Translate فتح الباري وتفسير بن كثير كيكي520.

الجمعة، 13 مايو 2022

مجلد 27. و28.فتح الباري أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ)

 مجلد 27. و28.فتح الباري أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ)

27.

27  فتح الباري أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى : 852هـ)
 =مشورته فيما يتعلق بالأمور العامة أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وأما أسامة فهو كعلي في طول الملازمة ومزيد الاختصاص والمحبة ولذلك كانوا يطلقون عليه أنه حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخصه دون أبيه وأمه لكونه كان شابا كعلي وأن كان على أسن منه وذلك أن للشاب من صفاء الذهن ما ليس لغيره ولأنه أكثر جرأة على الجواب بما يظهر له من المسن لأن المسن غالبا يحسب العاقبة فربما أخفى ما يظهر له رعاية للقائل تارة والمسؤول عنه أخرى مع ما ورد في بعض الأخبار أنه استشار غيرهما تنبيه وقع بسبب هذا الكلام من على نسبه عائشة إياه إلى الإساءة في شأنها كما تقدم من رواية الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة في المغازي وما راجع به الوليد بن عبد الملك من ذلك فأغنى عن اعادته وقد وضح عذر على في ذلك قوله "وسل الجارية تصدقك" في رواية مقسم عن عائشة أرسل إلى بريرة خادمها فسلها فعسى أن تكون قد اطلعت على شيء من أمرها قوله "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة" بفتح الموحدة وكسر الراء تقدم ضبطها في العتق وفي رواية مقسم "فأرسل إلى بريرة فقال لها أتشهدين أني رسول الله قالت نعم قال فإني سائلك عن شيء فلا تكتمينه قالت نعم قال هل رأيت من عائشة ما تكرهينه قالت لا" وقد قيل إن تسميتها هنا وهم لأن قصتها كانت بعد فتح مكة كما سيأتي أنها لما خيرت فاختارت نفسها كان زوجها يبكي فقال النبي صلى الله عليه وسلم للعباس يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة الحديث وسيأتي ويمكن الجواب بأن تكون بريرة كانت تخدم عائشة وهي في رق مواليها وأما قصتها معا في مكاتبتها وغير ذلك فكان بعد ذلك بمدة أو أن اسم هذه الجارية المذكورة في قصة الإفك وافق اسم بريرة التي وقع لها التخيير وجزم البدر الزركشي فيما استدركته عائشة على الصحابة أن تسمية هذه الجارية ببريرة مدرجة من بعض الرواة وأنها جارية أخرى وأخذه من بن القيم الحنبلي فإنه قال تسميتها ببريرة وهم من بعض الرواة فإن عائشة إنما اشترت بريرة بعد الفتح ولما كاتبتها عقب شرائها وعتقت خيرت فاختارت نفسها فظن الراوي أن قول علي وسل الجارية تصدقك أنها بريرة فغلط قال وهذا نوع غامض لا ينتبه له الا الحذاق قلت وقد أجاب غيره بأنها كانت تخدم عائشة بالأجرة وهي في رق مواليها قبل وقوع قصتها في المكاتبة وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ قوله "أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك" في رواية هشام بن عروة فانتهرها بعض أصحابه فقال اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أبي أويس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي شأنك بالجارية فسألها على وتوعدها فلم تخبره إلا بخير ثم ضربها وسألها فقالت والله ما علمت على عائشة سواء وفي رواية بن إسحاق فقام إليها علي فضربها ضربا شديدا يقول اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية هشام حتى أسقطوا لها به يقال أسقط الرجل في القول إذا أتى بكلام ساقط والضمير في قوله به للحديث أو الرجل الذي اتهموها به وحكى عياض أن في رواية بن ماهان في مسلم حتى أسقطوا لهاتها بمثناة مفتوحة وزيادة ألف بعد الهاء قال وهو تصحيف لأنهم لو أسقطوا لهاتها لم تستطع الكلام والواقع أنها تكلمت فقالت سبحان الله الخ وفي رواية حماد بن سلمة عن هشام بن عروة ثم الطبرائي فقال لست عن هذا أسألك قالت نعمة فلما فطنت قالت سبحان الله وهذا يدل على أن المراد بقوله في الرواية حتى أسقطوا لها به حتى صرحوا لها بالأمر فلهذا تعجبت وقال بن الجوزي أسقطوا لها به أي صرحوا بها بالأمر وقيل جاءوا في خطابها بسقط من القول ووقع في رواية

(8/469)


الطبري من طريق أبي أسامة قال عروة فعيب ذلك على من قاله وقال بن بطال يحتمل أن يكون من قولهم سقط إلى الخبر إذا علمته قال الشاعر إذا هن ساقطن الحديث وقلن لي قال فمعناه ذكروا لها الحديث وشرحوه قوله "إن رأيت عليها أمرا" أي ما رأيت فيها مما تسألون عنه شيئا أصلا وأما من غيره ففيها ما ذكرت من غلبة النوم لصغر سنها ورطوبة بدنها قوله أغمصه بغين معجمة وصاد مهملة أي أعيبه قوله "سوى أنها جارية حديثه السن تنام عن عجين أهلها" في رواية بن إسحاق "ما كنت أعيب عليها إلا أني كنت أعجن عجيني وآمرها أن تحفظه فتنام عنه" وفي رواية مقسم "ما رأيت منها مذ كنت عندها إلا أني عجنت عجينا لي فقلت احفظي هذه العجينة حتى أقتبس نار إلا خبزها فغفلت فجاءت الشاة فأكلتها" وهو يفسر المراد بقوله في رواية الباب حتى تأتي الداجن وهي بدال مهملة ثم جيم الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى وقيل هي كل ما يألف البيوت مطلقا شاة أو طيرا قال بن المنير في الحاشية هذا من الاستثناء البديع الذي يراد به المبالغة في نفي العيب فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الذي رميت به وأقرب إلى أن تكون من الغافلات المؤمنات وكذا في قولها في رواية هشام بن عروة ما علمت إلا ما يعلم الصائغ على الذهب الأحمر أي كما لا يعلم الصائغ من الذهب الأحمر إلا الخلوص من العيب فكذلك أنا لا أعلم منها إلا الخلوص من العيب وفي رواية بن حاطب عن علقمة "فقالت الجارية الحبشيه والله لعائشة أطيب من الذهب ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله قالت فعجب الناس من فقهها" قوله "فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم" في رواية أبي أويس ثم خرج حين سمع من بريرة ما قالت وفي رواية هشام بن عروة "قام فينا خطيبا فتشهد وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد وزاد عطاء الخراساني عن الزهري هنا قبل قوله "فقم وكانت أم أيوب الأنصارية قالت لأبي أيوب أما سمعت ما يتحدث الناس فحدثته بقول أهل الإفك فقال ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم قلت" وسيأتي في الاعتصام من طريق يحيى بن أبي زكريا عن هشام بن عروة في قصة الإفك مختصرة وفيه بعد قوله وأرسل معها الغلام وقال رجل من الأنصار ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك فيستفاد معرفته من رواية عطاء هذه وروى الطبري منه حديث بن عمر قال قال أسامة ما يحل لنا أن نتكلم بهذا سبحانك الآية لكن أسامة مهاجري فإن ثبت حمل على التوارد وفي مرسل سعيد بن جبير أن سعد بن معاذ ممن قال ذلك وروى الطبري أيضا من طريق بن إسحاق حدثني أبي عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب قالت له أم أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة قال بلى وذلك الكذب أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب قالت لا والله قال فعائشة والله خير منك قالت فنزل القرآن لولا إذ سمعتموه الآية وللحاكم من طريق أفلح مولى أبي أيوب عن أبي أيوب نحوه وله من طريق أخرى قال قالت أم طفيل لأبي بن كعب فذكر نحوه قوله فاستعذر من عبد الله بن أبي أي طلب من يعذره منه أي ينصفه قال الخطابي يحتمل أن يكون معناه من يقوم بعذره فيما رمى أهلي به من المكروه ومن يقوم بعذري إذا عاقبته على سوء ما صدر منه ورجح النووي هذا الثاني وقيل معنى من يعذرني من ينصرني والعزيز الناصر وقيل المراد من ينتقم لي منه وهو ليث قبله ويؤيده قول سعد أنا أعذرك منه قوله "بلغني أذاه في أهل بيتي" في رواية هشام بن عروة أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وهو بفتح الموحدة الخفيفة والنون المضمومة وحكى عياض أن في رواية الأصيلي

(8/470)


بتشديد الموحدة وهي لغة ومعناه عابوا أهلي أو اتهموا أهلي وهو المعتمد لأن الابن بفتحتين التهمة وقال بن الجوزي المراد رموا أهلي بالقبيح ومنه الحديث الذي في الشمائل في ذكر مجلسه صلى الله عليه وسلم لا تؤين فيه الحرم وحكى عياض أن في بتقديم النون الثقيلة على الموحدة قال وهو تصحيف لأن التأنيب هو اللوم الشديد ولا معنى له هنا انتهى قال النووي وقد يوجه بأن المراد لاموهم أشد اللوم فيما زعموا أنهم صنعوه وهم لم يصنعوا شيئا من ذلك لكنه بعيد من صورة الحال والأول هو المعتمد قال النووي التخفيف أشهر وفي رواية بن إسحاق ما بال أناس يؤذوني في أهلي وفي رواية بن حاطب من يعذرني فيمن يؤذيني في أهلي ويجمع في بيته من يؤذيني ووقع في رواية الغساني المذكورة في قوم يسبون أهلي وزاد فيه ما علمت عليهم من سوء قط قوله "ولقد ذكروا رجلا" زاد الطبري في روايته صالحا وزاد أبو أويس في روايته وكان صفوان بن المعطل قعد لحسان فضربه ضربة بالسيف وهو يقول:
تلق ذباب السيف مني فإنني ... غلام إذا هو جئت لست بشاعر
فصاح حسان ففر صفوان فاستوهب النبي صلى الله عليه وسلم من حسان ضربة صفوان فوهبها له قوله "فقام سعد بن معاذ الأنصاري" كذا هنا وفي رواية معمر وأكثر أصحاب الزهري ووقع في رواية صالح بن كيسان فقام سعد أخو بني عبد الأشهل وفي رواية فليح فقام سعد ولم ينسبه وقد تعين أنه سعد بن معاذ لما وقع في رواية الباب وغيره وأما قوله "شيخ شيوخنا القطب" فلهذا وقع في نسخة سماعنا فقام سعد بن معاذ وفي موضع آخر فقام سعد أخو بني عبد الأشهل فيحتمل أن يكون سعد بن معاذ فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة يسمى كل منهم سعدا منهم سعد بن زيد الأشهلي شهد بدرا وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد وله ذكر في عدة أخبار منها في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته قال فيحتمل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك قلت وحمله على ذلك ما حكاه عياض وغيره من الأشكال في ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة والذي جوزه مردود بالتصريح بسعد بن معاذ في هذه الرواية الثالثة فأذكر كلام عياض وما تيسر من الجواب عنه قال عياض في ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث إشكال لم يتكلم الناس عليه ونبهنا عليه بعض شيوخنا وذلك أن الإفك كان في المريسيع وكانت سنة ست فيما ذكر بن إسحاق وسعد بن معاذ مات من الرمية التي رميها بالخندق فدعا الله فأبقاه حتى حكم في بني قريظة ثم انفجر جرحه فمات منها وكان ذلك سنة أربع ثم الجميع إلا ما زعم الواقدي أن ذلك كان سنة خمس قال وعلى كل تقدير فلا يصح ذكر سعد بن معاذ في هذه القصة والأشبه أنه غيره ولهذا لم يذكره بن إسحاق في روايته وجعل المراجعة أولا وثانيا بين أسيد بن حضير وبين سعد بن عبادة قال وقال لي بعض شيوخنا يصح أن يكون سعد موجودا في المريسيع بناء على الاختلاف في تاريخ غزوة المريسيع وقد حكى البخاري عن موسى بن عقبة أنها كانت سنة أربع وكذلك الخندق كانت سنة أربع فيصح أن تكون المريسيع قبلها لأن بن إسحاق جزم بأن المريسيع كانت في شعبان وأن الخندق كانت في شوال فإن كانا من سنة واحدة استقام أن تكون المريسيع قبل الخندق فلا يمتنع أن يشهدها سعد بن معاذ انتهى وقد قدمنا في المغازي أن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع كانت سنة خمس وأن الذي نقله عنه البخاري من أنها سنة أربع سبق قلم نعم والراجح أن الخندق أيضا كانت في سنة خمس خلافا لابن إسحاق فيصح الجواب المذكور وممن جزم بأن المريسيع

(8/471)


سنة خمس الطبري، لكن يعكر على هذا شيء لم يتعرضوا له أصلا وذلك أن ابن عمر ذكر أنه كان معهم في غزوة بني المصطلق وهو المريسيع كما تقدم من حديثه في المغازي وثبت في الصحيحين أيضا أنه عرض في يوم أحد النبي صلى الله عليه وسلم وعرض في الخندق فأجازه فإذا كان أول مشاهده الخندق وقد ثبت أنه شهد المريسيع لزم أن تكون المريسيع بعد الخندق فيعود الإشكال ويمكن الجواب بأنه لا يلزم من كون بن عمر كان معهم في غزوة بني المصطلق أن يكون أجيز في القتال فقد يكون صحب أباه ولم يباشر القتال كما ثبت عن جابر أنه كان يمنح الماء لأصحابه يوم بدر وهو لم يشهد بدرا باتفاق وقد سلك البيهقي في أصل الإشكال جوابا آخر بناء على أن الخندق قبل المريسيع فقال يجوز أن يكون جرح سعد بن معاذ لم ينفجر من بني قريظة بل تأخر زمانا ثم انفجر بعد ذلك وتكون مراجعته في قصة الإفك في أثناء ذلك ولعله لم يشهد غزوة المريسيع لمرضه وليس ذلك مانعا له أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك مما أجابه وأما دعوى عياض أن الذين تقدموا لم يتكلموا على الإشكال المذكور فما أدرى من الذين عناهم فقد تعرض له من القدماء إسماعيل القاضي فقال الأولى أن تكون المريسيع قبل الخندق للحديث الصحيح عن عائشة واستشكله بن حزم لاعتقاده أن الخندق قبل المريسيع وتعرض له بن عبد البر فقال رواية من روى أن سعد بن معاذ راجح في قصة الإفك سعد بن عبادة وهم خطأ وإنما راجع سعد بن عبادة أسيد بن حضير كما ذكره بن إسحاق وهو الصحيح فإن سعد بن معاذ مات في منصرفهم من غزوة بني قريظة لا يختلفون في ذلك فلم يدرك المريسيع ولا حضرها وبالغ بن العربي على عادته فقال اتفق الرواة على أن ذكر بن معاذ في قصة الإفك على هذا الإطلاق القرطبي قوله "أعذرك منه" في رواية فليح فقال أنا والله أعذرك منه ووقع في رواية معمر أعذرك منه بحذف المبتدأ قوله "إن كان من الأوس" يعني قبيلة سعد بن معاذ قوله "ضربنا عنقه" في رواية صالح بن كيسان ضربت بضم الشاة وإنما قال ذلك لأنه كان سيدهم فجزم بأن حكمة فيهم نافذ قوله "وإن كان من إخواننا من الخزرج" من الأولى تبعضية والأخرى بيانية ولهذا سقطت من رواية فليح قوله "أمرتنا ففعلنا" التابعين في رواية بن جريج أتيناك به ففعلنا فيه التابعين قوله "فقام سعد بن عبادة" وهو سيد الخزرج في رواية صالح بن كيسان فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت بنت عمه من فخذه وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج انتهى وأم حسان عدا الفريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة وقوله "من فخذه بعد" قوله "بنت عمه" إشارة إلى أنها ليست بنت عمه لحا لأن سعد بن عبادة يجتمع معها في ثعلبة وقد تقدم سياق نسبه في المناقب قوله "وكان قبل ذلك رجلا صالحا" أي كامل الصلاح في رواية الواقدي وكان صالحا لكن الغضب بلغ منه ومع ذلك لم يغمص عليه في دينه قوله "ولكن احتملته الحمية" كذا للأكثر احتملته بمهملة ثم مثناة ثم ميم أي أغضبته وفي رواية معمر ثم مسلم وكذا يحيى بن سعيد ثم الطبراني اجتهلته بجيم ثم مثناة ثم هاء وصوبها الوقشي أي حملته على الجهل قوله فقال لسعد أي بن معاذ كذبت لعمر الله لا تقتله العمر بفتح العين المهملة هو البقاء وهو العمر بضمها لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح قوله ولا تقدر على قتله ولوكان من رهطك ما أحببت أن تقتل1" فسر قوله لا تقتله بقوله ولا تقدر على قتله إشارة إلى أن قومه يمنعونه من قتله وأما قوله ولو كان من رهطك فهو من تفسير
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: "ولو كان من رهطك الخ" ليس في نسخ المتن التي بأيدينا.

