الكلام على حجة الوداع، ويأتي شرحه في تفسير براءة، ومضي شرح أكثر في العلم وبعضه في الحج. قوله: "عن محمد بن سيرين عن ابن أبي بكرة عن أبي بكرة" اسم ابن أبي بكرة عبد الرحمن كما تقدم في "باب رب مبلغ أوعى من سامع" في كتاب العلم من وجه آخر عن أيوب، وذكر أبو علي الجياني أنه سقط من نسخة الأصيلي هنا عن ابن أبي بكرة وثبت لسائر الرواة عن الفربري، قلت: وكذا ثبت في رواية النسفي عن البخاري، قال الجياني: ووقع في رواية القابسي هنا عن أيوب عن محمد بن

(6/294)


أبي بكرة، وهو وهم فاحش. قلت: وافق الأصيلي لكن صحف "عن" فصارت "ابن" فلذلك وصفه بفحش الوهم وسيأتي هذا الحديث بالسند المذكور هنا في "باب حجة الوداع" من كتاب المغازي على الصواب للجماعة أيضا حتى الأصيلي، واستمر القابسي على وهمه فقال هناك أيضا: "عن محمد بن أبي بكرة". قوله: "كهيئته" الكاف صفة مصدر محذوف تقديره استدار استدارة مثل صفته يوم خلق السماء. والزمان اسم لقليل الوقت وكثيره، وزعم يوسف بن عبد الملك في كتابه "تفضيل الأزمنة" أن هذه المقالة صدرت من النبي صلى الله عليه وسلم في شهر مارس وهو آذار وهو برمهات بالقبطية، وفيه يستوي الليل والنهار عند حلول الشمس برج الحمل. حديث سعيد بن زيد في قصته مع أروى بنت أنيس في مخاصمتها له في الأرض، وقد تقدمت مباحثه مستوفاة في كتاب المظالم. قوله: "وقال ابن أبي الزناد عن هشام" أي ابن عروة "عن أبيه قال لي سعيد بن زيد" أراد المصنف بهذا التعليق بيان لقاء عروة سعيدا، وقد لقي عروة من هو أقدم وفاة من سعيد كوالده الزبير وعلي وغيرهما.

(6/295)


باب في النجوم . و قال قتادة { و لقد زينا السماء الدنيا بمصابيح } : خلق هذه النجوم لثلاث : جعلها زينة للسماء ، و رجوما للشياطين ، و علامات يهتدي بها ، فمن تأول فيها بغير ذلك أخطأ و أضاع نصيبه و تكلف ما
...
3 - باب فِي النُّجُومِ. وَقَالَ قَتَادَةُ {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} [5 الملك]: خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاَثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلاَمَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا. فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ وَتَكَلَّفَ مَا لاَ عِلْمَ لَهُ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {هَشِيمًا}: مُتَغَيِّرًا. وَالأَبُّ: مَا يَأْكُلُ الأَنْعَامُ. {وَالأَنَامُ}: الْخَلْقُ. {بَرْزَخٌ}: حَاجِبٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {أَلْفَافًا}: مُلْتَفَّةً. وَالْغُلْبُ: الْمُلْتَفَّةُ. {فِرَاشًا}: مِهَادًا. كَقَوْلِهِ: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ}. {نَكِدًا}: قَلِيلًا.
قوله: "باب في النجوم وقال قتادة إلخ" وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عنه به وزاد في آخره: "وأن ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من غرس بنجم كذا كان كذا، ومن سافر بنجم كذا كان كذا، ولعمري ما من النجوم نجم إلا ويولد به الطويل والقصير والأحمر والأبيض والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر شيء من هذا الغيب". انتهى. وبهذه الزيادة تظهر مناسبة إيراد المصنف ما أورده من تفسير الأشياء التي ذكرها من القرآن وإن كان ذكر بعضها وقع استطرادا والله أعلم. قال الداودي: قول قتادة في النجوم حسن، إلا قوله: "أخطأ وأضاع نفسه" فإنه قصر في ذلك، بل قائل ذلك كافر انتهى. ولم يتعين الكفر في حق من قال ذلك، وإنما يكفر من نسب الاختراع إليها، وأما من جعلها علامة على حدوث أمر في الأرض فلا، وقد تقدم تقرير ذلك وتفصيله في الكلام على حديث زيد ابن خالد فيمن قال: "مطرنا بدرء كذا" في "باب الاستسقاء" وقال أبو علي الفارسي في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً} الضمير للسماء؛ أي وجعلنا شهبها رجوما على حذف مضاف، فصار الضمير للمضاف إليه. وذكر ابن دحية في "التنوير" من طريق أبي عثمان النهدي عن سليمان الفارسي قال: النجوم كلها معلقة كالقناديل من السماء الدنيا كتعليق القناديل في المساجد. قوله: "وقال ابن عباس هشيما متغيرا" لم أره عنه من طريق موصولة. لكن ذكره إسماعيل بن أبي زياد في تفسيره عن ابن عباس. قال أبو عبيدة: قوله: "هشيما" أي يابسا متفتتا، و "تذروه الرياح" أي تفرقه. قوله: "والأب ما تأكل الأنعام" هو تفسير ابن عباس أيضا، وصله ابن أبي حاتم من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عنه قال: الأب:

(6/295)


ما أنبتت الأرض مما تأكله الدواب ولا تأكله الناس، ومن طريق ابن عباس قال: الأب الحشيش، ومن طريق عطاء والضحاك: الأب هو كل شيء ينبت على وجه الأرض، زاد الضحاك: إلا الفاكهة، وروى ابن جرير من طريق إبراهيم التيمي "أن أبا بكر الصديق سئل عن الأب فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله بغير علم" وهذا متقطع. وعن عمر أنه قال: "عرفنا الفاكهة فما الأب؟" ثم قال: "إن هذا لهو التكلف" فهو صحيح عنه، أخرجه عبد بن حميد من طرق صحيحة عن أنس عن عمر، وسيأتي بيان ذلك في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. قوله: "والأنام: الخلق" هو تفسير ابن عباس أيضا، أخرجه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ} قال: للخلق، والمراد بالخلق المخلوق، ومن طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: الأنام الناس، وهذا أخص من الذي قبله، ومن طريق الحسن قال: الجن والإنس. وعن الشعبي قال: هو كل ذي روح. قوله: "برزخ: حاجب" في رواية المستملي والكشميهني: "حاجز" بالزاي، وهذا تفسير ابن عباس أيضا وصله ابن أبي حاتم من الوجه المذكور إلا قوله: "وقال مجاهد "ألفافا" ملتفة والغلب الملتفة" وصلهما عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً} قال: ملتفة. ومن طريقه قال: {وَحَدَائِقَ غُلْباً} أي ملتفة، وروى ابن أبي حاتم من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن ابن عباس: الحدائق. ما التفت والغلب: ما غلط. ومن طريق عكرمة عنه الغلب شجر بالجبل لا يحمل يستطل به. ومن طريق علي بن أبى طلحة عنه قال: "وجنات ألفافا" أي مجتمعة. وقال أهل اللغة: الألفاف جمع لف أو لفيف. وعن الكسائي: هو جمع الجمع. وقال الطبري: اللفاف جمع لفيفة وهي الغليظة، وليس الالتفاف من الغلظ في شيء إلا أن يراد أنه غلط بالالتفاف. قوله: "فراشا: مهادا كقوله: {وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} " هو قول قتادة والربيع بن أنس وصله الطبري عنهما، ومن طريق السدي بأسانيده "فراشا" هي فراش يمشي عليها وهي المهاد والقرار. قوله: "نكدا: قليلا" أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: {لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً} قال: النكد الشيء القليل الذي لا ينفع، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هذا مثل ضرب للكفار كالبلد السبخة المالحة التي لا تخرج منها البركة.

(6/296)


باب صفة الشمس و القمر { بحسبان } قال مجاهد : كحسبان الرحى .
...
4 - باب صِفَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ بِحُسْبَانٍ
قَالَ مُجَاهِدٌ: كَحُسْبَانِ الرَّحَى. وَقَالَ غَيْرُهُ: بِحِسَابٍ وَمَنَازِلَ لاَ يَعْدُوَانِهَا. حُسْبَانٌ: جَمَاعَةُ الحِسَابٍ مِثْلُ شِهَابٍ وَشُهْبَانٍ. ضُحَاهَا: ضَوْءُهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ: لاَ يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الْآخَرِ وَلاَ يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. سَابِقُ النَّهَارِ: يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. نَسْلَخُ: نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَنُجْرِي كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَاهِيَةٌ: وَهْيُهَا تَشَقُّقُهَا. أَرْجَائِهَا: مَا لَمْ يَنْشَقَّ مِنْهَا فَهُمْ عَلَى حَافَتَيْهَا كَقَوْلِكَ: عَلَى أَرْجَاءِ الْبِئْرِ أَغْطَشَ وَ جَنَّ أَظْلَمَ وَقَالَ الْحَسَنُ كُوِّرَتْ تُكَوَّرُ حَتَّى يَذْهَبَ ضَوْءُهَا وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ جَمَعَ مِنْ دَابَّةٍ اتَّسَقَ اسْتَوَى بُرُوجًا مَنَازِلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ الْحَرُورُ بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَرُؤْبَةُ الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ يُقَالُ يُولِجُ يُكَوِّرُ وَلِيجَةً كُلُّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ.

(6/296)


3199- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلاَ يُقْبَلَ مِنْهَا وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا يُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى [38 يس]: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}.
[الحديث 3199 – أطرافه في: 4802، 4803، 7424، 7433]
3200- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الدَّانَاجُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
3201- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا".
3202- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ".
3203- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَسَفَتْ الشَّمْسُ قَامَ فَكَبَّرَ وَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَقَامَ كَمَا هُوَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الأُولَى ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا وَهِيَ أَدْنَى مِنْ الرَّكْعَةِ الأُولَى ثُمَّ سَجَدَ سُجُودًا طَوِيلًا ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ سَلَّمَ وَقَدْ تَجَلَّتْ الشَّمْسُ فَخَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ إِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لاَ يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلاَةِ".
3204- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا".

(6/297)


قوله: "باب صفة الشمس والقمر بحسبان" أي تفسير ذلك، وقوله: "قال مجاهد كحسبان الرحى" وصله الفريابي في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ومراده أنهما يجريان على حسب الحركة الرحوية الدورية وعلى وضعها. وقوله: "وقال غيره بحساب ومنازل لا يعدوانها"، ووقع في نسخة الصغاني هو ابن عباس وقد وصله عبد بن حميد من طريق أبي مالك وهو الغفاري مثله، وروى الحربي والطبري عن ابن عباس نحوه بإسناد صحيح وبه جزم الفراء. قوله: "حسبان جماعة الحساب" يعني أن حسبان جماعة الحساب كشهبان جمع شهاب، وهذا قول أبي عبيدة في المجاز. وقال الإسماعيلي من جعله من الحساب احتمل الجمع واحتمل المصدر، تقول حسب حسبانا، ثم هو من الحساب بالفتح ومن الظن بالكسر أي في الماضي. قوله: " ضحاها : ضوءها" وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} قال: ضوءها. قال الإسماعيلي: يريد أن الضحى يقع في صدر النهار وعنده تشتد إضاءة الشمس، وروى ابن أبي حاتم من طريق قتادة والضحاك قال: ضحاها النهار. قوله: "أن تدرك القمر لا يستر ضوء أحدهما ضوء الآخر الخ" وصله الفريابي في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بتمامه. قوله: "نسلخ نخرج إلخ" وصله الفريابي من طريقه أيضا بلفظ يخرج أحدهما من الآخر ويجري كل منهما في فلك. قوله: "واهية: وهيها تشققها" هو قول الفراء، وروى الطبري عن ابن عباس في قوله: "واهية" قال متمزقة ضعيفة. قوله: "أرجائها: ما لم تنشق منها فهو على حافتيها" يريد تفسير قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} ووقع في رواية الكشميهني: فهو على حافتها، وكأنه أفرد باعتبار لفظ الملك وجمع باعتبار الجنس، وروى عبد بن حميد من طريق قتادة في قوله: {وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا} أي على حافات السماء" وروى الطبري عن سعيد بن المسيب مثله، وعن سعيد بن جبير: على حافات الدنيا، وصوب الأول. وأخرج عن ابن عباس قال والملك على حافات السماء حين تنشق، والأرجاء بالمد جمع رجا بالقصر والمراد النواحي. قوله: "أغطش: جن أظلم" يريد تفسير قوله تعالى :{وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} وتفسير قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} أي أظلم في الموضعين، والأول تفسير قتادة أخرجه عبد بن حميد من طريقه قال: قوله: {وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا} أي أظلم ليلها، وقد توقف فيه الإسماعيلي فقال: معنى أغطش ليلها جعله مظلما، وأما أغطش غير متعد فإن ساغ فهو صحيح المعنى ولكن المعروف أظلم الوقت جاءت ظلمته وأظلمنا وقعنا في ظلمة. قلت: لم يرد البخاري القاصر لأنه في نفس الآية متعد وإنما أراد تفسير قوله أغطش فقط، وأما الثاني فهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} أي غطى عليه وأظلم. قوله: "وقال الحسن كورت تكور حتى يذهب ضوءها" وصله ابن أبي حاتم من طريق أبي رجاء عنه، وكأن هذا كان يقوله قبل أن يسمع حديث أبي سلمة عن أبي هريرة الآتي ذكره في هذا الباب، وإلا فمعنى التكوير اللف تقول كورت العمامة تكويرا إذا لففها، والتكوير أيضا الجمع تقول كورته إذا جمعته، وقد أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} يقول: أظلمت، ومن طريق الربيع بن ختم قال: فورت أي رمى بها، ومن طريق أبي يحيى عن مجاهد كورت قال: اضمحلت. قال الطبري: التكوير في الأصل الجمع وعلى هذا فالمراد أنها تلف ويرمى بها فيذهب ضوءها. قوله: "والليل وما وسق: أي جمع من دابة" وصله عبد بن حميد من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن نحوه. قوله: "اتسق استوى" وصله عبد بن

(6/298)


حميد أيضا من طريق منصور عنه في قوله: {وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} قال: استوى. قوله: "بروجا: منازل الشمس والقمر" وصله ابن حميد، وروى الطبري من طريق مجاهد قال: البروج الكواكب ومن طريق أبي صالح قال هي النجوم الكبار، وقيل هي قصور في السماء رواه عبد بن حميد من طريق يحيى بن رافع، ومن طريق قتادة قال هي قصور على أبواب السماء فيها الحرس، وعند أهل الهيئة أن البروج غير المنازل، فالبروج اثنا عشر والمنازل ثمانية وعشرون " وكل برج عبارة عن منزلتين وثلث منها. قوله: "فالحرور بالنهار مع الشمس" وصله إبراهيم الحربي عن الأثرم عن أبي عبيدة قال: الحرور بالنهار مع الشمس. وقال الفراء: الحرور الحر الدائم ليلا كان أو نهارا، والسموم بالنهار خاصة. قوله: "وقال ابن عباس ورؤبة الحرور بالليل والسموم بالنهار" أما قول ابن عباس فلم أره موصولا عنه بعد، وأما قول رؤبة وهو ابن العجاج التيمي الراجز المشهور فذكره أبو عبيدة عنه في المجاز. وقال السدي: المراد بالظل والحرور في الآية الجنة والنار أخرجه ابن أبي حاتم عنه. قوله: "يقال يولج يكور" كذا في رواية أبي ذر، ورأيت في رواية ابن شبويه "يكون" بنون وهو أشبه. وقال أبو عبيدة: يولج أي ينقص من الليل فيزيد في النهار وكذلك النهار، وروى عبد بن حميد من طريق مجاهد قال: ما نقص من أحدهما دخل في الآخر يتقاصان ذلك في الساعات. ومن طريق قتادة نحوه قال: يولج ليل الصيف في نهاره أي يدخل، ويدخل نهار الشتاء في ليله. قوله: "وليجة كل شيء أدخلته في شيء" هو قول عبيدة قال قوله: {مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً} كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والمعنى لا تتخذوا أولياء ليس من المسلمين. حديث أبي ذر في تفسير قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} وسيأتي شرحه مستوفى في تفسير سورة يس، والغرض منه هنا بيان سير الشمس في كل يوم وليلة، وظاهره مغاير لقول أهل الهيئة أن الشمس مرصعة في الفلك، فإنه يقتضي أن الذي يسير هو الفلك وظاهر الحديث أنها هي التي تسير وتجري، ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} أي يدورون، قال ابن العربي: أنكر قوم سجودها وهو صحيح ممكن، وتأوله قوم على ما هي عليه من التسخير الدائم، ولا مانع أن تخرج عن مجراها فتسجد ثم ترجع. قلت: إن أراد بالخروج الوقوف فواضح، وإلا فلا دليل على الخروج، ويحتمل أن يكون المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال فيكون عبارة عن الزيادة في الانقياد والخضوع في ذلك الحين. قوله: "عن عبد الله الداناج" بتخفيف النون وآخره جيم هو لقبه ومعناه العالم بلغة الفرس، وهو قي الأصل داناه فعرب، وعبد الله المذكور تابعي صغير، واسم أبيه فيروز، وذكر البزار أنه لم يرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن غير هدا الحديث، ووقع في روايته من طريق يونس بن محمد عن عبد العزيز ابن المختار عنه سمعت أبا سلمة يحدث في زمن خالد القسري في هذا المسجد وجاء الحسن أي البصري فجلس إليه، فقال أبو سلمة: حدثنا أبو هريرة" فذكره، ومثله أخرجه الإسماعيلي وقال: "في مسجد البصرة" ولم يقل خالد القسري، وأخرجه الخطابي من طريق يونس بهذا الإسناد فقال: "في زمن خالد بن عبد الله أي ابن أسيد" أي بفتح الهمزة وهو أصح فإن خالدا هذا كان قد ولى البصرة لعبد الملك قبل الحجاج بخلاف خالد القسري. قوله: "مكوران" زاد في رواية البزار ومن ذكر معه "في النار، فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال أبو سلمة أحدثك

(6/299)


عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول وما ذنبهما؟" قال البزار لا يروى عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه انتهى. وأخرج أبو يعلى معناه من حديث أنس وفيه: "ليراهما من عبدهما" كما قال تعالى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} . وأخرجه الطيالسي من هذا الوجه مختصرا. وأخرج ابن وهب في "كتاب الأهوال" عن عطاء بن يسار في قوله تعالى: {وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ} قال: يجمعان يوم القيامة ثم يقذفان في النار، ولابن أبي حاتم عن ابن عباس نحوه موقوفا أيضا، قال الخطابي: ليس المراد بكونهما في النار تعذيبهما بذلك، ولكنه تبكيت لمن كان يعبدهما في الدنيا ليعلموا أن عبادتهم لهما كانت باطلا. وقيل إنهما خلقا من النار فأعيدا فيها. وقال الإسماعيلي: لا يلزم من جعلهما في النار تعذيبهما، فإن لله في النار ملائكة وحجارة وغيرها لتكون لأهل النار عذابا وآلة من آلات العذاب وما شاء الله من ذلك، فلا تكون هي معذبة. وقال أبو موسى المديني في "غريب الحديث": لما وصفا بأنهما يسبحان في قوله: {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} وأن كل من عبد من دون الله إلا من سبقت له الحسنى يكون في النار وكانا في النار يعذب بهما أهلهما بحيث لا يبرحان منهما فصارا كأنهما ثوران عقيرا. ثالثها: بقية الأحاديث عن عبد الله بن عمرو ومن بعده في ذكر الكسوف، وقد تقدمت كلها مشروحة في كتاب الكسوف. قوله: "عن أبي مسعود" كذا في الأصول بأداة الكنية، وهو أبو مسعود البدري، ووقع في بعض النسخ "عن ابن مسعود" بالموحدة والنون وهو تصحيف.

(6/300)


باب ما جاء في قوله { و هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته }
...
5 - باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ [57 الأعراف]: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ}
قَاصِفًا: تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ. لَوَاقِحَ: مَلاَقِحَ مُلْقِحَةً. إِعْصَارٌ: رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنْ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ. صِرٌّ: بَرْدٌ. نُشُرًا: مُتَفَرِّقَةً.
3205- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ".
3206- حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ وَدَخَلَ وَخَرَجَ وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ فَإِذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ عاد [24 الأحقاف]: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} الْآيَةَ.
[الحديث 3206 – طرفه في: 4829]
قوله: "باب ما جاء في قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} بشرا بضم الباء والمعجمة. وسيأتي تفسيره في الباب. قوله: "قاصفا تقصف كل شيء" يريد تفسير قوله تعالى: {فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنَ الرِّيحِ} قال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء أي تحطم، وروى الطبري من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس القاصف التي تفرق، هكذا ذكره منقطعا. قوله: "لواقح ملاقح ملقحة" يريد تفسير قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ}

(6/300)


وأن أصل لواقح ملاقح وواحدها ملقحة، وهو قول أبي عبيدة وفاقا لابن إسحاق، وأنكره غيرهما قالوا لواقح جمع لاقحة ولاقح. وقال الفراء: فإن قيل الريح ملقحة لأنها تلقح الشجر فكيف قيل لها لواقح؟ فالجواب على وجهين: أحدهما أن تجعل الريح هي التي تلقح بمرورها على التراب والماء فيكون فيها اللقاح فيقال ريح لاقح كما يقال ماء ملاقح، ويؤيده وصف ريح العذاب بأنها عقيم. ثانيهما أن وصفها باللقح لكون اللقح يقع فيها كما تقول: ليل نائم. وقال الطبري: الصواب أنها لاقحة من وجه ملقحة من وجه لأن لقحها حملها الماء، وإلقاحها عملها في السحاب. ثم أخرج من طريق قوي عن ابن مسعود قال: "يرسل الله الرياح فتحمل الماء فتلقح السحاب، وتمر به فتدر كما تدر اللقحة، ثم تمطر" وقال الأزهري: جعل الريح لافحا لأنها تقل السحاب وتصرفه، ثم تمر به فتستدره، والعرب تقول للريح الجنوب: لافح وحامل، وللشمال: حائل وعقيم. قوله: "إعصار: ريح عاصف تهب من الأرض إلى السماء كعمود فيه نار" يريد تفسير قوله تعالى: {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} وهو تفسير أبي عبيدة بلفظه، وروى الطبري عن السدي قال: الإعصار الريح، والنار السموم. وعن الضحاك قال: الإعصار ريح فيها برد شديد والأول أظهر لقوله تعالى: {فِيهِ نَارٌ}. قوله: "صر برد" يريد تفسير قوله تعالى: {رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} قال أبو عبيدة: الصر شدة البرد. وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق معمر قال كان الحسن يقول: "فأصابها إعصار" يقول صر برد. كذا قال. قوله: "نشرا: متفرقة" هو مقتضي كلام أبي عبيدة فإنه قال: قوله: "نشرا" أي من كل مهب وجانب وناحية. ثم ذكر المصنف في الباب حديثين: قوله: "عن الحكم" هو ابن عتيبة بالمثناة والموحدة مصغر. قوله: "نصرت بالصبا" بفتح المهملة وتخفيف الموحدة مقصور هي الريح الشرقية، والدبور بفتح أوله وتخفيف الموحدة المضمومة مقابلها، يشير صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى في قصة الأحزاب: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا } وروى الشافعي بإسناد فيه انقطاع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نصرت بالصبا، وكانت عذابا على من كان قبلنا" وقيل: إن الصبا هي التي حملت ريح قميص يوسف إلى يعقوب قبل أن يصل إليه، قال ابن بطال: في هذا الحديث تفضيل بعض المخلوقات على بعض، وفيه إخبار المرء عن نفسه بما فضله الله به على سبيل التحدث بالنعمة لا على الفخر، وفيه الإخبار عن الأمم الماضية وإهلاكها. حديث عائشة وقد تقدم شرحه في كتاب الاستسقاء، وقوله فيه "مخيلة" بفتح الميم وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة هي السحابة التي يخال فيها المطر. قوله: "فإذا أمطرت السماء سري عنه" فيه رد على من زعم أنه لا يقال أمطرت إلا في العذاب، وأما الرحمة فيقال مطرت، وقوله: "سرى عنه" بضم المهملة وتشديد الراء بلفظ المجهول أي كشف عنه. وفي الحديث تذكر ما يذهل المرء عنه مما وقع للأمم الخالية، والتحذير من السير في سبيلهم خشية من وقوع مثل ما أصابهم. وفيه شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم كما وصفه الله تعالى. قال ابن العربي: فإن قيل كيف يخشى النبي صلى الله عليه وسلم أن يعذب القوم وهو فيهم مع قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} والجواب أن الآية نزلت بعد هذه القصة، ويتعين الحمل على ذلك لأن الآية دلت على كرامة له صلى الله عليه وسلم ورفعه فلا يتخيل انحطاط درجته أصلا. قلت: ويعكر عليه أن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر، وفي حديث عائشة إشعار بأنه كان يواظب على ذلك من صنيعه، كان إذا رأى فعل كذا. والأولى في الجواب أن يقال إن في آية الأنفال احتمال التخصيص بالمذكورين أو بوقت دون وقت أو مقام الخوف يقتضي غلبة عدم الأمن من مكر الله، وأولى من الجميع أن يقال خشى على من ليس هو فيهم أن يقع بهم العذاب،

(6/301)


أما المؤمن فشفقته عليه لإيمانه، وأما الكافر فلرجاء إسلامه، وهو بعث رحمة للعالمين.