(8/472)


قوله كذبت أي في قولك إن كان من الأوس ضربت عنقه فنسبه إلى الكذب في هذه الدعوى وأنه جزم أن يقتله إن كان من رهطه مطلقا وأنه إن كان رهطه إن أمر بقتله قتله وإلا فلا فكأنه قال له بل الذي نعتقده على العكس بما نطقت به وأنه لو إن كان من رهطك ما أحببت أن يقتل ولكنه رهطك فأنت تحب أن يقتل وهذا بحسب ما ظهر له في تلك الحالة ونقل بن التين عن الداودي أن معنى قوله "كذبت لا تقتله" أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجعل حكمة إليك فذلك لا تقدر على قتله وهو حمل جيد وقد بينت الروايات الأخرى السبب الحامل لسعد بن عبادة على ما قال ففي رواية بن إسحاق فقال سعد بن عبادة ما قلت هذه المقالة إلا إنك علمت أنه من الخزرج وفي رواية بن حاطب فقال سعد بن عبادة يا بن معاذ والله ما بك نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنها قد كانت بيننا ضغائن في الجاهلية وإحن لم تحلل لنا من صدوركم فقال بن معاذ الله أعلم بما أردت وفي حديث بن عمر إنما طلبت به دخول الجاهلية قال بن التين قول بن معاذ إن كان من الأوس ضربت عنقه إنما قال ذلك لأن الأوس قومه وهم بنو النجار ولم يقل في الخزرج لما كان بين الأوس والخزرج من التشاحن قبل الإسلام ثم زال بالإسلام وبقي بعضه بحكم الأنفة قال فتكلم سعد بن عبادة بحكم الأنفة ونفى أن يحكم فيهم سعد بن معاذ وهو من الأوس قال ولم يرد سعد بن عبادة الرضا بما نقل عن عبد الله بن أبي وإنما بمعنى قول عائشة وكان قبل ذلك رجلا صالحا أي لم يتقدم منه ما يتعلق بالوقوف مع أنفة الحمية ولم ترد أنه ناضل عن المنافقين وهو كما قال إلا أن دعواه أن بني النجار قوم سعد بن معاذ خطأ وإنما هم من رهط سعد بن عبادة ولم يجر لهم في هذه القصة ذكر وقد تأول بعضهم ما دار بين السعدين بتأويل بعيد فارتكب شططا فزعم أن قول سعد بن عبادة لا تقتله ولا تقدر على قتله أي إن كان من الأوس واستدل على ذلك بأن بن معاذ لم يقل في الخزرجي ضربنا عنقه وإنما قال ذلك في الأوسي فدل على أن بن عبادة لم يقل ذلك حمية لقومه إذ لو كان حمية لم يوجهها رهط غيره قال وسبب قوله ذلك أن الذي خاض في الإفك كان يظهر الإسلام ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل من يظهر الإسلام وأراد أن بقية قومه يمنعونه منه إذا أراد قتله إذا لم يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله فكأنه قال لا تقل ما لا تفعل ولا تعد بما لا تقدر على الوفاء به ثم أجاب عن قول عائشة احتملته الحمية بأنها كانت حينئذ منزعجة الخاطر لما دهمها من الأمر فقد يقع في فهمها ما يكون أرجح منه وعن قول أسيد بن حضير الآتي بأنه حمل قول بن عبادة على ظاهر لفظه وخفي عليه أن له محملا سائغا انتهى ولا يخفى ما فيه من التعسف حاجة إلى ذلك وقوله إن عائشة قالت ذلك وهي منزعجة الخاطر مردود لأن ذلك إنما يتم لو كانت حدثت بذلك ثم وقوع الفتنة والواقع أنها إنما حدثت بها بعد حتى سمع ذلك منها عروة وغيره من التابعين كما قدمت الإشارة إليه وحينئذ كان ذلك الانزعاج وزال وانقضى والحق أنها فهمت ذلك ثم وقوعه بقرائن الحال وأما قوله لا تقدر على قتله مع أن سعد بن معاذ لم يقل بقتله كما قال في حق من يكون من الأوس فإن سعد بن عبادة فهم أن قول بن معاذ أمرتنا بأمرك أي إن أمرتنا بأمرك أي أمرتنا بقتله قتلناه وإن أمرت قومه بقتله قتلوه فنفى سعد بن عبادة قدرة سعد بن معاذ على قتله إن كان من الخزرج لعلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا قومه بقتله فكأنه أيأسه من مباشرة قتله وذلك بحكم الحمية التي أشارت إليها عائشة ولا يلزم من ذلك ما فهمه المذكور أنه يرد أمر النبي صلى الله عليه بقتله ولا يمتثله حاشا لسعد من ذلك وقد اعتذر المازري عن قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة إنك منافق أن ذلك

(8/473)


وقع منه على جهة الغيظ والحنق والمبالغة في زجر سعد بن عبادة عن المجادلة عن بن أبي وغيره ولم يرد النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر قال ولعله صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإنكار عليه لذلك وسأذكر ما في فوائد هذا الحديث في آخر شرحه زيادة في هذا قوله "فقام أسيد بن حضير" بالتصغير فيه وفي أبيه وأبوه بمهملة ثم معجمة تقدم نسبه في المناقب قوله "وهو بن عم سعد بن معاذ" أي من رهطه ولم يكن بن عمه لحا لأنه سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ آلاف بن زيد بن عبد الأشهل وأسيد بن حضير بن سماك بن عتيك بن امرئ آلاف إنما يجتمعان في امرئ آلاف وهما في التعدد إليه سواء قوله "فقال لسعد بن عبادة كذبت لعمر الله لنقتلنه" أي ولو كان من الخزرج إذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وليست لكم قدرة على منعنا من ذلك قوله "فإنك منافق تجادل عن المنافقين" أطلق أسيد ذلك مبالغة في زجره عن القول الذي قاله وأراد بقوله "فإنك منافق" أي تصنع صنيع المنافقين وفسره بقوله "تجادل عن المنافقين" وقابل قوله لسعد بن معاذ كذبت لا تقتله بقوله هو كذبت لنقتلنه وقال المازري إطلاق أسيد لم يرد به نفاق الكفر وإنما أراد أنه كان يظهر المودة للأوس ثم ظهر منه في هذه القصة ضد ذلك فأشبه حال المنافق لأن حقيقته إظهار شيء واخفاء غيره ولعل هذا هو السبب في ترك إنكار النبي صلى الله عليه وسلم عليه قوله فتثاور بمثناة ثم مثلثة تفاعل من الثورة والحيان بمهملة ثم تحتانية تثنية حي والحي كالقبيلة أي نهض بعضهم إلى بعض من الغضب ووقع في حديث بن عمر وقام سعد بن معاذ فسل سيفه قوله حتى هموا أن يقتتلوا زاد بن جريج في روايته في قصة الإفك هنا قال قال بن عباس فقال بعضهم لبعض موعدكم الحرة أي خارج المدينة لتتقاتلوا هناك قوله "فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا" وفي رواية بن حاطب فلم يزل يوميء بيده إلى الناس ههنا حتى هدأ الصوت وفي رواية فليح فنزل فخفضهم حتى سكتوا ويحمل على أنه سكتهم وهو على المنبر ثم نزل إليهم أيضا ليكمل تسكيتهم ووقع في رواية عطاء الخراساني عن الزهري فحجز بينهم قوله "فمكثت يومي ذلك في رواية الكشميهني فبكيت وهي في رواية فليح وصالح وغيرهما قوله "فأصبح أبواي عندي" أي أنهما جاآ إلى المكان الذي هي به من بينهما لا أنها رجعت من عندهما إلى بيتها ووقع في رواية محمد بن ثور عن معمر ثم الطبري وأنا في بيت أبوي قوله وقد بكيت ليلتين ويوما أي الليلة التي أخبرتها فيها أم مسطح الخبر واليوم الذي خطب فيه النبي صلى الله عليه وسلم الناس والليلة التي تليه ووقع في رواية فليح وقد بكيت ليلتي ويوما وكأن الياء مشددة ونسبتهما إلى نفسها لما وقع لها فيهما قوله فبيناهما وفي رواية الكشميهني فبينما هما قوله يظنان أن البكاء فالق كبدي في رواية فليح حتى أظن ويجمع بأن الجميع كانوا يظنون ذلك قوله فاستأذنت كذا فيه وفي الكلام حذف تقديره جاءت امرأة فاستأذنت وفي رواية فليح إذ استأذنت قوله امرأة من الأنصار لم صليت على عدا قوله فبينا نحن على ذلك في رواية الكشميهني فبينا نحن كذلك وهي رواية فليح والأول رواية صالح قوله دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سيأتي في رواية هشام بن عروة بلفظ فأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي وفي رواية بن حاطب وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس على سرير وجاهي وفي حديث أم رومان إن عائشة في تلك الحالة كانت بها الحمى النافض وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل فوجدها كذلك قال ما شأن هذه قالت أخذتها الحمى بناقض قال فلعله في حديث تحدث قالت نعم فقعدت

(8/474)


عائشة قوله ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني حكى التسهيلي أن بعض المفسرين ذكر أن المدة كانت سبعة وثلاثين يوما فألغى الكسر في هذه الرواية وعند بن حزم أن المدة كانت خمسين يوما أو أزيد ويجمع بأنها المدة التي كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن في قصة الإفك وأما التقييد بالشهر فهو المدة التي أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر قوله "فتشهد" في رواية هشام بن عروة "فحمد الله وأثنى عليه" قوله "أما بعد يا عائشة فأنه بلغني عنك كذا وكذا" هو كناية عما رميت به من الإفك ولم أر في شيء من الطرق التصريح فلعل الكناية من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم ووقع في رواية بن إسحاق فقال يا عائشة إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتق الله وأن كنت قارفت سوءا فتوبى قوله "فإن كنت بريئة فسيبرئك الله" أي بوحى ينزله بذلك قرآنا أو غيره قوله "وإن كنت ألممت بذنب" أي وقع منك على خلاف العادة وهذا حقيقة الإدام ومنه ألمت بنا والليل مرخ ستوره قوله "فاستغفري الله وتوبي إليه" في رواية معمر ثم توبي إليه وفي رواية أبي أويس إنما أنت من بنات آدم إن كنت أخطأت فتوبى قوله "فان العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه" قال الداودي أمرها بالاعتراف ولم يندبها إلى الكتمان المفرق بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهن فيجب على أزواجه الاعتراف بما يقع منهن ولا يكتمنه إياه لأنه لا يحل لنبي إمساك من يقع منها ذلك بخلاف نساء الناس فأنهن تدين إلى الستر بالإجماع عياض بأنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك ولا فيه أنه أمرها بالاعتراف وإنما أمرها أن تستغفر الله وتتوب إليه أي فيما بينها وبين ربها فليس صريحا في الأمر لها بان تعترف ثم الناس بذلك وسياق جواب عائشة يشعر بما قاله الداودي لكن المعترف عنده ليس إطلاقه فليتأمل ويؤيد ما قاله عياض أن في رواية حاطب قالت فقال أبي إن كنت صنعت شيئا فاستغفري الله وإلا فأخبري رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذرك قوله "قلص دمعي" بفتح القاف واللام ثم مهملة أي استمسك نزوله فانقطع ومنه قلص الظل إذا شمر قال القرطبي سببه أن الحزن والغضب إذا أخذ أحدهما فقد الدمع لفرط حرارة المصيبة قوله "حتى ما أحس" بضم الهمزة وكسر المهملة أي أجد قوله "فقلت لأبي أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال قال والله ما أدري ما أقول" قيل إنما قالت عائشة لأبيها ذلك مع أن السؤال إنما وقع عما في باطن الأمر وهو لا اطلاع له على ذلك لكن قالته إشارة إلى أنها لم يقع منها شيء في الباطن يخالف الظاهر الذي هو يطلع عليه فكأنها قالت له برئني بما شئت وأنت على ثقة من الصدق فيما تقول وإنما أجابها أبو بكر بقوله لا أدري لأنه كان كثير الأتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأجاب بما يطابق السؤال في المعنى ولأنه وإن كان يتحقق براءتها لكنه كره أن يزكى ولده وكذا الجواب عن قول أمها لا أدري ووقع في رواية هشام بن عروة الآتية فقال ماذا أقول وفي رواية أبي أويس فقلت لأبي أجب فقال لا أفعل هو رسول الله والوحي يأتيه قوله قالت قلت وأنا جارية حديثه السن لا أقرأ كثيرا من القرآن قالت هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر اسم يعقوب عليه السلام كما سيأتي ووقع في رواية هشام بن عروة الآتيه فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت أما بعد وفي رواية بن إسحاق فلما استعجما على استعبرت فبكيت ثم قلت والله لا أتوب مما ذكروا أبدا قوله حتى استقر في أنفسكم في رواية فليح وقر بالتخفيف أي ثبت وزنا ومعنى قوله وصدقتم به في رواية هشام بن عروة لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم قالت هذا وإن لم يكن على حقيقته على

(8/475)


سبيل المقابلة لما وقع من المبالغة في التنقيب عن ذلك وهي كانت لما تحققته من براءة نفسها ومنزلتها تعتقد أنه كان ينبغي لكل من سمع عنها ذلك أن يقطع بكذبه لكن العذر لهم عن ذلك أنهم أرادوا إقامة الحجة على من تكلم في ذلك ولا يكفي فيها مجرد نفي ما قالوا والسكوت عليه بل تعين التنقيب عليه لقطع شبههم أو مرادها بمن صدق به أصحاب الإفك لكن ضمت إليه من لم يكذبهم تغليبا قوله "لا تصدقونني بذلك أي لا تقطعون بصدقي وفي رواية هشام بن عروة ما ذاك بنافعي عندكم وقالت في الشق الآخر لنصدقني وهو بتشديد النون والأصل تصدقونني فأدغمت إحدى النونين في الأخرى وإنما قالت ذلك لأن المرء مؤاخذ بإقراره ووقع في حديث أم رومان لئن حلفت لا تصدقونني ولئن قلت لا تعذرونني قوله والله ما أجد لكم مثلا في رواية صالح وفليح ومعمر ما أجد لكم ولي مثلا قوله "إلا قول أبي يوسف" زاد بن جريج في روايته واختلس مني اسمه وفي رواية هشام بن عروة والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه وفي رواية أبي أويس نسيت اسم يعقوب لما بي من البكاء واحتراق الجوف ووقع في حديث أم رومان مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه وهي بالمعنى للتصريح في حديث هشام وغيره بأنها لم تستحضر اسمه قوله ثم تحولت فاضطجعت على فراشي زاد بن جريج ووليت وجهي نحو الجدر قوله "وأنا حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله مبرئي ببراءتي" زعم بن التين أنه وقع عنده وإن الله مبرئني بنون قبل الياء وبعد الهمزة قال وليس ببين لأن نون الوقاية تدخل في الأفعال لتسلم من الكسر والأسماء تكسر فلا تحتاج إليها انتهى والذي وقفنا عليه في جميع الروايات مبرئي بغير نون وعلى تقدير وجود ما ذكر فقد سمع مثل ذلك في بعض اللغات قوله ولكن والله ما كنت أظن أن في شأني وحيا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر زاد يونس في روايته يتلى وفي رواية فليح من أن يتكلم بالقرآن في أمري وفي رواية بن إسحاق يقرأ به في به قوله فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم أي فارق ومصدره الريم بالتحتانية بخلاف رام بمعنى طلب فمصدره الروم ويفترقان في المضارع يقال رام يروم روما ورام يريم ريما وحذف في هذه الرواية الفاعل ووقع في رواية صالح وفليح ومعمر وغيرهم مجلسه أي ما فارق مجلسه قوله ولا خرج أحد من أهل البيت أي الذين كانوا حينئذ حضورا ووقع في رواية أبي أسامة وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من ساعته قوله "فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء" بضم الموحدة وفتح الراء ثم مهملة ثم مد هي شدة الحمى وقيل شدة الكرب وقيل شدة الحر ومنه برح بي الهم إذا بلغ مني غايته ووقع في رواية إسحاق بن راشد وهو العرق وبه جزم الداودي وهو تفسير باللازم غالبا لأن البرحاء شدة الكرب ويكون عنده العرق غالبا وفي رواية بن حاطب وشخص بصره إلى السقف وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة ثم الحاكم فأتاه الوحي وكان إذا أتاه الوحي أخذه السبل وفي رواية بن إسحاق فسجى بثوب ووضعت تحت رأسه وسادة من أدم قوله حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي ينزل عليه الجمان بضم الجيم وتخفيف الميم اللؤلؤ وقيل حب يعمل من الفضة كاللؤلؤ وقال الداودي خرز أبيض والأول أولى فشبهت قطرات عرقه صلى الله عليه وسلم بالجمان لمشابهتها في الصفاء والحسن وزاد بن جريج في روايته قال أبو بكر فجعلت أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخشى أن ينزل من السماء ما لا مرد له وأنظر إلى وجه عائشة فإذا هو منبق فيطمعني ذلك فيها وفي رواية بن إسحاق فأما أنا فوالله ما فزعت

(8/476)


قد عرفت أني بريئة وأن ظالمي وأما أبواي فما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسها فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما يقول الناس ونحوه في رواية الواقدي قوله فلما سرى بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة أي كشف قوله "وهو يضحك" في رواية هشام بن عروة فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه يمسح جبينه وفي رواية بن حاطب فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورا ثم مسح وجهه قوله "فكان أول كلمة تكلم بها يا عائشة: "أما الله عز وجل فقد برأك" في رواية صالح بن كيسان قال يا عائشة وفي رواية فليح أن قال لي يا عائشة: " احمدي الله فقد برأك" زاد في رواية معمر أبشري وكذا في رواية هشام بن عروة وعند الترمذي من هذا الوجه البشرى يا عائشة فقد أنزل الله براءتك وفي رواية عمر بن أبي سلمة فقال أبشري يا عائشة قوله "أما الله فقد برأك" أي بما أنزل من القرآن قوله "فقالت أمي قومي إليه قال فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله" في رواية صالح فقالت لي أمي قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي وفي رواية الطبري من هذا الوجه أحمد الله لا إياكما وفي رواية بن جريج فقلت بحمد الله وذمكما وفي رواية أبي أويس نحمد الله ولا نحمدكم وفي رواية أم رومان وكذا في حديث أبي هريرة فقالت نحمد الله لا نحمدك ومثله في رواية عمر بن أبي سلمة وكذا ثم الواقدي وفي رواية بن حاطب والله لا نحمدك ولا نحمد أصحابك وفي رواية مقسم والأسود وكذا في حديث بن عباس ولا نحمدك ولا نحمد أصحابك وزاد في رواية الأسود عن عائشة وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانتزعت يدي منه فنهرني أبو بكر وعذرها في إطلاق ذلك ما ذكرته من الذي خامرها من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال مع تحققهم حسن طريقتها قال بن الجوزي إنما قالت ذلك إدلالا كما يدل الحبيب على حبيبه وقيل أشارت إلى أفراد الله تعالى بقولها فهو الذي أنزل براءتي فناسب إفراده بالحمد في الحال ولا يلزم منه ترك الحمد بعد ذلك ويحتمل أن تكون مع ذلك تمسكت بظاهر قوله "صلى الله عليه وسلم لها احمدي الله" ففهمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد فقالت ذلك وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب وروى الطبري وأبو عوانة من طريق أبي حصين عن مجاهد قال قالت عائشة لما نزل عذرها فقبل أبو بكر رأسها فقلت ألا عذرتني فقال أي سماء تظلني ونصف أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم قوله فأنزل الله تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم العشر الآيات كلها قلت آخر العشرة قوله تعالى {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} لكن وقع في رواية عطاء الخراساني عن الزهري فانزل الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا} إلى قوله إن يغفر الله لكم والله غفور رحيم وعدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشر آية فلعل في قولها العشر الآيات مجازا بطريق إلغاء الكسر وفي رواية الحكم بن عتيبة مرسلا عن الطبري لما خاض الناس في أمر عائشة فذكر الحديث مختصرا وفي آخره فانزل الله تعالى خمس عشرة آية من سورة النور حتى بلغ الخبيثات للخبيثين وهذا فيه تجوز وعدة الاي إلى هذا الموضع ست عشرة وفي مرسل سعيد بن جبير ثم بن أبي حاتم والحاكم في الأكليل فنزلت ثماني عشرة آية متواليه كذبت من قذف عائشة إن الذين جاءوا إلى قوله "رزق كريم" وفيه ما فيه أيضا وتحرير العدة سبع عشرة قال الزمخشري لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة وأشبعها لاشتماله على الوعيد الشديد والعتاب البليغ

(8/477)