(6/302)


6 - باب ذِكْرِ الْمَلاَئِكَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَم عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنْ الْمَلاَئِكَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {لَنَحْنُ الصَّافُّونَ}: الْمَلاَئِكَةُ.
3207- حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ ح و قَالَ لِي خَلِيفَةُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ وَهِشَامٌ قَالاَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ وَذَكَرَ يَعْنِي رَجُلًا بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَأُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَشُقَّ مِنْ النَّحْرِ إِلَى مَرَاقِّ الْبَطْنِ ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ مُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا وَأُتِيتُ بِدَابَّةٍ أَبْيَضَ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ الْبُرَاقُ فَانْطَلَقْتُ مَعَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَتَيْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قَالَ مُحَمَّدٌ قِيلَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى فَقَالاَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّالِثَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قِيلَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ قَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قِيلَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى إِدْرِيسَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قَالَ جِبْرِيلُ قِيلَ وَمَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ نَعَمْ قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْنَا عَلَى هَارُونَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَأَتَيْنَا عَلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ قِيلَ مَنْ هَذَا قِيلَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ أَخٍ وَنَبِيٍّ فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى فَقِيلَ مَا أَبْكَاكَ قَالَ يَا رَبِّ هَذَا الْغُلاَمُ الَّذِي بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَفْضَلُ مِمَّا يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي فَأَتَيْنَا السَّمَاءَ السَّابِعَةَ قِيلَ مَنْ هَذَا قِيلَ جِبْرِيلُ قِيلَ مَنْ مَعَكَ قِيلَ مُحَمَّدٌ قِيلَ وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَرْحَبًا بِهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَأَتَيْتُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ

(6/302)


فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَرْحَبًا بِكَ مِنْ ابْنٍ وَنَبِيٍّ فَرُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ هَذَا الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ إِذَا خَرَجُوا لَمْ يَعُودُوا إِلَيْهِ آخِرَ مَا عَلَيْهِمْ وَرُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فَإِذَا نَبِقُهَا كَأَنَّهُ قِلاَلُ هَجَرَ وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ فَسَأَلْتُ جِبْرِيلَ فَقَالَ أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاَةً فَأَقْبَلْتُ حَتَّى جِئْتُ مُوسَى فَقَالَ مَا صَنَعْتَ قُلْتُ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلاَةً قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ وَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ فَجَعَلَهَا أَرْبَعِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ ثُمَّ ثَلاَثِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عِشْرِينَ ثُمَّ مِثْلَهُ فَجَعَلَ عَشْرًا فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ فَجَعَلَهَا خَمْسًا فَأَتَيْتُ مُوسَى فَقَالَ مَا صَنَعْتَ قُلْتُ جَعَلَهَا خَمْسًا فَقَالَ مِثْلَهُ قُلْتُ سَلَّمْتُ بِخَيْرٍ فَنُودِيَ إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا".
وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ".
[الحديث 3207 – أطرافه في: 3393، 3430، 3887]
3208- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلاَّ ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
[الحديث 3208 – أطرافه في: 3332، 6594، 7454]
3209- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَابَعَهُ أَبُو عَاصِمٍ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ".
[الحديث 3209 – طرفاه في: 6040، 7485]

(6/303)


3210- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ".
[الحديث 3210 – أطرافه في: 3288، 5762، 6213، 7561]
3211- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَالأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ الْمَلاَئِكَةُ يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوْا الصُّحُفَ وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ".
3212- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ مَرَّ عُمَرُ فِي الْمَسْجِدِ وَحَسَّانُ يُنْشِدُ فَقَالَ كُنْتُ أُنْشِدُ فِيهِ وَفِيهِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ أَسَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أَجِبْ عَنِّي اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ؟ قَالَ: نَعَمْ".
3213- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لِحَسَّانَ اهْجُهُمْ أَوْ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ".
[الحديث 3213 – أطرافه في: 4123، 4124، 6153]
3214- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ح حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ هِلاَلٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى غُبَارٍ سَاطِعٍ فِي سِكَّةِ بَنِي غَنْمٍ زَادَ مُوسَى مَوْكِبَ جِبْرِيلَ".
3215- حَدَّثَنَا فَرْوَةُ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ قَالَ كُلُّ ذَاكَ يَأْتِينِي الْمَلَكُ أَحْيَانًا فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ وَيَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ أَحْيَانًا رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ".
3216- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الْجَنَّةِ أَيْ فُلُ هَلُمَّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:

(6/304)


ذَاكَ الَّذِي لاَ تَوَى عَلَيْهِ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
3217- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا يَا عَائِشَةُ هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السَّلاَمَ فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لاَ أَرَى تُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
[الحديث 3217 – أطرافه في: 3768، 6153، 6201، 6249]
3218- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ قَالَ ح حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لِجِبْرِيلَ أَلاَ تَزُورُنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا قَالَ فَنَزَلَتْ [64 مريم]: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا} الْآيَةَ.
[الحديث 3218 – طرفاه في: 4731، 7455]
3219- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ".
[الحديث 3219 – طرفه في: 4991]
3220- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَفَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ".
3221- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نَزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ قَالَ سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ يَحْسُبُ بِأَصَابِعِهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ".
3222- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ

(6/305)


وَهْبٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قَالَ لِي جِبْرِيلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ".
3223- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الْمَلاَئِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ مَلاَئِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ وَصَلاَةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ يُصَلُّونَ".
قوله: "باب ذكر الملائكة" جمع ملك بفتح اللام، فقيل مخفف من مالك وقيل مشتق من الألوكة وهي الرسالة وهذا قول سيبويه والجمهور، وأصله لاك، وقيل أصله الملك بفتح ثم سكون وهو الأخذ بقوة وحينئذ لا مدخل للميم فيه، وأصل وزنه مفعل فتركت الهمزة لكثرة الاستعمال وظهرت في الجمع وزيدت الهاء إما للمبالغة وإما لتأنيث الجمع، وجمع على القلب وإلا لقيل مالكه، وعن أبي عبيدة الميم في الملك أصلية وزنه فعل كأسد هو من الملك بالفتح وسكون اللام وهو الأخذ بقوة، وعلى هذا فوزن ملائكة فعائلة ويؤيده أنهم جوزوا في جمعه أملاك، وأفعال لا يكون جمعا لما في أوله ميم زائدة، قال جمهور أهل الكلام من المسلمين: الملائكة أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة ومسكنها السموات، وأبطل من قال إنها الكواكب أو أنها الأنفس الخيرة التي فارفت أجسادها وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها. وقد جاء في صفة الملائكة وكثرتهم أحاديث: منها ما أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعا: "خلقت الملائكة من نور" الحديث، ومنها ما أخرجه الترمذي وابن ماجة والبزار من حديث أبي ذر مرفوعا: "أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد" الحديث، ومنها ما أخرجه الطبراني من حديث جابر مرفوعا: "ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد" وللطبراني نحوه من حديث عائشة. وذكر في "ربيع الأبرار" عن سعيد بن المسيب قال الملائكة ليسوا ذكورا ولا إناثا ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون ولا يتوالدون. قلت: وفي قصه الملائكة مع إبراهيم وسارة ما يؤيد أنهم لا يأكلون، وأما ما وقع في قصة الأكل من الشجرة أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة فليس بثابت، وفي هذا وما ورد من القرآن رد على من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة. وقدم المصنف ذكر الملائكة على الأنبياء لا لكونهم أفضل عنده بل لتقدمهم في الخلق ولسبق ذكرهم في القرآن في عدة آيات كقوله تعالى:{ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} ، {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}، {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} وقد وقع في حديث جابر الطويل عند مسلم في صفة الحج "ابدؤا بما بدأ الله به" ورواه النسائي بصيغة الأمر "ابدأ بما بدأ الله به" ، ولأنهم وسائط بين الله وبين الرسل في تبليغ الوحي والشرائع فناسب أن يقدم الكلام فيهم على الأنبياء، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا أفضل من الأنبياء، وقد ذكرت مسألة تفضيل الملائكة في كتاب التوحيد عند شرح حديث ذكرته في ملأ خبر منهم، والله أعلم. ومن أدلة كثرتهم ما يأتي في حديث الإسراء "أن البيت

(6/306)


المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون" قوله: "وقال أنس قال عبد الله بن سلام الخ" هو طرف من حديث وصله المصنف في كتاب الهجرة؛ وسيأتي بأتم من هذا السياق هناك مع شرحه. قوله: "وقال ابن عباس {لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} الملائكة" وصله عبد الرزاق من طريق سماك عن عكرمة عنه وللطبراني عن عائشة مرفوعا: "ما في السماء موضع قدم إلا وعليه ملك قائم أو ساجد، فذلك قوله تعالى: {لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} ثم ذكر المصنف في الباب أحاديث تزيد على ثلاثين حديثا، وهو من نوادر ما وقع في هذا الكتاب، أعني كثرة ما فيه من الأحاديث، فإن عادة المصنف غالبا يفصل الأحاديث بالتراجم ولم يصنع ذلك هنا. وقد اشتملت أحاديث الباب على ذكر بعض من اشتهر من الملائكة كجبريل، ووقع ذكره في أكثر أحاديثه، وميكائيل وهو في حديث سمرة وحده، والملك الموكل بتصوير ابن آدم، ومالك خازن النار، ملك الجبال، والملائكة الذين في كل سماء، والملائكة الذين ينزلون في السحاب، والملائكة الذين يدخلون البيت المعمور، والملائكة الذين يكتبون الناس يوم الجمعة، وخزنة الجنة، والملائكة الذين يتعاقبون. ووقع ذكر الملائكة على العموم في كونهم لا يدخلون بيتا فيه تصاوير، وأنهم يؤمنون على قراءة المصلي ويقولون: ربنا ولك الحمد؛ ويدعون لمنتظر الصلاة، ويلعنون من هجرت فراش زوجها، وما بعد الأول محتمل أن يكون المراد خاصا منهم، فأما جبريل فقد وصفه الله تعالى بأنه روح القدس وبأنه الروح الأمين وبأنه رسول كريم ذو قوة مكين مطاع أمين، وسيأتي في التفسير أن معناه عبد الله، وهو وإن كان سريانيا لكنه وقع فيه موافقة من حيث المعنى للغة العرب لأن الجبر هو إصلاح ما وهي، وجبريل موكل بالوحي الذي يحصل به الإصلاح العام، وقد قيل أنه عربي وأنه مشتق من جبروت الله، واستبعد للاتفاق على منع صرفه وفي اللفظة ثلاث عشرة لغة أولها جبريل بكسر الجيم وسكون الموحدة وكسر الراء وسكون التحتانية بغير همز ثم لام خفيفة وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر ونافع ورواية عن عاصم، ثانيها بفتح الجيم قرأها ابن كثير، ثالثها مثله لكن بفتح الراء ثم همزة قرأها حمزة والكسائي، رابعها مثله بحذف ما بين الهمزة واللام قرأها يحيى بن يعمر ورويت عن عاصم. خامسها بتشديد اللام ورويت عن عاصم. سادسها بزيادة ألف بعد الراء ثم همزة ثم ياء ثم لام خفيفة قرأها عكرمة. سابعها مثلها بغير همز قرأها الأعمش. ثامنها مثل السادسة إلا أنها بياء قبل الهمز. تاسعها جبرال بفتح ثم سكون وألف بعد الراء ولام خفيفة. عاشرها مثله لكن بياء بعد الألف قرأها طلحة بن مصرف. حادي عشرها جرين مثل كثير لكن بنون. ثاني عشرها مثله لكن بكسر الجيم. ثالث عشرها مثل حمزة لكن بنون بدل اللام لخصته من "إعراب السين" وروى الطبري عن أبي العالية قال: جبريل من الكروبيين وهم سادة الملائكة وروى الطبراني من حديث ابن عباس قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لجبريل على أي شيء أنت؟ قال على الريح والجنود، قال وعلى أي شيء ميكائيل؟ قال على النبات والقطر، قال: وعلى أي شيء ملك الموت؟ قال على قبض الأرواح" الحديث وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد ضعف لسوء حفظه ولم يترك. وروى الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا وزيد أي من أهل السماء جبريل وميكائيل الحديث. وفي الحديث الذي أخرجه الطبراني في كيفية خلق آدم ما يدل على أن خلق جبريل كان قبل خلق آدم، وهو مقتضي عموم قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} وفي التفسير أيضا أنه يموت قبل موت ملك الموت بعد فناء العالم، والله أعلم. وأما ميكائيل فروى الطبراني عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا؟ قال ما ضحك منذ خلقت النار". وأما

(6/307)


ملك التصوير فلم أقف على اسمه. وأما مالك خازن النار فيأتي ذكره في تفسير سورة الزخرف إن شاء الله تعالى، وأما ملك الجبال فلم أقف على اسمه أيضا، ومن مشاهير الملائكة إسرافيل ولم يقع له ذكر في أحاديث الباب، وقد روى النقاش أنه أول من سجد من الملائكة فجوزي بولاية اللوح المحفوظ، وروى الطبراني من حديث ابن عباس أنه الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فخيره بين أن يكون نبيا عبدا أو نبيا ملكا، فأشار إليه جبريل أن تواضع، فاختار أن يكون نبيا عبدا، وروى أحمد والترمذي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحتى جبهته وانتظر أن يؤذن له" الحديث، وقد اشتمل "كتاب العظمة، لأبي الشيخ" من ذكر الملائكة على أحاديث وآثار كثيرة فليطلبها منه من أراد الوقوف على ذلك، وفيه عن علي أنه ذكر الملائكة فقال: "منهم الأمناء على وحيه، والحفظة لعباده، والسدنة لجنانه، والثابتة في الأرض السفلى أقدامهم، المارقة من السماء العليا أعناقهم، الخارجة عن الأقطار أكنافهم، الماسة لقوائم العرش أكتافهم". حديث الإسراء أورده بطوله من طريق قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة، وسأذكر شرحه في السيرة النبوية قبيل أبواب الهجرة إن شاء الله تعالى، والغرض منه هنا ما يتعلق بالملائكة، وقد ساقه هنا على لفظ خليفة، وهناك على لفظ هدبة بن خالد، وسأبين ما بينهما من التفاوت إن شاء الله تعالى. وقوله: "بطست من ذهب ملآن" كذا للأكثر، وللكشميهني: "ملأي" والتذكير باعتبار الإناء والتأنيث باعتبار الطست لأنها مؤنثة، ووجدت بخط الدمياطي "مليء" بضم الميم على لفظ الفعل الماضي، فعلى هذا لا تغاير بينه وبين قوله: "ملآن" وقوله: "مراق البطن" بفتح الميم وتخفيف الراء وتشديد القاف هو ما سفل من البطن ورق من جلده، وأصله مراقق، وسميت بذلك لأنها موضع رقة الجلد. وقوله: "بدابة أبيض" ذكره باعتبار كونه مركوبا، وقوله في آخره: "وقال همام عن قتادة إلخ" يريد أن هماما فصل في سياقه قصة البيت المعمور من قصة الإسراء، فروى أصل الحديث عن قتادة عن أنس، وقصة البيت عن قتادة عن الحسن، وأما سعيد وهو ابن أبي عروبة وهشام وهو الدستوائي فأدرجا قصة البيت المعمور في حديث أنس، والصواب رواية همام وهي موصولة هنا عن هدبة عنه، ووهم من زعم أنها معلقة، فقد روى الحسن بن سفيان في مسنده الحديث بطوله عن هدبة فاقتص الحديث إلى قوله: "فرفع لي البيت المعمور" قال قتادة "فحدثنا الحسن عن أبي هريرة أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون فيه" وأخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان وأبي يعلى والبغوي وغير واحد كلهم عن هدبة به مفصلا، وعرف بذلك مراد البخاري بقوله: "في البيت المعمور" وأخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خر لخر عليها، يدخله سبعون ألف ملك كل يوم إذا خرجوا منه لم يعودوا" وهذا وما قبله يشعر بأن قتادة كان تارة يدرج قصة البيت المعمور في حديث أنس وتارة يفصلها، وحين يفصلها تارة يذكر سندها وتارة يبهمه، وقد روى إسحاق في مسنده والطبري وغير واحد من طريق خالد بن عرعرة عن علي "أنه سئل عن السقف المرفوع قال: السماء، وعن البيت المعمور قال: بيت في السماء بحيال البيت حرمته في السماء كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ولا يعودون إليه" وفي رواية للطبري أن السائل عن ذلك هو عبد الله بن الكوا ولابن مردويه عن ابن عباس نحوه وزاد: "وهو على مثل البيت الحرام لو سقط لسقط عليه" من حديث عائشة، ونحوه بإسناد صالح، ومن حديث عبد الله بن عمرو نحوه بإسناد ضعيف

(6/308)


وهو عند الفاكهي في "كتاب مكة" بإسناد صحيح عنه لكن موقوفا عليه، وروى ابن مردويه أيضا وابن أبي حاتم من حديث أبي هريرة مرفوعا نحو حديث علي وزاد: "وفي السماء نهر يقال له نهر الحيوان يدخله جبريل كل يوم فيغمس ثم يخرج فينتفض فيخر عنه سبعون ألف قطرة يخلق الله من كل قطرة ملكا، فهم الذين يصلون فيه ثم لا يعودون إليه" وإسناده ضعيف، وقد روى ابن المنذر نحوه بدون ذكر النهر من طريق صحيحة عن أبي هريرة لكن موقوفا، وجاء عن الحسن ومحمد بن عباد بن جعفر أن البيت المعمور هو الكعبة، والأول أكثر وأشهر، وأكثر الروايات أنه في السماء السابعة. وجاء من وجه آخر عن أنس مرفوعا أنه في السماء الرابعة. وبه جزم شيخنا في القاموس، وقيل هو في السماء السادسة، وقيل هو تحت العرش، وقيل إنه بناء آدم لما أهبط إلى الأرض ثم رفع زمن الطوفان، وكأن هذا شبهه من قال إنه الكعبة، ويسمى البيت المعمور الضراح والضريح. حديث ابن مسعود "حدثنا الصادق المصدوق" وسيأتي شرحه في كتاب القدر؛ والغرض منه قوله فيه: "ثم يبعث الله ملكا ويؤمر بأربع كلمات" فإن فيه أن الملك موكل بما ذكر عند تصوير الآدمي، وسيأتي ما وقع فيه من الاختلاف هناك، والمراد بقوله: "الصادق" أي في قوله و"المصدوق" أي فيما وعده به ربه. حديث أبي هريرة أورده من طريقين موصولة ومعلقة وساقه على لفظ المعلقة؛ وهي متابعة أبي عاصم، وقد وصلها في الأدب عن عمرو بن علي عن أبي عاصم، وساقه على لفظه هنا، وهو أحد المواضع التي يستدل بها على أنه قد يعلق عن بعض مشايخه ما هو عنده عنه بواسطة، لأن أبا عاصم من شيوخه. قوله: "إذا أحب الله العبد الخ" زاد روح بن عبادة عن ابن جريج في آخره عند الإسماعيلي: "وإذا أبغض فمثل ذلك" وقد أخرجه أحمد عن روح بدون الزيادة، وسيأتي تمام شرحه في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثنا محمد حدثنا ابن أبي مريم" قال الجياني: محمد هذا هو الذهلي، كذا قال، وقد قال أبو ذر بعد أن ساقه: محمد هذا هو البخاري، وهذا هو الأرجح عندي، فإن الإسماعيلي وأبا نعيم لم يجدا الحديث من غير رواية البخاري فأخرجاه عنه، ولو كان عند غير البخاري لما ضاق عليهما مخرجه، ونصف هذا الإسناد الأعلى مدنيون ونصفه الأدنى مصريون، ولليث في هذا الحديث شيخ آخر سيأتي في صفة إبليس قريبا، ويأتي شرحه مستوفى في الطب، وقوله: "العنان" هو السحاب وزنا ومعنى وواحده عنانة كسحابة كذلك، وقوله وهو السحاب من تفسير بعض الرواة أدرجه في الخبر. حديث أبي هريرة، وقد تقدم شرحه في الجمعة. وقوله فيه: "عن أبي سلمة" هو ابن عبد الرحمن، وقوله: "والأغر" كذا للأكثر بالمعجمة والراء الثقيلة، ووقع في رواية الكشميهني والأعرج بالعين المهملة الساكنة وآخره جيم، والأول أرجح فإنه مشهور من رواية الأغر، نعم أخرجه النسائي من وجهين آخرين عن الزهري عن الأعرج وحده. ورواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب وأبي عبد الله الأغر ثلاثتهم عن أبي هريرة، أفاده الجياني عن ابن السكن قال: وبان بذلك أن الحديث حديث الأغر لا الأعرج. قلت: بل ورد من رواية الأعرج أيضا أخرجه النسائي من طريق عقيل، ومن طريق عمرو بن الحارث كلاهما عن الزهري عن الأعرج عن أبي هريرة، فظهر أن الزهري حمله عن جماعة، وكان تارة يفرده عن بعضهم وتارة يذكره عن اثنين منهم وتارة عن ثلاثة، والله أعلم. وقد تقدم في الجمعة من رواية ابن أبي ذئب. وأخرجه مسلم من رواية يونس عن الزهري عن الأغر وحده، وأخرجه النسائي أيضا من

(6/309)


رواية شعيب ابن أبي حمزة عن الزهري عن أبي سلمة والأغر جمع بينهما كإبراهيم بن سعد، وأخرجه مسلم والنسائي من طريق سفيان عن الزهري عن سعيد وحده، ورواه مالك عن الزهري عن ابن سلمة وحده. حديث أبي هريرة في الدعاء لحسان، والغرض منه ذكر روح القدس، وقد تقدم شرحه في المساجد من كتاب الصلاة وبينت أنه من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أو عن حسان وأنه لم يحضر مراجعته لحسان. وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية عبد الجبار بن العلاء عن سفيان قال: ما حفظت عن الزهري إلا عن سعيد عن أبي هريرة، فعلى هذا فكأن أبا هريرة حدث سعيدا بالقصة بعد وقوعها بمدة، ولهذا قال الإسماعيلي: سياق البخاري صورته صورة الإرسال، وهو كما قال، وقد ظهر الجواب عنه بهذه الرواية. حديث البراء بن عازب في ذكر حسان أيضا والغرض منه الإشارة إلى أن المراد بروح القدس في الحديث الذي قبله جبريل، وسيأتي شرحه في كتاب الأدب، وقوله: "قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان" يقتضي أنه من مسند البراء بن عازب، ولكن أخرجه الترمذي من رواية يزيد بن زريع بن سعيد فجعله من رواية البراء عن حسان. حديث أنس "كأني أنظر إلى غبار ساطع في سكة بني غنم" السكة بكسر المهملة والتشديد الزقاق، وبنو غنم بفتح المعجمة وسكون النون بطن من الخزرج. وهم بنو غنم بن مالك النجار. منهم أبو أيوب الأنصاري وآخرون. ووهم من زعم أن المراد بهم هنا بنو غنم حي من بني تغلب بفتح المثناة وسكون المعجمة فإن أولئك لم يكونوا بالمدينة يومئذ. قوله: "زاد موسى موكب جبريل" موسى هو ابن إسماعيل التبوذكي. ومراده أنه روى هذا الحديث عن جرير بن حازم بالإسناد المذكور فزاد في المتن هذه الزيادة. وطريق موسى هذه موصولة في المغازي عنه وهو مما يدل على أنه قد يعلق عن بعض مشايخه ما سمعه منه فلم يطرد له في ذلك عمل مستمر فإن كلا من أبي عاصم وموسى من مشايخه، وقد علق عن أبي عاصم ما أخذه عنه بواسطة، وعلق عن موسى ما أخذه عنه بغير واسطة، ففيه رد على من قال: كل ما يعلقه عن مشايخه محمول على أنه سمعه منهم، وفيه رد على من قال: إن الذي يذكر عن مشايخه من ذلك يكون مما حمله عنهم بالمناولة لأنه صرح في المغازي بتحديث موسى له بهذا الحديث، فلو كان مناولة لم يصرح بالتحديث. وقوله: "موكب جبريل" يجوز فيه الحركات الثلاث كنظائره، ورجح ابن التين الخفض. وإسحاق المذكور في الرواية الأولى هو ابن راهويه كما بينه ابن السكن وجزم به الكلاباذي، وسيأتي بقية شرح المتن في كتاب المغازي إن شاء الله تعالى. حديث عائشة "أن الحارث بن هشام سأل عن كيفية مجيء الوحي" وقد تقدم شرحه في أول الكتاب، وقدمت أن عامر بن صالح الزبيري رواه عن هشام فجعله من رواية عائشة عن الحارث بن هشام، وإني وجدت له متابعا على ذلك عند ابن منده، وهو يتضمن الرد على الحاكم حيث زعم أن عامر بن صالح تفرد بالزيادة المذكورة، والمتابع المذكور أخرجه ابن منده من طريق عبد الله بن الحارث عن هشام عن عائشة عن الحارث بن هشام قال: "سألت". حديث أبي هريرة "من أنفق زوجين" وقد تقدم الكلام عليه في أول الجهاد والغرض منه ذكر خزنة الجنة وقوله في الإسناد "حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة" قال الإسماعيلي في الجهاد: أدخل الأوزاعي بين يحيى وأبي سلمة في هذا الحديث محمد بن إبراهيم التيمي. قلت: روايته عنه عند النسائي، ويحيى معروف بالرواية عن أبي سلمه فلعل محمدا أثبته في هذا الحديث. حديث عائشة في سلام جبريل، وسيأتي الكلام عليه في المناقب، وإسماعيل شيخ البخاري فيه هو

(6/310)


ابن أبي أويس 1 وسليمان هو ابن بلال، ويونس هو ابن يزيد الأيلي، وقد خالفه معمر عن الزهري في إسناده فقال عن عروة عن عائشة أخرجه النسائي وقال: هذا خطأ والصواب رواية يونس. حديث ابن عباس في نزول قوله تعالى: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ} وسيأتي شرحه في تفسير سورة مريم، وسياقه هنا على لفظ وكيع، ويحيى الراوي عنه هو ابن موسى، ويقال ابن جعفر وعمر بن ذر بضم العين اتفاقا، وغلط من قال فيه عمرو. حديث ابن عباس في الأحرف السبعة، وسيأتي شرحه في فضائل القرآن. حديث ابن عباس في مدارسة جبريل في رمضان، وقد تقدم شرحه في كتاب الصيام، وقوله: "وعن عبد الله أخبرنا معمر بهذا الإسناد" هو موصول عن محمد بن مقاتل وكأن ابن المبارك كان يفصل الرواية فيه عن شيخيه، وقد تقدم نظير ذلك في بدء الوحي. وقوله: "وروى أبو هريرة وفاطمة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل كان يعارضه القرآن" أما حديث أبي هريرة فوصله في فضائل القرآن ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى، وأما حديث فاطمة فوصله في علامات النبوة ويأتي شرحه هناك أيضا إن شاء الله تعالى. حديث أبي مسعود في صلاة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتقدم مشروحا في أوائل الصلاة، وقوله: "فصلى أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم" بفتح الهمزة من أمام، وحكى ابن مالك أنه روى بالكسر واستشكله، لأن "إمام" معرفة والموضع موضع الحال فوجب جعله نكرة بالتأويل. حديث أبي ذر وقد تقدم مضموما إلى حديث آخر في كتاب الاستقراض، ويأتي مطولا في الاستئذان ويأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. وقوله هنا "قال وإن زنى" لم يعين القائل، وبين في تلك الرواية أنه أبو ذر الراوي، وقوله في آخره: "قال وإن" فيه دلالة على جواز حذف فعل الشرط والاكتفاء بحرفه، قاله ابن مالك، وفيه نظر لأنه يتبين بالرواية الأخرى أن هذا من تصرف بعض الرواة. الحديث التاسع عشر: حديث أبي هريرة: "الملائكة يتعاقبون" تقدم مشروحا في أوائل الصلاة.
ـــــــ
1 في هامش طبعة بولاق : هذا ليس سند الحديث الحادي عشر في نسخ المتن التي بأيدينا بل سند الحديث الثالث عشر ، و منتهاه إلى ابن عباس لا إلى عائشة ، فإما كلامه سبق قلم و إما نسخته التي شرح عليها غير نسختنا التي بأيدينا

(6/311)


باب إذا قال أحدكم "آمين" و الملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه
...
7 - بَاب إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ "آمِينَ" وَالْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
3224- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ نَافِعًا حَدَّثَهُ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "حَشَوْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِسَادَةً فِيهَا تَمَاثِيلُ كَأَنَّهَا نُمْرُقَةٌ فَجَاءَ فَقَامَ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَجَعَلَ يَتَغَيَّرُ وَجْهُهُ فَقُلْتُ مَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مَا بَالُ هَذِهِ الْوِسَادَةِ قَالَتْ وِسَادَةٌ جَعَلْتُهَا لَكَ لِتَضْطَجِعَ عَلَيْهَا قَالَ أَمَا عَلِمْتِ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَأَنَّ مَنْ صَنَعَ الصُّورَةَ يُعَذَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ".