والزجر العنيف واستعظام القول في ذلك واستشناعه بطرق مختلفة وأساليب متقنة كل واحد منها كاف في بابه بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلا بما هو دون ذلك وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطهير من هو منه بسبيل وعند أبي داود من طريق حميد الأعرج عن الزهري عن عروة عن عائشة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وكشف الثوب عن وجهه ثم قال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم وفي رواية بن إسحاق ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ويجمع بأنه قرأ ذلك ثم عائشة ثم خرج فقرأها على الناس قوله فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر يؤخذ منه مشروعية ترك المؤاخذة بالذنب ما دام احتمال عدمه موجودا لأن أبا بكر لم يقطع نفقة مسطح إلا بعد تحقيق ذنبه فيما وقع منه قوله لقرابته منه تقدم بيان ذلك قبل قوله وفقره علة أخرى للأنفاق عليه قوله بعد الذي قال لعائشة أي عن عائشة وفي رواية هشام بن عروة فخلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا قوله ولا يأتل سيأتي شرحه في باب مفرد قريبا قوله وليعفوا وليصفحوا قال مسلم حدثنا حبان بن موسى أنبأنا عبد الله بن المبارك قال هذه أرجى آية في كتاب الله انتهى وإلى ذلك إشار القائل:
فإن قدر الذنب من مسطح ... يحط قدر النجم من أفقه
وقد جرى منه الذي قد جرى ... وعوتب الصديق في حقه
قوله قال أبو بكر بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي في رواية هشام بن عروة بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا قوله فرجع إلى مسطح النفقة أي ردها إليه وفي رواية فليح فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه وفي رواية هشام بن عروة وعاد له بما كان يصنع ووقع ثم الطبراني أنه صار يعطيه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك قوله يسأل زينب بنت جحش أي أم المؤمنين أحمى سمعي وبصري أي من الحماية فلا أنسب إليهما ما لم أسمع وأبصر قوله وهي التي كانت تساميني أي تعاليني من السمو وهو العلو والارتفاع أي تطلب من العلو والرفعة والحظوة ثم النبي صلى الله عليه وسلم ما أطلب أو تعتقد أن الذي لها عنده مثل الذي لي عنده وذهل بعض الشراح فقال إنه من سوم الخسف وهو حمل الإنسان على ما يكرهه والمعنى تغايظني وهذا لا يصح فإنه لا يقال في مثله سام ولكن ساوم قوله فعصمها الله أي حفظها ومنعها قوله بالورع أي بالمحافظة على دينها وبجانبه ما تخشي سوء عاقبته قوله وطفقت بكسر الفاء وحكى فتحها أي جعلت أو شرعت وحمنة بفتح المهملة وسكون الميم وكانت تحت طلحة بن عبيد الله قوله تحارب لها أي تجادل لها وتنعصب وتحكي ما قال أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة وتعلو مرتبة أختها زينب قوله فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك أي حدثت فيمن حدث أو أئمت مع من أثم زاد صالح بن كيسان وفليح ومعمر وغيرهم قال بن شهاب فهذا الذي بلغنا من حديث هؤلاء الرهط زاد صالح بن كيسان عن بن شهاب عن عروة قالت عائشة والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول سبحان الله والذي نفسي بيده ما كشفت كنف أنثى قط وقد تقدم شرحه قبل قالت عائشة ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله وتقدم الخلاف في سنة قتله وفي الغزاة التي استشهد فيها في أوائل الكلام على هذا الحديث ووقع في آخر رواية هشام بن عروة وكان الذي تكلم به مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن

(8/478)


أبي وهو الذي يستوشيه وهو الذي تولى كبره هو وحمنه وعند الطبراني من هذا الوجه وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ومسطح وحمنة وحسان وكان كبر ذلك من قبل عبد الله بن أبي وعند أصحاب السنن من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن عمرة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام حد القذف على الذين تكلموا بالإفك لكن لم يذكر فيهم عبد الله بن أبي وكذا في حديث أبي هريرة ثم البزار وبنى على ذلك صاحب الهدى فأبدى الحكمة في ترك الحد على عبد الله بن أبي وفاته أنه ورد أنه ذكر أيضا فيمن أقيم عليه الحد ووقع ذلك في رواية أبي أويس وعن حسن بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر أخرجه الحاكم في الأكليل وفيه رد على الماوردي حيث صحح أنه لم يحدهم مستندا إلى أن الحد لا يثبت إلا ببينة أو إقرار ثم قال وقيل إنه حدهم وما ضعفه هو الصحيح المعتمد وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب الحدود إن شاء الله تعالى وفي هذا الحديث من ما تقدم جواز الحديث عن جماعة ملفقا مجملا وقد تقدم البحث فيه وفيه حتى بين النساء وفي المسافرة بهن والسفر بالنساء حتى في الغزو وجواز حكاية ما وقع للمرء من الفضل ولو كان فيه مدح ناس وذم ناس إذا تضمن ذلك إزلة توهم النقص عن الحاكي إذا كان بريئا ثم قصد نصح من يبلغه ذلك لئلا يقع فيما وقع فيه من سبق وإن الاعتناء بالسلامة من وقوع الغير في الإثم أولى من تركه يقع في الإثم وتحصيل الأجر للموقوع فيه وفيه استعمال التوطئة فيما يحتاج إليه من الكلام وأن الهودج يقوم مقام البيت في حجب المرأة وجواز ركوب المرأة الهودج على ظهر البعير ولو كان ذلك عليه حيث يكون مطيقا لذلك وفيه رحمة الأجانب للمرأة من وراء الحجاب وجواز تستر المرأة بالشيء المنفصل عن البدن وتوجه المرأة لقضاء حاجتها وحدها وبغير إذن خاص من زوجها بل اعتمادا على الأذن العام المستند إلى العرف العام وجواز تحلى المرأة في السفر بالقلادة ونحوها وصيانة المال ولو قل للنهي عن إضاعة المال فإن عقد عائشة لم يكن من ذهب ولا جوهر وفيه شؤم الحرص على المال لأنها لو لم تطل في التفتيش لرجعت بسرعة فلما زاد على قدر الحاجة أثر ما جرى وقريب منه قصة المتخاصمين حيث رفع علم ليلة القدر بسببهما فإنهما لم يقتصرا على ما لا بد منه بل زاد في الخصام حتى ارتفعت أصواتهما فأثر ذلك بالرفع المذكور وتوقف رحيل العسكر على إذن الأمير واستعمال بعض الجيش ساقه يكون أمينا ليحمل الضعيف ويحفظ ما يسقط وغير ذلك من المصالح والاسترجاع ثم المصيبة وتغطية المرأة وجهها عن نظر الأجنبي وإطلاق الظن على العلم كذا قيل وفيه نظر قدمته وإغاثة الملهوف وعون المنقطع وإنقاذ الضائع وإكرام ذوي القدر وإيثارهم بالركوب وتجشم المشقة لأجل ذلك وحسن الأدب مع الأجانب خصوصا النساء لا سيما في الخلوة والمشي أمام المرأة ليستقر خاطرها وتأمن مما يتوهم من نظره لما عساه ينكشف منها في حركة المشي وفيه ملاطفة الزوجة وحسن معاشرتها والتقصير من ذلك ثم إشاعة ما يقتضي النقص وإن لم يتحقق وفائدة ذلك أن تتفطن لتغيير الحال فتعتذر أو تعترف وأنه لا ينبغي لأهل المريض أن يعلموه بما يؤذي باطنه لئلا يزيد ذلك في مرضه وفيه السؤال عن المريض وإشارة إلى مراتب الهجران بالكلام والملاطفة فإذا كان السبب محققا فيترك أصلا وإن كان مظنونا فيخفف وإن كان مشكوكا فيه أو محتملا فيحسن التقليل منه لا للعمل بما قيل بل لئلا يظن بصاحبه عدم المبالاة بما قيل في حقه لأن ذلك من خوارم المروءة وفيه أن المرأة إذا خرجت لحاجة تستصحب من يؤنسها أو يخدمها ممن يؤمن عليها وفيه ذب المسلم عن المسلم خصوصا من كان من أهل الفضل وردع من يؤذيهم ولو كان منهم بسبيل وبيان مزيد

(8/479)


فضيلة أهل بدر وإطلاق السب على لفظ الدعاء بالسوء على الشخص وفيه البحث عن الأمر القبيح إذا أشيع وتعرف صحته وفساده بالتنقيب على من قيل فيه هل وقع منه قبل ذلك ما يشبهه أو يقرب منه واستصحاب حال من أتهم بسوء إذا كان قبل ذلك معروفا بالخير إذا لم يظهر عنه بالبحث ما يخالف ذلك وفيه فضيلة قوية لأم مسطح لأنهالم تحاب ولدها في وقوعه في حق عائشة بل تعمدت سبه على ذلك وفيه تقوية لأحد الاحتمالين في قوله صلى الله عليه وسلم عن أهل بدر إن الله قال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم وأن الراجح أن المراد بذلك أن الذنوب تقع منهم لكنها مقرونة بالمغفرة تفضيلا لهم على غيرهم بسبب ذلك المشهد العظيم ومرجوحية القول الآخر أن المراد أن الله تعالى عصمهم فلا يقع منهم ذنب نبه على ذلك الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به وفيه مشروعية التسبيح ثم سماع ما يعتقد السامع أنه كذب وتوجيهه هنا أنه سبحانه وتعالى ينزه أن يحصل لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدنيس فيشرع شكره بالتنزيه في مثل هذا نبه عليه أبو بكر بن العربي وفيه توقف خروج المرأة من بيتها على إذن زوجها ولو كانت إلى بيت أبويها وفيه البحث عن الأمر المقول ممن يدل عليه المقول فيه والتوقف في خير الواحد ولو كان صادقا وطلب الارتقاء من مرتبة الظن إلى مرتبة اليقين وأن خبر الواحد إذا جاء شيئا بعد شيء أفاد القطع لقول عائشة لأستيقن الخبر من قبلهما وأن ذلك لا يتوقف على عدد معين وفيه استشارة المرء أهل بطانته ممن يلوذ به بقرابة وغيرها وتخصيص من جربت صحة رأيه منهم بذلك ولو كان غيره أقرب والبحث عن حال من اتهم بشيء وحكاية ذلك للكشف عن أمره ولا يعد ذلك غيبة وفيه استعمال لا نعلم إلا خيرا في التزكية وأن ذلك كاف في حق من سبقت عدالته ممن يطلع على خفي أمره وفيه التثبت في الشهادة وفطنة الإمام ثم الحادث المهم والاستنصار بالاخصاء على الأجانب وتوطئة العذر لمن يراد إيقاع العقاب به أو العتاب له واستشارة الأعلى لمن هو دونه واستخدام من ليس في الرق وأن من استفسر عن حال شخص فأراد بيان ما فيه من عيب فليقدم ذكر عذره في ذلك إن كان يعلمه كما قالت بريرة في عائشة حيث عاتبها بالنوم عن العجين فقدمت قبل ذلك أنها جارية حديثه السن وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يحكم لنفسه إلا بعد نزول الوحي لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجزم في القصة بشيء قبل نزول الوحي نبه عليه الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به وأن الحمية لله ورسوله لا تذم وفيه فضائل جمة لعائشة ولأبويها ولصفوان ولعلى بن أبي طالب وأسامة وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير وفيه أن التعصب لأهل الباطل يخرج عن اسم الصلاح وجواز سب من يتعرض للباطل ونسبته إلى ما يسوءه وإن لم يكن ذلك في الحقيقة فيه لكن إذا وقع منه ما يشبه ذلك جاز إطلاق ذلك عليه تغليظا له وإطلاق الكذب على الخطأ والقسم بلفظ لعمر الله وفيه الندب إلى قطع الخصومة وتسكين ثائرة الفتنة وسد ذريعة ذلك واحتمال أخف الضررين بزوال أغلظهما وفضل احتمال الأذى وفيه مباعدة من خالف الرسول ولو كان قريبا حميما وفيه أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بقول أو فعل يقتل لأن سعد بن معاذ أطلق ذلك ولم ينكره النبي عليه وسلم وفيه مساعدة من نزلت فيه بلية بالتوجع والبكاء والحزن وفيه تثبت أبي بكر الصديق في الأمور لأنه لم ينقل عنه في هذه القصة مع تمادي الحال فيها شهرا كلمة فما فوقها إلا ما ورد عنه في بعض طرق الحديث أنه قال والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية فكيف بعد أن أعزانا الله بالإسلام وقع ذلك في حديث بن عمر ثم الطبراني وفيه ابتداء الكلام في الأمر المهم بالتشهد والحمد والثناء وقول أما بعد وتوقيف من نقل عنه ذنب على

(8/480)


7- باب {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {تَلَقَّوْنَهُ} يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ {تُفِيضُونَ} تَقُولُونَ
4751- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ أُمِّ رُومَانَ أُمِّ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لَمَّا رُمِيَتْ عَائِشَةُ خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا"
قوله: "باب قوله {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} في رواية أبي ذر بعد قوله: {أَفَضْتُمْ فِيهِ} الآية.
قوله: {أَفَضْتُمْ} قلتم ثبت هذا لأبي نعيم في رواية: "المستخرج" : وقال أبو عبيدة في قوله: أفضتم أي خضتم فيه. قوله: "تفيضون فيه تقولون" هو قول أبي عبيدة. قوله: "وقال مجاهد تلقونه يرويه بعضكم عن بعض" وصله الفريابي من طريقه وقال: معناه من التلقي للشيء وهو أخذه وقبوله، وهو على القراءة المشهورة، وبذلك جزم أبو عبيدة وغيره. وتلقونه بحذف إحدى التاءين، وقرأ ابن مسعود بإثباتها، وقراءة عائشة ويحيى بن يعمر "تلقونه" بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق بسكون اللام وهو الكذب. وقال الفراء: الولق الاستمرار في السير وفي الكذب، ويقال للذي أدمن الكذب الألق بسكون اللام وبفتحها أيضا. وقال الخليل: أصل الولق الإسراع، ومنه جاءت الإبل تلق، وقد تقدم في غزوة المريسيع التصريح بأن عائشة قرأته كذلك، وأن ابن أبي مليكة قال: هي أعلم من غيرها بذلك لكونه نزل فيها. وقد تقدم فيه أيضا الكلام على إسناد حديث أم رومان المذكور في هذا الباب، والمذكور هنا طرف من حديثها وقد تقدم بتمامه هناك، وتقدم شرحه مستوفى في الباب الذي قبله في أثناء حديث عائشة. وقال الإسماعيلي: هذا الذي ذكره من حديث أم رومان لا يتعلق بالترجمة، وهو كما قال. إلا أن الجامع بينهما قصة الإفك في الجملة. وقوله في هذه الرواية: "حدثنا محمد بن كثير حدثنا سليمان عن حصين" كذا للأكثر، وسليمان هو ابن كثير أخو محمد الراوي عنه، وللأصيلي عن الجرجاني سفيان بدل "سليمان" قال أبو علي الجياني: هو خطأ والصواب سليمان. وهو كما قال.

(8/482)


باب {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ماليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم}
...
8- باب {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ}
4752- حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام أن بن جريج أخبرهم قال بن أبي مليكة ثم سمعت عائشة تقرأ {إذ تلقونه بألسنتكم} "

(8/482)


باب {وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}
4753- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتِهَا عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ قَالَتْ أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ فَقِيلَ ابْنُ

(8/482)


9- باب {يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا}
4755- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا قُلْتُ أَتَأْذَنِينَ لِهَذَا قَالَتْ أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ قَالَ سُفْيَانُ تَعْنِي ذَهَابَ بَصَرِهِ فَقَالَ:

(8/484)


حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
قَالَتْ لَكِنْ أَنْت"

(8/485)


10- بَاب {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}
4756- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ فَشَبَّبَ وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
قَالَتْ لَسْتَ كَذَاكَ قُلْتُ تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ فَقَالَتْ وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى وَقَالَتْ وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم"
قوله: "باب {يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا} الآية" سقط لغير أبي ذر لفظ: "الآية" . قوله: "عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء حسان بن ثابت يستأذن عليها" فيه التفات من المخاطبة إلى الغيبة. وفي رواية مؤمل عن سفيان عند الإسماعيلي: "كنت عند عائشة فدخل حسان، فأمرت فألقيت له وسادة، فلما خرج قلت: أتأذنين لهذا" . قوله: "قلت: أتأذنين لهذا" في رواية مؤمل "ما تصنعين بهذا" وفي رواية شعبة في الباب الذي يليه "تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله: والذي تولى كبره منهم" وهذا مشكل لأن ظاهره أن المراد بقوله: "والذي تولى كبره منهم" هو حسان بن ثابت وقد تقدم قبل هذا أنه عبد الله بن أبي وهو المعتمد، وقد وقع في رواية أبي حذيفة عن سفيان الثوري عند أبي نعيم في المستخرج "وهو ممن تولى كبره" فهذه الرواية أخف إشكالا. قوله: "قالت: أو ليس قد أصابه عذاب عظيم" في رواية شعبة "قالت: وأي عذاب أشد من العمى". قوله: "قال سفيان: تعني ذهاب بصره" زاد أبو حذيفة "وإقامة الحدود" ووقع بعد هذا الباب في رواية شعبة تصريح عائشة بصفة العذاب دون رواية سفيان، ولهذا احتاج أن يقول: "تعني". وسفيان المذكور هو الثوري، والراوي عنه الفريابي، وقد روى البخاري عن محمد بن يوسف عن سفيان عن الأعمش شيئا غير هذا، ومحمد بن يوسف فيه هو البيكندي، وسفيان هو ابن عيينة بخلاف الذي هنا. ووقع عند الإسماعيلي التصريح بأن سفيان هنا هو الثوري ومحمد بن يوسف هو الفريابي. قوله: "فشبب" بمعجمة وموحدتين الأولى ثقيلة أي تغزل، يقال شبب الشاعر بفلانة أي عرض بحبها وذكر حسنها، والمراد ترقيق الشعر بذكر النساء، وقد يطلق على إنشاد الشعر وإنشائه ولم يكن فيه غزل كما وقع في حديث أم معبد "فلما سمع حسان شعر الهاتف شبب يجاريه" أخذ في نظم جوابه. قوله: "حصان" بفتح المهملة قال السهيلي: هذا الوزن يكثر في أوصاف المؤنث وفي الإعلام منها كأنهم قصدوا بتوالي الفتحات مشاكلة خفة اللفظ لخفة المعني "حصان" من الحصين والتحصين يراد به الامتناع على الرجال ومن نظرهم إليها، وقوله: "رزان" من الرزانة يراد قلة الحركة، "وتزن" بضم أوله ثم زاي ثم نون ثقيلة أي ترمى، وقوله: "غرثى" بفتح المعجمة وسكون الراء ثم مثلثة أي خميصة البطن أي لا تغتاب أحدا، وهي استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ

(8/485)


لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً} . و "الغوافل" جمع غافلة وهي العفيفة الغافلة عن الشر، والمراد تبرئتها من اغتياب الناس بأكل لحومهم من الغيبة، ومناسبة تسمية "الغيبة" بأكل اللحم أن اللحم ستر على العظم، فكأن المغتاب يكشف ما على من اغتابه من ستر. وزاد ابن هشام في السيرة في هذا الشعر على أبي زيد الأنصاري:
عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل سوء وباطل
وفيه عن ابن إسحاق:
فإن كنت قد قلت الذي زعموا لكم ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي
فكيف وودي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل
وزاد فيه الحاكم في رواية له من غير رواية ابن إسحاق:
حليلة خير الخلق دينا ومنصبا ... نبي الهدى والمكرمات الفواضل
رأيتك وليغفر لك الله حرة ... من المحصنات غير ذات الغوائل
و "الخيم" بكسر المعجمة وسكون التحتانية الأصل الثابت، وأصله من الخيمة يقال خام يخيم إذا أقام بالمكان. قوله: "فقالت عائشة: لست كذاك" ذكر ابن هشام عن أبي عبيدة أن امرأة مدحت بنت حسان بن ثابت عند عائشة فقالت: حصان رزان البيت. فقالت عائشة: لكن أبوها. وهو بتخفيف النون، فإن كان محفوظا أمكن تعدد القصة ويكون قوله في بعض طرق رواية مسروق "يشبب ببنت له" بالنون لا بالتحتانية، ويكون نظم حسان في بنته لا في عائشة، وإنما تمثل به، لكن بقية الأبيات ظاهرة في أنها في عائشة، وهذا البيت في قصيدة لحسان يقول فيها:
فإن كنت قد قلت الذي زعموا لكم ... فلا رفعت سوطي إلي أناملي
وإن الذي قد قيل ليس بلائق ... بك الدهر بل قيل امرئ متماحل
قوله: "قالت: لكن أنت" في رواية شعيب "قالت: لست كذاك" وزاد في آخره: "وقالت: قد كان يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وتقدم في المغازي من وجه آخر عن شعبة بلفظ: "أنه كان ينافح أو يهاجي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ودل قول عائشة: "لكن أنت لست كذلك" على أن حسان كان ممن تكلم في ذلك، وهذه الزيادة الأخيرة تقدمت هناك من طريق عروة عن عائشة أتم من هذا، وتقدم هناك أيضا في أثناء حديث الإفك من طريق صالح بن كيسان عن الزهري "قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: إنه الذي قال:
فإن أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
"قوله: "باب {وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} "ذكر فيه بعض حديث مسروق عن عائشة، وقد بينت ما فيه في الباب الذي قبله، وقوله في أول السند: "حدثنا محمد بن كثير أنبأنا سليمان"1 كذا للأكثر غير منسوب وهو
ـــــــ
(1) في هامش طبعة بولاق: هذه الجملة ليست في نسخ الصحيح التي بأيدينا، ولعلها رواية الشارح

(8/486)


سليمان بن كثير أخو محمد الراوي عنه صرح به، ووقع في رواية الأصيلي عن أبي زيد كالجماعة، وعن الجرجاني سفيان بدل سليمان، قال أبو علي الجياني: وسليمان هو الصواب.

(8/487)


11- باب {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}
4757- وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيَّ خَطِيبًا فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي وَايْمُ اللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ وَلاَ يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلاَّ وَأَنَا حَاضِرٌ وَلاَ غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلاَّ غَابَ مَعِي" فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَقَالَ كَذَبْتَ أَمَا وَاللَّهِ أَنْ لَوْ كَانُوا مِنْ الأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرٌّ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا عَلِمْتُ فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ فَعَثَرَتْ وَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ أَيْ أُمِّ تَسُبِّينَ ابْنَكِ وَسَكَتَتْ ثُمَّ عَثَرَتْ الثَّانِيَةَ فَقَالَتْ تَعَسَ مِسْطَحٌ فَقُلْتُ لَهَا أَيْ أُمِّ أَتَسُبِّينَ ابْنَكِ فَسَكَتَتْ ثُمَّ عَثَرَتْ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ تَعَسَ مِسْطَحٌ فَانْتَهَرْتُهَا فَقَالَتْ وَاللَّهِ مَا أَسُبُّهُ إِلاَّ فِيكِ فَقُلْتُ فِي أَيِّ شَأْنِي قَالَتْ فَبَقَرَتْ لِي الْحَدِيثَ فَقُلْتُ وَقَدْ كَانَ هَذَا قَالَتْ نَعَمْ وَاللَّهِ فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي كَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لاَ أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلاَ كَثِيرًا وَوُعِكْتُ فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي فَأَرْسَلَ مَعِي الْغُلاَمَ فَدَخَلْتُ الدَّارَ فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ فِي السُّفْلِ وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ فَقَالَتْ أُمِّي مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ فَأَخْبَرْتُهَا وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ مِنِّي فَقَالَتْ يَا بُنَيَّةُ خَفِّفِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ حَسَدْنَهَا وَقِيلَ فِيهَا وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي قُلْتُ وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي قَالَتْ نَعَمْ قُلْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ نَعَمْ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهُوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ فَنَزَلَ فَقَالَ لِأُمِّي مَا شَأْنُهَا قَالَتْ بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا فَفَاضَتْ

(8/487)


عَيْنَاهُ قَالَ أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَيَّةُ إِلاَّ رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْتِي فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي فَقَالَتْ لاَ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا إِلاَّ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا أَوْ عَجِينَهَا وَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَقَالَ اصْدُقِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ فَقَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلاَّ مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَتْ وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي فَلَمْ يَزَالاَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ دَخَلَ وَقَدْ اكْتَنَفَنِي أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا أَوْ ظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ " قَالَتْ وَقَدْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الأَنْصَارِ فَهِيَ جَالِسَةٌ بِالْبَابِ فَقُلْتُ أَلاَ تَسْتَحْيِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا فَوَعَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَالْتَفَتُّ إِلَى أَبِي فَقُلْتُ لَهُ أَجِبْهُ قَالَ فَمَاذَا أَقُولُ فَالْتَفَتُّ إِلَى أُمِّي فَقُلْتُ أَجِيبِيهِ فَقَالَتْ أَقُولُ مَاذَا فَلَمَّا لَمْ يُجِيبَاهُ تَشَهَّدْتُ فَحَمِدْتُ اللَّهَ وَأَثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قُلْتُ أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بِهِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ لَتَقُولُنَّ قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلاً وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ إِلاَّ أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَاعَتِهِ فَسَكَتْنَا فَرُفِعَ عَنْهُ وَإِنِّي لاَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ قَالَتْ وَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا فَقَالَ لِي أَبَوَايَ قُومِي إِلَيْهِ فَقُلْتُ لاَ وَاللَّهِ لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ وَلاَ أَحْمَدُهُ وَلاَ أَحْمَدُكُمَا وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلاَ غَيَّرْتُمُوهُ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِدِينِهَا فَلَمْ تَقُلْ إِلاَّ خَيْرًا وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ قَالَتْ فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لاَ يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ {وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ} يَعْنِي مِسْطَحًا إِلَى قَوْلِهِ: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَلَى وَاللَّهِ يَا رَبَّنَا إِنَّا لَنُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَع"

(8/488)


قوله: "باب قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا} الآية إلى قوله: {رَءُوفٌ رَحِيمٌ} كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى رءوف رحيم. قوله: "تشيع تظهر" ثبت هذا لأبي ذر وحده، وقد وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: "تشيع الفاحشة" تظهر يتحدث به، ومن طريق سعيد بن جبير في قوله: {أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} يعني أن تفشو وتظهر والفاحشة الزنا. قوله: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ} - إلى قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} سقط لغير أبي ذر فصارت الآيات موصولا بعضها ببعض فأما قوله: {وَلا يَأْتَلِ} فقال أبو عبيدة: معناه لا يفتعل من آليت أي أقسمت، وله معنى آخر من ألوت أي قصرت، ومنه {لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} وقال الفراء الائتلاء الحلف، وقرأ أهل المدينة "ولا يتأل" بتأخير الهمزة. وتشديد اللام، وهي خلاف رسم المصحف، وما نسبه إلى أهل المدينة غير معروف وإنما نسبت هذه القراءة للحسن البصري، وقد روى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلا يَأْتَلِ} يقول لا يقسم، وهو يؤيد القراءة المذكورة. قوله: "وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة إلخ" وصله أحمد عنه بتمامه، وقد ذكرت ما فيه من فائدة في أثناء حديث الإفك الطويل قريبا، ووقع في رواية المستملي عن الفربري "حدثنا حميد بن الربيع حدثنا أبو أسامة" فظن الكرهاني أن البخاري وصله عن حميد بن الربيع، وليس كذلك بل هو خطأ فاحش فلا يغتر به.

(8/489)


12- باب {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}
4758- وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا"
[الحديث 4758- طرفه في: 4759]
4759- حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي فَاخْتَمَرْنَ بِهَا"
قوله: "باب {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} كأن يضربن ضمن معني يلقين فلذلك عدي بعلى. قوله: "وقاله أحمد بن شيب" بمعجمة وموحدتين وزن عظيم، وهو من شيوخ البخاري إلا أنه أورد هذا عنه بهذه الصيغة، وقد وصله ابن المنذر عن محمد بن إسماعيل الصائغ عن أحمد بن شبيب، وكذا أخرجه ابن مردويه من طريق موسى بن سعيد الدنداني عن أحمد بن شبيب بن سعيد، وهكذا أخرجه أبو داود والطبراني من طريق قرة بن عبد الرحمن عن الزهري مثله. قوله: "يرحم الله نساء المهاجرات" أي النساء المهاجرات فهو كقولهم شجر الأراك، ولأبي داود من وجه آخر عن الزهري يرحم الله النساء المهاجرات. قوله: "الأول" بضم الهمزة وفتح الواو جمع أولى أي السابقات من المهاجرات، وهذا يقتضي أن الذي صنع ذلك نساء المهاجرات، لكن في رواية صفية بنت شيبة عن عائشة أن

(8/489)


ذلك في نساء الأنصار كما سأنبه عليه. قوله: "مروطهن" جمع مرط وهو الإزار، وفي الرواية الثانية "أزرهن" وزاد: "شققنها من قبل الحواشي" . قوله: "فاختمرن" أي غطين وجوههن؛ وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر وهو التقنع، قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها، فأمرن بالاستتار، والخمار للمرأة كالعمامة للرجل. قوله في الرواية الثانية: "عن الحسن" هو ابن مسلم. قوله: "لما نزلت هذه الآية {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} أخذن أزرهن" هكذا وقع عند البخاري الفاعل ضميرا، وأخرجه النسائي من رواية ابن المبارك عن إبراهيم بن نافع بلفظ: "أخذ النساء" وأخرجه الحاكم من طريق زيد بن الحباب عن إبراهيم بن نافع بلفظ: "أخذ نساء الأنصار" ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية ما يوضح ذلك، ولفظه: "ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن نساء قريش لفضلاء، ولكني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا بكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان" ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك.

(8/490)


25- سورة الْفُرْقَانِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {هَبَاءً مَنْثُورًا} مَا تَسْفِي بِهِ الرِّيحُ {مَدَّ الظِّلّ} َ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ {سَاكِنًا} دَائِمًا {عَلَيْهِ دَلِيلاً} طُلُوعُ الشَّمْسِ {خِلْفَةً} مَنْ فَاتَهُ مِنْ اللَّيْلِ عَمَلٌ أَدْرَكَهُ بِالنَّهَارِ أَوْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ أَدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ وَقَالَ الْحَسَنُ {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمَا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى حَبِيبَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {ثُبُوراً} وَيْلاً وَقَالَ غَيْرُهُ {السَّعِيرُ} مُذَكَّرٌ وَالتَّسَعُّرُ وَالْاضْطِرَامُ التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ {تُمْلَى عَلَيْهِ} تُقْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْلَيْتُ وَأَمْلَلْتُ {الرَّسُّ} الْمَعْدِنُ جَمْعُهُ رِسَاسٌ {مَا يَعْبَأُ} يُقَالُ مَا عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا لاَ يُعْتَدُّ بِهِ {غَرَامًا} هَلاَكًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ {وَعَتَوْا} طَغَوْا وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ {عَاتِيَةٍ} عَتَتْ عَنْ الْخَزَّان"
قوله: "سورة الفرقان {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}: وقال ابن عباس: هباء منثورا ما تسفي به الريح" وصله ابن جرير من طريق، ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مثله وزاد في آخره: "ويبثه" ولابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس 1. وقال أبو عبيدة في قوله: {هَبَاءً مَنْثُورًا} : هو الذي يدخل البيت من الكوة، يدخل مثل الغبار مع الشمس، وليس له مس ولا يرى في الظل. وروى ابن أبي حاتم من طريق الحسن البصري نحوه وزاد: "لو ذهب أحدكم يقبض عليه لم يستطع" ومن طريق الحارث عن علي في قوله: "هباء منثورا" قال: ما ينثر من الكوة. قوله: "دعاؤكم إيمانكم" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن
ـــــــ
(1) بياض يالأصل.

(8/490)


عباس مثله، وقد تقدم الكلام عليه في أوائل كتاب الإيمان، وثبت هذا هنا للنسفي وحده. قوله: {مَدَّ الظِّلَّ} ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله، وعند عبد الرزاق عن معمر عن الحسن وقتادة مثله. وقال ابن عطية: تظاهرت أقوال المفسرين بهذا، وفيه نظر لأنه لا خصوصية لهذا الوقت بذلك، بل من بعد غروب الشمس مدة يسيرة يبقى فيها ظل ممدود مع أنه في نهار، وأما سائر النهار ففيه ظلال متقطعة. ثم أشار إلى اعتراض آخر وهو أن الظل إنما يقال لما يقع بالنهار، قال: والظل الموجود في هذين الوقتين من بقايا الليل انتهى. والجواب عن الأول أنه ذكر تفسير الخصوص من سياق الآية، فإن في بقيتها {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً} والشمس تعقب الذي يوجد قبل طلوعها فيزيله فلهذا جعلت عليه دليلا، فظهر اختصاص الوقت الذي قبل الطلوع بتفسير الآية دون الذي بعد الغروب. وأما الاعتراض الثاني فساقط لأن الذي نقل أنه يطلق على ذلك ظل ثقة مثبت فهو مقدم على الباقي، حتى ولو كان قول النافي محققا لما امتنع إطلاق ذلك عليه مجازا. قوله: "ساكنا دائما" وصله ابن أبي حاتم من الوجه المذكور. قوله: {عَلَيْهِ دَلِيلاً} : طلوع الشمس" وصله ابن أبي حاتم كذلك. قوله: "خلفة: من فاته من الليل عمل أدركه بالنهار أو فاته بالنهار أدركه بالليل" وصله ابن أبي حاتم أيضا كذلك، وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الحسن نحوه. قوله: "قال الحسن" هو البصري. قوله: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} : في طاعة الله" وصله سعيد بن منصور "حدثنا جرير بن حازم سمعت الحسن وسأله رجل عن قوله: {هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا} : ما القرة، أفي الدنيا أم في الآخرة؟ قال: بل في الدنيا، هي والله أن يرى العبد من ولده طاعة الله إلخ" وأخرجه عبد الله بن المبارك في "كتاب البر والصلة" عن حزم القطعي عن الحسن، وسمي الرجل السائل كثير بن زياد. قوله. "وما شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى حبيبه في طاعة الله" في رواية سعيد بن منصور "أن يرى حميمه" . قوله: "وقال ابن عباس ثبورا ويلا" وصله ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وثبت هذا لأبي ذر والنسفي فقط. وقال أبو عبيدة في قوله: "دعوا هنالك ثبورا" أي هلكة. وقال مجاهد: "عتوا" طغوا، وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: "وعنوا عتوا كبيرا" قال: طغوا. قوله: "وقال غيره: السعير مذكر" قال أبو عبيدة في قوله: {وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً} - ثم قال بعده – {إِذَا رَأَتْهُمْ} والسعير مذكر وهو ما يسعر به النار، ثم أعاد الضمير للنار، والعرب تفعل ذلك تظهر مذكرا من سبب مؤنث ثم يؤنثون ما بعد المذكر. قوله: "والتسعير والاضطرام التوقد الشديد" هو قول أبي عبيدة أيضا. قوله: "أساطير" تقدم في تفسير سورة الأنعام. قوله: "تملي عليه: تقرأ عليه من أمليت وأمللت" قال أبو عبيدة في قوله: {فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ} : أي تقرأ عليه، وهو من أمليت عليه، وهي في موضع آخر أمللت عليه، يشير إلى قوله تعالى في سورة البقرة: {وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ} . قوله: "الرس المعدن جمعه رساس" قال أبو عبيده في قوله: "وأصحاب الرس" أي المعدن. وقال الخليل: الرس كل بئر تكون غير مطوية، ووراء ذلك أقوال. أحدها أورده ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: الرس البئر، ومن طريق سفيان عن رجل عن عكرمة قال: أصحاب الرس رسوا نبيهم في بئر، ومن طريق سعيد عن قتادة قال: حدثنا أن أصحاب الرس كانوا باليمامة. ومن طريق شبيب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: "وأصحاب الرس" قال: بئر بأذربيجان. قوله: "ما يعبأ يقال ما عبأت به شيئا لا يعتد به" قال أبو عبيدة في قوله: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ

(8/491)


رَبِّي} هو من قولهم ما عبأت بك شيئا أي ما عددتك شيئا.
" تنبيه " : وقع في بعض الروايات تقديم وتأخير لهذه التفاسير، والخطب فيها سهل. قوله: "غراما هلاكا" قال أبو عبيدة في قوله: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} أي: هلاكا وإلزاما لهم، ومنه رجل مغرم بالحب. قوله: "وقال ابن عيينة: عاتية عتت على الخزان" كذا في تفسيره وهذا في سورة الحاقة؛ وإنما ذكره هنا استطرادا لما ذكر قوله: {عَتَوْا} ، وقد تقدم ذكر هذا في قصة هود من أحاديث الأنبياء.

(8/492)


باب {الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شرا مكانا وأضل سبيلا}
...
1- باب {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلاً}
4760- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" قَالَ قَتَادَةُ بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّنَا"
قوله: "باب قوله: {الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ} الآية" كذا لأبي ذر، وساق غيره إلى قوله: "وأضل سبيلا" قوله: "شيبان" هو ابن عبد الرحمن. قوله: "أن رجلا قال: يا نبي الله يحشر الكافر" لم أقف على اسم السائل؛ وسيأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى. قوله: "يحشر الكافر" في رواية الحاكم من وجه آخر عن أنس "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم يحشر أهل النار على وجوههم" وفي حديث أبي هريرة عند البزار "يحشر الناس على ثلاثة أصناف: صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم. فقيل: فكيف يمشون على وجوههم" الحديث. ويؤخذ من مجموع الأحاديث أن المقربين يحشرون ركبانا، ومن دونهم من المسلمين على أقدامهم، وأما الكفار يحشرون على وجوههم. قوله: "قال قتادة: بلى وعزة ربنا" هذه الزيادة موصولة بالإسناد المذكور، قالها قتادة تصديقا لقوله: "أليس" .