(6/311)


3225- حدثنا ابن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أنه سمع بن عباس رضي الله عنهما يقول سمعت أبا طلحة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة تماثيل".
[الحديث 3225 – أطرافه في: 3226، 3322، 4002، 5949، 5958]
3226- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ الأَشَجِّ حَدَّثَهُ أَنَّ بُسْرَ بْنَ سَعِيدٍ حَدَّثَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ وَمَعَ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ الْخَوْلاَنِيُّ الَّذِي كَانَ فِي حَجْرِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَهُمَا زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ قَالَ بُسْرٌ فَمَرِضَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ فَعُدْنَاهُ فَإِذَا نَحْنُ فِي بَيْتِهِ بِسِتْرٍ فِيهِ تَصَاوِيرُ فَقُلْتُ لعبيد الله الْخَوْلاَنِيِّ أَلَمْ يُحَدِّثْنَا فِي التَّصَاوِيرِ فَقَالَ إِنَّهُ قَالَ إِلاَّ رَقْمٌ فِي ثَوْبٍ أَلاَ سَمِعْتَهُ قُلْتُ لاَ قَالَ بَلَى قَدْ ذَكَرَهُ".
3227- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "وَعَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلُ فَقَالَ إِنَّا لاَ نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلاَ كَلْبٌ".
[الحديث 3227 – طرفه في: 5960]
3228- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
3229- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا دَامَتْ الصَّلاَةُ تَحْبِسُهُ وَالْمَلاَئِكَةُ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ صَلاَتِهِ أَوْ يُحْدِثْ".
3230- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ}. قَالَ سُفْيَانُ: فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَادَوْا يَا مَالِ".
[الحديث 3230 – طرفاه في: 3266، 4819]
3231- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ

(6/312)


كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الأَخْشَبَيْنِ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
[الحديث 3231 – طرفه في: 7389]
3232- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ".
[الحديث 3232 – طرفاه في: 4856، 4857]
3233- حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} قَالَ: "رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ".
[الحديث 3233 – طرفه في: 4858]
3234- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَوْنٍ أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَخَلْقُهُ سَادٌّ مَا بَيْنَ الأُفُقِ".
[الحديث 3234 – أطرافه في: 3235، 4612، 4855، 7380، 7531]
3235- حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ ابْنِ الأَشْوَعِ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَيْنَ قَوْلُهُ: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} قَالَتْ ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ الأُفُقَ".
3236- حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرٌ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قَالاَ الَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ".

(6/313)


3237- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ". تَابَعَهُ شُعْبَةُ وَأَبُو حَمْزَةَ وَابْنُ دَاوُدَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الأَعْمَشِ.
[الحديث 3237 – طرفاه في: 5193، 5194]
3238- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " ثُمَّ فَتَرَ عَنِّي الْوَحْيُ فَتْرَةً فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجُئِثْتُ مِنْهُ حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} إلى قوله: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ}. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَالرِّجْزُ: الأَوْثَانُ".
3239- حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن قتادة وقال لي خليفة حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أبي العالية حدثنا بن عم نبيكم يعني بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي موسى رجلا آدم طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى رجلا مربوعا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس ورأيت مالكا خازن النار والدجال في آيات أراهن الله إياه فلا تكن في مرية من لقائه". قال أنس وأبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " تحرس الملائكة المدينة من الدجال".
[الحديث 3239 – طرفه في: 3396]
الحديث العشرون: حديث أبي هريرة "إذا قال أحدكم آمين" الحديث وهو بإسناد الذي قبله عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عنه، ووقع في كثير من النسخ هنا "باب إذا قال أحدكم" إلى آخر الحديث فصار ترجمة بغير حديث وصارت الأحاديث التي تتلوه لا تعلق لها به فأشكل أمره جدا، وسقط لفظ: "باب" من رواية أبي ذر فخف الإشكال لكن لو قال وبهذا الإسناد أو وبه قال أو نحو ذلك لزال الإشكال، وقد صنع ذلك الإسماعيلي فإنه ساق حديث: "يتعاقبون" فلما فرغ قال: "وبهذا الإسناد إذا قال أحدكم" فسامه من طريقين عن أبي الزناد كذلك، وظهر بهذا أن هذا الحديث وما بعده من الأحاديث بقية ترجمة ذكر الملائكة والله أعلم. حديث عائشة "حشوت وسادة" تقدم في البيوع ويأتي شرحه في اللباس، ومحمد شيخ البخاري فيه هو ابن سلام، وقد تقدم قبل أبواب حديث آخر قال فيه: "حدثنا ابن سلام حدثنا مخلد بن يزيد". حديث أبي طلحة، وشيخ البخاري فيه هو أحمد بن صالح كما جزم به أبو نعيم، قال الدار قطني: لم يذكر الأوزاعي ابن عباس في إسناده، يعني حيث رواه عن الزهري عن عبيد الله، قال: والقول قول من أثبته، قال:

(6/314)


ورواه سالم أبو النضر عن عبيد الله نحو رواية الأوزاعي. قلت: هو عند الترمذي والنسائي من طريق أبي النضر عن عبيد الله بن عبد الله قال: "دخلت على أبي طلحة" نحوه. وأخرج النسائي رواية الأوزاعي فأثبت ابن عباس تارة وأسقطه تارة ورجح رواية من أثبته، وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى. قوله: "حدثني عمرو" كذا للأكثر، وظن بعضهم أنه ابن الحارث، وهو خطأ لأنه لم يدرك سالما والصواب عمر بضم العين بغير واو، وهو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وثبت كذلك في رواية الكشميهني، وكذا وقع في اللباس عن يحيى بن سليمان بهذا الإسناد، وقوله: "وعد النبي صلى الله عليه وسلم جبريل فقال إنا لا ندخل " كذا أورده هنا مختصرا وساقه في اللباس بتمامه، وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى. حديث أبي هريرة "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده" تقدم مشروحا في صفة الصلاة. حديث أبي هريرة "أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه" وقد تقدم مشروحا أيضا في صفة الصلاة، وابن فليح هو محمد، ووقع في بعض النسخ ابن أفلح وهو تصحيف. قوله: "حدثنا سفيان" هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار، وعطاء هو ابن أبي رباح، وصفوان ابن يعلى أي ابن أمية، وفي الإسناد ثلاثة من التابعين في نسق وهم مكيون. قوله: "يقرأ عل المنبر ونادوا يا مال " في رواية الكشميهني: "ونادوا يا مالك" وسيأتي الكلام عليه في التفسير. قوله: "قال سفيان" هو ابن عيينة "في قراءة عبد الله" أي ابن مسعود "ونادوا يا مال" يعني بغير كاف. حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: "هل أتى عليكم يوم أشد من يوم أحد" الحديث. قوله: "ابن عبد ياليل" بتحتانية وبعد الألف لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام "ابن عبد كلال" بضم الكاف وتخفيف اللام وآخره لام واسمه كنانة، والذي في المغازي أن الذي كلمه هو عبد ياليل نفسه، وعند أهل النسب أن عبد كلال أخوه لا أبوه وأنه عبد ياليل بن عمرو بن عمير بن عوف، ويقال اسم ابن عبد ياليل مسعود وله أخ أعمى له ذكر في السيرة في قذف النجوم عند المبعث النبوي، وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف من ثقيف، وقد روى عبد بن حميد في تفسيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} قال نزلت في عتبة بن ربيعة وابن عبد ياليل الثقفي، ومن طريق قتادة قال: هما الوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود، ورواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد وقال فيه: يعني كنانة وروى الطبري من طريق السدي قال: هما الوليد بن المغيرة وكنانة بن عبد بن عمرو بن عمير عظيم أهل الطائف. وقد ذكر موسى بن عقبة وابن إسحاق أن كنانة بن عبد ياليل وفد مع وفد الطائف سنة عشر فأسلموا، وذكره ابن عبد البر في الصحابة لذلك، لكن ذكر المديني أن الوفد أسلموا إلا كنانة فخرج إلى الروم ومات بها بعد ذلك والله أعلم. وذكر موسى بن عقبة في المغازي عن ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم لما مات أبو طالب توجه إلى الطائف رجاء أن يؤووه، فعمد إلى ثلاثة نفر من ثقيف وهم سادتهم وهم إخوة عبد ياليل وحبيب ومسعود بنو عمرو فعرض عليهم نفسه وشكى إليهم ما انتهك منه قومه فردوا عليه أقبح رد، وكذا ذكره ابن إسحاق بغير إسناد مطولا، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في شوال سنة عشر من المبعث وأنه كان بعد موت أبي طالب وخديجة. قوله: "على وجهي" أي على الجهة المواجهة لي. قوله: "بقرن الثعالب" هو ميقات أهل نجد ويقال له قرن المنازل أيضا، وهو على يوم وليلة من مكة، وقرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير، وحكى

(6/315)


عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء قال: هو غلط، وحكى القابسي أن من سكن الراء أراد الجبل ومن حركها أراد الطريق التي بقرب منه، وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بالطائف كانت عشرة أيام. قوله: "ملك الجبال" أي الموكل بها. قوله: "فسلم علي ثم قال يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت إن شئت" كذا لأبي ذر عن شيخيه، وله عن الكشميهني مثله إلا أنه قال: "فما شئت". وقد رواه الطبراني عن مقدام بن داود عن عبد الله بن يوسف شيخ البخاري فقال: "يا محمد إن الله بعثني إليك وأنا ملك الجبال لتأمرني بأمرك فيما شئت إن شئت" قوله: "ذلك" مبتدأ وخبره محذوف تقديره كما علمت أو كما قال جبريل، وقوله: "ما شئت" استفهام وجزاؤه مقدر(1) أي إن شئت فعلت. قوله: "الأخشبين" بالمعجمتين ما جبلا مكة أبو قبيس والذي يقابله وكأنه قعيقعان، ومال الصغاني بل هو الجبل الأحمر الذي يشرف على قعيقعان، ووهم من قال هو ثور كالكرماني، وسميا بذلك لصلابتهما وغلظ حجارتهما، والمراد بأطباقهما أن يلتقيا على من بمكة، ويحتمل أن يريد أنهما يصيران طبقا واحدا. قوله: "بل أرجو" كذا لأكثرهم، وللكشميهني: "أنا أرجو" وفي هذا الحديث بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على قومه، ومزيد صبره وحمله، وهو موافق لقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. حديث ابن مسعود في قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} وسيأتي الكلام عليه في تفسير سورة النجم. حديثه في قوله تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} وسيأتي الكلام عليه أيضا في تفسير سورة النجم، وقوله فيه: "رأى رفرفا أخضر" كذا للأكثر. وفي رواية الحموي والمستملي: "خضرا" وهو بفتح أوله وكسر ثانيه مصروفا يقولون أخضر خضر كما قالوا: أعور عور، ولبعضهم بسكون ثانية بلفظ التأنيث، ويحتاج إلى ثبوت أن الرفرف يؤنث، وقد زعم بعضهم أنه جمع رفرفة فعلى هذا فيتجه. وقال الكرماني تبعا للخطابي: يحتمل أن يكون جبريل بسط أجنحته كما يبسط الثوب، وهذا لا يخفى بعده. حديث عائشة من رواية القاسم عنها قالت: "من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم" أي دخل في أمر عظيم، أو الخبر محذوف(2). والثاني: حديث عائشة من رواية مسروق قال: "قلت لعائشة: فأين قوله ثم دنى فتدلى" الحديث نحوه، ومحمد بن يوسف شيخه فيه هو البيكندي كما جزم به أبو علي الجياني، وابن أشوع بالمعجمة وزن أحمد واسمه سعيد بن عمرو بن أشوع نسبة لجده، وللأكثر ابن الأشوع، ووهم من قال هنا عن أبي الأشوع فإنها ليست كنيته، وسيأتي شرحه أيضا في تفسير سورة النجم. حديث سمرة "رأيت الليلة رجلين أتياني" ذكره مختصرا جدا، وقد مضى مطولا في أواخر الجنائز، والمقصود منه ذكر مالك خازن النار وجبريل وميكائيل. حديث أبي هريرة "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه" الحديث. قوله: "تابعه شعبة وأبو حمزة وابن داود وأبو معاوية عن الأعمش" أي عن أبي حازم عن أبي هريرة، فأما متابعة شعبة فوصلها المؤلف في النكاح وسيأتي شرح المتن هناك. وأما متابعة أبي حمزة فلم أجدها، وأما متابعة ابن داود وهو عبد الله الخريبي المعجمة والراء والموحدة مصغر فوصلها مسدد في مسنده
ـــــــ
(1) قال مصحح طبعة بولاق: لعل فيه سقطا، والأصل والله أعلم: "وقوله: ما شئت استفهام، وقوله: إن شئت شرط وجزاؤه مقدر".
(2) قال مصحح طبعة بولاق: لعل الأولى "أو المفعول محذوف" كما صرح به القسطلاني.

(6/316)


الكبير عنه، وأما متابعة أبي معاوية فوصلها مسلم والنسائي من طريقه. الحديث الثالث والثلاثون: حديث جابر في فترة الوحي. وقد تقدم مشروحا في بدء الوحي. الحديث الرابع والثلاثون: حديث ابن عباس في رؤية الأنبياء ومالك خازن النار وغير ذلك. وسيأتي شرحه في أحاديث الأنبياء إن شاء الله تعالى. قال الإسماعيلي: جمع البخاري بين روايتي شعبة وسعيد وساقه على لفظ سعيد وفي روايته زيادة ظاهرة على رواية شعبة قلت: سأبين ذلك هناك أن شاء الله تعالى الحديث الخامس والثلاثون والسادس والثلاثون: قوله: "قال أنس وأبو بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: تحرس الملائكة المدينة من الدجال" أما حديث أنس فوصله المؤلف في فضل المدينة أواخر الحج وتقدم الكلام عليه هناك. وكذا حديث أبي بكرة وقد وصله المؤلف أيضا في الفتن ويأتي الإلمام بما يتعلق به هناك إن شاء الله تعالى. وقوله: "آدم طوالا" هو بمد ألف آدم كلفظ جد البشر، والمراد هنا وصف موسى بالأدمة وهي لون بين البياض والسواد.

(6/317)


8 - باب مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {مُطَهَّرَةٌ}: مِنْ الْحَيْضِ وَالْبَوْلِ وَالْبُزَاقِ. {كُلَّمَا رُزِقُوا}: أُتُوا بِشَيْءٍ ثُمَّ أُتُوا بِآخَرَ. {قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}: أُتِينَا مِنْ قَبْلُ. {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَيَخْتَلِفُ فِي الطُّعُومِ. {قُطُوفُهَا}: يَقْطِفُونَ كَيْفَ شَاءُوا. {دَانِيَةٌ}: قَرِيبَةٌ. {الأَرَائِكُ}: السُّرُرُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: النَّضْرَةُ فِي الْوُجُوهِ، وَالسُّرُورُ فِي الْقَلْبِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {سَلْسَبِيلًا}: حَدِيدَةُ الْجِرْيَةِ. {غَوْلٌ}: وَجَعُ الْبَطْنِ. {يُنْزَفُونَ}: لاَ تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {دِهَاقًا}: مُمْتَلِئًا. {كَوَاعِبَ}: نَوَاهِدَ. {الرَّحِيقُ}: الْخَمْرُ. {التَّسْنِيمُ}: يَعْلُو شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. {خِتَامُهُ}: طِينُهُ {مِسْكٌ}. {نَضَّاخَتَانِ}: فَيَّاضَتَانِ. يُقَالُ {مَوْضُونَةٌ} : مَنْسُوجَةٌ، مِنْهُ وَضِينُ النَّاقَةِ، وَالْكُوبُ: مَا لاَ أُذْنَ لَهُ وَلاَ عُرْوَةَ، وَالأَبَارِيقُ: ذَوَاتُ الْآذَانِ وَالْعُرَى. {عُرُبًا}: مُثَقَّلَةً وَاحِدُهَا عَرُوبٌ مِثْلُ صَبُورٍ وَصُبُرٍ يُسَمِّيهَا أَهْلُ مَكَّةِ الْعَرِبَةَ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ الْغَنِجَةَ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ الشَّكِلَةَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {رَوْحٌ}: جَنَّةٌ وَرَخَاءٌ {وَالرَّيْحَانُ}: الرِّزْقُ. {وَالْمَنْضُودُ}: الْمَوْزُ. {وَالْمَخْضُودُ}: الْمُوقَرُ حَمْلًا، وَيُقَالُ أَيْضًا: لاَ شَوْكَ لَهُ. {وَالْعُرُبُ}: الْمُحَبَّبَاتُ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ. وَيُقَالُ {مَسْكُوبٌ}: جَارٍ. {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ}: بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ. {لَغْوًا}: بَاطِلًا. {تَأْثِيمًا}: كَذِبًا. {أَفْنَانٌ} أَغْصَانٌ. {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ}: مَا يُجْتَنَى قَرِيبٌ. {مُدْهَامَّتَانِ}: سَوْدَاوَانِ مِنْ الرِّيِّ.
3240- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ".

(6/317)


3241- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ".
[الحديث 3241 – أطرافه في: 5198، 6449، 6546]
3242- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ فَقَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ".
[الحديث 3242 – أطرافه في: 3680، 5227، 7023، 7025]
3243- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ مُجَوَّفَةٌ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ ثَلاَثُونَ مِيلًا فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا لِلْمُؤْمِنِ أَهْلٌ لاَ يَرَاهُمْ الْآخَرُونَ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ وَالْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ "سِتُّونَ مِيلًا".
[الحديث 3243 – طرفه في: 4879]
3244- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}.
[الحديث 3244 – أطرافه في: 4779، 4780، 7498]
3245- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لاَ يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَتَغَوَّطُونَ آنِيَتُهُمْ فِيهَا الذَّهَبُ أَمْشَاطُهُمْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَمَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ قَلْبٌ وَاحِدٌ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا".
[الحديث 3245 – أطرافه في: 3246، 3254، 3327]
3246- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

(6/318)


أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لاَ اخْتِلاَفَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَبَاغُضَ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنْ الْحُسْنِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا لاَ يَسْقَمُونَ وَلاَ يَمْتَخِطُونَ وَلاَ يَبْصُقُونَ آنِيَتُهُمْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَأَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمْ الأَلُوَّةُ قَالَ أَبُو الْيَمَانِ يَعْنِي الْعُودَ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ".
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الإِبْكَارُ أَوَّلُ الْفَجْرِ وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ – أُرَاهُ – تَغْرُبَ.
3247- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أَوْ سَبْعُ مِائَةِ أَلْفٍ لاَ يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ".
[الحديث 3247 – طرفاه في: 6543، 6554]
3248- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُبَّةُ سُنْدُسٍ وَكَانَ يَنْهَى عَنْ الْحَرِيرِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا فَقَالَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا".
3249- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ فَجَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ حُسْنِهِ وَلِينِهِ. فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا".
[الحديث 3249 – أطرافه في: 3802، 5836، 6640]
3250- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
3251- حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا".
3252- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا هِلاَلُ بْنُ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ

(6/319)


سَنَةٍ وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}.
[الحديث 3252 – طرفه في: 4881]
3253- "وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ أَوْ تَغْرُبُ".
3254- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ هِلاَلٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ لاَ تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلاَ تَحَاسُدَ لِكُلِّ امْرِئٍ زَوْجَتَانِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْمِ".
3255- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ أَخْبَرَنِي قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ".
3256- حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ كَمَا يَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ مِنْ الْمَشْرِقِ أَوْ الْمَغْرِبِ لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ قَالَ بَلَى وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ".
[الحديث 3256 – طرفه في: 6556]
قوله: "باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة" أي موجودة الآن، وأشار بذلك إلى الرد على من زعم من المعتزلة أنها لا توجد إلا يوم القيامة، وقد ذكر المصنف في الباب أحاديث كثيرة دالة على ما ترجم به: فمنها ما يتعلق بكونها موجودة الآن، ومنها ما يتعلق بصفتها. وأصرح مما ذكره في ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد قوي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها" الحديث. قوله: "وقال أبو العالية "مطهرة" من الحيض والبول والبصاق كلما رزقوا منها(1) إلخ" وصله ابن أبي حاتم من طريقه مفرقا دون أوله. وأخرج من طريق مجاهد نحوه وزاد: "ومن المني والولد" ومن طريق قتادة لكن قال: "من الأذى والإثم" وروى هذا عن قتادة موصولا قال: عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا، ولا يصح إسناده. وأخرج الطبري نحو ذلك عن عطاء وأتم منه، وروى ابن أبي حاتم أيضا من طريق يحيى بن أبي كثير قال: "يطوف الولدان على أهل الجنة بالفواكه فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها، فيقول أهل الجنة هذا الذي أتيتمونا به آنفا، فيقولون لهم كلوا فإن اللون واحد والطعم مختلف" وقيل: المراد بالقبلية هنا ما كان في الدنيا. وروى ابن أبي حاتم أيضا والطبري ذلك من طريق السدي بأسانيده قال: "أتوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها قالوا هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا" ورجح
ـــــــ
(1) قال مصحح طبعة بولاق: نسخ المتن التي بأيدينا ليس فيها لفظ "منها".

(6/320)


هذا الطبري من جهة ما دلت عليه الآية من عموم قولهم ذلك في كل ما رزقوه قال: فيدخل في ذلك أول رزق رزقوه فيتعين أن لا يكون قبله إلا ما كان في الدنيا. قوله: "يشبه بعضه بعضا ويختلف في الطعم" هو كقول ابن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. وقال الحسن: معنى قوله: "متشابها" أي خيارا لا رداءة فيه. "تنبيه": وقع في رواية الكشميهني: "هذا الذي رزقنا من قبل أتينا" ولغيره: "أوتينا" وهو الصواب، قال ابن التين: هو من أوتيته بمعنى أعطيته، وليس من أتيته بالقصر بمعنى جئته. قوله: "قطوفها: يقطفون كيف شاءوا. دانية: قريبة" أما قوله: "يقطفون كيف شاءوا" فرواه عبد بن حميد من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال في قوله قطوفها دانية قال: يتناول منها حيث شاء، وأما قوله دانية قريبة فرواه ابن أبي حاتم من طريق الثوري عن أبي إسحاق عن البراء أيضا، ومن طريق قتادة قال: دنت فلا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. قوله: "الأرائك: السرر" رواه عبد بن حميد بإسناد صحيح من طريق حصين عن مجاهد عن ابن عباس قال: الأرائك السرر في الحجال. ومن طريق منصور عن مجاهد نحوه ولم يذكر ابن عباس. ومن طريق الحسن ومن طريق عكرمة جميعا أن الأريكة هي الحجلة على السرير. وعن ثعلب الأريكة لا تكون إلا سريرا متخذا في قبة عليه شواره. قوله: "وقال الحسن النضرة في الوجه والسرور في القلب" رواه عبد بن حميد من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله تعالى :{وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} فذكره. قوله: "وقال مجاهد سلسبيلا حديدة الجرية" وصله سعيد بن منصور وعبد بن حميد من طريق مجاهد، وحديدة بفتح المهملة وبدالين مهملتين أيضا أي قوية الجرية. وذكر عياض أن القابسي رواها "حريدة" براء بدل الدال الأولى وفسرها بلينة، قال: والذي قاله لا يعرف وإنما فسروا السلسبيل بالسهلة اللينة الجرية. قلت: يشير بذلك إلى تفسير قتادة، رواه عبد بن حميد عنه قال في قوله تعالى: {عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً} قال سلسلة لهم يصرفونها حيث شاءوا وقد روى عبد بن حميد أيضا عن مجاهد قال: تجري شبه السيل، وهذا يؤيد رواية الأصيلي أنه أراد: قوة الجري، والذي يظهر أنهما لم يتواردا على محل واحد بل أراد مجاهد صفة جري العين، وأراد قتادة صفة الماء وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: السلسبيل اسم العين المذكورة وهو ظاهر الآية، ولكن استبعد لوقوع الصرف فيه، وأبعد من زعم أنه كلام مفصول من فعل أمر واسم مفعول. قوله: "غول: وجع البطن. ينزفون: لا تذهب عقولهم" رواه عبد بن حميد من طريق مجاهد قال في قوله لا فيها غول ولا هم عنها ينزقون فذكره. قوله: "وقال ابن عباس دهاقا ممتلئة" وصله عبد بن حميد من طريق عكرمة عنه قال: الكأس الدهاق الممتلئة المتتابعة، وسيأتي في أيام الجاهلية من وجه آخر. قوله: "كواعب نواهد" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال في قوله تعالى :{وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً} قال: نواهد انتهى. وهو جمع ناهد والناهد هي التي بدا نهدها قوله: "الرحيق الخمر" وصله ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {رَحِيقٍ مَخْتُومٍ} قال الخمر ختم بالمسك، وقيل: الرحيق هو الخالص، من كل شيء. قوله: "التسنيم يعلو شراب أهل الجنة" وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: التسنيم يعلو شراب أهل الجنة، وهو صرف للمقربين، ويمزج لأصحاب اليمين. قوله: "ختامه طينه مسك" وصله ابن أبي حاتم من طريق مجاهد في قوله: "ختامه مسك" قال: طينه مسك. قال ابن القيم في "حادي الأرواح" تفسير مجاهد هذا يحتاج إلى تفسير، والمراد ما يبقى آخر الإناء من الدردي مثلا. قال وقال بعض الناس معناه آخر

(6/321)


شربهم يختم برائحة المسك. قلت: هذا أخرجه ابن أبي حاتم أيضا من طريق أبي الدرداء قال في قوله: {خِتَامُهُ مِسْكٌ} قال: هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، وعن سعيد بن جبير: ختامه آخر طعمه. قوله: "نضاختان : فياضتان" وصله ابن أبي حاتم من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس. قوله: "يقال موضونة منسوجة منه وضين الناقة" هو قول الفراء، قال في قوله: {مَوْضُونَةٍ} أي منسوجة، وإنما سمت العرب وضين الناقة وضينا لأنه منسوج. وقال أبو عبيدة في المجاز في قوله: "على سرر موضونة" يقال متداخلة كما يوصل حلق الدرع بعضها في بعض مضاعفة. قال: والوضين البطان إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا، وهو وضين في موضع موضون. وروى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك في قوله: "موضونة" قال: التوضين التشبيك والنسج، يقول وسطها مشبك منسوج. ومن طريق عكرمة في قوله: "موضونة" قال: مشبكة بالدر والياقوت. قوله: "والكوب: ما لا أذن له ولا عروة، والأباريق: ذوات الآذان والعرى" هو قول الفراء سواء، وروى عبد بن حميد من طريق قتادة قال: الكوب الذي دون الإبريق ليس له عروة. قوله: "عربا مثقلة" أي مضمومة الراء "واحدها عروب مثل صبور وصبر" أي على وزنه، وهذا قول الفراء، وحكى عن الأعمش قال: "كنت أسمعهم يقولون: "عربا" بالتخفيف وهو كالرسل والرسل بالتخفيف في لغة تميم وبكر، قال الفراء والوجه التثقيل لأن كل فعول أو فعيل أو فعال جمع على هذا المثال فهو مثقل مذكرا أو مؤنثا، قلت: مرادهم بالتثقيل الضم وبالتخفيف الإسكان. قوله: "يسميها أهل مكة العربة إلخ" جزم الفراء بأنها الغنجة وأخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة ومن طريق بريدة قال: هي الشكلة بلغة أهل مكة والمغنوجة بلغة أهل المدينة، ومثله في "كتاب مكة للفاكهي" وروى ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم قال: هي الحسنة الكلام، ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده مرفوعا: "لعرب كلامهن عربي" وهو ضعيف منقطع. وأخرج الطبري من طريق تميم بن حذام في قوله: "عرباء" قال: العربة الحسنة التبعل، كانت العرب تقول إذا كانت المرأة حسنة التبعل أنها لعربة. ومن طريق عبد الله بن عبيد بن عمير المكي قال: العربة التي تشتهي زوجها، ألا ترى أن الرجل يقول للناقة إنها لعربة. قوله: "وقال مجاهد روح جنة ورخاء والريحان الرزق" يريد تفسير قوله تعالى: {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} قال الفريابي: حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {فَرَوْحٌ} قال: جنة {وَرَيْحَانٌ} قال: رزق. وأخرجه البيهقي في الشعب من طريق آدم عن ورقاء بسنده بلفظ {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} قال الروح جنة ورخاء، والريحان رزق. قوله: "والمنضود: الموز، والمخضود: الموقر حملا، ويقال أيضا الذي لا شوك له" وصله الفريابي والبيهقي عن مجاهد في قوله: {وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ} قال: الموز المتراكم. والسدر المخضود الموقر حملا. ويقال أيضا الذي لا شوك فيه، وذلك لأنهم كانوا يعجبون بوج وظلاله من طلح وسدر. قلت: وج بفتح الواو وتشديد الجيم بالطائف، وكأن عياضا لم يقف على ذلك فزعم في أواخر المشارق أن الذي وقع في البخاري تخليط، قال: والصواب والطلح الموز والمنضود الموقر حملا الذي نضد بعضه على بعض من كثرة حمله. كذا قال، وقد نقل الطبري القولين عن جمع من العلماء بأسانيده إليهم، فنقل الأول عن مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير، ونقل الثاني عن ابن عباس وقتادة وعكرمة وقسامة بن زهير وغيرهم، وكأن عياضا استبعد تفسير الخضد بالثقل لأن الخضد في اللغة القطع، وقد نقل أهل اللغة أيضا أن الخضد التثني، وعليه يحمل التأويل الأول أي أنه من كثرة حمله انثنى، وأما التأويل الذي ذكره

(6/322)


هو فقد نقل الطبري اتفاق أهل التأويل من الصحابة والتابعين على أن المراد بالطلح المنضود الموز، وأسند عن علي أنه كان يقولها والطلع بالعين، قال فقيل له: أفلا تغيرها؟ قال: إن القرآن لا يهاج اليوم فظهر بذلك فساد الاعتراض، وأن الذي وقع في الأصل هو الصواب والله أعلم. قوله: "والعرب المحببات إلى أزواجهن" كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وغيرهم من طريق مجاهد وغيره، ورواه الفريابي من وجه آخر عن مجاهد قال: العرب العواشق. وأخرج الطبري نحوه عن أم سلمة مرفوعا. قوله: "مسكوب جار" يريد تفسير قوله تعالى: {وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ} قوله: {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} بعضها فوق بعض، وصله والذي قبله الفريابي أيضا عن مجاهد. وقال أبو عبيدة في المجاز: المرفوعة العالية، تقول بناء مرتفع أي عال. وروى ابن حبان والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري في قوله وفرش مرفوعة قال: ارتفاعها مسيرة خمسمائة عام، قال القرطبي: معناه أن الفرش الدرجة وهذا القدر ارتفاع، قال: وقيل المراد بالفرش المرفوعة النساء المرتفعات القدر لحسنهن وجمالهن. قوله: "لغوا: باطلا. تأثيما: كذبا" يريد تفسير قوله تعالى: {لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً} وقد وصله أيضا الفريابي عن مجاهد كذلك. قوله: "أفنان أغصان" يريد تفسير قوله تعالى: {ذَوَاتَا أَفْنَانٍ} وقوله: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} ما يجتنى من قريب، وصل ذلك الطبري عن مجاهد، وعن الضحاك يعني أفنان ألوان من الفاكهة وواحدها على هذا فن وعلى الأول فنن، وقوله: {مُدْهَامَّتَانِ} سوداوان من الري، وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ: "مسوادتان" وقال الفراء: قوله: {مُدْهَامَّتَانِ} يعني خضراوان إلى السواد من الري، وعن عطية: كادتا أن تكونا سوداوين من شدة الري وهما خضراوان إلى السواد. حديث ابن عمر في عرض مقعد الميت عليه، وقد تقدم شرحه في أواخر الجنائز، وهو من أوضح الأدلة على مقصود الترجمة، وقوله في آخره: "فمن أهل النار" زاد إبراهيم بن شريك عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه: "حتى يبعثه الله يوم القيامة" أخرجه الإسماعيلي، وقد تقدمت هذه الزيادة أيضا والكلام عليها في الجنائز. حديث أبي رجاء وهو العطاردي عن عمران بن حصين في أكثر أهل الجنة، وسيأتي شرحه في كتاب الرقاق مع بيان الاختلاف فيه على أبي رجاء، والغرض منه هنا قوله: "اطلعت في الجنة" فإنه يدل على أنها موجودة حالة إطلاعه، وهو مقصود الترجمة. و"سلم" بفتح المهملة وسكون اللام و"زرير" بوزن عظيم أوله زاي بعدها راء وآخره راء أيضا. حديث أبي هريرة في قصة القصر الذي رأى لعمر في الجنة، وسيأتي شرحه في مناقبه، والغرض منه قوله: "رأيتني في الجنة" وهذا وإن كان مناما لكن رؤيا الأنبياء حق، ومن ثم أعمل حكم غيرة عمر حتى امتنع من دخول القصر وقد روى أحمد من حديث معاذ قال: "إن عمر من أهل الجنة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ما يرى في يقظته أو نومه سواء، وأنه قال: بينا أنا في الجنة إذ رأيت فيها جارية فقلت: لمن هذه؟ فقيل: لعمر بن الخطاب". حديث أبي موسى "الخيمة درة مجوفة طولها" كذا للأكثر وللسرخسي والمستملي: "در مجوف طوله" وقع عندهما بصيغة المذكر، ووجهه أن المقصود معنى الخيمة وهو الشيء الساتر ونحو ذلك، وسيأتي شرح هذا الحديث في تفسير سورة الرحمن، وقوله: "وقال أبو عبد الصمد والحارث بن عبيد عن أبي عمران ستون ميلا" يعني أنهما رويا هذا الحديث بهذا الإسناد فقالا "ستون" بدل قول همام "ثلاثون" وطريق أبي عبد الصمد وهو عبد العزيز بن عبد الصمد العمي وصلهما المؤلف هناك، وطريق الحارث بن عبيد وهو ابن قدامة وصلها مسلم ولفظه: "إن

(6/323)


للعبد في الجنة لخيمة من لؤلؤة مجوفة طولها ستون ميلا". الحديث. حديث أبي هريرة فيما أعد لأهل الجنة سيأتي شرحه في تفسير سورة السجدة. حديث أبي هريرة في صفة أهل الجنة أورده من طريقين، وقد ذكره من طريق ثالثة سيأتي في هذا الباب أيضا، وقد ذكر بعضه في صفة آدم من وجه رابع. قوله: "أول زمرة" أي جماعة. قوله: "صورتهم على صورة القمر ليلة البدر" أي في الإضاءة، وسيأتي بيان ذلك في الرقاق بلفظ: "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" وفي الرواية الثانية هنا: "والذين على أثرهم كأشد كوكب إضاءة" زاد مسلم في رواية أخرى "ثم هم بعد ذلك منازل". قوله: "لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون" زاد في صفة آدم "ولا يبولون ولا يتفلون" وفي الرواية الثانية "لا يسقمون" وقد اشتمل ذلك على نفي جميع صفات النقص عنهم. ولمسلم من حديث جابر: "يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يتغوطون طعامهم، ذلك جشاء كريح المسك" وكأنه مختصر مما أخرجه النسائي من حديث زيد بن أرقم قال: "جاء رجل من أهل الكتاب فقال: يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون، قال نعم، إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع، قال: الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى، قال: تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك" وسمي الطبراني في روايته هذا السائل ثعلبة بن الحارث، قال ابن الجوزي: لما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال لم يكن فيها أذى ولا فضلة تستقذر، بل يتولد عن تلك الأغذية أطيب ريح وأحسنه. قوله: "آنيتهم فيها الذهب" زاد في الرواية الثانية "والفضة" وقال في الأمشاط عكس ذلك، وكأنه اكتفى في الموضعين بذكر أحدهما عن الآخر فإنه يحتمل أن يكون الصنفان لكل منهم، ويحتمل أن يكون أحد الصنفين لبعضهم والآخر للبعض الآخر، ويؤيده حديث أبي موسى مرفوعا: "جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما" الحديث متفق عليه، ويؤيد الأول ما أخرجه الطبراني بإسناد قوي عن أنس مرفوعا إن أدنى أهل الجنة درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب والأخرى من فضة الحديث. "تنبيه": المشط بتثليث الميم والأفصح ضمها. قوله: "ومجامرهم الألوة" الألوة العود الذي يبخر به، قيل جعلت مجامرهم نفس العود، لكن في الرواية الثانية "ووقود مجامرهم الألوة" فعلى هذا في رواية الباب تجوز، ووقع في رواية الصغاني بعد قوله الألوة. قال أبو اليمان: يعني العود والمجامر: جمع مجمرة وهي المبخرة سميت مجمرة لأنها يوضع فيها الجمر ليفوح به ما يوضع فيها من البخور، والألوة بفتح الهمزة ويجوز ضمها وبضم اللام وتشديد الواو وحكى ابن التين كسر الهمزة وتخفيف الواو والهمزة أصلية وقيل زائدة، قال الأصمعي أراها فارسية عربت. وقد يقال إن رائحة العود إنما تفوح بوضعه في النار والجنة لا نار فيها ومن ثم قال الإسماعيلي بعد تخريج الحديث المذكور: ينظر هل في الجنة نار؟ ويجاب باحتمال أن يشتعل بغير نار بل بقوله: كن، وإنما سميت مجمرة باعتبار ما كان في الأصل، ويحتمل أن يشتعل بنار لا ضرر فيها ولا إحراق، أو يفوح بغير اشتعال، ونحو ذلك ما أخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا: "إن الرجل في الجنة ليشتهي الطير فيخر بين يديه مشويا" وفيه الاحتمالات المذكورة، وفد ذكر نحو ذلك ابن القيم في الباب الثاني والأربعين من "حادي الأرواح" وزاد في الطير أو يشوي خارج الجنة أو بأسباب قدرت لإنضاجه ولا تتعين النار، قال: وقريب من ذلك قوله تعالى: {هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ} {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} وهي لا شمس فيها. وقال القرطبي: قد يقال أي حاجة لهم إلى المشط وهم مرد

(6/324)


وشعورهم لا تتسخ؟ وأي حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك؟ قال: ويجاب بأن نعيم أهل الجنة من أكل وشرب وكسوة وطيب وليس عن ألم جوع أو ظمأ أو عري أو نتن، وإنما هي لذات متتالية ونعم متوالية، والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا. وقال النووي: مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة، ودل الكتاب والسنة على أن نعيمهم لا انقطاع له. قوله: "ولكل واحد منهم زوجتان" أي من نساء الدنيا، فقد روى أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا في صفة أدنى أهل الجنة منزلة "وإن له من الحور العين لاثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا" وفي سنده شهر بن حوشب وفيه مقال، ولأبي يعلى في حديث الصور الطويل من وجه آخر عن أبي هريرة في حديث مرفوع "فيدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وزوجتين من ولد آدم" ، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد رفعه: "إن أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم وثنتان وسبعون زوجة" وقال غريب، ومن حديث المقدام بن معد يكرب عنده "للشهيد ست خصال" الحديث وفيه: "ويتزوج ثنتين وسبعين زوجة من الحور العين" وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه والدارمي رفعه: "ما أحد يدخل الجنة إلا زوجه الله ثنتين وسبعين من الحور العين وسبعين وثنتين من أهل الدنيا" وسنده ضعيف جدا، وأكثر ما وقفت عليه من ذلك ما أخرج أبو الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "البعث" من حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه: "إن الرجل من أهل الجنة ليزوج خمسمائة حوراء أو أنه ليفضي إلى أربعة آلاف بكر وثمانية آلاف ثيب" وفيه راو لم يسم، وفي الطبراني من حديث ابن عباس "إن الرجل من أهل الجنة ليفضي إلى مائة عذراء" وقال ابن القيم: ليس في الأحاديث الصحيحة زيادة على زوجتين سوى ما في حديث أبي موسى "إن في الجنة للمؤمن لخيمة من لؤلؤه له فيها أهلون يطوف عليهم". قلت: الحديث الأخير صححه الضياء، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم في صفة أدنى أهل الجنة ثم يدخل عليه زوجتاه، والذي يظهر أن المراد أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان، وقد أجاب بعضهم باحتمال أن تكون التثنية تنظيرا لقوله جنتان وعينان ونحو ذلك، أو المراد تثنية التكثير والتعظيم نحو لبيك وسعديك، ولا يخفى ما فيه. واستدل أبو هريرة بهذا الحديث على أن النساء في الجنة أكثر من الرجال كما أخرجه مسلم من طريق ابن سيرين عنه، وهو واضح لكن يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الكسوف المتقدم "رأيتكن أكثر أهل النار" ويجاب بأنه لا يلزم من أكثريتهن في النار نفي أكثريتهن في الجنة، لكن يشكل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر اطلعت في الجنة فرأيت أقل ساكنها النساء، ويحتمل أن يكون الراوي رواه بالمعنى الذي فهمه من أن كونهن أكثر ساكني النار يلزم منه أن يكن أقل ساكني الجنة، وليس ذلك بلازم لما قدمته، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر قبل خروج العصاة من النار بالشفاعة، والله أعلم. "تنبيه": قال النووي كذا وقع زوجتان بتاء التأنيث وهي لغة تكررت في الحديث والأكثر خلافها وبه جاء القرآن، وذكر أبو حاتم السجستاني أن الأصمعي كان ينكر زوجة ويقول إنما هي زوج، قال فأنشدناه قول الفرزدق:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... لساع إلى أسد الشرى يستنيلها
قال فسكت. ثم ذكر له شواهد أخرى. قوله: "مخ سوقهما من وراء اللحم" في الرواية الثالثة "والعظم"، والمخ بضم الميم وتشديد المعجمة ما في داخل العظم، والمراد به وصفها بالصفاء البالغ وأن ما في داخل العظم لا يستتر

(6/325)


بالعظم واللحم والجلد. ووقع عند الترمذي "ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة حتى يرى مخها" ونحوه لأحمد من حديث أبو سعيد وزاد: "ينظر وجهه في خدها أصفى من المرآة". قوله: "قلب واحد" في رواية الأكثر بالإضافة، وللمستملي بالتنوين "قلب واحد" وهو من التشبيه الذي حذفت أداته أي كقلب رجل واحد، وقد فسره بقوله: "لا تحاسد بينهم ولا اختلاف" أي أن قلوبهم طهرت عن مذموم الأخلاق. قوله: "يسبحون الله بكرة وعشيا" أي قدرهما، قال القرطبي: هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام، وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله: "يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس" ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه ولا بد له منه، فجعل تنفسهم تسبيحا، وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه وامتلأت بحبه، ومن أحب شيئا أكثر من ذكره. وقد وقع في خبر ضعيف "إن تحت العرش ستارة معلقة فيه ثم تطوى، فإذا نشرت كانت علامة البكور، وإذا طويت كانت علامة العشي". قوله في آخر الرواية: "قال مجاهد: الإبكار أول الفجر والعشي ميل الشمس إلى أن - أراه - تغرب" كذا في الأصل، وكأن المصنف شك في لفظ تغرب فأدخل قبلها أراه وهو بضم الهمزة أي أظنه فهي جملة معترضة بين أن والفعل، وقد وصله عبد بن حميد والطبري وغيره من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ: "إلى أن تغيب" وهو بالمعنى الذي ظنه المصنف، قال الطبري "الإبكار" مصدر تقول أبكر فلان في حاجته يبكر إبكارا إذا خرج من بين طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وأما العشي فمن بعد الزوال قال الشاعر:
فلا الظل من برد الضحى يستطيعه ... ولا الفيء من برد العشي يذوق
قال: والفيء يكون من عند زوال الشمس ويتناهى بمغيبها. وانظر الحديث السابق. حديث سهل بن سعد في عدد من يدخل الجنة بغير حساب، وسيأتي شرحه في الرقاق إن شاء الله تعالى. حديث أنس "أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم جنة سندس" الحديث، وسيأتي شرحه في كتاب اللباس ومضى معظمه في كتاب الهبة، والغرض منه هنا ذكر مناديل سعد بن معاذ في الجنة. حديث البراء بن عازب في ذلك، وذكره عقب حديث أنس لأن في حديث أنس تعجب الناس منها، وبين ذلك في حديث البراء حيث وقع فيه: "فجعلوا يعجبون من حسنه ولينه" وسيأتي شرحه أيضا في اللباس إن شاء الله تعالى. حديث سهل بن سعد "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" وقد تقدم شرحه في أول الجهاد من حديث أنس. حديث أنس: "إن في الجنة لشجرة". قوله: "حدثنا روح بن عبد المؤمن" هو بفتح الراء وهو بصري مشهور وكذا بقبة رجال الإسناد وسعيد هو ابن أبي عروبة، وليس لروح بن عبد المؤمن في البخاري سوى هذا الحديث الواحد، وقد أخرجه الترمذي من طريق معمر عن قتادة وزاد في آخر الحديث: "وإن شئتم فاقرءوا {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ}". حديث أبي هريرة في ذلك، وفيه الزيادة المشار إليها، وفيه: "ولقاب قوس" وهذا الأخير تقدم في الجهاد من الكلام عليه، والشجرة المذكورة قال ابن الجوزي: يقال إنها طوبى. "قلت" وشاهد ذلك في حديث عتبة بن عبد السلمي عند أحمد والطبراني وابن حبان، فهذا هو المعتمد خلافا لمن قال إنما نكرت للتنبيه على اختلاف جنسها بحسب شهوات أهل الجنة. قوله: "يسير الراكب" أي راكب فرض، ومنهم من حمله على الوسط المعتدل، وقوله: "في ظلها" أي في نعيمها وراحتها ومنه قولهم عيش ظليل، وقيل: معنى ظلها ناحيتها وأشار بذلك إلى امتدادها

(6/326)


ومنه قولهم: أنا في ظلك أي ناحيتك، قال القرطبي والمحوج إلى هذا التأويل أن الظل في عرف أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس ولا أذى، وروى ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال: الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام من كل نواحيها فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم اللهو فيرسل الله ريحا فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا. تقدم شرحه قريبا من هذا الحديث. حديث البراء "لما مات إبراهيم - يعني ابن النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن له مرضعا في الجنة" وقد تقدم الكلام عليه في الجنائز. حديث أبي سعيد في تفاضل أهل الجنة. قوله: "عن صفوان بن سليم" عند مسلم في رواية ابن وهب عن مالك أخبرني صفوان، وهذا من صحيح أحاديث مالك التي ليست في الموطأ، ووهم أيوب بن سويد فرواه عن مالك عن زيد بن أسلم بدل صفوان ذكره الدار قطني في "الغرائب" وكأنه دخل له إسناد حديث في إسناد حديث، فإن رواية مالك عن زيد بدل صفوان، فهذا السند وقفت عليه في حديث آخر سيأتي في أواخر الرقاق وفي التوحيد. قوله: "عن أبي سعيد" في رواية فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أخرجه الترمذي وصححه وابن خزيمة، ونقل الدار قطني في "الغرائب" عن الذهلي أنه قال: لست أدفع حديث فليح، يجوز أن يكون عطاء بن يسار حدث به عن أبي سعيد، وعن أبي هريرة انتهى. وقد رواه أيوب بن سويد عن مالك فقال عن أبي حازم عن سهل بن سعد ذكره الدار قطني في "الغرائب" وقال إنه وهم فيه أيضا، قلت ولكنه له أصل من حديث سهل بن سعد عند مسلم ويأتي أيضا في "باب صفة أهل الجنة والنار" في الرقاق من حديث سهل أيضا لكنه مختصر عند الشيخين. قوله: "يتراءون" (1) في رواية لمسلم: "يرون" والمعنى أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل، حتى إن أهل الدرجات العلا ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم. وقد بين ذلك في الحديث بقوله: "لتفاضل ما بينهم". قوله: "الدري" هو النجم الشديد الإضاءة. وقال الفراء: هو النجم العظيم المقدار، وهو بضم المهملة وكسر الراء المشددة بعدها تحتانية ثقيلة وقد تسكن وبعدها همزة ومد وقد يكسر أوله على الحالين فتلك أربع لغات، ثم قيل إن المعنى مختلف، فبالتشديد كأنه منسوب إلى الدر لبياضه وضيائه، وبالهمز كأنه مأخوذ من درأ أي دفع لاندفاعه عند طلوعه. ونقل ابن الجوزي عن الكسائي تثليث الدال قال: فبالضم نسبة إلى الدر وبالكسر الجاري وبالفتح اللامع. قوله: "الغابر" كذا للأكثر وفي رواية الموطأ الغاير بالتحتانية بدل الموحدة، قال عياض كأنه الداخل في الغروب. وفي رواية الترمذي "الغارب" وفي رواية الأصيلي بالمهملة والزاي، قال عياض: معناه الذي يبعد للغروب، وقيل: معناه الغائب، ولكن لا يحسن هنا لأن المراد أن بعده عن الأرض كبعد غرف الجنة عن ربضها في رأي العين، والرواية الأولى هو المشهورة. ومعنى الغابر هنا الذاهب، وقد فسره في الحديث بقوله: "من المشرق إلى المغرب" والمراد بالأفق السماء وفي رواية مسلم من الأفق من المشرق أو المغرب، قال القرطبي من الأولى لابتداء الغاية أو هي للظرفية، ومن الثانية مبينة لها، وقد قيل إنها ترد لانتهاء الغاية أيضا قال: وهو خروج عن أصلها وليس معروفا عند أكثر النحويين، قال: ووقع في نسخ البخاري "إلى المشرق" وهو أوضح، ووقع في
ـــــــ
(1) كذا في نسخ الشرح، وهي روايته التي شرح عليها، وأما رواية أبي ذر فهي: "إن أهل الجنة يتراءيون" بوزن يتفاعلون

(6/327)


رواية سهل بن سهل عند مسلم: "كما تراءون الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي" واستشكله ابن التين وقال: إنما تغور الكواكب في المغرب خاصة فكيف وقع ذكر المشرق؟ وهذا مشكل على رواية الغاير بالتحتانية، وأما بالموحدة فالغابر يطلق على الماضي والباقي فلا إشكال. قوله: "قال: بلى" قال القرطبي: بلى: حرف جواب وتصديق، والسياق يقتضي أن يكون الجواب بالإضراب عن الأول وإيجاب الثاني، فلعلها كانت بل فغيرت ببلى، وقوله: "رجال" خبر مبتدأ محذوف تقديره وهم رجال، أي تلك المنازل منازل رجال آمنوا. قلت: حكى ابن التين أن في رواية أبي ذر "بل" بدل بلى، ويمكن توجيه "بلى" بأن التقدير نعم هي منازل الأنبياء بإيجاب الله تعالى لهم ذلك. ولكن قد يتفضل الله تعالى على غيرهم بالوصول إلى تلك المنازل. وقال ابن التين : يحتمل أن تكون بلى جواب النفي في قولهم لا يبلغها غيرهم، وكأنه قال: بلى يبلغها رجال غيرهم. قوله: "وصدقوا المرسلين" أي حق تصديقهم وإلا لكان كل من آمن بالله وصدق رسله وصل إلى تلك الدرجة وليس كذلك، ويحتمل أن يكون التنكير في قوله رجال يشير إلى ناس مخصوصين موصوفين بالصفة المذكورة، ولا يلزم أن يكون كل من وصف بها كذلك لاحتمال أن يكون لمن بلغ تلك المنازل صفة أخرى، وكأنه سكت عن الصفة التي اقتضت لهم ذلك، والسر فيه أنه قد يبلغها من له عمل مخصوص، ومن لا عمل له كان بلوغها إنما هو برحمة الله تعالى. وقد وقع في رواية الترمذي من وجه آخر عن أبي سعيد "وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما"، وروى الترمذي أيضا عن علي مرفوعا: "إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها. فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله؟ قال: هي لمن ألان الكلام وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام". وقال ابن التين: قيل إن المعنى أنهم يبلغون درجات الأنبياء. وقال الداودي: يعني أنهم يبلغون هذه المنازل التي وصف، وأما منازل الأنبياء فإنها فوق ذلك. قلت: وقع في حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي "قال بلى والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله ورسوله" هكذا في بزيادة الواو العاطفة ففسد تأويل الداودي، والله المستعان. ويحتمل أن يقال: إن الغرف المذكورة لهذه الأمة، وأما من دونهم فهم الموحدون من غيرهم، أو أصحاب الغرف الذين دخلوا الجنة من أول وهلة، ومن دونهم من دخل بالشفاعة. ويؤيد الذي قبله قوله في صفتهم "هم الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" وتصديق جميع المرسلين إنما يتحقق لأمة محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف من قبلهم من الأمم فإنهم وإن كان فيهم من صدق بمن سيجيء من بعده من الرسل فهو بطريق التوقع لا بطريق الواقع، والله أعلم.