(8/492)


2- باب {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} الْعُقُوبَةَ
4761- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ح قَالَ وَحَدَّثَنِي وَاصِلٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ قَالَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ" قَالَ وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}
4762- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ

(8/492)


3- باب {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}
4765- حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ ابْنُ أَبْزَى سَلْ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} وَقَوْلِهِ {وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} حَتَّى بَلَغَ {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ} فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللَّهِ وَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا} إِلَى قَوْلِهِ {غَفُورًا رَحِيمًا}
قوله: "باب {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} قرأ الجمهور بالجزم في" يضاعف ويخلد "بدلا

(8/494)


من الجزاء في قوله: {يَلْقَ أَثَاماً} بدل اشتمال. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم بالرفع على الاستئناف. قوله: "حدثنا سعد بن حفص" هو الطلحي، وشيبان هو ابن عبد الرحمن، ومنصور هو ابن المعتمر. قوله: "عن سعيد من جبير قال: قال ابن أبزى" بموحدة وزاي مقصورة واسمه عبد الرحمن، وهو صحابي صغير. قوله: "سئل ابن عباس" كذا في رواية أبي ذر بصيغة الفعل الماضي، وهذه للنسفي، وهو يقتضي أنه من رواية سعيد بن جبير عن ابن أبزى عن ابن عباس. وفي رواية الأصيلي: "سل" بصيغة الأمر وهو المعتمد، ويدل عليه قوله بعد سياق الآيتين "فسألته" فإنه واضح في جواب قوله: "سل" وإن كان اللفظ الآخر يمكن توجيهه بتقدير سئل ابن عباس عن كذا فأجاب فسألته عن شيء آخر مثلا، ولا يخفى تكلفه. ويؤيد الأول رواية شعبة في الباب الذي يليه عن منصور عن سعيد بن جبير قال: "أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس فسألته" وكذا أخرجه إسحاق بن إبراهيم في تفسيره عن جرير عن منصور، وأخرجه ابن مردويه من طريق أخرى عن جرير بلفظ: "قال: أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس" فذكره، وذكر عياض ومن تبعه أنه وقع في رواية أبي عبيد القاسم بن سلام في هذا الحديث من طريق 1 عن سعيد بن جبير "أمرني سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس" فالحديث من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، ولغيره: "أمرني ابن عبد الرحمن" قال: وقال بعضهم: لعله سقط "ابن" قبل عبد الرحمن وتصحف من "أمرني" ويكون الأصل "أمر ابن عبد الرحمن" ثم لا ينكر سؤال عبد الرحمن واستفادته من ابن عباس فقد سأله من كان أقدم منه وأفقه. قلت: الثابت في الصحيحين وغيرهما من المستخرجات عن سعيد بن جبير "أمرني عبد الرحمن بن أبزى أن أسأل ابن عباس" فالحديث من رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، والذي زاد فيه سعيد بن عبد الرحمن أو ابن عبد الرحمن.
ـــــــ
(1) بياض بالأصل

(8/495)


4- بَاب {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}
4766- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ وَعَنْ {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ} قَالَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْك"
قوله: "عن هاتين الآيتين" ومن يقتل مؤمنا متعمدا" فسألته فقال: لم ينسخها شيء، وعن "والذين يدعون من الله إلها آخر" قال: نزلت في أهل الشرك" هكذا أورده مختصرا، وسياق مسلم من هذا الوجه أتم، وأتم منهما ما تقدم في المبعث من رواية جرير بلفظ: "هاتين الآيتين ما أمرهما؟ التي في سورة الفرقان {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} والتي في سورة النساء {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً} قال: سألت ابن عباس فقال: لما أنزلت التي في سورة الفرقان قال مشركو مكة: قد قتلنا النفس ودعونا مع الله إلها آخر وأتينا الفواحش، قال: فنزلت: {إِلاَّ مَنْ تَابَ} الآية، قال: فهذه لأولئك، قال: وأما التي في سورة النساء فهو الذي قد عرف الإسلام ثم قتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم لا توبة

(8/495)


له، قال. فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إلا من ندم" وحاصل ما في هذه الروايات أن ابن عباس كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفا. ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خص منها مباشرة المؤمن القتل متعمدا، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض، وأولى من دعوى أنه قال بالنسخ ثم رجع عنه. وقول ابن عباس بأن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا توبة له مشهور عنه، وقد جاء عنه في ذلك ما هو أصرح مما تقدم: فروى أحمد والطبري من طريق يحيى الجابر والنسائي وابن ماجه من طريق عمار الذهبي كلاهما عن سالم بن أبي الجعد قال: "كنت عند ابن عباس بعدما كف بصره، فأتاه رجل فقال: ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا؟ قال: جزاؤه جهنم خالدا فيها، وساق الآية إلى "عظيما" قال: لقد نزلت في آخر ما نزل، وما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملا صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأني له التوبة والهدى" لفظ يحيى الجابر، والآخر نحوه. وجاء على وفق ما ذهب إليه ابن عباس في ذلك أحاديث كثيرة: منها ما أخرجه أحمد والنسائي من طريق أبي إدريس الخولاني عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره؛ إلا الرجل يموت كافرا، والرجل يقتل مؤمنا متعمدا" وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره. وقالوا: معني قوله: {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} أي إن شاء الله أن يجازيه تمسكا بقوله تعالى في سورة النساء أيضا: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ومن الحجة في ذلك حديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم أتى تمام المائة فقال له: لا توبة، فقتله فأكمل به مائة. ثم جاء آخر فقال: "ومن يحول بينك وبين التوبة" الحديث، وهو مشهور، وسيأتي في الرقاق واضحا. وإذا ثبت ذلك لمن قبل من غير هذه الأمة فمثله لهم أولى لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم.

(8/496)


5- باب {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} أَيْ هَلَكَةً
4767- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ الدُّخَانُ وَالْقَمَرُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} "
قوله: باب قوله: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} أَيْ هَلَكَةً قال أبو عبيدة في قوله: {فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا} : أي جزاء يلزم كل عامل بما عمل، وله معنى آخر يكون هلاكا. قوله: "حدثنا مسلم" هو أبو الضحى الكوفي.

(8/497)


26- سورة الشُّعَرَاءِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {تَعْبَثُونَ} تَبْنُونَ {هَضِيمٌ} يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ {مُسَحَّرِينَ} ْمَسْحُورِينَ {لَيْكَةُ} وَ {الأَيْكَةُ} جَمْعُ أَيْكَةٍ وَهِيَ جَمْعُ شَجَرٍ {يَوْمِ الظُّلَّةِ} إِظْلاَلُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ {مَوْزُونٍ} مَعْلُومٍ {كَالطَّوْدِ} كَالْجَبَلِ وَقَالَ غَيْرُهُ {لَشِرْذِمَةٌ} الشِّرْذِمَةُ طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ {فِي السَّاجِدِينَ} الْمُصَلِّينَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ} كَأَنَّكُمْ {الرِّيعُ} الأَيْفَاعُ مِنْ الأَرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ وَأَرْيَاعٌ وَاحِدُهُ الرِيعَةٌ

(8/496)


1- باب {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَرَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ" الْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَة
4769- حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنَا أَخِي عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لاَ تُخْزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَيَقُولُ اللَّهُ إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِين"
قوله: "باب {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} سقط "باب" لغير أبي ذر. قوله: "وقال إبراهيم بن طهمان إلخ" وصله النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان وساق الحديث بتمامه. قوله: "عن سعيد المقبري عن أبي هريرة" كذا قال ابن أبي أويس، وأورد البخاري هذه الطريق معتمدا عليها وأشار إلى الطريق الأخرى التي زيد فيها بين سعيد وأبي هريرة رجل فذكرها معلقة، وسعيد قد سمع من أبي هريرة وسمع من أبيه عن أبي هريرة، فلعل هذا مما سمعه من أبيه عن أبي هريرة ثم سمعه من أبي هريرة، أو سمعه من أبي هريرة مختصرا ومن أبيه عنه تاما، أو سمعه من أبي هريرة ثم ثبته فيه أبوه، وكل ذلك لا يقدح في صحة الحديث، وقد وجد للحديث أصل عن أبي هريرة من وجه آخر أخرجه البزار والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، وشاهده عندهما أيضا من حديث أبي سعيد. قوله: "إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة وعليه الغيرة والقترة. والغيرة هي القترة" كذا أورده مختصرا، ولفظ النسائي: "وعليه الغيرة والقترة، فقال له: قد نهيتك عن هذا فعصيتني، قال: لكن لا أعصيك اليوم" الحديث، فعرف من هذا أن قوله: والغيرة هي القترة من كلام المصنف، وأخذه من كلام أبي عبيدة. وأنه قال في تفسير سورة يونس: "ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة" القتر الغبار، وأنشد لذلك شاهدين. قال ابن التين: وعلى هذا فقوله في سورة عبس: {غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَة} تأكيد لفظي، كأنه قال: غيرة فوقها غبرة. وقال غير هؤلاء: القترة ما يغشى الوجه من الكرب، والغيرة ما يعلوه من الغبار، وأحدهما حسي والآخر معنوي. وقيل: القترة شدة الغيرة بحيث يسود الوجه. وقيل: القترة سواد الدخان فاستعير هنا. قوله: "حدثنا إسماعيل" هو ابن أبي أويس، وأخوه هو أبو بكر عبد الحميد. قوله في الطريق الموصولة "يلقى إبراهيم أباه فيقول: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين" هكذا أورده هنا مختصرا، وساقه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء تاما. قوله: "يلقى إبراهيم أباه آزر" هذا موافق لظاهر القرآن في تسمية والد إبراهيم، وقد سبقت نسبته في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء. وحكى الطبري من طريق ضعيفة عن مجاهد أن آزر اسم الصنم وهو شاذ. قوله: "وعلى وجه آزر قترة وغبرة" هذا موافق لظاهر

(8/499)


القرآن {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ} أي يغشاها قترة، فالذي يظهر أن الغبرة الغبار من التراب، والقترة السواد الكائن عن الكآبة. قوله: "فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك" في رواية إبراهيم بن طهمان "فقال له قد نهيتك عن هذا فعصيتني، قال: لكني لا أعصيك واحدة" . قوله: "فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد" وصف نفسه بالأبعد على طريق الفرض إذا لم تقبل شفاعته في أبيه، وقيل: الأبعد صفة أبيه أي أنه شديد البعد من رحمة الله لأن الفاسق بعيد منها فالكافر أبعد، وقيل: الأبعد بمعنى البعيد والمراد الهالك، ويؤيد الأول أن في رواية إبراهيم بن طهمان "وإن أخزيت أبي فقد أخزيت الأبعد" وفي رواية أيوب " يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول له: أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن، فيقول: هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول: نعم. فيقول خذ بارزتي. فيأخذ بارزته. ثم ينطلق حتى يأتي ربه وهو يعرض الخلق، فيقول الله: يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت، فيقول: أي رب أبي معي، فإنك وعدتني أن لا تخزني" . قوله: "فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين" في حديث أبي سعيد "فينادى: إن الجنة لا يدخلها مشرك" . قوله: "ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ انظر، فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار" في رواية إبراهيم بن طهمان" فيؤخذ منه فيقول: يا إبراهيم أين أبوك؟ قال: أنت أخذته مني، قال: انظر أسفل، فينظر فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه" . وفي رواية أيوب " فيمسخ الله أباه ضبعا" فيأخذ بأنفه فيقول: يا عبدي أبوك هو، فيقول: لا وعزتك "وفي حديث أبي سعيد" فيحول في صورة قبيحة وريح منتنة في صورة ضبعان "زاد ابن المنذر من هذا الوجه" فإذا رآه كذا تبرأ منه قال: لست أبي "والذيخ بكسر الذال المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم خاء معجمة ذكر الصباع، وقيل لا يقال له ذيخ إلا إذا كان كثير الشعر. والضبعان لغة في الضبع. وقوله: "متلطخ" قال بعض الشراح: أي في رجيع أو دم أو طين. وقد عينت الرواية الأخرى المراد وأنه الاحتمال الأول حيث قال: فيتمرغ في نتنه. قيل: الحكمة وفي مسخه لتنفر نفس إبراهيم منه ولئلا يبقى في النار على صورته فيكون فيه غضاضة على إبراهيم. وقيل: الحكمة في مسخه ضبعا أن الضبع من أحمق الحيوان، وآزر كان من أحمق البشر، لأنه بعد أن ظهر له من ولده من الآيات البينات أصر على الكفر حتى مات. واقتصر في مسخه على هذا الحيوان لأنه وسط في التشويه بالنسبة إلى ما دونه كالكلب والخنزير وإلى ما فوقه كالأسد مثلا، ولأن إبراهيم بالغ في الخضوع له وخفض الجناح فأبى واستكبر وأصر على الكفر فعومل بصفة الذل يوم القيامة، ولأن للضبع عوجا فأشير إلى أن آزر لم يستقم فيؤمن بل استمر على عوجه في الدين. وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله وطعن في صحته فقال بعد أن أخرجه: هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم علم أن الله لا يخلف الميعاد؛ فكيف يجعل ما صار لأبيه خزيا مع علمه بذلك؟ وقال غيره: هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} انتهى. والجواب عن ذلك أن أهل التفسير اختلفوا في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه، فقيل: كان ذلك في الحياة الدنيا لما مات آزر مشركا، وهذا أخرجه الطبري من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وإسناده صحيح. وفي رواية: "فلما مات لم يستغفر له" ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه قال: "استغفر له ما كان حيا فلما مات أمسك" وأورده أيضا من طريق مجاهد وقتادة وعمرو بن دينار نحو ذلك، وقيل

(8/500)


إنما تبرأ منه يوم القيامة لما يئس منه حين مسخ على ما صرح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها، وهذا الذي أخرجه الطبري أيضا من طريق عبد الملك بن أبي سليمان سمعت سعيد بن جبير يقول: إن إبراهيم يقول يوم القيامة: رب والدي، رب والدي. فإذا كان الثالثة أخذ بيده فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرأ منه. ومن طريق عبيد بن عمير قال: يقول إبراهيم لأبيه: إني كنت آمرك في الدنيا وتعصيني، ولست تاركك اليوم فخذ بحقوي، فيأخذ بضبعيه فيمسخ ضبعا، فإذا رآه إبراهيم مسخ تبرأ منه. ويمكن الجمع بين القولين بأنه تبرأ منه لما مات مشركا فترك الاستغفار له، لكن لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة والرقة فسأل فيه، فلما رآه مسخ يئس منه حينئذ فتبرأ منه تبرءا أبديا وقيل: إن إبراهيم لم يتيقن موته على الكفر بجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم على ذلك، وتكون تبرئته منه حينئذ بعد الحال التي وقعت في هذا الحديث. قال الكرماني: فإن قلت: إذا أدخل الله أباه النار فقد أخزاه لقوله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} وخزي الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد وهو محال، ولو أنه يدخل النار لزم الخلف في الوعيد وهو المراد بقوله: "إن الله حرم الجنة على الكافرين" والجواب أنه إذا مسخ في صورة ضبع وألقي في النار لم تبق الصورة التي هي سبب الخزي، فهو عمل بالوعد والوعيد. وجواب آخر: وهو أن الوعد كان مشروطا بالإيمان، وإنما استغفر له وفاء بما وعده، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. قلت: وما قدمته يؤدي المعنى المراد مع السلامة مما في اللفظ من الشناعة، والله أعلم.

(8/501)


2- باب {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ أَلِنْ جَانِبَكَ
4770- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: "يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ" لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِيَنْظُرَ مَا هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ قَالُوا نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلاَّ صِدْقًا قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ" فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَنَزَلَتْ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ}
4771- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا" تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ

(8/501)


وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَاب"
قوله: "باب {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} ، واخفض جناحك: ألن جانبك" هو قول أبي عبيدة وزاد: "وكلامك" . قوله: "عن ابن عباس قال: لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} هذا من مراسيل الصحابة، وبذلك جزم الإسماعيلي لأن أبا هريرة إنما أسلم بالمدينة، وهذه القصة وقعت بمكة، وابن عباس كان حينئذ إما لم يولد، وإما طفلا. ويؤيد الثاني نداء فاطمة فإنه يشعر بأنها كانت حينئذ بحيث تخاطب بالأحكام، وقد قدمت في "باب من انتسب إلى آبائه" في أوائل السيرة النبوية احتمال أن تكون هذه القصة وقعت مرتين، لكن الأصل عدم تكرار النزول، وقد صرح في هذه الرواية بأن ذلك وقع حين نزلت. نعم وقع عند الطبراني من حديث أبي أمامة قال: "لما نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ} جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني هاشم ونساءه وأهله فقال: يا بني هاشم، اشتروا أنفسكم من النار، واسعوا في فكاك رقابكم يا عائشة بنت أبي بكر، يا حفصة بنت عمر، يا أم سلمة" فذكر حديثا طويلا، فهذا إن ثبت دل على تعدد القصة، لأن القصة الأولى وقعت بمكة لتصريحه في حديث الباب أنه صعد الصفا، ولم تكن عائشة وحفصة وأم سلمة عنده ومن أزواجه إلا بالمدينة، فيجوز أن تكون متأخرة عن الأولى فيمكن أن يحضرها أبو هريرة وابن عباس أيضا، ويحمل قوله: "لما نزلت. جمع" أي بعد ذلك، لا أن الجمع وقع على الفور، ولعله كان نزل أولا {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} فجمع قريشا فعم ثم خص كما سيأتي، ثم نزل ثانيا: "ورهطك منهم المخلصين" فخص بذلك بني هاشم ونساءه والله أعلم. وفي هذه الزيادة تعقب على النووي حيث قال في "شرح مسلم:"إن البخاري لم يخرجها أعني. "ورهطك منهم المخلصين" اعتمادا على ما في هذه السورة، وأغفل كونها موجودة عند البخاري في سورة تبت. فوله: "لما نزلت {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} زاد في تفسير تبت من رواية أبي أسامة عن الأعمش بهذا السند" ورهطك منهم المخلصين" وهذه الزيادة وصلها الطبري من وجه آخر عن عمرو بن مرة أنه كان يقرأها كذلك، قال القرطبي لعل هذه الزيادة كانت قرآنا فنسخت تلاوتها. ثم استشكل ذلك بأن المراد إنذار الكفار، والمخلص صفة المؤمن، والجواب عن ذلك أنه لا يمتنع عطف الخاص على العام، ف قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} عام فيمن آمن منهم ومن لم يؤمن؛ ثم عطف عليه الرهط المخلصين تنويها بهم وتأكيدا، واستدل بعض المالكية بقوله في هذا الحديث: "يا فاطمة بنت محمد، سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا" أن النيابة لا تدخل في أعمال البر، إذ لو جاز ذلك لكان يتحمل عنها صلى الله عليه وسلم بما يخلصها، فإذا كان عمله لا يقع نيابة عن ابنته فغيره أولى بالمنع. وتعقب بأن هذا كان قبل أن يعلمه الله تعالى بأنه يشفع فيمن أراد وتقبل شفاعته، حتى يدخل قوما الجنة بغير حساب، ويرفع درجات قوم آخرين، ويخرج من النار من دخلها بذنوبه، أو كان المقام مقام التخويف والتحذير أو أنه أراد المبالغة في الحض على العمل، ويكون في قوله: "لا أغني شيئا" إضمار إلا إن أذن الله لي بالشفاعة. قوله: "فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي، لبطون قريش" في حديث أبي هريرة قال: "يا معشر قريش، أو كلمة نحوها" ووقع عند البلاذري من وجه آخر عن ابن عباس أبين من هذا ولفظه: "فقال: يا بني فهر، فاجتمعوا. ثم قال: يا بني غالب، فرجع بنو محارب والحارث ابنا فهر. فقال: يا بني لؤي، فرجع بنو الأدرم بن غالب. فقال: يا آل كعب، فرجع بنو عدي وسهم وجمح فقال: يا آل كلاب، فرجع بنو مخزوم وتيم. فقال: يا آل قصي، فرجع بنو زهرة. فقال: يا آل عبد مناف، فرجع بنو عبد الدار وعبد العزى. فقال له أبو لهب: هؤلاء بنو

(8/502)


عبد مناف عندك" وعند الواقدي أنه قصر الدعوة على بني هاشم والمطلب، وهم يومئذ خمسة وأربعون رجلا. وفي حديث علي عند ابن إسحاق والطبري والبيهقي في "الدلائل" أنهم كانوا حينئذ أربعون يزيدون رجلا أو ينقصون وفيه عمومته أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب. ولابن أبي حاتم من وجه آخر عنه أنهم يومئذ أربعون غير رجل أو أربعون ورجل. وفي حديث علي من الزيادة أنه صنع لهم شاة على ثريد وقعب لبن، وأن الجميع أكلوا من ذلك وشربوا وفضلت فضلة، وقد كان الواحد منهم يأتي على جميع ذلك. قوله: "أرأيتكم لو أخبرتكم إلخ" أراد بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن الأمر الغائب. ووقع في حديث علي" ما أعلم شابا من العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة" . قوله: "كنتم مصدقي" بتشديد التحتانية. قوله: "قال: فإني نذير لكم" أي منذر. ووقع في حديث قبيصة بن محارب وزهير بن عمرو عند مسلم وأحمد "فجعل ينادي: إنما أنا نذير، وإنما مثلي ومثلكم كرجل رأى العدو فجعل يهتف: يا صباحاه" يعني ينذر قومه. وفي رواية موسى بن وردان عن أبي هريرة عند أحمد قال: "أنا النذير، والساعة الموعد" وعند الطبري من مرسل قسامة بن زهير قال: "بلغني أنه صلى الله عليه وسلم وضع أصابعه في أذنه ورفع صوته وقال: يا صباحاه" ووصله مرة أخرى عن قسامة عن أبي موسى الأشعري، وأخرجه الترمذي موصولا أيضا. قوله: "فنزلت تبت يدا أبي لهب وتب" في رواية أبي أسامة "تبت يدا أبي لهب وقد تب" وزاد: "هكذا قرأها الأعمش يومئذ" انتهى. وليست هذه القراءة فيما نقل الفراء عن الأعمش، فالذي يظهر أنه قرأها حاكيا لا قارئا، ويؤيده قوله في هذا السياق: "يومئذ" فإنه يشعر بأنه كان لا يستمر على قراءتها كذلك، والمحفوظ أنها قراءة ابن مسعود وحده. قوله في حديث أبي هريرة "اشتروا أنفسكم من الله" أي باعتبار تخليصها من النار، كأنه قال: أسلموا تسلموا من العذاب، فكان ذلك كالشراء، كأنهم جعلوا الطاعة ثمن النجاة. وأما قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ} فهناك المؤمن بائع باعتبار تحصيل الثواب والثمن الجنة، وفيه إشارة إلى أن النفوس كلها ملك لله تعالى، وأن من أطاعه حق طاعته في امتثال أوامره واجتناب نواهيه ووفى ما عليه من الثمن، وبالله التوفيق. قوله: "يا بني عبد مناف، اشتروا أنفسكم من الله، يا عباس إلخ" في رواية موسى بن طلحة عن أبي هريرة عند مسلم وأحمد "دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا فعم وخص فقال: يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار. يا معشر بني كعب، يا معشر بني هاشم كذلك، يا معشر بني عبد المطلب كذلك" الحديث. قوله: "يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم" بنصب عمة، ويجوز في صفية الرفع والنصب وكذا القول في قوله يا فاطمة بنت محمد. قوله: "تابعه أصبغ عن ابن وهب إلخ" سبق التنبيه عليه في الوصايا، وفي الحديث أن الأقرب للرجل من كان يجمعه هو وجد أعلى، وكل من اجتمع معه في جد دون ذلك كان أقرب إليه، وقد تقدم البحث في المراد بالأقربين والأقارب في الوصايا، والسر في الأمر بإنذار الأقربين أولا أن الحجة إذا قامت عليهم تعدت إلى غيرهم، وإلا فكانوا علة للأبعدين في الامتناع، وأن لا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من العطف والرأفة فيحابيهم في الدعوة والتخويف، فلذلك نص له على إنذارهم. وفيه جواز تكنية الكافر، وفيه خلاف بين العلماء، كذا قيل. وفي إطلاقه نظر، لأن الذي منع من ذلك إنما منع منه حيث يكون السياق يشعر بتعظيمه، بخلاف ما إذا كان ذلك لشهرته بها دون غيرها كما في هذا أو للإشارة إلى ما يؤول أمره إليه من لهب جهنم. ويحتمل أن يكون ترك ذكره باسمه لقبح اسمه لأن اسمه كان عبد العزى، ويمكن جواب آخر وهو أن التكنية لا تدل

(8/503)


بمجردها على التعظيم، بل قد يكون الاسم أشرف من الكنية، ولهذا ذكر الله الأنبياء بأسمائهم دون كناهم.

(8/504)


27- سورة النَّمْلِ
{َالْخَبْء}ُ مَا خَبَأْتَ {لاَ قِبَلَ} لاَ طَاقَةَ {الصَّرْحُ} كُلُّ مِلاَطٍ اتُّخِذَ مِنْ الْقَوَارِيرِ وَالصَّرْحُ الْقَصْرُ وَجَمَاعَتُهُ صُرُوحٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {وَلَهَا عَرْشٌ} سَرِيرٌ {كَرِيمٌ} حُسْنُ الصَّنْعَةِ وَغَلاَءُ الثَّمَنِ يَأْتُونِي {مُسْلِمِينَ} طَائِعِينَ {رَدِفَ} اقْتَرَبَ {جَامِدَةً} قَائِمَةً {أَوْزِعْنِي} اجْعَلْنِي وَقَالَ مُجَاهِدٌ {نَكِّرُوا} غَيِّرُوا {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ} يَقُولُهُ سُلَيْمَانُ {الصَّرْحُ} بِرْكَةُ مَاءٍ ضَرَبَ عَلَيْهَا سُلَيْمَانُ قَوَارِيرَ أَلْبَسَهَا إِيَّاهُ
قوله: "سورة النمل – {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم" سقط "سورة والبسملة" لغير أبي ذر، وثبت للنسفي لكن بتقديم البسملة. قوله: "الخبء ما خبأت" في رواية غير أبي ذر "والخبء" بزيادة واو في أوله، وهذا قول ابن عباس أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عنه قال: "يخرج الخبء" : يعلم كل خفية في السماوات والأرض. وقال الفراء في قوله: "يخرج الخبء" : أي الغيث من السماء والنبات من الأرض، قال: و "في" هنا بمعنى من، وهو كقولهم: ليستخرجن العلم فيكم أي الذي منكم، وقرأ ابن مسعود" يخرج الخبء من "بدل "في" ، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: الخبء السر، ولابن أبي حاتم من طريق عكرمة مثله، ومن طريق مجاهد قال: الغيث. ومن طريق سعيد بن المسيب قال: الماء. قوله: "لا قبل: لا طاقة" هو قول أبي عبيدة. وأخرج الطبري من طريق إسماعيل بن أبي خالد مثله. قوله: "الصرح كل ملاط اتخذ من القوارير" كذا للأكثر بميم مكسورة. وفي رواية الأصيلي بالموحدة المفتوحة ومثله لابن السكن، وكتبه الدمياطي في نسخته بالموحدة وليست هي روايته. والملاط بالميم المكسورة الطين الذي يوضع بين ساقتي البناء، وقيل: الصخر، وقيل: كل بناء عال منفرد. وبالموحدة المفتوحة ما كسيت به الأرض من حجارة أو رخام أو كلس. وقد قال أبو عبيدة: الصرح كل بلاط اتخذ من قوارير، والصرح القصر. وأخرج الطبري من طريق وهب بن منبه قال: أمر سليمان الشياطين فعملت له الصرح من زجاج كأنه الماء بياضا، ثم أرسل الماء تحته ووضع سريره فيه فجلس عليه. وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ليريها ملكا هو أعز من ملكها، فلما رأت ذلك بلقيس حسبته لجة وكشفت عن ساقيها لتخوضه. ومن طريق محمد بن كعب قال: سجن سليمان فيه دواب البحر الحيتان والضفادع، فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما، فأمرها سليمان فاستترت. قوله: "والصرح القصر وجماعته صروح" هو قول أبي عبيدة كما تقدم، وسيأتي له تفسير آخر بعد هذا بقليل. قوله: "وقال ابن عباس: ولها عرش سرير كريم حسن الصنعة وغلاء الثمن" وصله الطبري من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ} قال: سرير كريم حسن الصنعة، قال: وكان من ذهب وقوائمه من جوهر ولؤلؤ. ولابن أبي حاتم من طريق زهير بن محمد قال: حسن الصنعة غالي الثمن سرير من ذهب وصفحتاه مرمول بالياقوت والزبرجد طوله ثمانون ذراعا في أربعين. قوله: " {يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} طائعين" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله، ومن طريق

(8/504)


ابن جريج أي مقرين بدين الإسلام، ورجح الطبري الأول واستدل له. قوله: "ردف اقترب" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {عسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ} اقترب لكم. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: {عسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ} أي جاء بعدكم. ودعوى المبرد أن اللام زائده وأن الأصل ردفكم قاله على ظاهر اللفظ، وإذا صح أن المراد به اقترب صح تعديته باللام كقوله: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} . قوله: "جامدة قائمة" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله. قوله: "أوزعني: اجعلني" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله. وقال أبو عبيدة في قوله: "أوزعني" أي سددني إليه. وقال في موضع آخر: أي ألهمني، وبالثاني جزم الفراء. قوله: "وقال مجاهد: نكروا غيروا" وصله الطبري من طريقه، ومن طريق قتادة وغيره نحو. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر صحيح عن مجاهد قال: أمر بالعرش فغير ما كان أحمر جعل أخضر وما كان أخضر جعل أصفر، غير كل شيء عن حاله. ومن طريق عكرمة قال: زيدوا فيه وأنقصوا. قوله: "والقبس ما اقتبست منه النار" ثبت هذا للنسفي وحده، وهو قول أبي عبيدة، قال في قوله تعالى: {أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ} أي بشعلة نار، ومعنى قبس ما اقتبس من النار ومن الجمر. قوله: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ} يقوله سليمان" وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا، ونقل الواحدي أنه من قول بلقيس، قالته مقرة بصحة نبوة سليمان، والأول هو المعتمد. قوله: "الصرح بركة ماء ضرب عليها سليمان قوارير وألبسها إياه" في رواية الأصيلي: "إياها" وأخرج الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: الصرح بركة من ماء ضرب عليها سليمان قوارير ألبسها، قال: وكانت هلباء شقراء. ومن وجه آخر عن مجاهد: كشفت بلقيس عن ساقيها فإذا هما شعراوان، فأمر سليمان بالنورة فصنعت. ومن طريق عكرمة نحوه قال: فكان أول من صنعت له النورة. وصله ابن أبي حاتم من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس.

(8/505)


28- سورة الْقَصَصِ
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} إِلاَّ مُلْكَهُ وَيُقَالُ إِلاَّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمْ الأَنْبَاءُ} الْحُجَجُ
قوله: "سورة القصص – {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سقطت "سورة البسملة" لغير أبي ذر والنسفي.
قوله: "إلا وجهه: إلا ملكه" في رواية النسفي "وقال معمر" : فذكره. ومعمر هذا هو أبو عبيدة بن المثنى، وهذا كلامه في كتابه "مجاز القرآن" لكن بلفظ: "إلا هو" وكذا نقله الطبري عن بعض أهل العربية، وكذا ذكره الفراء. وقال ابن التين قال أبو عبيدة: إلا وجهه أي جلاله، وقيل: إلا إياه، تقول: أكرم الله وجهك أي أكرمك الله. قوله: "ويقال: إلا ما أريد به وجهه" نقله الطبري أيضا عن بعض أهل العربية، ووصله ابن أبي حاتم من طريق خصيف عن مجاهد مثله، ومن طريق سفيان الثوري قال: إلا ما ابتغي به وجه الله من الأعمال الصالحة انتهى. ويتخرج هذان القولان على الخلاف في جواز إطلاق "شيء" على الله، فمن أجازه قال: الاستثناء متصل والمراد بالوجه الذات والعرب تعبر بالأشرف عن الجملة، ومن لم يجز إطلاق "شيء" على الله قال: هو منقطع، أي لكن هو تعالى لم يهلك، أو متصل والمراد بالوجه ما عمل لأجله. قوله: "وقال مجاهد: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ} الحجج" وصله الطبري

(8/505)


من طريق ابن أبي نجيح عنه.

(8/506)


1- باب {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}
4772- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَالَ: "أَيْ عَمِّ قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ" فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وَاللَّهِ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ" فَأَنْزَلَ اللَّهُ {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {أُولِي الْقُوَّةِ} لاَ يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنْ الرِّجَالِ {لَتَنُوءُ} لَتُثْقِلُ {فَارِغًا} إِلاَّ مِنْ ذِكْرِ مُوسَى {الْفَرِحِينَ} الْمَرِحِينَ {قُصِّيهِ} اتَّبِعِي أَثَرَهُ وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلاَمَ {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ} عَنْ جُنُبٍ عَنْ بُعْدٍ عَنْ جَنَابَةٍ وَاحِدٌ وَعَنْ اجْتِنَابٍ أَيْضًا يَبْطِشُ وَيَبْطُشُ {يَأْتَمِرُونَ} يَتَشَاوَرُونَ الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِدٌ {آنَسَ} أَبْصَرَ الْجِذْوَةُ قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْ الْخَشَبِ لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ وَالشِّهَابُ فِيهِ لَهَبٌ وَالْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ الْجَانُّ وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ {رِدْءًا} مُعِينًا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَدِّقُنِي وَقَالَ غَيْرُهُ {سَنَشُدُّ} سَنُعِينُكَ كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا {مَقْبُوحِينَ} مُهْلَكِينَ {وَصَّلْنَا} بَيَّنَّاهُ وَأَتْمَمْنَاهُ {يُجْبَى} يُجْلَبُ {بَطِرَتْ} أَشِرَتْ {فِي أُمِّهَا رَسُولاً} أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا {تُكِنُّ} تُخْفِي أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ أَخْفَيْتُهُ وَكَنَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} مِثْلُ {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ} يُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ عَلَيْه"
قوله: "باب {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} لم تختلف النقلة في أنها نزلت في أبي طالب واختلفوا في المراد بمتعلق {أَحْبَبْتَ} فقيل: المراد أحببت هدايته، وقيل: أحببته هو لقرابته منك. قوله: "عن أبيه" هو المسيب بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون، وقد تقدم بعض شرح الحديث في الجنائز. قوله: "لما حضرت أبا طالب الوفاة" قال الكرماني: المراد حضرت علامات الوفاة، وإلا فلو كان انتهى إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن، ويدل على الأول ما وقع من المراجعة بينه وبينهم انتهى. ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة لكن رجا النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا أقر بالتوحيد ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه وتسوغ شفاعته صلى الله عليه وسلم لمكانه منه، ولهذا قال: "أجادل لك بها وأشفع لك" وسيأتي بيانه. ويؤيد الخصوصية أنه بعد أن امتنع من

(8/506)


الإقرار بالتوحيد وقال هو: "على ملة عبد المطلب" ومات على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره، وكان ذلك من الخصائص في حقه، وقد تقدمت الرواية بذلك في السيرة النبوية. قوله: "جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية" يحتمل أن يكون المسيب حضر هذه القصة، فإن المذكورين من بني مخزوم وهو من بني مخزوم أيضا، وكان الثلاثة يومئذ كفارا فمات أبو جهل على كفره وأسلم الآخران. وأما قول بعض الشراح: هذا الحديث من مراسيل الصحابة فمردود، لأنه استدل بأن المسيب على قول مصعب من مسلمة الفتح، وعلى قول العسكري ممن بايع تحت الشجرة، قال: فأيا ما كان فلم يشهد وفاة أبي طالب لأنه توفي هو وخديجة في أيام متقاربة في عام واحد، والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ نحو الخمسين انتهى. ووجه الرد أنه لا يلزم من كون المسيب تأخر إسلامه أن لا يشهد وفاة أبي طالب كما شهدها عبد الله بن أبي أمية وهو يومئذ كافر ثم أسلم بعد ذلك، وعجب من هذا القائل كيف يعزو كون المسيب كان ممن بايع تحت الشجرة إلى العسكري ويغفل عن كون ذلك ثابتا في هذا الصحيح الذي شرحه كما مر في المغازي واضحا. قوله: "أي عم" أما "أي" فهو بالتخفيف حرف نداء، وأما "عم" فهو منادي مضاف، ويجوز فيه إثبات الياء وحذفها. قوله: "كلمة" بالنصب على البدل من لا إله إلا الله أو الاختصاص. ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. قوله: "أحاج" بتشديد الجيم من المحاجة وهي مفاعلة من الحجة والجيم مفتوحة على الجزم جواب الأمر، والتقدير إن تقل أحاج، ويجوز الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، ووقع في رواية معمر عن الزهري بها الإسناد في الجنائز "أشهد" بدل "أحاج" وفي رواية مجاهد عند الطبري "أجادل عنك بها" زاد الطبري من طريق سفيان بن حسين عن الزهري قال: "أي عم، إنك أعظم الناس علي حقا، وأحسنهم عندي يدا، فقل كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة" . قوله: "فلم يزل يعرضها" بفتح أوله وكسر الراء. وفي رواية الشعبي عند الطبري "فقال له ذلك مرارا" . قوله: "ويعيدانه بتلك المقالة" أي ويعيدانه إلى الكفر بتلك المقالة، كأنه قال: كان قارب أن يقولها فيردانه. ووقع في رواية معمر فيعودان له بتلك المقالة وهي أوضح، ووقع عند مسلم: "فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويقول له تلك المقالة" قال القرطبي في: "المفهم" كذا في الأصول وعند أكثر الشيوخ، والمعنى أنه عرض عليه الشهادة وكررها عليه. ووقع في بعض النسخ "ويعيد أن له بتلك المقالة" والمراد قول أبي جهل ورفيقه له "ترغب عن ملة عبد المطلب" . قوله: "آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب" خبر مبتدأ محذوف أي هو على ملة. وفي رواية معمر "هو على ملة عبد المطلب" وأراد بذلك نفسه. ويحتمل أن يكون قال: "أنا" فغيرها الراوي أنفة أن يحكي كلام أبي طالب استقباحا للفظ المذكور؛ وهي من التصرفات الحسنة. ووقع في رواية مجاهد قال: "يا ابن أخي ملة الأشياخ" ووقع في حديث أبي حازم عن أبي هريرة عند مسلم والترمذي والطبري "قال: لولا أن تعيرني قريش يقولون ما حمله عليه إلا جزع الموت لأقررت بها عينك" وفي رواية الشعبي عند الطبراني "قال: لولا أن يكون عليك عار لم أبال أن أفعل" وضبط "جزع" بالجيم والزاي، ولبعض رواة مسلم بالخاء المعجمة والراء. قوله: "وأبى أن يقول لا إله إلا الله" هو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ذلك منه في تلك الحال، وهذا القدر هو الذي يمكن إطلاعه عليه، ويحتمل أن يكون أطلعه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. قوله:"والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" قال الزين بن المنير: ليس المراد طلب المغفرة العامة والمسامحة بذنب الشرك، وإنما