(6/328)


9 - باب صِفَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ
وَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجَنَّةِ". فِيهِ عُبَادَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
2257- حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا محمد بن مطرف قال حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون".
قوله: "باب صفة أبواب الجنة" هكذا ترجم بالصفة، ولعله أراد بالصفة العدد أو التسمية، فإنه أورد فيه حديث سهل بن سعد مرفوعا: "في الجنة ثمانية أبواب" الحديث. وقال فيه: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أنفق زوجين في

(6/328)


سبيل الله دعي من باب الجنة" وأشار بهذا إلى حديث أسنده في الصيام وفي الجهاد من حديث أبي هريرة وفيه: "فمن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة" الحديث، وقد سبق شرح حديث سهل بن سعد في الصيام، وحديث أبي هريرة فيه وفي الجهاد، ويأتي بقية شرحه في فضل أبي بكر إن شاء الله تعالى. قوله: "فيه عبادة" كأنه يشير إلى ما وصله هو في ذكر عيسى من أحاديث الأنبياء من طريق جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من شهد أن لا إله إلا الله" الحديث وفيه: "أدخله الله من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء" ، وقد وردت هذه العدة لأبواب الجنة في عدة أحاديث: منها حديث أبي هريرة المعلق في الباب ومنها حديث عبادة المعلق فيه أيضا وعن عمر عند أحمد وأصحاب السنن، وعن عتبة بن عبد عند الترمذي وابن ماجه، وورد في صفة أبواب الجنة أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين سنة، ومن حديث أبي سعيد ومعاوية بن حيدة ولقيط بن عامر، وأحاديث الثلاثة عند أحمد وهي مرفوعة، ولها شاهد عند مسلم من حديث عتبة بن غزوان لكنه موقوف. "تنبيه": وقع حديث سهل المسند مقدما على الحديثين المعلقين في رواية أبي ذر، ووقع لغيره تأخير المسند عن المعلقين.

(6/329)


10 - باب صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ
{غَسَّاقًا}: يُقَالُ غَسَقَتْ عَيْنُهُ. وَيَغْسِقُ الْجُرْحُ. وَكَأَنَّ الْغَسَاقَ وَالْغَسْقَ وَاحِدٌ. {غِسْلِينُ}: كُلُّ شَيْءٍ غَسَلْتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ غِسْلِينُ، فِعْلِينُ مِنْ الْغَسْلِ، مِنْ الْجُرْحِ وَالدَّبَرِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: {حَصَبُ جَهَنَّمَ}: حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرهُ: {حَاصِبًا} الرِّيحُ الْعَاصِفُ، وَالْحَاصِبُ مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ حَصَبُ جَهَنَّمَ يُرْمَى بِهِ فِي جَهَنَّمَ. هُمْ حَصَبُهَا. وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ ذَهَبَ، وَالْحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنْ حَصْبَاءِ الْحِجَارَةِ صَدِيدٌ قَيْحٌ وَدَمٌ. {خَبَتْ}: طَفِئَتْ. {تُورُونَ}: تَسْتَخْرِجُونَ. أَوْرَيْتُ: أَوْقَدْتُ. {لِلْمُقْوِينَ}: لِلْمُسَافِرِينَ. وَالْقِيُّ: الْقَفْرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {صِرَاطُ الْجَحِيمِ} : سَوَاءُ الْجَحِيمِ وَوَسَطُ الْجَحِيمِ. {لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ}: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ. {زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ}: صَوْتٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ. {وِرْدًا} عِطَاشًا. {غَيًّا}: خُسْرَانًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {يُسْجَرُونَ} تُوقَدُ لهمْ النَّارُ. {وَنُحَاسٌ}: الصُّفْرُ يُصَبُّ عَلَى رُءُوسِهِمْ. {يُقَالُ ذُوقُوا}: بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ. {مَارِجٌ}: خَالِصٌ مِنْ النَّارِ. مَرَجَ الأَمِيرُ رَعِيَّتَهُ إِذَا خَلاَهُمْ يَعْدُو بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. {مَرِيجٍ}: مُلْتَبِسٍ مَرِجَ أَمْرُ النَّاسِ اخْتَلَطَ {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ}: مَرَجْتَ دَابَّتَكَ تَرَكْتَهَا.
3258- حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُهَاجِرٍ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ أَبْرِدْ ثُمَّ قَالَ أَبْرِدْ حَتَّى فَاءَ الْفَيْءُ - يَعْنِي لِلتُّلُولِ -

(6/329)


ثُمَّ قَالَ أَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ
3259- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ ذَكْوَانَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ".
3260- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ".
3261- حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ هُوَ الْعَقَدِيُّ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ قَالَ كُنْتُ أُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ بِمَكَّةَ فَأَخَذَتْنِي الْحُمَّى فَقَالَ أَبْرِدْهَا عَنْكَ بِمَاءِ زَمْزَمَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ قَالَ بِمَاءِ زَمْزَمَ " شَكَّ هَمَّامٌ.
3262- حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الْحُمَّى مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ".
[الحديث 3262 – طرفه في: 5726]
3263- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ ".
[الحديث 3263 – طرفه في: 5725]
3264- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ".
[الحديث 3264 – طرفه في: 5723]
3265- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً قَالَ فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا".
3266- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو سَمِعَ عَطَاءً يُخْبِرُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ}.

(6/330)


3267- حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ: "لَوْ أَتَيْتَ فُلاَنًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَلِّمُهُ إِلاَّ أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لاَ أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلاَ أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلاَنُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ". رَوَاهُ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ الأَعْمَشِ.
[الحديث 3267 – طرفه في: 7098]
قوله: "باب صفة النار وأنها مخلوقة" القول فيه كالقول في "باب صفة الجنة" سواء. قوله: "غساقا يقال غسقت عينه ويغسق الجرح" وهذا مأخوذ من كلام أبي عبيدة، فإنه قال في قوله تعالى: {إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً}: الحميم الماء الحار، والغساق ما همي وسال، يقال غسقت من العين ومن الجرح، ويقال عينه تغسق أي تسيل، والمراد في الآية ما سال من أهل النار من الصديد، رواه الطبري من قول قتادة ومن قوال إبراهيم وعطية بن سعد وغيرهم، وقيل من دموعهم أخرجه أيضا من قول عكرمة وغيره، وقيل: الغساق البارد الذي يحرق ببرده رواه أيضا من قول ابن عباس ومجاهد وأبي العالية، قال أبو عبيد الهروي: من قرأه بالتشديد أراد السائل، ومن قرأه بالتخفيف أراد البارد وقيل: الغساق المنتن رواه الطبري عن عبد الله بن بريدة وقال: إنها بالطخارية، وله شاهد من حديث أبي سعيد أخرجه الترمذي والحاكم مرفوعا: "لو أن دلوا من غساق يهراق إلى الدنيا لأنتن أهل الدنيا" وأخرج الطبري من حديث عبد الله بن عمر موقوفا: الغساق القيح الغليظ، لو أن قطرة منه تهراق بالمغرب لأنتن أهل المشرق. قوله: "وكأن الغساق والغسيق واحد" كذا لأبي ذر، والغسيق بوزن فعيل، ولغيره والغسق بفتحتين، قال الطبري في قوله تعالى: {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} الغاسق الليل إذا لبس الأشياء وغطاها، وإنما أريد بذلك هجومه على الأشياء هجوم السيل، وكأن المراد بالآية السائل من الصديد الجامع بين شدة البرد وشدة النتن وبهذا تجتمع الأقوال والله أعلم قوله: "غسلين كل شيء غسلته فخرج منه شيء فهو غسلين فعلين من الغسل من الجرح والدبر" هو كلام أبي عبيدة في المجاز، وقد روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الغسلين صديد أهل النار، والدبر بفتح المهملة والموحدة هو ما يصيب الإبل من الجراحات. "تنبيه": قوله تعالى في هذه الآية: {وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ} يعارضه ظاهر قوله تعالى في الآية الأخرى: {لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ} وجمع بينهما بأن الضريع من الغسلين، وهذا يرده ما سيأتي في التفسير أن الضريع نبات، وقيل: الاختلاف بحسب من يطعم من أهل النار، فمن اتصف بالصفة الأولى فطعامه من غسلين، ومن اتصف بالثانية فطعامه من ضريع، والله أعلم. قوله: "وقال عكرمة حصب جهنم حطب بالحبشية وقال غيره حاصبا الريح العاصف والحاصب ما يرمي

(6/331)


به الريح ومنه حصب جهنم يرمى به في جهنم هم حصبها" أما قول عكرمة فوصله ابن أبي حاتم من طريق عبد الملك بن أبجر سمعت عكرمة بهذا، وروى الطبري عن مجاهد مثله لكن لم يقل بالحبشية، وروى الفراء عن علي وعائشة أنهما قرآها "حطب" بالطاء، وروى الطبري عن ابن عباس أنه قرأها بالضاد المعجمة قال: وكأنه أراد أنهم الذين تسجر بهم النار لأن كل شيء هيجت به النار فهو حصب لها، وأما قول غيره فقال أبو عبيدة في قوله تعالى: {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً}: أي ريحا عاصفا يحصب. وفي قوله: {حَصَبُ جَهَنَّمَ}: كل شيء ألقيته في النار فقد حصبتها به، وروى الطبري عن الضحاك قال في قوله: {حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال تحصب بهم جهنم وهو الرمي يقول يرمى بهم فيها. قوله: "ويقال حصب في الأرض ذهب والحصب مشتق من حصباء الحجارة" روى الطبري عن أبي جريج في قوله: {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً} قال مطر الحجارة. قوله: "صديد قيح ودم" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ} قال: الصديد القيح والدم. قوله: "خبت طفئت" أخرج الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {كُلَّمَا خَبَتْ} قال: طفئت، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: سكنت، ومثله قال أبو عبيدة ورجح لأنهم يقولون للنار إذا سكن لهبها وعلا الجمر رماد: خبت، فان طفئ معظم الجمر قالوا خمدت، فإن طفئ كله قالوا همدت، ولا شك أن نار جهنم لا تطفأ. قوله: "تورون تستخرجون أوريت أوقدت" يريد تفسير قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ} وهو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى: {تُورُونَ} أي تستخرجون من أوريت، قال: وأكثر ما يقال وريت. قوله: "للمقوين: للمسافرين. والقي: القفر" روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: {لِلْمُقْوِينَ} للمسافرين، ومن طريق قتادة والضحك مثله، ومن طريق مجاهد قال: للمقوين أي المستمتعين المسافر والحاضر. وقال الفراء: قوله تعالى: {وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ} أي منفعة للمسافرين إذا نزلوا بالأرض، والأرض القي - يعني بكسر القاف والتشديد - القفر الذي لا شيء فيه، ورجح هذا الطبري واستشهد على ذلك. قوله: "وقال ابن عباس {صِرَاطِ الْجَحِيمِ} سواء الجحيم ووسط الجحيم" روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ} قال: في وسط الجحيم، ومن طريق قتادة والحسن مثله. قوله: "لشوبا من حميم : يخلط طعامهم ويساط بالحميم" روى الطبري من طريق السدي قال في قوله تعالى: {ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ} الشوب الخلط وهو المزج. وقال أبو عبيدة تقول العرب كل شيء خلطته بغيره فهو مشوب. قوله: "زفير وشهيق: صوت شديد وصوت ضعيف" هو تفسير ابن عباس أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه، ومن طريق أبي العالية قال: الزفير في الحلق والشهيق في الصدر، ومن طريق قتادة قال: هو كصوت الحمار أوله زفير وآخره شهيق. وقال الداودي الشهيق هو الذي يبقى بعد الصوت الشديد من الحمار. قوله: "وردا : عطاشا" روى ابن حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً} قال: عطاشا، ومن طريق مجاهد قال: منقطعة أعناقهم من الظمأ، وقوله وردا هو مصدر وردت والتقدير ذوي ورد وهذا ينافي العطش، لكن لا يلزم من الورود على الماء الوصول إلى تناوله، فسيأتي في حديث الشفاعة "أنهم يشكون العطش فترفع لهم جهنم سراب ماء فيقال: ألا تردون؟ فيردونها فيتساقطون فيها". قوله: "غيا خسرانا" أخرجه ابن أبي حاتم من هذا الوجه في قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً} قال: خسرانا، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه

(6/332)


في هذه الآية قال: واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم. قوله: "وقال مجاهد يسجرون توقد لهم النار" كذا في رواية أبي ذر ولغيره: "بهم" وهو أوضح، وكذا أخرجه عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به. قوله: "ونحاس: الصفر يصب على رءوسهم" أخرجه عبد بن حميد من طريق منصور عن مجاهد في قوله تعالى: {يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ} قال قطعة من نار حمراء ونحاس قال يذاب الصفر فيصب على رءوسهم. قوله: "يقال ذوقوا باشروا وجربوا وليس هذا من ذوق الفم" لم أر هذا لغير المصنف وهو كما قال والذوق يطلق ويراد به حقيقته وهو ذوق الفم، ويطلق ويراد به الذوق المعنوي وهو الإدراك وهو المراد في قوله: {ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} وقوله: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ} وقوله: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} وكذلك في قوله: {لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} وبلغني عن بعض علماء العصر أنه فسره هنا بمعنى التخيل وجعل الاستثناء متصلا وهو دقيق، وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي برزة الأسلمي مرفوعا والطبري من حديث عبد الله بن عمرو موقوفا "لم ينزل على أهل النار آية أشد من هذه الآية: {فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً}". قوله: "مارج خالص من النار" روى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} قال: من خالص النار، ومن طريق الضحاك عن ابن عباس قال: خلقت الجن من مارج، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت، وسيأتي قول مجاهد في ذلك في تفسير سورة الرحمن إن شاء الله تعالى. وقال الفراء: المارج نار دون الحجاب، ويروى خلق السماء منها ومنها هذه الصواعق. قوله: "مرج الأمير رعيته إذا خلاهم يعدو بعضهم على بعض، فهم في أمر مريج أمر ملتبس(1) ومرج أمر الناس اختلط" في رواية الكشميهني: "أمر منتشر" وهو تصحيف قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} أي مختلط يقال مرج أمر الناس أي اختلط وأهمل، وروى الطبري عن ابن عباس في قوله تعالى: {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} قال مختلط، ومن طريق سعيد بن جبير ومجاهد قال: ملتبس، ومن طريق قتادة قال: من ترك الحق مرج عليه رأيه والتبس عليه دينه. قوله: "مرج البحرين مرجت دابتك تركتها" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا} هو كقولك مرجت دابتك خليت عنها وتركتها. وقال الفراء: قوله: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ} قال أرسلهما ثم يلتقيان بعد، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المراد بالبحرين هنا بحر السماء والأرض يلتقيان كل عام، ومن طريق سعيد بن جبير وابن أبزى مثله، ومن طريق قتادة والحسن قال: هما بحرا فارس والروم، قال الطبري: والأول أولى لأنه سبحانه وتعالى قال بعد ذلك: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} وإنما يخرج اللؤلؤ من أصداف بحر الأرض عن قطر السماء. قلت: وفي هذا دفع لمن جزم بأن المراد بهما البحر الحلو والبحر الملح وجعل قوله: "منهما" من مجاز التغليب. ثم ذكر المصنف في الباب عشرة أحاديث: الأول: حديث أبي ذر في الأمر بالأبراد، وفيه قصة وقد تقدم شرحه في المواقيت من كتاب الصلاة، والغرض منه قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم". الثاني: حديث أبي سعيد في ذلك وليس فيه قصة وقد تقدم كذلك. الثالث: حديث أبي هريرة: "اشتكت النار إلى ربها" الحديث، وقد تقدم كذلك. وهذه الأحاديث من أقوى الأدلة على ما ذهب إليه الجمهور من أن جهنم موجودة الآن. الرابع: حديث ابن عباس في أن الحمى من فيح جهنم. الخامس: حديث رافع بن خديج في ذلك. السادس: حديث عائشة في ذلك. السابع: حديث ابن عمر في ذلك، وسيأتي شرح
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: كذا في جميع نسخ الشرح، وهذه الجملة مع واو مرج ليست في نسخ المتن التي بأيدينا، فهي نسخته. اهـ.

(6/333)


الجميع في الطب إن شاء الله تعالى. الثامن: حديث أبي هريرة. قوله: "ناركم جزء" زاد مسلم في روايته: "جزء واحد" قوله: "من سبعين جزءا" في رواية لأحمد "من مائة جزء" والجمع بأن المراد المبالغة في الكثرة لا العدد الخالص أو الحكم للزائد، زاد الترمذي من حديث أبي سعيد "لكل جزء منها حرها". قوله: "إن كانت لكافية" "إن" هي المخففة من الثقيلة أي إن نار الدنيا كانت مجزئة لتعذيب العصاة. قوله: "فضلت عليهن" كذا هنا والمعنى على نيران الدنيا. وفي رواية مسلم: "فضلت عليها" أي على النار، قال الطيبي ما محصله: إنما أعاد صلى الله عليه وسلم حكاية تفضيل نار جهنم على نار الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الإجزاء، أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه. قوله: "مثل حرها" زاد أحمد وابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة "وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما انتفع بها أحد" ونحوه للحاكم وابن ماجه عن أنس وزادا "فإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها" وفي "الجامع لابن عيينة" عن ابن عباس رضي الله عنه "هذه النار ضربت بماء البحر سبع مرات ولولا ذلك ما انتفع بها أحد". التاسع: حديث يعلى بن أمية، وقد تقدمت الإشارة إليه في "باب الملائكة". العاشر: حديث أسامة بن زيد، قوله: "لو أتيت فلانا فكلمته" هو عثمان كما في صحيح مسلم، وسيأتي بيان ذلك وبيان السبب فيه في كتاب الفتن، وكذا طريق غندر عن شعبة التي علقها المصنف هنا فقد وصلها هناك، والله أعلم.

(6/334)


باب صفة إبليس و جنوده
...
11 - باب صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {يُقْذَفُونَ}: يُرْمَوْنَ. {دُحُورًا}: مَطْرُودِينَ. {وَاصِبٌ}: دَائِمٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {مَدْحُورًا}: مَطْرُودًا، يُقَالُ: مَرِيدًا مُتَمَرِّدًا. بَتَّكَهُ: قَطَّعَهُ. {وَاسْتَفْزِزْ}: اسْتَخِفَّ. {بِخَيْلِكَ}: الْفُرْسَانُ. وَالرَّجْلُ: الرَّجَّالَةُ وَاحِدُهَا رَاجِلٌ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ، وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ. {لاَحْتَنِكَنَّ}: لاَسْتَأْصِلَنَّ. {قَرِينٌ}: شَيْطَانٌ.
3268- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ اللَّيْثُ كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ أَنَّهُ سَمِعَهُ وَوَعَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سُحِرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي أَتَانِي رَجُلاَنِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ قَالَ وَمَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ قَالَ فِيمَا ذَا قَالَ فِي مُشُطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ قَالَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ نَخْلُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ فَقُلْتُ اسْتَخْرَجْتَهُ فَقَالَ لاَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ثُمَّ دُفِنَتْ الْبِئْرُ".