(8/507)


المراد تخفيف العذاب عنه كما جاء مبينا في حديث آخر. قلت: وهي غفلة شديدة منه، فإن الشفاعة لأبي طالب في تخفيف العذاب لم ترد، وطلبها لم ينه عنه، وإنما وقع النهي عن طلب المغفرة العامة، وإنما ساغ ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم اقتداء بإبراهيم في ذلك، ثم ورد نسخ ذلك كما سيأتي بيانه واضحا. قوله: "فأنزل الله: ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين" أي ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي هكذا وقع في هذه الرواية. وروى الطبري من طريق شبل عن عمرو بن دينار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال استغفر لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي. فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه، فنزلت" وهذا فيه إشكال، لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقا، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرر النزول. وقد أخرج الحاكم وابن أبي حاتم من طريق أيوب بن هانئ عن مسروق عن ابن مسعود قال: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما إلى المقابر فاتبعناه، فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى، فبكينا لبكائه، فقال: إن القبر الذي جلست عنده قبر أمي، واستأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي، فأنزل علي : {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} وأخرج أحمد من حديث ابن بريدة عن أبيه نحوه وفيه: "نزل بنا ونحن معه قريب من ألف راكب" ولم يذكر نزول الآية. وفي رواية الطبري من هذا الوجه" لما قدم مكة أتى رسم قبر" ومن طريق فضيل بن مرزوق عن عطية" لما قدم مكة وقف على قبر أمه حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت، وللطبراني من طريق عبد الله بن كيسان عن عكرمة عن ابن عباس نحو حديث ابن مسعود وفيه: "لما هبط من ثنية عسفان" وفيه نزول الآية في ذلك. فهذه طرق يعضد بعضها بعضا، وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ويؤيده أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد بعد أن شج وجهه "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصا بالأحياء وليس البحث فيه، ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم وهو أمر أبي طالب ومتأخر وهو أمر آمنة. ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره صلى الله عليه وسلم للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخير النزول وإن تقدم السبب، ويشير إلى ذلك أيضا قوله في حديث الباب: "وأنزل الله في أبي طالب: إنك لا تهدي من أحببت" لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره والثانية نزلت فيه وحده، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال: "سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ما كان للنبي الآية" وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وقال المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه؟ فنزلت ومن طريق قتادة قال: "ذكرنا له أن رجالا" فذكر نحوه. وفي الحديث أن من لم يعمل خيرا قط إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا الله حكم بإسلامه وأجريت عليه أحكام المسلمين، فإن قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند الله تعالى، بشرط أن لا يكون وصل إلى حد انقطاع الأمل من الحياة وعجز عن فهم الخطاب ورد الجواب وهو وقت المعاينة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} والله أعلم. قوله: "العدوان والعداء والتعدي واحد" أي بمعنى واحد وأراد تفسير قوله في قصة موسى وشعيب: {فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ} والعداء بفتح العين ممدود قال أبو عبيدة في قوله: {فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ} : وهو والعداء والتعدي والعدو كله واحد، والعدو

(8/508)


من قوله: عدا فلان على فلان. قوله: وقال ابن عباس: "أولي القوة" : لا يرفعها العصبة من الرجال "لتنوء" لتثقل "فارغا" إلا من ذكر موسى "الفرحين" المرحين "قصيه" اتبعي أثره، وقد يكون أن يقص الكلام "نحن نقص عليك" . "عن جنب" عن بعد وعن جنابة واحد وعن اجتناب أيضا. "نبطش" ونبطش أي بكسر الطاء وضمها. "يأتمرون: يتشاورون" هذا جميعه سقط لأبي ذر والأصيلي وثبت لغيرهما من أوله إلى قوله: "ذكر موسى" تقدم في أحاديث الأنبياء في قصة موسى وكذا قوله: "نبطش إلخ" وأما قوله: "الفرحين المرحين" فهو عند ابن أبي حاتم موصول من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقوله: {قُصِّيهِ} : اتبعي أثره" وصله ابن أبي حاتم من طريق القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال في قوله: {قَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ} : قصي أثره. وقال أبو عبيدة في قوله: "قصيه" اتبعي أثره، يقال: قصصت آثار القوم. وقال في قوله: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ} أي عن بعد وتجنب، ويقال: ما تأتينا إلا عن جنابة وعن جنب. قوله: "تأجرني تأجر فلانا تعطيه أجرا، ومنه التعزية آجرك الله" ثبت هذا للنسفي وقد قال أبو عبيدة في قوله: {عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} من الإجارة، يقال: فلان تأجر فلانا، ومنه آجرك الله. قوله: "الشاطئ والشط واحد، وهما ضفتا وعدوتا الوادي" ثبت هذا للنسفي أيضا، وقد قال أبو عبيدة: "نودي من شاطئ الوادي" : الشاطئ والشط واحد وهما ضفتا الوادي وعدوتاه. قوله: "كأنها جان" في رواية أخرى {حيَّةٌ تَسْعَى} والحيات أجناس. الجان والأفاعي والأساود، ثبت هذا للنسفي أيضا وقد تقدم في بدء الخلق. قوله: "مقبوحين: مهلكين" هو قول أبي عبيدة أيضا. قوله: "وصلنا بيناه وأتمناه" هو قول أبي عبيدة أيضا. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي في قوله: {وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ} قال: بينا لهم القول، وقيل: المعنى أتبعنا بعضه بعضا فاتصل وهذا قول الفراء. قوله: "يجبى يجلب" هو بسكون الجيم وفتح اللام ثم موحدة. وقال أبو عبيدة في قوله: {يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ} أي يجمع كما يجمع الماء في الجابية فيجمع للوارد. قوله: "بطرت أشرت" قال أبو عبيدة في قوله: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا} أي أشرت وطغت وبغت، والمعنى بطرت في معيشتها. فانتصب بنزع الخافض. وقال الفراء: المعنى أبطرتها معيشتها. قوله: "في أمها رسولا: أم القرى مكة وما حولها" قال أبو عبيدة: أم القرى مكة في قول العرب وفي رواية أخرى "لتنذر أم القرى ومن حولها" ولابن أبي حاتم من طريق قتادة نحوه. ومن وجه آخر عن قتادة عن الحسن في قوله: "في أمها" قال: في أوائلها. قوله: "تكن تخفي، أكننت الشيء أخفيته، وكننته أخفيته وأظهرته" كذا للأكثر، ولبعضهم أكننته أخفيته، وكننته خفيته. وقال ابن فارس: أخفيته سترته وخفيته أظهرته. وقال أبو عبيدة في قوله: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ} أي تخفي، يقال: أكننت ذلك في صدري بألف، وكننت الشيء خفيته وهو بغير ألف. وقال في موضع آخر: أكننت وكننت واحد. وقال أبو عبيدة: أكننته إذا أخفيته وأظهرته وهو من الأضداد. قوله: "ويكأن الله مثل "ألم تر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر "يوسع عليه ويضيق" وقع هذا لغير أبي ذر وهو قول أبي عبيدة قال في قوله تعالى: {وَيْكَأَنَّ اللَّهَ} أي ألم تر أن الله. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: "ويكأن الله" أي أو لا يعلم أن الله.

(8/509)


2- باب {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} الآيَةَ
4773- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا يَعْلَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ {لَرَادُّكَ

(8/509)


إِلَى مَعَادٍ} قَالَ إِلَى مَكَّةَ
قوله: "باب {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ} سقطت الترجمة لغير أبي ذر. قوله: "أخبرنا يعلى" هو ابن عبيد. قوله: "حدثنا سفيان العصفري" هو ابن دينار التمار كما تقدم تحقيقه في آخر الجنائز، وليس له في البخاري سوى هذين الموضعين. قوله: "لرادك إلى معاد، قال: إلى مكة" هكذا في هذه الرواية. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: كان ابن عباس يكتم تفسير هذه الآية، وروى الطبري من وجه آخر عن ابن عباس قال: {لَرَادُكَ إلَى مَعٍادٍ} : قال: إلى الجنة" وإسناده ضعيف، ومن وجه آخر قال: "إلى الموت" وأخرجه ابن أبي حاتم وإسناده لا بأس به، ومن طريق مجاهد قال: "يحييك يوم القيامة" ومن وجه آخر عنه "إلى مكة" وقال عبد الرزاق قال معمر: وأما الحسن والزهري فقالا هو يوم القيامة؛ وروى أبو يعلى من طريق أبي جعفر محمد بن علي قال: سألت أبا سعيد عن هذه الآية فقال: معاده آخرته، وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف.

(8/510)


29 - سورة الْعَنْكَبُوتِ
قَالَ مُجَاهِدٌ وَكَانُوا {مُسْتَبْصِرِينَ} ضَلَلَةً وَقَالَ غَيْرُهُ الْحَيَوَانُ وَالْحَيُّ وَاحِدٌ {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ فَلِيَمِيزَ اللَّهُ كَقَوْلِهِ {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ} {أَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} أَوْزَاراً مَعَ أَوْزَارِهِم"
قوله: "سورة العنكبوت - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سقطت "سورة والبسملة" لغير أبي ذر. قوله: "وقال مجاهد: وكانوا مستبصرين ضللة" وصله ابن أبي حاتم من طريق شبل بن عباد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: معجبين بضلالتهم. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن قتادة قال: كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها. قوله: "وقال غيره: الحيوان والحي واحد" ثبت هذا لأبي ذر وحده، وللأصيلي: الحيوان والحياة واحد، وهو قول أبي عبيدة قال: الحيوان والحياة واحد وزاد: ومنه قولهم نهر الحيوان أي نهر الحياة، وتقول حييت حيا، والحيوان والحياة اسمان منه. وللطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {لَهيَ الحَيَوانُ} قال: لا موت فيها. قوله: {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ} علم الله ذلك إنما هي بمنزلة فليميز الله كقوله: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} وقال أبو عبيده في قوله تعالى: {وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} أي فليميزن الله لأن الله قد علم ذلك من قبل. قوله: {وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} أوزارا مع أوزارهم "هو قول أبي عبيدة أيضا. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في هذه الآية قال: من دعا قوما إلى ضلالة فعليه مثل أوزارهم. ولابن أبي حاتم من وجه آخر عن قتادة قال: "وليحملن أثقالهم" أي أوزارهم {وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ} أوزار من أضلوا.

(8/510)


30 - سورة الرُّومِ
{فَلاَ يَرْبُو} عِنْدَ اللَّهِ مَنْ أَعْطَى عَطِيَّةً يَبْتَغِي أَفْضَلَ مِنْهُ فَلاَ أَجْرَ لَهُ فِيهَا قَالَ مُجَاهِدٌ {يُحْبَرُونَ} يُنَعَّمُونَ {يَمْهَدُونَ} يُسَوُّونَ الْمَضَاجِعَ {الْوَدْقُ} الْمَطَرُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} فِي الآلِهَةِ وَفِيهِ تَخَافُونَهُمْ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا {يَصَّدَّعُونَ} يَتَفَرَّقُونَ فَاصْدَعْ وَقَالَ غَيْرُهُ ضُعْفٌ وَضَعْفٌ

(8/510)


باب {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} لِدِينِ اللَّهِ {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} دِينُ الأَوَّلِينَ وَالْفِطْرَةُ الإِسْلاَمُ
4775- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} "
قوله: باب {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} لدين الله، {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} دين الأولين" أخرج الطبري من طريق إبراهيم النخعي في قوله: {لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} قال: لدين الله. ومن طرق عن مجاهد وعكرمة وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك مثله، وفيه قول آخر أخرجه الطبري من طرق عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد قال: الإحصاء. وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} يقول: دين الأولين، وهذا يؤيد الأول. وفيه قول آخر أخرجه ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن علقمة في قوله: {خُلُقُ الأَوَّلِينَ} قال: اختلاق الأولين. ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كذبهم. ومن طريق قتادة قال: سيرتهم.

(8/512)


قوله: "والفطرة الإسلام" هو قول عكرمة: وصله الطبري من طريقه، وقد تقدم نقل الخلاف في ذلك في أواخر كتاب الجنائز. حديث أبي هريرة "ما من مولود إلا يولد على الفطرة" وقد تقدم بسنده ومتنه في كتاب الجنائز مع شرحه في "باب ما قيل في أولاد المشركين" .

(8/513)


سورة لقمان: باب {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم}
...
31 - سورة لُقْمَانَ
1 - باب {لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
4776- حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال ثم لما نزلت هذه الآية {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا أينا لم يلبس إيمانه بظلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه ليس بذاك آلا تسمع إلى قول لقمان لابنه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}
قوله: "سورة لقمان – {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سقطت سورة والبسملة لغير أبي ذر؛ وسقطت البسملة فقط للنسفي.
قوله: {لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} ذكر فيه حديث ابن مسعود في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الإيمان.

(8/513)


2 - باب {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ}
4777- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي فَقَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِيمَانُ قَالَ الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الْآخِرِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِسْلاَمُ قَالَ الإِسْلاَمُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمَ الصَّلاَةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الإِحْسَانُ قَالَ الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا إِذَا وَلَدَتْ الْمَرْأَةُ رَبَّتَهَا فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا فِي خَمْسٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ} ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ رُدُّوا عَلَيَّ فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا فَقَالَ هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُم"
4778- حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ ثُمَّ قَرَأَ

(8/513)


32 - سورة السَّجْدَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {مَهِينٍ} ضَعِيفٍ نُطْفَةُ الرَّجُلِ {ضَلَلْنَا} هَلَكْنَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {الْجُرُزُ} الَّتِي لاَ تُمْطَرُ إِلاَّ مَطَرًا لاَ يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا {يَهْدِ} يُبَيِّنْ
قوله: "سورة السجدة {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كذا لأبي ذر وسقطت البسملة للنسفي، ولغيرهما:"تنزيل السجدة" حسب. قوله: "وقال مجاهد: مهين ضعيف نطفة الرجل" وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: "من ماء مهين" ضعيف، وللفريابي من هذا الوجه في قوله: {مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} قال: نطفة الرجل. قوله: "ضللنا هلكنا" وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} قال: هلكنا. قوله: "وقال ابن عباس الجرز التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا" وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن رجل عن مجاهد عنه مثله، وذكره الفريابي وإبراهيم الحربي في "غريب الحديث:"من طريق ابن أبي نجيح عن رجل عن ابن عباس كذلك زاد إبراهيم، وعن مجاهد قال: هي أرض أبين. وأنكر ذلك الحربي وقال: أبين مدينة معروفة باليمن فلعل مجاهدا قال ذلك في وقت لم تكن أبين تنبت فيه شيئا. وأخرج ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن ابن عباس في قوله: {إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ} قال: هي أرض باليمن. وقال أبو عبيدة: الأرض الجرز اليابسة الغليظة التي لم يصبها مطر. قوله: {يَهْدِ} يبين أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} قال: أو لم يبين لهم. وقال أبو عبيدة في قوله: {وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ} أي يبين لهم وهو من الهدى.

(8/515)


1- باب {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ}
4779- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} و حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ اللَّهُ مِثْلَهُ قِيلَ لِسُفْيَانَ رِوَايَةً قَالَ فَأَيُّ شَيْءٍ؟ قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ "قُرَّاتِ أَعْيُن" .
4780- حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الأَعْمَشِ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ

(8/515)


33- سورة الأَحْزَابِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {صَيَاصِيهِمْ} قُصُورِهِمْ، معروفا في الكتاب
1- باب 4781- حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلاَه"
قوله: "سورة الأحزاب {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سقطت سورة والبسملة لغير أبي ذر، وسقطت البسملة فقط للنسفي. قوله: "وقال مجاهد: صياصيهم قصورهم" وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه. قوله: "معروفا في الكتاب" ثبت هذا للنسفي وحده، وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن ابن جريج قال: قلت لعطاء في هذه الآية: {إلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفاً} فقال: هو إعطاء المسلم الكافر بينهما قرابة صلة له. قوله: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} ثبتت هذه الترجمة لأبي ذر. حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به " الحديث، وسيأتي الكلام عليه في الفرائض إن شاء الله تعالى.

(8/517)


2- باب {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ}
4782-حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلاَّ زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} "
قوله: "باب {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} أي أعدل، وسيأتي تفسير القسط، والفرق بين القاسط والمقسط في آخر الكتاب. قوله: "إن زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد ابن محمد، حتى نزل القرآن: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} في رواية القاسم بن معن عن موسى بن عقبة في هذا الحديث: "ما كنا ندعو زيد بن حارثة الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا زيد ابن محمد" أخرجه الإسماعيلي. وفي حديث عائشة الآتي في النكاح في قصة سالم مولى أبي حذيفة "وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث ميراثه، حتى نزلت هذه الآية" وسيأتي مزيد الكلام على قصة زيد بن حارثة في ذلك بعد قليل إن شاء الله تعالى.