(6/334)


3269- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلاَلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانَهَا عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلاَ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ".
3270- حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ نَامَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنَيْهِ أَوْ قَالَ فِي أُذُنِهِ".
3271- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ".
3272- حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَبْرُزَ وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ".
3273- "وَلاَ تَحَيَّنُوا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ الشَّيْطَانِ لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشَامٌ".
3274- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلاَلٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَمْنَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيَمْنَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَليُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ".
3275- وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لاَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ

(6/335)


مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ ذَاكَ شَيْطَانٌ".
3276- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ".
3277- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ".
3278- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ".
3279- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ فَقَالَ هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ".
3280- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ أَوْ قَالَ جُنْحُ اللَّيْلِ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنْ الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَأَطْفِئْ مِصْبَاحَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَخَمِّرْ إِنَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ وَلَوْ تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا".
[الحديث 3280 – أطرافه في: 3304، 3316، 5623، 6295، 6296]
3281- حَدَّثَنِي مَحْمُودُ بْنُ غَيْلاَنَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنْ الأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالاَ سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ

(6/336)


يَجْرِي مِنْ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا".
3282- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجُلاَنِ يَسْتَبَّانِ فَأَحَدُهُمَا احْمَرَّ وَجْهُهُ وَانْتَفَخَتْ أَوْدَاجُهُ. فَقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لاَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ فَقَالُوا لَهُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ. فَقَالَ: وَهَلْ بِي جُنُونٌ؟".
[الحديث 3282 – طرفاه في: 6048، 6115]
3283- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ وَلَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ... مِثْلَهُ.
3284- حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَّى صَلاَةً فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ عَلَيَّ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَكَرَهُ".
3285- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ فَإِذَا ثُوِّبَ بِهَا أَدْبَرَ فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَقَلْبِهِ فَيَقُولُ اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا حَتَّى لاَ يَدْرِيَ أَثَلاَثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا فَإِذَا لَمْ يَدْرِ ثَلاَثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ".
3286- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ".
[الحديث 3286 – طرفاه في: 3431، 4548]
3287- حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمْتُ الشَّأْمَ فَقُلْتُ مَنْ هَا هُنَا قَالُوا أَبُو الدَّرْدَاءِ قَالَ أَفِيكُمْ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُغِيرَةَ وَقَالَ: الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي عَمَّارًا".
[الحديث 3287 – أطرافه في: 3742، 3743، 3761، 4941، 4944، 6287]

(6/337)


3288- قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ أَخْبَرَهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "الْمَلاَئِكَةُ تَتَحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ وَالْعَنَانُ الْغَمَامُ بِالأَمْرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ فَتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ فَتَقُرُّهَا فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ فَيَزِيدُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذِبَةٍ".
3289- حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "التَّثَاؤُبُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ".
[الحديث 3289 – طرفاه في: 6223، 6226]
3290- حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: "لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ فَصَاحَ إِبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ فَرَجَعَتْ أُولاَهُمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُمْ فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ فَقَالَ أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ فَقَالَ حُذَيْفَةُ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ قَالَ عُرْوَةُ فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ".
[الحديث 3290 – أطرافه في: 3824، 4065، 6668، 6883، 6890]
3291- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ أَحَدِكُمْ".
3292- حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ وَالْحُلُمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ".
[الحديث 3292 – أطرافه في: 5747، 6984، 6986، 6995، 6996، 7005، 7044]
3293- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ

(6/338)


وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلاَّ أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ".
[الحديث 3293 – طرفه في: 6403]
3294- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ فَقَالَ عُمَرُ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلاَءِ اللاَتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ قَالَ عُمَرُ فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهَبْنَ ثُمَّ قَالَ أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلاَ تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَ نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلاَّ سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ".
[الحديث 3294 – طرفاه في: 3683، 6085]
3295- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أُرَاهُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاَثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ".
قوله: "باب صفة إبليس وجنوده" إبليس اسم أعجمي عند الأكثر، وقيل: مشتق من أبلس إذا أيئس، قال ابن الأنباري: لو كان عربيا لصرف كإكليل. وقال الطبري: إنما لم يصرف وإن كان عربيا لقلة نظيره في كلام العرب فشبهوه بالعجمي، وتعقب بأن ذلك ليس من موانع الصرف وبأن له نظائر كإخريط وإصليت، واستبعد كونه مشتقا أيضا بأنه لو كان كذلك لكان إنما سمي إبليس بعد يأسه من رحمة الله بطرده ولعنه، وظاهر القرآن أنه كان يسمى بذلك قبل ذلك، كذا قيل، ولا دلالة فيه، لجواز أن يسمى بذلك باعتبار ما سيقع له، نعم روى الطبري وابن أبي الدنيا عن ابن عباس قال: كان اسم إبليس حيث كان مع الملائكة عزازيل ثم إبليس بعد. وهذا يؤيد ذلك القول والله أعلم. ومن أسمائه الحارث والحكم، وكنيته أبو مرة. وفي كتاب "ليس لابن خالويه" كنيته أبو الكروبيين، وقوله: "وجنوده" كأنه يشير بذلك إلى حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا قال: "إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول: من أضل مسلما ألبسته التاج" الحديث أخرجه ابن حبان والحاكم والطبراني. ولمسلم من حديث جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "عرش إبليس على البحر، فيبعث سراياه فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة". واختلف هل كان من الملائكة ثم مسخ لما طرد أو لم يكن منهم أصلا؟ على قولين

(6/339)


مشهورين سيأتي بيانهما في التفسير إن شاء الله تعالى. قوله: "وقال مجاهد ويقذفون يرمون دحورا مطرودين" يريد تفسير قوله تعالى: {وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ دُحُوراً} الآية، وقد وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد كذلك، وهذه صفة من يسترق السمع من الشياطين، وسيأتي في التفسير أيضا. قوله: "وقال ابن عباس مدحورا مطرودا" يريد تفسير قوله تعالى: {فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً} وقد وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة، وإنما ذكره البخاري هنا استطرادا لذكره دحورا قبله وإن كان لا يتعلق بإبليس وجنوده. قوله: "ويقال مريدا متمردا" هو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى: {وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً} أي متمردا. قوله: "بتكه: قطعه" قال أبو عبيدة في قوله: "فليبتكن آذان الأنعام" أي ليقطعن، يقال بتكه قطعه. قوله: "واستفزز : استخف بخيلك الفرسان والرجل الرجالة واحدها راجل مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر" هو كلام أبي عبيدة أيضا. قوله: "لأحتنكن : لأستأصلن" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً} يقول لأستميلنهم ولأستأصلنهم يصال احتنك فلان ما عند فلان إذا أخذ جميع ما عنده. قوله: "قرين شيطان" روى ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} قال شيطان وعن غير مجاهد خلافه، وروى الطبري عن مجاهد والسدي في قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ} قال شياطين. ثم ذكر المصنف في الباب سبعة وعشرين حديثا: الأول: حديث عائشة قالت: "سحر النبي صلى الله عليه وسلم" الحديث، وسيأتي شرحه في كتاب الطب، ووجه إيراده هنا من جهة أن السحر إنما يتم باستعانة الشياطين على ذلك، وسيأتي إيضاح ذلك هناك، وقد أشكل ذلك على بعض الشراح. قوله: "وقال الليث كتب إلي هشام بن عروة إلخ" رويناه موصولا في نسخة عيسى بن حماد رواية أبي بكر بن أبي داود عنه. الثاني: حديث أبي هريرة في عقد الشيطان على رأس النائم، تقدم شرحه في صلاة الليل، وأخو إسماعيل هو أبو بكر عبد الرحمن بن أبي أويس، ووهم من سماه عبد الله. الثالث: حديث ابن مسعود في بول الشيطان في أذن النائم عن الصلاة، تقدم شرحه في صلاة الليل أيضا. الرابع: حديث ابن عباس في الندب إلى التسمية عند الجماع، يأتي شرحه في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى. الخامس: حديث ابن عمر في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، تقدم شرحه في الصلاة، والقائل: "لا أدري أي ذلك قال هشام" هو عبدة بن سليمان الراوي عنه، وقوله: "حاجب الشمس" هو طرف قرصها الذي يبدو عند طلوع الشمس ويبقى عند الغروب، وقرنا الشيطان جانبا رأسه، يقال إنه ينتصب في محاذاة مطلع الشمس حتى إذا طلعت كانت بين جانبي رأسه لتقع السجدة له إذا سجد عبدة الشمس لها وكذا عند غروبها، وعلى هذا فقوله: "تطلع بين قرني الشيطان" أي بالنسبة إلى من يشاهد الشمس عند طلوعها، فلو شاهد الشيطان لرآه منتصبا عندها. وقد تمسك به من رد على أهل الهيئة القائلين بأن الشمس في السماء الرابعة والشياطين قد منعوا من ولوج السماء، ولا حجة فيه لما ذكرنا، والحق أن الشمس في الفلك الرابع، والسموات السبع عند أهل الشرع غير الأفلاك خلافا لأهل الهيئة. ومحمد شيخ البخاري فيه هو ابن سلام ثبت كذلك عند ابن السكن وبه جزم أبو نعيم والجياني. السادس: حديث أبي سعيد في الإذن بقتل المار بين يدي المصلي تقدم شرحه في الصلاة. السابع: حديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان، تقدم شرحه في كتاب الوكالة. الثامن: حديث: "يأتي الشيطان". قوله: "من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته" أي عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، ويعلم

(6/340)


أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها، قال الخطابي: وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص بالله منه وكف عن مطاولته في ذلك اندفع، قال: وهذا بخلاف ما لو تعرض أحد من البشر بذلك فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال: والفرق بينهما أن الآدمي يقع منه الكلام بالسؤال والجواب والحال معه محصور، فإذا راعى الطريقة وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجة زاغ إلى غيرها إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك. قال الخطابي: على أن قوله من خلق ربك كلام متهافت ينقض آخره أوله لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقا، ثم لو كان السؤال متجها لاستلزم التسلسل وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث. فلو كان هو مفتقرا إلى محدث لكان من المحدثات، انتهى. والذي نحا إليه من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر، لأنه ثبت في مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا خلق الله الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت بالله" فسوى في الكف عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك من بشر وغيره. وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال: سألني عنها اثنان، وكان السؤال عن ذلك لما كان واهيا لم يستحق جوابا، أو الكف عن ذلك نظير الأمر بالكف عن الخوض في الصفات والذات. قال المازري: الخواطر على قسمين: فالتي لا تستقر ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالإعراض عنها، وعلى هذا ينزل الحديث، وعلى مثلها ينطلق اسم وسوسة، وأما الخواطر المستقرة الناشئة عن الشبهة فهي التي لا تندفع إلا بالنظر والاستدلال وقال الطيبي: إنما أمر بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج لأن العلم باستغناء الله جل وعلا عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به، وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال عما لا يعني المرء وعما هو مستغن عنه، وفيه علم من أعلام النبوة لإخباره بوقوع ما سيقع فوقع، وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الاعتصام إن شاء الله تعالى. حديث أبي هريرة: "إذا دخل رمضان صفدت الشياطين" تقدم شرحه في الصيام. حديث أبي بن كعب في قصة موسى والخضر سيأتي شرحه في التفسير. حديث ابن عمر في طلوع الفتنة من قبل المشرق، سيأتي شرحه في الفتن، وحاصله أن منشأ الفتن من جهة المشرق وكذا وقع. حديث جابر، ومحمد بن عبد الله الأنصاري المذكور في السند هو من شيوخ البخاري، وحدث عنه هنا بواسطة. قوله: "إذا استجنح الليل أو كان جنح الليل" في رواية الكشميهني: "أو قال جنح الليل" وهو بضم الجيم وبكسرها، والمعنى إقباله بعد غروب الشمس، يقال جنح الليل أقبل واستجنح حان جنحه أو وقع وحكى عياض أنه وقع في رواية أبي ذر "استنجع" بالعين المهملة بدل الحاء وهو تصحيف، وعند الأصيلي: "أول الليل" بدل قوله أو كان جنح الليل، و "كان" في قوله: "وكان جنح الليل" تامة أي حصل. قوله: "فخلوهم" كذا للأكثر بفتح الخاء المعجمة، وللسرخسي بضم الحاء المهملة، قال ابن الجوزي: إنما خيف على الصبيان في تلك الساعة لأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة معهم غالبا، والذكر الذي يحرز منهم مفقود من الصبيان غالبا والشياطين عند انتشارهم يتعلقون بما يمكنهم التعلق به، فلذلك خيف على الصبيان في ذلك الوقت. والحكمة في انتشارهم حينئذ أن حركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار، لأن الظلام أجمع للقوى الشيطانية من غيره، وكذلك

(6/341)


كل سواد. ولهذا قال في حديث أبي ذر "فما يقطع الصلاة؟ قال: الكلب الأسود شيطان" أخرجه مسلم. قوله: "وأغلق بابك" هو خطاب لمفرد، والمراد به كل أحد، فهو عام بحسب المعنى، ولا شك أن مقابلة المفرد بالمفرد تفيد التوزيع، وسيأتي بقية الكلام على فوائد هذا الحديث في كتاب الأدب إن شاء الله تعالى. حديث صفية تقدم في الاعتكاف، وفيه: "إن الله جعل للشيطان قوة على التوصل إلى باطن الإنسان" وقيل: ورد على سبيل الاستعارة أي أن وسوسته تصل في مسام البدن مثل جري الدم من البدن. حديث سليمان بن صرد في الاستعاذة، يأتي في الأدب. والودج بفتح الدال وبالجيم عرق في العنق. حديث ابن عباس تقدم ضمن أحاديث الباب، وقوله: "قال وحدثنا الأعمش" قائل ذلك هو شعبة فله فيه شيخان. حديث أبو هريرة. قوله: "حدثنا محمود" هو ابن غيلان، وقد تقدم هذا الحديث بهذا الإسناد في أواخر الصلاة، وقوله هنا: "فذكره" أي ذكر تمام الحديث، وتمامه هناك "فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية" الحديث. وقد تقدم هناك شرح قوله: "فذعته" ويأتي الكلام على بقية فوائده في أحاديث الأنبياء في ترجمة سليمان عليه السلام، ويأتي الكلام على إمكان رؤية الجن في أول الباب الذي يلي هذا. وفي الحديث إباحة ربط من يخشى هربه ممن في قتله حق، وفيه إباحة العمل اليسير في الصلاة، وأن المخاطبة فيها إذا كانت بمعنى الطلب من الله لا تعد كلاما فلا يقطع الصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق هذا الحديث: "أعوذ بالله منك" كما سيأتي إن شاء الله تعالى. حديث أبي هريرة "إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان" وقد تقدم شرحه في أواخر الصلاة في الكلام على سجود السهو. حديثه "كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه بإصبعيه" وسيأتي شرحه في ترجمة عيسى ابن مريم من أحاديث الأنبياء، وقوله: "في جنبه" كذا للأكثر بالإفراد، ولأبي ذر الجرجاني "جنبيه" بالتثنية، وذكر عياض أن في كتابه من رواية الأصيلي: "جنبه" بالإفراد لكن بياء مثناة من تحت بدل الموحدة قال: وهو تصحيف قلت: لعل نقطته سقطت من القلم فلا ينبغي أن يعد ذلك رواية، والله المستعان. والمراد بالحجاب الجلدة التي فيها الجنين أو الثوب الملفوف على الطفل. الحديث التاسع عشر: حديث أبي الدرداء في فضل عمار، أورده مختصرا جدا من وجهين، وسيأتي بتمامه في المناقب، والغرض منه قوله: "الذي أجاره الله من الشيطان" فإنه يشعر بأن له مزية بذلك على غيره، ومقتضاه أن للشيطان تسلطا على من لم يجره الله منه. الحديث العشرون: حديث عائشة في ذكر الكهان أورده معلقا عن الليث، وقد تقدمت الإشارة إليه في صفة الملائكة، وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي حاتم الرازي عن أبي صالح كاتب الليث عنه وقال: يقال إن البخاري حمله عن عبد الله بن صالح. الحديث الحادي والعشرون: حديث أبي هريرة في التثاؤب، وسيأتي شرحه في الأدب وبيان الاختلاف فيه على سعيد المقبري هل هو عنده عن أبي هريرة بلا واسطة أو بواسطة أبيه. الحديث الثاني والعشرون: حديث عائشة قي قصة قتل والد حذيفة، وسيأتي شرحها في غزوة أحد. الحديث الثالث والعشرون: حديث عائشة في الالتفات في الصلاة، وقد تقدم شرحه في الصلاة. الحديث الرابع والعشرون: حديث أبي قتادة "الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان" الحديث، وأورده من وجهين، وسيأتي شرحه في التعبير، وفائدة الطريق الثانية وإن كانت الأولى أعلى منها التصريح فيها بتحديث عبد الله بن أبي قتادة ليحيى بن أبي كثير. الحديث الخامس والعشرون: حديث أبي هريرة في فضل قول لا إله إلا الله، وسيأتي شرحه في الدعوات. الحديث السادس والعشرون: حديث سعد "استأذن

(6/342)


عمر على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة" الحديث، وسيأتي شرحه في المناقب. الحديث السابع والعشرون: حديث أبي هريرة في الأمر بالاستنثار، وفيه: "فإن الشيطان يبيت على خيشومه" والخيشوم بفتح الخاء المعجمة وبسكون الياء التحتانية وضم المعجمة وسكون الواو هو الأنف، وقيل: المنخر، وقوله: "فليستنثر" أكثر فائدة من قوله: "فليستنشق" لأن الاستنثار يقع على الاستنشاق بغير عكس، فقد يستنشق ولا يستنثر، والاستنثار من تمام فائدة الاستنشاق، لأن حقيقة الاستنشاق جذب الماء بريح الأنف إلى أقصاه والاستنثار إخراج ذلك الماء، والمقصود من الاستنشاق تنظيف داخل الأنف والاستنثار يخرج ذلك الوسخ مع الماء فهو من تمام الاستنشاق، وقيل: إن الاستنثار مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف، وقيل: الأنف نفسه، فعلى هذا فمن استنشق، فقد استنثر لأنه يصدق أنه تناول الماء بأنفه أو بطرف أنفه، وفيه نظر. ثم إن ظاهر الحديث أن هذا يقع لكل نائم ويحتمل أن يكون مخصوصا بمن لم يحترس من الشيطان بشيء من الذكر، لحديث أبي هريرة المذكور قبل حديث سعد فإن فيه: "فكانت له حرزا من الشيطان" وكذلك آية الكرسي، وقد تقدم فيه: "ولا يقربك شيطان" ويحتمل أن يكون المراد بنفي القرب هنا أنه لا يقرب من المكان الذي يوسوس فيه وهو القلب فيكون مبته على الأنف ليتوصل منه إلى القلب إذا استيقظ، فمن استنثر منعه من التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة، فحينئذ فالحديث متناول لكل مستيقظ. ثم إن الاستنشاق من سنن الوضوء اتفاقا لكل من استيقظ أو كان مستيقظا. وقالت طائفة بوجوبه في الغسل وطائفة بوجوبه في الوضوء أيضا، وهل تتأدى السنة بمجرده بغير استنثار أم لا خلاف؟ وهو محل بحث وتأمل. والذي يظهر أنها لا تتم إلا به لما تقدم. والله أعلم.

(6/343)


باب ذكر الجن و ثوابهم و عقابهم . لقوله { يا معشر الجن و الإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي ـ إلى قوله ـ عما يعملون }
...
12 - باب ذِكْرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ
لِقَوْلِهِ: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} إلى قوله: {عَمَّا يَعْمَلُونَ}. {بَخْسًا}: نَقْصًا. قَالَ مُجَاهِدٌ: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا}: قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَأُمَّهَاتُهُنَّ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ، قَالَ اللَّهُ {وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ}: سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ. {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ}: عِنْدَ الْحِسَابِ.
3296- حدثنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له: "إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قوله: "باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم" أشار بهذه الترجمة إلى إثبات وجود الجن وإلى كونهم مكلفين، فأما إثبات وجودهم فقد نقل إمام الحرمين في "الشامل" عن كثير من الفلاسفة والزنادقة والقدرية أنهم أنكروا وجودهم رأسا، قال: ولا يتعجب ممن أنكر ذلك من غير المشرعين، إنما العجب من المشرعين مع نصوص القرآن والأخبار المتواترة، قال: وليس في قضية العقل ما يقدح في إثباتهم. قال وأكثر ما استروح إليه من نفاهم حضورهم

(6/343)


عند الإنس بحيث لا يرونهم ولو شاءوا لأبدوا أنفسهم، قال: وإنما يستبعد ذلك من لم يحط علما بعجائب المقدورات. وقال القاضي أبو بكر: وكثير من هؤلاء يثبتون وجودهم وينفونه الآن، ومنهم من يثبتهم وينفي تسلطهم على الإنس. وقال عبد الجبار المعتزلي: الدليل على إثباتهم السمع دون العقل، إذ لا طريق إلى إثبات أجسام غائبة لأن الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق، ولو كان إثباتهم باضطرار لما وقع الاختلاف فيه، إلا أنا قد علمنا بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتدين بإثباتهم، وذلك أشهر من أن يتشاغل بإيراده. وإذا ثبت وجودهم فقد تقدم في أوائل صفة النار تفسير قوله تعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} واختلف في صفتهم فقال القاضي أبو بكر الباقلاني قال بعض المعتزلة: الجن أجساد رقيقة بسيطة، قال: وهذا عندنا غير ممتنع إن ثبت به سمع. وقال أبو يعلى بن الفراء: الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة، يجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافا للمعتزلة في دعواهم أنها رقيقة، وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها. وهو مردود، فإن الرقة ليس بمانعة عن الرؤية. ويجوز أن يخفى عن رؤيتنا بعض الأجسام الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها. وروى البيهقي في "مناقب الشافعي" بإسناده عن الربيع سمعت الشافعي يقول: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته، إلا أن يكون نبيا. انتهى. وهذا محمول على من يدعي رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها، وأما من ادعى أنه يري شيئا منهم بعد أن يتطور على صور شتى من الحيوان فلا يقدح فيه، وقد تواردت الأخبار بتطورهم في الصور، واختلف أهل الكلام في ذلك فقيل: هو تخييل فقط ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، وقيل بل ينتقلون لكن لا باقتدارهم على ذلك بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر وهذا قد يرجع إلى الأول، وفيه أثر عن عمر أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح "أن الغيلان ذكروا عند عمر فقال: إن أحدا لا يستطيع أن يتحول عن صورته التي خلفه الله عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذنوا" وإذا ثبت وجودهم فقد اختلف في أصلهم فقيل: إن أصلهم من ولد إبليس، فمن كان منهم كافرا سمي شيطانا، وقيل: إن الشياطين خاصة أولاد إبليس ومن عداهم ليسوا من ولده، وحديث ابن عباس الآتي في تفسير سورة الجن يقوي أنهم نوع واحد من أصل واحد، واختلف صنفه فمن كان كافرا سمي شيطانا وإلا قيل له جني، وأما كونهم مكلفين فقال ابن عبد البر: الجن عند الجماعة مكلفون. وقال عبد الجبار: لا نعلم خلافا بين أهل النظر في ذلك، إلا ما حكى زرقان عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا بمكلفين، قال: والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال لا تكون إلا لمن خالف الأمر وارتكب النهي مع تمكنه من أن لا يفعل، والآيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جدا، وإذا تقرر كونهم مكلفين فقد اختلفوا هل كان فيهم نبي منهم أم لا؟ فروى الطبري من طريق الضحاك بن مزاحم إثبات ذلك، قال: ومن قال بقول الضحاك احتج بأن الله تعالى أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز عكسه وهو فاسد انتهى. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل الله إليهم، ورسل الجن بثهم الله في الأرض فسمعوا كلام الرسل من الإنس وبلغوا قومهم، ولهذا قال قائلهم {إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى} الآية، واحتج ابن حزم بأنه صلى الله عليه وسلم قال: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه" قال وليس الجن من قوم الإنس، فثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم، قال: ولم يبعث إلى الجن من الإنس نبي إلا نبينا صلى الله عليه وسلم لعموم بعثته إلى الجن والإنس باتفاق. انتهى. وقال

(6/344)


ابن عبد البر: "لا يختلفون أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلى الإنس والجن" وهذا مما فضل به على الأنبياء، ونقل عن ابن عباس في قوله تعالى في سورة غافر {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ} قال: هو رسول الجن، وهذا ذكره(1). وقال إمام الحرمين في "الإرشاد" في أثناء الكلام مع العيسوية: وقد علمنا ضرورة أنه صلى الله عليه وسلم دعى كونه مبعوثا إلى الثقلين. وقال ابن تيمية: اتفق على ذلك علماء السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، وثبت التصريح بذلك في حديث: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى قومه وبعثت إلى الإنس والجن" فيما أخرجه البزار بلفظ. وعن ابن الكلبي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث إلى الإنس فقط، وبعث محمد إلى الإنس والجن وإذا تقرر كونهم مكلفين فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام، وأما ما عداه من الفروع فاختلف فيه لما ثبت من النهي عن الروث والعظم وأنهما زاد الجن، وسيأتي في السيرة النبوية حديث أبي هريرة وفي آخره: "فقلت ما بال الروث والعظم؟ قال: هما طعام الجن" الحديث، فدل على جواز تناولهم للروث وذلك حرام علف الإنس، وكذلك روى أحمد والحاكم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: "خرج رجل من خيبر فتبعه رجلان آخر يتلوهما يقول ارجعا حتى ردهما، ثم لحقه فقال له إن هذين شيطانان، فإذا أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقرأ عليه السلام وأخبره أنا في جمع صدقاتنا، ولو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه. فلما قدم الرجل المدينة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فنهى عن الخلوة"، أي السفر منفردا. واختلف أيضا هل يأكلون ويشربون ويتناكحون أم لا؟ فقيل بالنفي وقيل بمقابله، ثم اختلفوا فقيل أكلهم وشربهم تشمم واسترواح لا مضغ ولا بلع، وهو مردود بما رواه أبو داود من حديث أمية بن مخشى قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ورجل يأكل ولم يسم ثم سمي في آخره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما زال الشيطان يأكل معه فلما سمي استقاء ما في بطنه" وروى مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يأكلن أحدكم بشماله ويشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله" وروى ابن عبد البر عن وهب بن منبه أن الجن أصناف فخالصهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يتوالدون، وجنس منهم يقع منهم ذلك ومنهم السعالي والغول والقطرب، وهذا إن ثبت كان جامعا للقولين الأولين، ويؤيده ما روى ابن حبان والحاكم من حديث أبي ثعلبة الخشني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وعقارب وصنف يحلون ويظعنون" وروى ابن أبي الدنيا من حديث أبي الدرداء مرفوعا نحوه لكن قال في الثالث: "وصنف عليهم الحساب والعقاب" وسيأتي شيء من هذا في الباب الذي يليه، وروى ابن أبي الدنيا من طريق يزيد بن يزيد بن جابر أحد ثقات الشاميين من صغار التابعين قال. ما من أهل بيت إلا وفي سقف بيتهم من الجن، وإذا وضع الغداء نزلوا فتغدوا معهم والعشاء كذلك. واستدل من قال بأنهم يتناكحون بقوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} وبقوله تعالى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي} والدلالة من ذلك ظاهرة. واعتل من أنكر ذلك بأن الله تعالى أخبر أن الجان خلق من نار، وفي النار من اليبوسة والخفة ما يمنع معه التوالد. والجواب أن أصلهم من النار كما أن أصل الآدمي من التراب، وكما أن الآدمي ليس طينا حقيقة كذلك الجني ليس نارا حقيقة، وقد وقع في الصحيح في قصة تعرض الشيطان للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "فأخذته فخنقته حتى وجدت برد ريقه على يدي" قلت: وبهذا الجواب يندفع إيراد من استشكل قوله تعالى: {إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} فقال كيف تحرق النار النار؟ وأما قول المصنف: "وثوابهم
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: هذه الكلمة ثابتة في بعض النسخ وساقطة من بعضها وبعدها علامة وقفة.

(6/345)


وعقابهم" فلم يختلف من أثبت تكليفهم أنهم يعاقبون على المعاصي، واختلف هل يثابون؟ فروى الطبري وابن أبي حاتم من طريق أبي الزناد موقوفا. قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال الله لمؤمن الجن وسائر الأمم أي من غير الإنس: كونوا ترابا، فحينئذ يقول الكافر: يا ليتني كنت ترابا" وروى ابن أبي الدنيا عن ليث بن أبي سليم قال: ثواب الجن أن يجاروا من النار ثم يقال لهم كونوا ترابا وروى عن أبي حنيفة نحو هذا القول. وذهب الجمهور إلى أنهم يثابون على الطاعة، وهو قول الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهم، ثم اختلفوا هل يدخلون مدخل الإنس؟ على أربعة أقوال: أحدها: نعم، وهو قول الأكثر، وثانيها: يكونون في ربض الجنة وهو منقول عن مالك وطائفة، وثالثها: أنهم أصحاب الأعراف، ورابعها: التوقف عن الجواب في هذا. وروى ابن أبي حاتم من طريق أبي يوسف قال: قال ابن أبي ليلى في هذا لهم ثواب، قال: فوجدنا مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} قلت: وإلى هذا أشار المصنف بقوله قبلها {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} فإن قوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} يلي الآية التي بعد هذه الآية، واستدل بهذه الآية أيضا ابن عبد الحكم. واستدل ابن وهب بمثل ذلك بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ} الآية، فإن الآية بعدها أيضا: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} وروى أبو الشيخ في تفسيره عن مغيث بن سمي أحد التابعين قال: ما من شيء إلا وهو يسمع زفير جهنم إلا الثقلين الذين عليهم الحساب والعقاب. ونقل عن مالك أنه استدل على أن عليهم العقاب ولهم الثواب بقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ثم قال: {فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} والخطاب للإنس والجن، فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين والمؤمن من شأنه أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب والله أعلم. قوله: "بخسا: نقصانا" يريد تفسير قوله تعالى: حكاية عن الجن {فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً} قال يحيى الفراء: البخس النقص، والرهق الظلم، ومفهوم الآية أن من يكفر فإنه يخاف، فدل ذلك على ثبوت تكليفهم قوله: "وقال مجاهد: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا إلخ" وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به وفيه: "فقال أبو بكر: ممن أمهاتهم؟ قالوا: بنات سروات الجن إلخ" وفيه: "قال علمت الجن أنهم سيحضرون للحساب" قلت: وهذا الكلام الأخير هو المتعلق بالترجمة، وسروات بفتح المهملة والراء جمع سرية بتخفيف الراء أي شريفة، ووقع هنا في رواية أبي ذر "وأمهاتهن" ولغيره: "وأمهاتهم" وهو أصوب، ووقع أيضا لغير الكشميهني "جند محضرون" بالأفراد وروايته أشبه. قوله: "جند محضرون: عند الحساب" وصله الفريابي أيضا بالإسناد المذكور عن مجاهد. ثم ذكر المصنف حديث أبي سعيد "لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له" وقد تقدم مشروحا في كتاب الأذان، والغرض منه هنا أنه يدل على أن الجن يحشرون يوم القيامة، والله أعلم.

(6/346)


باب قول الله عز و جل { و إذ صرفنا إليك نفرا من الجن ـ إلى قوله ـ أولئك في ضلال مبين }
...
13 - باب قَوْلِهِ جَلَّ وَعَزَّ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ} إلى قوله: {أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}. {مَصْرِفًا}: مَعْدِلًا. {صَرَفْنَا}: أَيْ وَجَّهْنَا
قوله: "باب قوله عز وجل: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ} إلى قوله: {أُولَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ}" سيأتي القول في تعيينهم وتعيين بلدهم في التفسير إن شاء الله تعالى. قوله: "صرفنا: أي وجهنا" هو تفسير المصنف. وقوله:

(6/346)


"مصرفا: معدلا" هو تفسير أبي عبيدة، واستشهد بقول أبي كبير بالموحدة الهذلي:
أزهير هل عن ميتة من مصرف ... أم لا خلود لباذل متكلف
"تنبيه": لم يذكر المصنف في هذا الباب حديثا، واللائق به حديث ابن عباس الذي تقدم في صفة الصلاة في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى عكاظ واستماع الجن لقراءته، وسيأتي شرحه بتمامه في التفسير إن شاء الله تعالى. وقد أشار إليه المصنف بالآية التي صدر بها هذا الباب.

(6/347)


باب قول الله تعالى { و بث فيها من كل دابة } قال ابن عباس : الثعبان الحية الذكر منها ، يقال الحيات أجناس : الجان و الأفاعي والأسود .
...
14 - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ}. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ: الْحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا، يُقَالُ: الْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ: الْجَانُّ وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ. {آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}: فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ. يُقَالُ {صَافَّاتٍ}: بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ {يَقْبِضْنَ}: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ.
3297- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّه سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ".
[الحديث 3298 – أطرافه في: 3310، 3312، 4016]
3298- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لِأَقْتُلَهَا فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ لاَ تَقْتُلْهَا فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ قَالَ إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وَهِيَ الْعَوَامِرُ".
[الحديث 3298 – طرفاه في: 3311، 3313]
3299- وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ وَالزُّبَيْدِيُّ وَقَالَ صَالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَابْنُ مُجَمِّعٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ".
قوله: "باب قول الله تعالى: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} كأنه أشار إلى سبق خلق الملائكة والجن على الحيوان، أو سبق جميع ذلك على خلق آدم، والدابة لغة ما دب من الحيوان، واستثنى بعضهم الطير لقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} والأول أشهر لقوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا}، وعرفا ذوات الأربع، وقيل: يختص بالفرس وقيل: بالحمار، والمراد هنا المعنى اللغوي. وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: "إن خلق الدواب كان يوم الأربعاء" وهو دال على أن ذلك قبل خلق آدم. قوله: "قال ابن عباس: الثعبان: الحية الذكر" وصله ابن أبي حاتم من طريقه، وقيل: الثعبان الكبير من الحيات ذكرا كان أو أنثى. قوله: "يقال الحيات: أجناس، الجان والأفاعي والأساود" في رواية الأصيلي: "الجان أجناس" قال عياض: الأول هو الصواب، قلت هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير سورة القصص، قال في قوله: {كَأَنَّهَا جَانٌّ} وفي قوله: {حَيَّةٌ تَسْعَى} كأنها جان من الحيات أو من حية الجان، فجرى على أن ذلك شيء واحد، وقيل: كانت العصا في أول الحال جانا وهي

(6/347)


الحية الصغيرة ثم صارت ثعبانا، فحينئذ ألقى العصا، وقيل: اختلف وصفها باختلاف أحوالها: فكانت كالحية في سعيها وكالجان في حركتها وكالثعبان في ابتلاعها، والأفاعي جمع أفعى وهي الأنثى من الحيات، والذكر منها أفعوان بضم الهمزة والعين، وكنية الأفعوان أبو حيان وأبو يحيى لأنه يعيش ألف سنة، وهو الشجاع الأسود الذي يواثب الإنسان، ومن صفة الأفعى إذا فقئت عينها عادت ولا تغمض حدقتها البتة، والأساود جمع أسود قال أبو عبيد هي حية فيها سواد. وهي أخبث الحيات. ويقال له أسود سالخ لأنه يسلخ جلده كل عام. وفي سنن أبي داود والنسائي عن ابن عمر مرفوعا: "أعوذ بالله من أسد وأسود" (1) وقيل: هي حية رقيقة رقشاء دقيقة العنق عريضة الرأس وربما كانت ذات قرنين والهاء في الحية للوحدة، كدجاجة، وقد عد لها ابن خالويه في "كتاب ليس" سبعين اسما. قوله: "آخذ بناصيتها: في ملكه وسلطانه" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا} أي في قبضته وملكه وسلطانه، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب في ذلك تقول: ناصية فلان في يد فلان إذا كان في طاعته، ومن ثم كانوا يجزون ناصية الأسير إذا أطلقوه. قوله: "ويقال صافات: بسط أجنحتهن" وقوله: "يقبضن: يضربن بأجنحتهن" هو قول أبي عبيدة أيضا، قال في قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} أي باسطات أجنحتهن {وَيَقْبِضْنَ} يضربن بأجنحتهن، وروى ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: {صَافَّاتٍ} قال: بسط أجنحتهن. حديث أبي لبابة. قوله: "واقتلوا ذا الطفيتين" تثنية طفية بضم الطاء المهملة وسكون الفاء وهي خوصة المقل، والطفي خوص المقل، شبه به الخط الذي على ظهر الحية. وقال ابن عبد البر: يقال أن ذا الطفيتين جنس من الحيات يكون على ظهره خطان أبيضان. قوله: "والأبتر" هو مقطوع الذنب، زاد النضر بن شميل أنه أزرق اللون لا تنظر إليه حامل إلا ألقت، وقيل: الأبتر الحية القصيرة الذنب، قال الداودي: هو الأفعى التي تكون قدر شبر أو أكثر قليلا، وقوله: "والأبتر" يقتضي التغاير بين ذي الطفيتين والأبتر؛ ووقع في الطريق الآتية "لا تقتلوا الحيات إلا كل أبتر ذي طفيتين" وظاهره اتحادهما، لكن لا ينفي المغايرة. قوله: "فإنهما يطمسان البصر" أي يمحوان نوره. وفي رواية ابن أبي مليكة عن ابن عمر "ويذهب البصر" وفي حديث عائشة "فإنه يلتمس البصر". قوله: "ويستسقطان الحبل" هو بفتح المهملة والموحدة الجنين. وفي رواية ابن أبي مليكة عن ابن عمر الآتية بعد أحاديث "فإنه يسقط الولد" وفي حديث عائشة الآتي بعد أحاديث: "ويصيب الحبل" وفي رواية أخرى عنها "ويذهب الحبل" وكلها بمعنى. قوله: "قال عبد الله" هو ابن عمر. وفي رواية يونس عن الزهري التي يأتي التنبيه عليها "قال ابن عمر: فكنت لا أترك حية إلا قتلتها، حتى طاردت حية من ذوات البيوت" الحديث، وقوله: "أطارد" أي أتبع وأطلب. قوله: "فناداني أبو لبابة" بضم اللام وبموحدتين صحابي مشهور اسمه بشير بفتح الموحدة وكسر المعجمة وقيل: مصغر وقيل: بتحتانية ومهملة مصغر وقيل: رفاعة وقيل: بل اسمه كنيته ورفاعة وبشير أخواه، واسم جده زنبر بزاي ونون وموحدة وزن جعفر، وهو أوسي من بني أمية بن زيد، وشذ من قال اسمه مروان، وليس له في الصحيح إلا هذا الحديث، وكان أحد النقباء وشهد أحدا، ويقال شهد بدرا، واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وكانت معه راية قومه يوم الفتح، ومات في أول(2)
ـــــــ
(1) في نسخة أخرى "من أسود وأسوده".
(2) في نسخة "في آخر".

(6/348)


خلافة عثمان على الصحيح. قوله: "إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت" أي اللاتي يوجدن في البيوت، وظاهره التعميم في جميع البيوت، وعن مالك تخصيصه ببيوت أهل المدينة، وقيل: يختص ببيوت المدن دون غيرها، وعلى كل قول فتقتل في البراري والصحاري من غير إنذار، وروى الترمذي عن ابن المبارك أنها الحية التي تكون كأنها فضة ولا تلتوي في مشيتها. قوله: "وهي العوامر" هو كلام الزهري أدرج في الخبر، وقد بينه معمر في روايته عن الزهري فساق الحديث وقال في آخره: "قال الزهري وهي العوامر" قال أهل اللغة عمار البيوت سكانها من الجن، وتسميتهن عوامر لطول لبثهن في البيوت مأخوذ من العمر وهو طول البقاء، وعند مسلم من حديث أبي سمعيد مرفوعا: "إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرجوا عليه ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه" واختلف في المراد بالثلاث فقيل ثلاث مرات، وقيل ثلاثة أيام، ومعنى قوله حرجوا عليهن أن يقال لهن أنتن في ضيق وحرج إن لبثت عندنا أو ظهرت لنا أو عدت إلينا. قوله: "وقال عبد الرزاق عن معمر: فرآني أبو لبابة أو زيد بن الخطاب" يريد أن معمر رواه عن الزهري بهذا الإسناد على الشك في اسم الذي لقي عبد الله بن عمر، وروايته هذه أخرجها مسلم ولم يسق لفظها، وساقه أحمد والطبراني من طريقه. قوله: "وتابعه يونس" أي ابن يزيد، وابن عيينة أي سفيان، وإسحاق الكلبي والزبيدي، أي إن هؤلاء الأربعة تابعوا معمرا على روايته المذكورة. فأما رواية يونس فوصلها مسلم ولم يسق لفظها وساقه أبو عوانة، وأما رواية ابن عيينة فأخرجها أحمد والحميدي في مسنديهما عنه، ووصلها مسلم وأبو داود من طريقه. وفي رواية مسلم: "وكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها، فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر أو زيد بن الخطاب" وأما رواية إسحاق وهو ابن يحيى الكلبي فرويناها في نسخته، وأما رواية الزبيدي وهو محمد بن الوليد الحمصي فوصلها مسلم، وفي روايته: "قال عبد الله بن عمر: فكنت لا أترك حية أراها إلا قتلتها" وزاد في روايته: "قال الزهري ونرى ذلك من سميتها". وقوله: "وقال صالح وابن أبي حفصة وابن مجمع إلخ" يعني أن هؤلاء الثلاثة رووا الحديث عن الزهري فجمعوا فيه بين أبي لبابة وزيد بن الخطاب، فأما رواية صالح وهو ابن كيسان فوصلها مسلم ولم يسق لفظها وساقه أبو عوانة، وأما رواية ابن أبي حفصة واسمه محمد فرويناها في نسخته من طريق أبي أحمد بن عدي موصولة، وأما رواية ابن مجمع وهو إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع بالجيم وتشديد الميم الأنصاري المدني فوصلها البغوي وابن السكن في "كتاب الصحابة" قال ابن السكن لم أجد من جمع بين أبي لبابة وزيد بن الخطاب إلا ابن مجمع هذا وجعفر بن برقان، وفي روايتهما عن الزهري مقال. انتهى. وغفل عما ذكره البخاري وهو عنده عن الفربري عنه فسبحان من لا يذهل، ويحتمل أنه لم تقع له موصولة من رواية ابن أبي حفصة وصالح، فصار من رواه بالجمع أربعة، لكن ليس فيهم من يقارب الخمسة الذين رووه بالشك إلا صالح بن كيسان، وسيأتي في الباب الذي يليه من وجه آخر أن الذي رأى ابن عمر هو أبو لبابة بغير شك، وهو يرجح ما جنح إليه البخاري من تقديمه لرواية هشام بن يوسف عن معمر المقتصرة على ذكر أبي لبابة، والله أعلم. وليس لزيد بن الخطاب - أخي عمر - رواية في الصحيح إلا في هذا الموضع، وزعم الداودي أن الجن لا تتمثل بذي الطفيتين والأبتر، فلذلك أذن في قتلهما. وسيأتي التعقب عليه بعد قليل. وفي الحديث النهي عن قتل الحيات التي في البيوت إلا بعد الإنذار، إلا أن يكون أبتر أو ذا طفيتين فيجوز قتله بغير إنذار، ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم الإذن في قتل غيرهما بعد الإنذار، وفيه: "فإن ذهب وإلا فاقتلوه

(6/349)


فإنه كافر" قال القرطبي: والأمر في ذلك للإرشاد، نعم ما كان منها محقق الضرر وجب دفعه.

(6/350)


15 - بَاب خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ
3300- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُوشِكَ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ".
3301- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلاَءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ".
[الحديث 3302 – أطرافه في: 3499، 4388، 4389، 4390]
3302- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنِي قَيْسٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: "أَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ فَقَالَ الإِيمَانُ يَمَانٍ هَا هُنَا أَلاَ إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ".
[الحديث 3302 – أطرافه في: 3498، 4387، 5303]
3303- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا".
3304- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا رَوْحٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ فَإِذَا ذَهَبَتْ سَاعَةٌ مِنْ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ نَحْوَ مَا أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ وَلَمْ يَذْكُرْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ".
3305- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ يُدْرَى مَا فَعَلَتْ وَإِنِّي لاَ أُرَاهَا إِلاَّ الْفَأرَ إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ

(6/350)


الإِبِلِ لَمْ تَشْرَبْ وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ فَحَدَّثْتُ كَعْبًا فَقَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ لِي مِرَارًا فَقُلْتُ: أَفَأَقْرَأُ التَّوْرَاةَ".
3306- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْوَزَغِ الْفُوَيْسِقُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِهِ".
3307- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ أَخْبَرَتْهُ "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ".
[الحديث 3307 – طرفه في: 3359]
3308- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَلْتَمِسُ الْبَصَرَ وَيُصِيبُ الْحَبَلَ". تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ "أخبرنا أَبَا أُسَامَةَ".
[الحديث 3308 – طرفه في: 3309]
3309- حدثنا مسدد، حدثنا يحيى عن هشام قال: حدثني أبي عن عائشة قالت: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الأبتر، وقالَ: إنه يُصِيبُ البصَرَ، ويُذهِبُ الحبَلَ".
3310- حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ أَبِي يُونُسَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ ثُمَّ نَهَى قَالَ: "إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدَمَ حَائِطًا لَهُ فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ فَقَالَ انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ فَنَظَرُوا فَقَالَ اقْتُلُوهُ فَكُنْتُ أَقْتُلُهَا لِذَلِكَ ".
3311- "فَلَقِيتُ أَبَا لُبَابَةَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ تَقْتُلُوا الْجِنَّانَ إِلاَّ كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيَتَيْنِ فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْوَلَدَ وَيُذْهِبُ الْبَصَرَ فَاقْتُلُوهُ".
3312- حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا جرير بن حازم عن نافع عن ابن عمر "أنه كان يقتل الحيات".
3313- فحدثه أبو لبابة "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل جنان البيوت، فأمسك عنها".
حديث أبي سعيد الخدري "يوشك أن يكون خير مال المسلم" الحديث، وقد تقدم في أوائل الإيمان، ويأتي شرحه في كتاب الفتن. "تنبيهان": الأول: ذكر المزي في "الأطراف" تبعا لأبي مسعود أن البخاري أورد الحديث من هذه الطريق في الجزية، وهو وهم، وإنما هو في بدء الخلق. الثاني: وقع في أكثر الروايات

(6/351)


قبل حديث أبي سعيد هذا "باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال" وسقطت هذه الترجمة من رواية النسفي ولم يذكرها الإسماعيلي أيضا، وهو اللائق بالحال، لأن الأحاديث التي تلي حديث أبي سعيد ليس فيها ما يتعلق بالغنم إلا حديث أبي هريرة المذكور بعده. حديث أبي هريرة. قوله: "رأس الكفر نحو المشرق" في رواية الكشميهني: "قبل المشرق" وهو بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته، وفي ذلك إشارة إلى شدة كفر المجوس، لأن مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القسوة والتكبر والتجبر حتى مزق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه، واستمرت الفتن من قبل المشرق كما سيأتي بيانه واضحا في الفتن. قوله: "والفخر" بالخاء المعجمة معروف، ومنه الإعجاب بالنفس، "والخيلاء" بضم المعجمة وفتح التحتانية والمد: الكبر واحتقار الغير. قوله: "الفدادين" بتشديد الدال عند الأكثر، وحكى أبو عبيد عن أبي عمرو الشيباني أنه خففها وقال: إنه جمع فدان، والمراد به البقر التي يحرت عليها. وقال الخطابي: الفدان آلة الحرث والسكة، فعلى الأول فالفدادون جمع فدان وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك، والفديد هو الصوت الشديد، وحكى الأخفش ووهاه أن المراد بالفدادين من يسكن الفدافد جمع فدفد وهي البراري والصحاري، وهو بعيد. وحكى أبو عبيدة معمر بن المثنى أن الفدادين هم أصحاب الإبل الكثيرة من المائتين إلى الألف، وعلى ما حكاه أبو عمرو الشيباني من التخفيف فالمراد أصحاب الفدادين على حذف مضاف، ويؤيد الأول لفظ الحديث الذي بعده "وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل". وقال أبو العباس: الفدادون هم الرعاة والجمالون. وقال الخطابي: إنما ذم هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم وذلك يفضي إلى قساوة القلب. قوله: "أهل الوبر" بفتح الواو والموحدة، أي ليسوا من أهل المدر، لأن العرب تعبر عن أهل الحضر بأهل المدر وعن أهل البادية بأهل الوبر، واستشكل بعضهم ذكر الوبر بعد ذكر الخيل وقال: إن الخيل لا وبر لها، ولا إشكال فيه لأن المراد ما بينته. وقوله في آخر الحديث: "في ربيعة ومضر" أي الفدادين منهم. قوله: "والسكينة" تطلق على الطمأنينة والسكون والوقار والتواضع. قال ابن خالويه لا نظير لها أي في وزنها إلا قولهم على فلان ضريبة أي خراج معلوم، وإنما خص أهل الغنم بذلك لأنهم غالبا دون أهل الإبل في التوسع والكثرة وهما من سبب الفخر والخيلاء، وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن لأن غالب مواشيهم الغنم، بخلاف ربيعة ومضر فإنهم أصحاب إبل، وروى ابن ماجه من حديث أم هانئ "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها اتخذي الغنم فإن فيها بركة". حديث أبي مسعود. قوله: "حدثنا يحيى" هو القطان، وإسماعيل هو ابن أبي خالد وقيس هو ابن أبي حازم. قوله: "أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده نحو اليمن فقال: ا لإيمان" فيه تعقب على من زعم أن المراد بقوله: "يمان" الأنصار، لكون أصلهم من أهل اليمن لأن في إشارته إلى جهة اليمن ما يدل على أن المراد به أهلها حينئذ لا الذين كان أصلهم منها، وسبب الثناء على أهل اليمن إسراعهم إلى الإيمان وقبولهم وقد تقدم قبولهم البشرى حين لم تقبلها بنو تميم في أول بدء الخلق، وسيأتي بقية شرحه في أول المناقب، وبيان الاختلاف بقوله: "الإيمان يمان" وقوله: "قرنا الشيطان" أي جانبا رأسه، قال الخطابي: ضرب المثل بقرني الشيطان فيما لا يحمد من الأمور، وقوله: "أرق أفئدة" أي إن غشاء قلب أحدهم رقيق، وإذا رق الغشاء أسرع نفوذ الشيء إلى ما وراءه. حديث أبي هريرة. قوله: "عن جعفر بن ربيعة" هذا الحديث مما اتفق الأئمة

(6/352)


الخمسة أصحاب الأصول على إخراجه عن شيخ واحد وهو قتيبة بهذا الإسناد. قوله: "إذا سمعتم صياح الديكة" بكسر المهملة وفتح التحتانية جمع ديك وهو ذكر الدجاج، وللديك خصيصة ليست لغيره من معرفة الوقت الليلي، فإنه يقسط أصواته قيها تقسيطا لا يكاد يتفاوت، ويوالي صياحه قبل الفجر وبعده لا يكاد يخطئ، سواء أطال الليل أم قصر، ومن ثم أفتى بعض الشافعية باعتماد الديك المجرب في الوقت، ويؤيده الحديث الذي سأذكره عن زيد بن خالد. قوله: "فإنها رأت ملكا" بفتح اللام، قال عياض: كان السبب فيه رجاء تأمين الملائكة على دعائه واستغفارهم له وشهادتهم له بالإخلاص، ويؤخذ منه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين تبركا بهم، وصحح ابن حبان - وأخرجه أبو داود وأحمد - من حديث زيد بن خالد رفعه: "لا تسبوا الديك فإنه يدعو إلى الصلاة" وعند البزار من هذا الوجه سبب قوله صلى الله عليه وسلم ذلك وأن ديكا صرخ فلعنه رجل فقال ذلك، قال الحليمي: يؤخذ منه أن كل من استفيد منه الخير لا ينبغي أن يسب ولا أن يستهان به، بل يكرم ويحسن إليه. قال: وليس معنى قوله: "فإنه يدعو إلى الصلاة" أن يقول بصوته حقيقة صلوا أو حانت الصلاة، بل معناه أن العادة جرت بأنه يصرخ عند طلوع الفجر وعند الزوال فطرة فطره الله عليها. قوله: "وإذا سمعتم نهاق الحمير" زاد النسائي والحاكم من حديث جابر "ونباح الكلاب" قوله: "فإنها رأت شيطانا" روى الطبراني من حديث أبي رافع رفعه: "لا ينهق الحمار حتى يرى شيطانا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان ذلك فاذكروا الله وصلوا علي" قال عياض: وفائدة الأمر بالتعوذ لما يخشى من شر الشيطان وشر وسوسته، فيلجأ إلى الله في دفع ذلك. قال الداودي: يتعلم من الديك خمس خصال: حسن الصوت، والقيام في السحر، والغيرة، والسخاء، وكثرة الجماع. حديث جابر أورده من وجه آخر، وسيأتي شرحه في أثناء هذا الباب، والقائل "قال وأخبرني عمرو" هو ابن جريج، وإسحاق المذكور في أوله هو ابن راهويه كما عند أبي نعيم، ويحتمل أن يكون ابن منصور، وقد أهمل المزي في الأطراف تبعا لخلف عزوه إلى هذا الموضع. حديث أبي هريرة. قوله: "عن خالد" هو الحذاء، ومحمد هو ابن سيرين، والإسناد كله بصريون إلى أبي هريرة. قوله: "وإني لا أراها إلا الفأر" بإسكان الهمزة، وعند مسلم من طريق أخرى عن ابن سيرين بلفظ: "الفأرة مسخ، وآية ذلك أنه يوضع بين يديها لبن الغنم فتشربه، ويوضع بين يديها لبن الإبل فلا تشربه". قوله: "فحدثت كعبا" قائل ذلك هو أبو هريرة، ووقع في رواية مسلم: "فقال له كعب أنت سمعت هذا". قوله: "فقلت أفأقرأ التوراة" هو استفهام إنكار. وفي رواية مسلم أفأنزلت علي التوراة، وفيه أن أبا هريرة لم يكن يأخذ عن أهل الكتاب، وأن الصحابي الذي يكون كذلك إذا أخبر بما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه يكون للحديث حكم الرفع، وفي سكوت كعب عن الرد على أبي هريرة دلالة على تورعه، وكأنهما جميعا لم يبلغهما حديث ابن مسعود، قال: "وذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم القردة والخنازير فقال: إن الله لم يجعل للمسخ نسلا ولا عقبا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك" وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم: "لا أراها إلا الفأر" وكأنه كان يظن ذلك ثم أعلم بأنها ليست هي، قال ابن قتيبة: إن صح هذا الحديث وآلا فالقردة والخنازير هي الممسوخ بأعيانها توالدت. قلت: الحديث صحيح، وسيأتي مزيد لذلك في أواخر أحاديث الأنبياء. حديث عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للوزع فويسق ولم أسمعه أمر بقتله" هو قول عائشة رضي الله عنها، قال ابن التين: هذا لا حجة فيه، لأنه لا يلزم من عدم سماعها عدم الوقوع، وقد حفظ غيرها كما ترى. قلت: قد جاء عن عائشة من وجه آخر عند أحمد وابن ماجه أنه

(6/353)


كان في بيتها رمح موضوع، فسئلت فقالت: نقتل به الوزع، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن إبراهيم لما ألقى في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار، إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها انتهى. والذي في الصحيح أصح، ولعل عائشة سمعت ذلك من بعض الصحابة. وأطلقت لفظ أخبرنا مجازا أي أخبر الصحابة، كما قال ثابت البناني "خطبنا عمران" وأراد أنه خطب أهل البصرة، فإنه لم يسمع منه، والله أعلم. قوله: "وزعم سعد بن أبي وقاص" قائل ذلك يحتمل أن يكون عروة فيكون متصلا فإنه سمع من سعد، ويحتمل أن تكون عائشة فيكون من رواية القرين عن قرينه، ويحتمل أن يكون من قول الزهري فيكون منقطعا، وهذا الاحتمال الأخير أرجح فإن الدار قطني أخرجه في الغرائب من طريق ابن وهب عن يونس ومالك معا عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للوزغ فويسق" وعن ابن شهاب عن سعد بن أبي وقاص "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ" وقد أخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن حبان حديث عائشة من طريق ابن وهب، ليس عندهم حديث سعد، وقد أخرج مسلم وأبو داود وأحمد وابن حبان من طريق معمر عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقا" وكأن الزهري وصله لمعمر وأرسله ليونس، ولم أر من نبه على ذلك من الشراح ولا من أصحاب الأطراف فلله الحمد. حديث أم شريك "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأوزاغ" هكذا أورده مختصرا وسيأتي بأتم من هذا في قصة إبراهيم من أحاديث الأنبياء، وقد تقدم في الذي قبله حديث عائشة بأتم منه، وأم شريك اسمها غزية بالمعجمتين مصغر، وقيل: غزيلة، يقال هي عامرية قرشية، ويقال أنصارية ويقال دوسية. حديث عائشة في قتل ذي الطفيتين والأبتر، أورده بإسنادين إليها في كل واحد منهما قوله في أول طريقي حديث عائشة: "تابعه حماد بن سلمة" يريد أن حمادا تابع أبا أسامة في روايته إياه عن هشام، واسم أبي أسامة أيضا حماد، ورواية حماد بن سلمة وصلها أحمد عن عفان عنه. حديث ابن عمر في ذلك عن أبي لبابة أورده من وجهين، وقد تقدم من وجه آخر في أول الباب. قوله: "عن أبي يونس القشيري" هو حاتم بن أبي صغيرة، وهو بصري ومن دونه، وأما من فوقه فمدني. قوله: "أن ابن عمر كان يقتل الحيات ثم نهى" هو بفتح النون، وفاعل نهى هو ابن عمر، وقد بين بعد ذلك سبب نهيه عن ذلك. وكان ابن عمر أولا يأخذ بعموم آمره صلى الله عليه وسلم بقتل الحيات. وقد أخرج أبو داود من حديث عائشة مرفوعا: "اقتلوا الحيات، فمن تركهن مخافة ثأرهن فليس مني". قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم هدم حائطا له فوجد فيه سلخ حية" هو بكسر السين المهملة وسكون اللام بعدها معجمة وهو جلدها، كذا وقع هنا مرفوعا، وأخرجه مسلم من وجه آخر موقوفا فأخرج من طريق الليث عن نافع "أن أبا لبابة كلم ابن عمر ليفتح له بابا في داره يستقرب بها إلى المسجد، فوجد الغلمان جلد جان. فقال ابن عمر: التمسوه فاقتلوه، فقال أبو لبابة: لا تقتلوه" ومن طريق يحيى بن سعيد وعمر بن نافع عن نافع نحوه. ويحتمل أن تكون القصة وقعت مرتين. ويدل لذلك قول ابن عمر في هذه الرواية: "وكنت أقتلها لذلك" وهو القائل "فلقيت أبا لبابة". قوله: "لا تقتلوا الجنان إلا كل ذي طفيتين" إن كان الاستثناء متصلا ففيه تعقب على من زعم أن ذا الطفيتين والأبتر ليس من الجنان، ويحتمل أن يكون منقطعا، أي لكن كل ذي طفيتين فاقتلوه والجنان بكسر الجيم وتشديد النون جمع جان وهي الحية الصغيرة، وقيل: الرقيقة الخفيفة، وقيل الدقيقة البيضاء، الحادي عشر حديث عائشة وابن عمر في الخمس التي لا جناح على المحرم في قتلهن، وقع في حديث عائشة "الحديا" وفي حديث ابن

(6/354)


عمر "الحدأة" والحديا بصيغة التصغير، وقد أنكر ثابت في الدلائل هذه الصيغة وقال الصواب الحديأة أو الحدية أي بهمزة وزيادة هاء أو بالتشديد بغير همز، قال: والصواب أن الحدياه ليس من هذا، وإنما هو من التحدي يقولون: فلان يتحدى فلانا أي ينازعه ويغالبه، وعن ابن أبي حاتم، أهل الحجاز يقولون لهذا الطائر الحديا ويجمعونه الحدادي، وكلاهما خطأ. وأما الأزهري فصوبه وقال: الحدياه تصغير الحدي. وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الحج.

(6/355)


باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء و في الآخر شفاء و خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم
...
16 - باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ
3314- حدثنا مسدد حدثنا يزيد بن زريع حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خمس فواسق يقتلن في الحرم: الفأرة، والعقرب، والحديا، والغراب، والكلب العقور".
3315- حدثنا عبد الله بن مسلمة أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه: العقرب، والفأرة، والكلب العقور، والغراب، والحدأة".
3316- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ كَثِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَفَعَهُ قَالَ: "خَمِّرُوا الْآنِيَةَ وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتْ الْفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ". قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَبِيبٌ عَنْ عَطَاءٍ "فَإِنَّ لِلشَّيَاطِين".
3317- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَارٍ فَنَزَلَتْ {وَالْمُرْسَلاَتِ عُرْفًا} فَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحْرِهَا فَابْتَدَرْنَاهَا لِنَقْتُلَهَا فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحْرَهَا فَقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا". وَعَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ... مِثْلَهُ. قَالَ: "وَإِنَّا لَنَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ رَطْبَةً". وَتَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُغِيرَةَ. وَقَالَ حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قَرْمٍ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ.

(6/355)


3318- حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ" . قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ.
3319- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "نَزَلَ نَبِيٌّ مِنْ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا ثُمَّ أَمَرَ بِبَيْتِهَا فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فَهَلاَ نَمْلَةً وَاحِدَةً".
"تنبيه": وقع في رواية السرخسي هنا "باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه" ولا معنى لذكره هنا، ووقع عنده أيضا: "باب خمس من الدواب فواسق" وسقط من رواية غيره وهو أولى. حديث جابر: قوله: "حدثنا كثير" هو ابن شنظير - بكسر المعجمة وسكون النون بعدها ظاء معجمة - بصري قد قال فيه ابن معين: ليس بشيء، قال الحاكم: مراده بذلك أنه ليس له من الحديث ما يشتغل به. وقد قال فيه ابن معين مرة: صالح، وكذا قال أحمد. وقال ابن عدي: أرجو أن تكون أحاديثه مستقيمة. قلت: وما له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد توبع عليه كما تراه في آخر الحديث، وآخر في السلام على المصلي، وله متابع عند مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر. قوله: "رفعه" كذا هنا، ووقع عند الإسماعيلي من وجهين عن حماد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: "خمروا الآنية" أي غطوها. ومضى في الرواية التي في صفة إبليس "وخمر أناءك واذكر اسم الله ولو أن تعرض عليه شيئا" وهو بضم الراء وبكسرها وسيأتي مزيد لذلك في الأشربة. قوله: "وأوكئوا" بكسر الكاف بعدها همزة أي اربطوها وشدوها، والوكاء اسم ما يسد به فم القربة. قوله: "وأجيفوا" بالجيم والفاء أي أغلقوها تقول: أجفت الباب إذا أغلقته. وقال القزاز: تقول جفأت الباب أغلقته. قال ابن التين: لم أر من ذكره هكذا غيره، وفيه نظر فإن أجيفوا لامه فاء، وجفأت لامه همزة. زاد في الرواية الماضية "وأغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا". قوله: "واكفتوا" بهمزة وصل وكسر الفاء ويجوز ضمها بعدها مثناة أي ضموهم إليكم، والمعنى امنعوهم من الحركة في ذلك الوقت. قوله: "عند المساء" في الرواية المتقدمة في هذا الباب: "إذا جنح الليل أو أمسيتم فكفوا صبيانكم". قوله: "فإن للجن انتشارا وخطفة" بفتح الخاء المعجمة والطاء المهملة والفاء، في الرواية الماضية "فإن الشياطين تنتشر حينئذ وإذا ذهبت ساعة من الليل" وفي رواية الكشميهني: "فإذا ذهب" وكأنه ذكره باعتبار الوقت. قوله: "فإن الفويسقة" هي الفأرة قد تقدم تفسير ذلك في الحج. قوله: "اجترت" بالجيم وتشديد الراء، في رواية الإسماعيلي: "ربما جرت" وسيأتي في الاستئذان حديث ابن عمر مرفوعا: "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تناموا" قال النووي هذا عام يدخل فيه نار السراج وغيره، وأما القناديل المعلقة فإن خيف بسببها حريق دخلت في ذلك، وإن حصل الأمن منها كما هو الغالب فلا بأس بها لانتفاء العلة. وقال القرطبي: جميع أوامر هذا الباب من باب الإرشاد إلى المصلحة ويحتمل أن تكون للندب، ولا سيما في حق من يفعل ذلك بنية امتثال الأمر. وقال ابن العربي: ظن

(6/356)


قوم أن الأمر بغلق الأبواب عام في الأوقات كلها، وليس كذلك وإنما هو مقيد بالليل؛ وكأن اختصاص الليل بذلك لأن النهار غالبا محل التيقظ بخلاف الليل، والأصل في جميع ذلك يرجع إلى الشيطان فإنه هو الذي يسوق الفأرة إلى حرق الدار. قوله: "قال ابن جريج وحبيب عن عطاء فإن للشيطان" يعني أن ابن جريج وحبيبا - وهو المعلم - رويا هذا الحديث بن عطاء عن عائشة كما رواه كثير بن شنظير، إلا أنهما قالا في روايتهما: "فإن للشيطان" بدل قول كثير في روايته: "فإن للجن" ورواية ابن جريج قد تقدمت موصولة في أوائل هذا الباب، ورواية حبيب وصلها أحمد وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عن حبيب المذكور. حديث ابن مسعود في قصة الحية: قوله: "وعن إسرائيل عن الأعمش" يعني أن يحيى بن آدم رواه عن إسرائيل عن شيخين أفردهما، ولم يختلف عليه في أنه من رواية إبراهيم وهو النخعي عن علقمة. قوله: "رطبة" أي غضة طرية في أول ما تلاها ووصفت هي بالرطوبة، والمراد بالرطوبة رطوبة فيه أي أنهم أخذوها عنه قبل أن يجف ريقه من تلاوتها، ويحتمل أن يكون وصفها بالرطوبة لسهولتها، والأول أشبه. وقوله: "وقيت شركم ووقيتم شرها" أي قتلكم إياها هو شر بالنسبة إليها وإن كان خيرا بالنسبة إليهم، وفيه جواز قتل الحية في الحرم، وجواز قتلها في جحرها، والجحر بضم الجيم وسكون المهملة معروف. قوله: "وتابعه أبو عوانة عن مغيرة" أي عن إبراهيم، وطريق أبي عوانة ستأتي في تفسير "المرسلات". قوله: "وقال حفص" هو ابن غياث "وأبو معاوية وسليمان بن قرم عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عبد الله" يعني أن هؤلاء الثلاثة خالفوا إسرائيل فجعلوا "الأسود" بدل علقمة. ورواية حفص وصلها المؤلف في الحج، وأما رواية أبي معاوية فأخرجها أحمد عنه وهي عند مسلم، وأما رواية سليمان بن قرم فلم أقف عليها موصولة. حديث ابن عمر وأبي هريرة معا، وهو من طريق عبيد الله بالتصغير وهو ابن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر وعن سعيد المقبري عن أبي هريرة، والقائل "قال" و"حدثنا" عبيد الله هو ابن عبد الأعلى المذكور في الإسناد المذكور وهو ابن عبد الأعلى البصري. قوله: "دخلت امرأة" لم أقف على اسمها، ووقع في رواية أنها حميرية، وفي أخرى أنها من بني إسرائيل، وكذا لمسلم، ولا تضاد بينهما لأن طائفة من حمير كانوا قد دخلوا في اليهودية فنسبت إلى دينها تارة وإلى قبيلتها أخرى، وقد وقع ما يدل على ذلك في "كتاب البعث للبيهقي" وأبداه عياض احتمالا، وأغرب النووي فأنكره. قوله: "في هرة" أي بسبب هرة. ووقع في رواية همام عن أبي هريرة عند مسلم من جرا هرة وهو بمعناه، وجرا بفتح الجيم وتشديد الراء مقصور ويجوز فيه المد، والهرة أنثى السنور والهر الذكر، ويجمع الهر على هررة كقرد وقردة وتجمع الهرة على هرر كقربة وقرب. ووقع في حديث جابر الماضي في الكسوف "وعرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها" الحديث. قوله: "من خشاش الأرض" بفتح المعجمة ويجوز ضمها وكسرها وبمعجمتين بينهما ألف الأولى خفيفة، والمراد هوام الأرض وحشراتها من فأرة ونحوها، وحكى النووي أنه روي بالحاء المهملة، والمراد نبات الأرض، قال: وهو ضعيف أو غلط، وظاهر هذا الحديث أن المرأة عذبت بسبب قتل هذه الهرة بالحبس، قال عياض: يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بالنار حقيقة، أو بالحساب لأن من نوقش الحساب عذب. ثم يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بكفرها وزيدت عذابا بسبب ذلك، أو مسلمة وعذبت

(6/357)


بسبب ذلك. قال النووي: الذي يظهر أنها كانت مسلمة وإنما دخلت النار بهذه المعصية، كذا قال، ويؤيد كونها كافرة ما أخرجه البيهقي في "البعث والنشور" وأبو نعيم في "تاريخ أصبهان" من حديث عائشة وفيه قصة لها مع أبي هريرة، وهو بتمامه عند أحمد، وفيه جواز اتخاذ الهرة ورباطها إذا لم يهمل إطعامها وسقيها، ويلتحق بذلك غير الهرة مما في معناها، وأن الهر لا يملك، وإنما يجب إطعامه على من حبسه، كذا قال القرطبي، وليس في الحديث دلالة على ذلك. وفيه وجوب نفقة الحيوان على مالكه، كذا قال النووي، وفيه نظر لأنه ليس في الخبر أنها كانت في ملكها، لكن في قوله: "هرة لها" كما هي رواية همام ما يقرب من ذلك. حديث أبي هريرة: قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس. قوله: "نزل نبي من الأنبياء" قيل هو العزير، وروى الحكيم الترمذي في "النوادر" أنه موسى عليه السلام، وبذلك جزم الكلاباذي في "معاني الأخبار" والقرطبي في التفسير. قوله: "فلدغته" بالدال المهملة والغين المعجمة أي قرصته، وليس هو بالذال المعجمة والعين المهملة فإن ذاك معناه الإحراق. قوله: "فأمر بجهازه" بفتح الجيم ويجوز كسرها بعدها زاي أي متاعه. قوله: "ثم أمر ببيتها فأحرق" أي بيت النمل. وفي رواية الزهري الماضية في الجهاد فأمر بقرية النمل فأحرقت، وقرية النمل موضع اجتماعهن، والعرب تفرق في الأوطان فيقولون لمسكن الإنسان وطن، ولمسكن الإبل عطن، وللأسد عرين وغابة، وللظبي كناس، وللضب وجار، وللطائر عش، وللزنبور كور، ولليربوع نافق، وللنمل قرية. قوله: "فهلا نملة واحدة" يجوز فيه النصب على تقدير عامل محذوف تقديره فهلا أحرقت نملة واحدة وهي التي آذتك بخلاف غيرها فلم يصدر منها جناية. واستدل بهذا الحديث على جواز إحراق الحيوان المؤذي بالنار من جهة أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يأت في شرعنا ما يرفعه ولا سيما إن ورد على لسان الشارع ما يشعر باستحسان ذلك، لكن ورد في شرعنا النهي عن التعذيب بالنار، قال النووي: هذا الحديث محمول على أنه كان جائزا في شرع ذلك النبي جواز قتل النمل وجواز التعذيب بالنار، فإنه لم يقع عليه العتب في أصل القتل ولا في الإحراق بل في الزيادة على النملة الواحدة، وأما في شرعنا فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار إلا في القصاق بشرطه، وكذا لا يجوز عندنا قتل النمل لحديث ابن عباس في السنن "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة" انتهى، وقد قيد غيره كالخطابي النهي عن قتله من النمل بالسليماني. وقال البغوي: النمل الصغير الذي يقال له الذر يجوز قتله، ونقله صاحب "الاستقصاء" عن الصيمري وبه جزم الخطابي. وفي قوله أن القتل والإحراق كان جائزا في شرع ذلك النبي نظر، لأنه لو كان كذلك لم يعاتب أصلا ورأسا إذا ثبت أن الأذى طبعه. وقال عياض: في هذا الحديث دلالة على جواز قتل كل مؤذ. ويقال إن لهذه القصة سببا، وهو أن النبي مر على قرية أهلكها الله تعالى بذنوب أهلها فوقف متعجبا فقال: يا رب قد كان فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنبا، ثم نزل تحت شجرة فجرت له هذه القصة، فنبهه الله جل وعلا على أن الجنس المؤذي يقتل وإن لم يؤذ، وتقتل أولاده وإن لم تبلغ الأذى انتهى. وهذا هو الظاهر وإن ثبتت هذه القصة تعين المصير إليه. والحاصل أنه لم يعاتب إنكارا لما فعل بل جوابا له وإيضاحا لحكمة شمول الهلاك لجميع أهل تلك القرية، فضرب له المثل بذلك أي إذا اختلط من يستحق الإهلاك بغيره وتعين إهلاك الجميع طريقا إلى إهلاك المستحق جاز إهلاك الجميع، ولهذا نظائر كتترس الكفار بالمسلمين وغير ذلك والله سبحانه أعلم. وقال الكرماني النمل غير مكلف فكيف أشير في الحديث إلى أنه لو أحرق نملة واحدة جاز مع أن القصاص إنما يكون بالمثل لقوله

(6/358)


تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ثم أجاب بتجويز أن التحريق كان جائزا عنده، ثم قال يرد على قولنا كان جائرا لو كان كذلك لما ذم عليه. وأجاب بأنه قد يذم الرفيع القدر على خلاف الأولى انتهى. والتعبير بالذم في هذا لا يليق بمقام النبي، فينبغي أن يعبر بالعتاب. وقال القرطبي: ظاهر هذا الحديث أن هذا النبي إنما عاتبه الله حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه منه واحد، وكان الأولى به الصبر والصفح، وكأنه وقع له أن هذا النوع مؤذ لبني آدم وحرمة بني آدم أعظم من حرمة الحيوان، فلو انفرد هذا النظر ولم يأت إليه التشفي لم يعاتب. قال: والذي يؤيد هذا التمسك بأصل عصمة الأنبياء وأنهم أعلم بالله وبأحكامه من غيرهم وأشدهم له خشية انتهى. "تكمله": النملة واحدة النمل وجمع الجمع نمال. والنمل أعظم الحيوانات حيلة في طلب الرزق. ومن عجيب أمره أنه إذا وجد شيئا ولو قل أنذر الباقين، ويحتكر في زمن الصيف للشتاء، وإذا خاف العفن على الحب أخرجه إلى ظاهر الأرض وإذا حفر مكانه اتخذها تعاريج لئلا يجري إليها ماء المطر، وليس في الحيوان ما يحمل أثقل منه غيره، والذي في النمل كالزنبور في النحل. قوله: "أمة من الأمم مسبحة(1)" استدل به على أن الحيوان يسبح الله تعالى حقيقة، ويتأيد به قول من حمل قوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} على الحقيقة. وتعقب بأن ذلك لا يمنع الحمل على المجاز بأن يكون سببا للتسبيح.
ـــــــ
(1) هذه الفقرة ليست في نسخة صحيح البخاري المتداولة.

(6/359)


باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه فإن في إحدى جناحيه داء و في الأخرى شفاء
...
17 - بَاب إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الأُخْرَى شِفَاءً.
3320- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً".
[الحديث 3320 – طرفه في: 5782]
3321- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الأَزْرَقُ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ".
[الحديث 3321 – طرفه في: 3467]
3322- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْتُهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ كَمَا أَنَّكَ هَا هُنَا أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لاَ تَدْخُلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ".

(6/359)


3323- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ".
3324- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلاَّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ".
3325- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لاَ يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلاَ ضَرْعًا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ". فَقَالَ السَّائِبُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذِهِ الْقِبْلَةِ".
الحديث السابع عشر حديث أبي هريرة في الذباب إذا وقع في الإناء، وسيأتي شرحه في كتاب الطب. "تنبيه": وقع قبل هذا الحديث في رواية أبي ذر عن بعض شيوخه "باب إذا وقع الذباب" وساقه بلفظ الحديث، وحذف عند الباقين وهو أولى فإن الأحاديث التي بعده لا تعلق لها بذلك كما تقدم نظيره. حديث أبي هريرة في المرأة التي سقت الكلب. وسيأتي شرحه في أواخر أحاديث الأنبياء في ترجمة عيسى ابن مريم. حديث أبي طلحة في الصورة، وسيأتي شرحه في كتاب اللباس. حديث ابن عمر قال: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب" وسيأتي شرحه في كتاب الصيد. حديث أبي هريرة "من أمسك كلبا ينقص من عمله" وقد تقدم شرحه في المزارعة. حديث سفيان بن أبي زهير في المعنى، وسبق شرحه هناك أيضا.
"خاتمة": اشتمل كتاب بدء الخلق من الأحاديث المرفوعة على مائة وستين حديثا، المعلق منها اثنان وعشرون طريقا والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة وتسعون حديثا والخالص سبعة وستون حديثا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث عمران بن حصين في بدء الخلق، وحديث عمر فيه، وحديث أبي هريرة "تكور الشمس والقمر" وحديث ابن عباس في زيارة جبريل، وحديث ابن عمر في الكلب، وحديث يعلى بن أمية "ونادوا يا مال" وحديث ابن مسعود في رؤية جبريل، وحديث عائشة في الرؤية، وحديث عمران "اطلعت في الجنة" وحديث سهل في درجات الجنة، وحديث أنس "في الجنة شجرة" وحديث أبي هريرة فيه، وحديث ابن عباس في الحمى، وحديث عائشة في قتل والد حذيفة، وحديث أبي هريرة "إذا وقع الذباب في الإناء" وفيه عن الصحابة ومن بعدهم أربعون أثرا. والله جل وعلا أعلم.

(6/360)


كتاب أحاديث الأنبياء
مدخل
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
60 - كِتَاب أَحَادِيثِ الأَنْبِيَاءِ
قوله: "بسم الله الرحمن الرحيم كتاب أحاديث الأنبياء" كذا في رواية كريمة في بعض النسخ. وفي رواية أبي علي بن شبويه نحوه، وقدم الآية الآتية في الترجمة على الباب، ووقع في ذكر عدد الأنبياء حديث أبو ذر مرفوعا: "أنهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر" صححه ابن حبان. والأنبياء جمع نبي، وقد قرئ بالهمزة فقيل هو الأصل وتركه تسهيل، وقيل الذي بالهمز من النبأ والذي بغير همز من النبوة وهي الرفعة، والنبوة نعمة يمن بها على من يشاء ولا يبلغها أحد بعلمه ولا كشفه ولا يستحقها باستعداد ولايته، ومعناها الحقيقي شرعا من حصلت له النبوة. وليست راجعة إلى جسم النبي ولا إلى عرض من أعراضه، بل ولا إلى علمه بكونه نبيا، بل المرجع إلى إعلام الله له بأني نبأتك أو جعلتك نبيا. وعلى هذا فلا تبطل بالموت كما لا تبطل بالنوم والغفلة.

(6/361)


باب خلق آدم و ذريته
...
1 - باب خَلْقِ آدَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَذُرِّيَّتِهِ
{صَلْصَالٍ}: طِينٌ خُلِطَ بِرَمْلٍ فَصَلْصَلَ كَمَا يُصَلْصِلُ الْفَخَّارُ وَيُقَالُ مُنْتِنٌ يُرِيدُونَ بِهِ صَلَّ كَمَا يُقَالُ صَرَّ الْبَابُ وَصَرْصَرَ عِنْدَ الإِغْلاَقِ مِثْلُ كَبْكَبْتُهُ يَعْنِي كَبَبْتُهُ. {فَمَرَّتْ بِهِ}: اسْتَمَرَّ بِهَا الْحَمْلُ فَأَتَمَّتْهُ. {أَنْ لاَ تَسْجُدَ}: أَنْ تَسْجُدَ. وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [30 البقرة]: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}: إِلاَّ عَلَيْهَا حَافِظٌ. {فِي كَبَدٍ}: فِي شِدَّةِ خَلْقٍ. {وَرِيَاشًا}: الْمَالُ. وَقَالَ غَيْرُهُ الرِّيَاشُ وَالرِّيشُ وَاحِدٌ وَهُوَ مَا ظَهَرَ مِنْ اللِّبَاسِ . {مَا تُمْنُونَ}: النُّطْفَةُ فِي أَرْحَامِ النِّسَاءِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}: النُّطْفَةُ فِي الإِحْلِيلِ. كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ فَهُوَ {شَفْعٌ}: السَّمَاءُ شَفْعٌ. {وَالْوَتْرُ} اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}: فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ. {أَسْفَلَ سَافِلِينَ}: إِلاَّ مَنْ آمَنَ. {خُسْرٍ}: ضَلاَلٍ، ثُمَّ اسْتَثْنَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ. {لاَزِبٍ}: لاَزِمٌ. {نُنْشِئُكُمْ}: فِي أَيِّ خَلْقٍ نَشَاءُ. {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}: نُعَظِّمُكَ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ}: فَهُوَ قَوْلُهُ: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا}. {فَأَزَلَّهُمَا}: فَاسْتَزَلَّهُمَا وَ {يَتَسَنَّهْ} يَتَغَيَّرْ. {آسِنٌ}: مُتَغَيِّرٌ. وَ {الْمَسْنُون&#