(8/517)


باب {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينظر وما بدلوا تبديلا}
...
3- باب {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} نَحْبَهُ عَهْدَهُ أَقْطَارِهَا جَوَانِبُهَا الْفِتْنَةَ لاَتَوْهَا لاَعْطَوْهَا

(8/517)


باب {قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا}
...
4- باب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} وَقَالَ مَعْمَرٌ التَّبَرُّجُ أَنْ تُخْرِجَ مَحَاسِنَهَا سُنَّةَ اللَّهِ اسْتَنَّهَا جَعَلَهَا
4785- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَسْتَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ قَالَ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَة"
قوله: "باب {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} في رواية أبي ذر {أُمَتِّعْكُنَّ} الآية" . قوله: "وقال معمر" كذا لأبي ذر. وسقط هذا العزو من رواية غيره. قوله: "التبرج أن تخرج زينتها" هو قول أبي عبيدة واسمه معمر بن المثنى، ولفظه في "كتاب المجاز: . في قوله تعالى: {وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} هو من التبرج، وهو أن يبرزن محاسنهن. وتوهم مغلطاي ومن قلده أن مراد البخاري معمر بن راشد فنسب هذا إلى تخريج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر، ولا وجود لذلك في تفسير

(8/519)


عبد الرزاق، وإنما أخرج عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال. كانت المرأة تخرج تتمشى بين الرجال فذلك تبرج الجاهلية، وعند ابن أبي حاتم عن طريق شيبان عن قتادة قال: كانت لهن مشية وتكسر وتغنج إذا خرجن من البيوت فنهين عن ذلك. ومن طريق عكرمة عن ابن عباس قال: قال عمر: ما كانت إلا جاهلية واحدة. فقال له ابن عباس. هل سمعت بأولى إلا ولها آخرة؟ ومن وجه آخر عن ابن عباس قال: تكون جاهلية أخرى. ومن وجه آخر عنه قال: كانت الجاهلية الأولى ألف سنة فيما بين نوح وإدريس، وإسناده قوي. ومن حديث عائشة قالت: الجاهلية الأولى بين نوح وإبراهيم، وإسناده ضعيف. ومن طريق عامر - وهو الشعبي - قال: هي ما بين عيسى ومحمد. وعن مقاتل بن حيان قال: الأولى زمان إبراهيم، والأخرى زمان محمد قبل أن يبعث. قلت: ولعله أراد الجمع بين ما نقل عن عائشة وعن الشعبي والله أعلم. قوله: "سنة الله استنها جعلها" هو قول أبي عبيده أيضا وزاد: جعلها سنة. ونسبه مغلطاي ومن تبعه أيضا إلى تخريج عبد الرزاق عن معمر، وليس ذلك فيه. قوله: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءها حين أمر الله أن يخير أزواجه" سيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعده.

(8/520)


5- باب {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} وَقَالَ قَتَادَةُ: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} الْقُرْآنِ وَالْحِكْمَةُ السُّنَّةُ
4786- وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي فَقَالَ: " إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلاَ عَلَيْكِ أَنْ لاَ تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ قَالَتْ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا إِلَى أَجْرًا عَظِيمًا} قَالَتْ فَقُلْتُ فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْخِرَةَ قَالَتْ ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَة"
قوله: "باب قوله: {وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ساقوا كلهم الآية إلى { عَظِيمًا}. قوله: "وقال قتادة: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} ، القرآن والسنة" وصله ابن أبي حاتم من طريق معمر عن قتادة بلفظ: "من آيات الله والحكمة، القرآن والسنة" أورده بصورة اللف والنشر المرتب، وكذا هو في تفسير عبد الرزاق. قوله: "وقال الليث: حدثني يونس" وصله الذهلي عن أبي صالح عنه، وأخرجه ابن جرير والنسائي والإسماعيلي من رواية ابن وهب عن يونس كذلك. قوله: "لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه" ورد في سبب هذا التخيير ما أخرجه مسلم من حديث جابر قال: "دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: "من حولي كما ترى يسألنني النفقة" يعني نساءه، وفيه أنه اعتزلهن شهرا ثم نزلت عليه هذه الآية {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ} حتى بلغ {أَجْراً عَظِيماً} قال: فبدأ بعائشة فذكر نحو حديث الباب، وقد تقدم في المظالم من طريق عقيل

(8/520)


ويأتي في النكاح أيضا من طريق شعيب كلاهما عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا بطوله وفي آخره: "حين أفشته حفصة إلى عائشة "وكان قد قال: ما أنا بداخل عليهن شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها، فقالت له: إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وقد أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدها عدا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الشهر تسع وعشرون" . وكان ذلك الشهر تسعا وعشرين. قالت عائشة: "فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة فقال: إني ذاكر لك أمرا، فلا عليك أن لا تعجلي" الحديث. وهذا السياق ظاهره أن الحديث كله من رواية ابن عباس عن عمر، وأما المروي عن عائشة فمن رواية ابن عباس عنها، وقد وقع التصريح بذلك فيما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي صالح عن الليث بهذا الإسناد إلى ابن عباس قال: "قالت عائشة: أنزلت آية التخيير، فبدأ بي" الحديث. لكن أخرج مسلم الحديث من رواية معمر عن الزهري ففصله تفصيلا حسنا، وذلك أنه أخرجه بطوله إلى آخر قصة عمر في المتظاهرتين إلى قوله: "حتى عاتبه" ثم عقبه بقوله: "قال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة قالت: لما مضى تسع وعشرون" فذكر مراجعتها في ذلك ثم عقبه بقوله: "قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك" الحديث. فعرف من هذا أن قوله: "فلما مضت تسع وعشرون إلخ" في رواية عقيل هو من رواية الزهري عن عائشة بحذف الواسطة، ولعل ذلك وقع عن عمد من أجل الاختلاف على الزهري في الواسطة بينه وبين عائشة في هذه القصة بعينها كما بينه المصنف هنا، وكأن من أدرجه في رواية ابن عباس مشى على ظاهر السياق ولم يفطن للتفصيل الذي وقع في رواية معمر، وقد أخرج مسلم أيضا من طريق سماك بن الوليد عن ابن عباس" حدثني عمر بن الخطاب قال: لما اعتزل النبي نساءه دخلت المسجد" الحديث بطوله وفي آخره: "قال: وأنزل الله آية التخيير" فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهن فيه، ووقع ذلك صريحا في رواية عمرة عن عائشة قالت: "لما نزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى نسائه أمر أن يخيرهن" الحديث أخرجه الطبري والطحاوي، واختلف الحديثان في سبب الاعتزال، ويمكن الجمع بأن يكون القضيتان جميعا سبب الاعتزال فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين، وسيأتي في "باب من خير نساءه" من كتاب الطلاق بيان الحكم فيمن خيرها زوجها إن شاء الله تعالى. وقال الماوردي: اختلف هل كان التخيير بين الدنيا والآخرة أو بين الطلاق والإقامة عنده؟ على قولين للعلماء أشبههما بقول الشافعي الثاني، ثم قال: إنه الصحيح. وكذا قال القرطبي: اختلف في التخيير هل كان في البقاء والطلاق أو كان بين الدنيا والآخرة انتهى. والذي يظهر الجمع بين القولين، لأن أحد الأمرين ملزوم للآخر، وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن وبين الآخرة فيمسكهن، وهو مقتضى سياق الآية. ثم ظهر لي أن محل القولين هل فوض إليهن الطلاق أم لا؟ ولهذا أخرج أحمد عن علي قال: "لم يخير رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه إلا بين الدنيا والآخرة" . قوله: "فلا عليك أن لا تعجلي" أي فلا بأس عليك في التأني وعدم العجلة حتى تشاوري أبويك. قوله: "حتى تستأمري أبويك" أي تطلبي منهما أن يبينا لك رأيهما في ذلك. ووقع في حديث جابر "حتى تستشيري أبويك" زاد محمد بن عمرو عن أبي سلمه عن عائشة "إني عارض عليك أمرا فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان " أخرجه أحمد والطبري، ويستقاد منه أن أم رومان كانت يومئذ موجودة، فيرد به

(8/521)


على من زعم أنها ماتت سنة ست من الهجرة، فإن التخيير كان في سنة تسع. قوله: "قالت: فقلت: ففي أي هذا أستأمر أبوي"؟ في رواية محمد بن عمرو "فقلت: فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، ولا أؤامر أبوي أبا بكر وأم رومان، فضحك" وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه عند الطبري "ففرح" . قوله: "ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت" في رواية عقيل "ثم خير نساءه فقلن مثل ما قالت عائشة" زاد ابن وهب عن يونس في روايته: "فلم يكن ذلك طلاقا حين قاله لهن فاخترنه" أخرجه الطبري. وفي رواية محمد بن عمرو المذكورة "ثم استقرى الحجر - يعني حجر أزواجه - فقال: إن عائشة قالت كذا، فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت" . وقوله: "استقرى الحجر" أي تتبع، والحجر - بضم المهملة وفتح الجيم - جمع حجرة بضم ثم سكون، والمراد مساكن أزواجه صلى الله عليه وسلم، وفي حديث جابر المذكور أن عائشة لما قالت: "بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة" قالت: "يا رسول الله وأسألك أن لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت، فقال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني متعنتا وإنما بعثني معلما ميسرا" . وفي رواية معمر عند مسلم: "قال معمر: فأخبرني أيوب أن عائشة قالت: لا تخبر نساءك أني اخترتك، فقال: إن الله أرسلني مبلغا ولم يرسلني متعنتا" وهذا منقطع بين أيوب وعائشة، ويشهد لصحته حديث جابر والله أعلم. وفي الحديث ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه وحلمه عنهن وصبره على ما كان يصدر منهم من إدلال وغيره مما يبعثه عليهن الغيرة. وفيه فضل عائشة لبداءته بها، كذا قرره النووي، لكن روى ابن مردويه من طريق الحسن عن عائشة أنها طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا، فأمر الله نبيه أن يخير نساءه: أما عند الله تردن أم الدنيا؟ فإن ثبت هذا وكانت هي السبب في التخيير فلعل البداءة بها لذلك، لكن الحسن لم يسمع من عائشة فهو ضعيف، وحديث جابر في أن النسوة كن يسألنه النفقة أصح طريقا منه، وإذا تقرر أن السبب لم يتحد فيها وقدمت في التخيير دل على المراد، لا سيما مع تقديمه لها أيضا في البداءة بها في الدخول عليها. وفيه أن صغر السن مظنة لنقص الرأي، قال العلماء: إنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن تستأمر أبويها خشية أن يحملها صغر السن على اختيار الشق الآخر، لاحتمال أن لا يكون عندها من الملكة ما يدفع ذلك العارض، فإذا استشارت أبويها أوضحا لها ما في ذلك من المفسدة وما في مقابله من المصلحة، ولهذا لما فطنت عائشة لذلك قالت: "قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه" ووقع في رواية عمرة عن عائشة في هذه القصة "وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم حداثتي" وهذا شاهل للتأويل المذكور، وفيه منقبة عظيمة لعائشة وبيان كمال عقلها وصحة رأيها مع صغر سنها، وأن الغيرة تحمل المرأة الكاملة الرأي والعقل على ارتكاب ما لا يليق بحالها لسؤالها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يخبر أحدا من أزواجه بفعلها، ولكنه صلى الله عليه وسلم لما علم أن الحامل لها على ذلك ما طبع عليه النساء من الغيرة ومحبة الاستبداد دون ضرائرها لم يسعفها بما طلبت من ذلك. "تنبيه" : وقع في النهاية والوسيط التصريح بأن عائشة أرادت أن يختار نساؤه الفراق، فإن كانا ذكراه فيما فهماه من السياق فذاك وإلا فلم أر في شيء من طرق الحديث التصريح بذلك، وذكر بعض العلماء أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم تخيير أزواجه واستند إلى هذه القصة، ولا دلالة فيها على الاختصاص. نعم ادعى بعض من قال: إن التخيير طلاق أنه في حق الأمة، واختص هو صلى الله عليه وسلم بأن ذلك في حقه ليس بطلاق، وسيأتي مزيد بيان لذلك في كتاب الطلاق إن شاء تعالى. واستدل به بعضهم على ضعف ما جاء أن من الأزواج حينئذ من اختارت الدنيا فتزوجها وهي فاطمة بنت الضحاك لعموم قوله: ثم فعل إلخ. قوله: "تابعه موسى بن أعين عن معمر عن الزهري أخبرني أبو سلمة" يعني عن عائشة،

(8/522)


وصل النسائي من طريق محمد بن موسى بن أعين حدثنا أبي فذكره. قوله: "وقال عبد الرزاق وأبو سفيان المعمري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة" ما رواية عبد الرزاق فوصلها مسلم وابن ماجه من طريقه، وأخرجها أحمد وإسحاق في مسنديهما عنه، وقصر من قصر تخريجها على ابن ماجه. وأما رواية أبي سفيان المعمري فأخرجها الذهلي في الزهريات وتابع معمرا على عروة جعفر بن برقان، ولعل الحديث كان عند الزهري عنهما فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، وإلى هذا مال الترمذي. وقد رواه عقيل وشعب عن الزهري عن عائشة بغير واسطة كما قدمته، والله أعلم.

(8/523)


باب {ويخفي في نفسك ما الله مبدية وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه}
...
6- باب {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ}
4787- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَة"
[الحديث 4787- طرفه في: 7420]
قوله: "باب {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ} لم تختلف الروايات أنها نزلت في قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش. قوله: "حدثنا معلى بن منصور" هو الرازي، وليس له عند البخاري سوى هذا الحديث وآخر في البيوع، وقد قال في "التاريخ الصغير" : دخلنا عليه سنة عشر، فكأنه لم يكثر عنه ولهذا حدث عنه في هذين الموضعين بواسطة. قوله: "حدثنا ثابت" كذا قال معلى بن منصور عن حماد، وتابعه محمد بن أبي بكر المقدمي وعارم وغيرهما. وقال الصلت بن مسعود وروح بن عبد المؤمن وغيرهما:"عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس" فلعل لحماد فيه إسنادين. وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق سليمان بن أيوب صاحب البصري عن حماد بن زيد بالإسنادين معا. قوله: "إن هذه الآية {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ} نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة" هكذا اقتصر على هذا القدر من هذه القصة، وقد أخرجه في التوحيد من وجه آخر عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: "جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا لكتم هذه الآية" قال: "وكانت تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم:"الحديث. وأخرجه أحمد عن مؤمل بن إسماعيل عن حماد بن زيد بهذا الإسناد بلفظ: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم منزل زيد بن حارثة فجاءه زيد يشكوها إليه، فقال له: " أمسك عليك زوجك واتق الله" ، فنزلت إلى قوله: {زَوَّجْنَاكَهَا} قال: يعني زينب بنت جحش" . وقد أخرج ابن أبي حاتم هذه القصة من طريق السدي فساقها سياقا واضحا حسنا ولفظه: "بلغنا أن هذه الآية نزلت في زينب بنت جحش، وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يزوجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك، ثم إنها رضيت بما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها إياه، ثم أعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمر بطلاقها، وكان لا يزال يكون بين زيد وزينب ما يكون من الناس، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمسك عليه زوجه وأن يتقي الله، وكان يخشى الناس أن يعيبوا عليه ويقولوا تزوج امرأة ابنه، وكان قد تبنى زيدا" . وعنده من طريق علي بن زيد عن علي بن الحصين

(8/523)


بن علي قال: أعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن زينب ستكون من أزواجه قبل أن يتزوجها، فلما أتاه زيد يشكوها إليه وقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك قال الله: قد أخبرتك أني مزوجكها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه. وقد أطنب الترمذي الحكيم في تحسين هذه الرواية وقال: إنها من جواهر العلم المكنون. وكأنه لم يقف على تفسير السدي الذي أوردته، وهو أوضح سياقا وأصح إسنادا إليه لضعف علي بن زيد بن جدعان. وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: جاء زيد بن حارثة فقال: يا رسول الله إن زينب اشتد علي لسانها، وأنا أريد أن أطلقها، فقال له: "اتق الله وأمسك عليك زوجك" ، قال: والنبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يطلقها ويخشى قالة الناس. ووردت آثار أخرى أخرجها ابن أبي حاتم والطبري ونقلها كثير من المفسرين لا ينبغي التشاغل بها، والذي أوردته منها هو المعتمد. والحاصل أن الذي كان يخفيه النبي صلى الله عليه وسلم هو إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته، والذي كان يحمله على إخفاء ذلك خشية قول الناس تزوج امرأة ابنه، وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه وهو تزوج امرأة الذي يدعي ابنا. ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم. وإنما وقع الخبط في تأويل متعلق الخشية والله أعلم، وقد أخرج الترمذي من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن عائشة قالت: "لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية" وإذ تقول للذي أنعم الله عليه - يعني بالإسلام - وأنعمت عليه - بالعتق - أمسك عليك زوجك" إلى قوله: "قدرا مقدورا" وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تزوجها قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} الآية، وكان تبناه وهو صغير. قلت: حتى صار رجلا يقال له زيد ابن محمد، فأنزل الله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ} إلى قوله: {وَمَوَالِيكُمْ}. قال الترمذي: روي عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة إلى قوله: "لكتم هذه الآية" ولم يذكر ما بعده. قلت: وهذا القدر أخرجه مسلم كما قال الترمذي، وأظن الزائد بعده مدرجا في الخبر، فإن الراوي له عن داود لم يكن بالحافظ. وقال ابن العربي: إنما قال عليه الصلاة والسلام لزيد: "أمسك عليك زوجك" اختبارا لما عنده من الرغبة فيها أو عنها، فلما أطلعه زيد على ما عنده منها من النفرة التي نشأت من تعاظمها عليه وبذاءة لسانها أذن له في طلاقها، وليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع الآمر به والله أعلم. وروى أحمد ومسلم والنسائي من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: "لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لزيد: "اذكرها علي" ، قال: فانطلقت فقلت: يا زينب، أبشري، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها بغير إذن" وهذا أيضا من أبلغ ما وقع في ذلك، وهو أن يكون الذي كان زوجها هو الخاطب، لئلا يظن أحد أن ذلك وقع قهرا بغير رضاه. وفيه أيضا اختبار ما كان عنده منها هل بقي منه شيء أم لا؟ وفيه استحباب فعل المرأة الاستخارة ودعائها عند الخطبة قبل الإجابة، وأن من وكل أمره إلى الله عز وجل يسر الله له ما هو الأحظ له والأنفع دنيا وأخرى.

(8/524)


باب {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك}
...
7- باب {تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تُرْجِئُ تُؤَخِّرُ أَرْجِئْهُ أَخِّرْهُ
4788- حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ هِشَامٌ حَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا

(8/524)


قَالَتْ كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللاَتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقُولُ أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} قُلْتُ مَا أُرَى رَبَّكَ إِلاَّ يُسَارِعُ فِي هَوَاك"
[الحديث 4788- طرفه في: 5113]
4789- حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} فَقُلْتُ لَهَا مَا كُنْتِ تَقُولِينَ قَالَتْ كُنْتُ أَقُولُ لَهُ إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لاَ أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عَاصِمًا"
قوله: "باب قوله: {تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنْ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ} كذا للجميع، وسقط لفظ: "باب" لغير أبي ذر، وحكى الواحدي عن المفسرين أن هذه الآية نزلت عقب نزول آية التخيير، وذلك أن التخيير لما وقع أشفق بعض الأزواج أن يطلقهن ففوضن أمر القسم إليه، فأنزلت: {تُرْجِئُ مَنْ تَشَاءُ} الآية. قوله: "قال ابن عباس: ترجي تؤخر" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس به. قوله: "أرجه أخره" هذا من تفسير الأعراف والشعراء، ذكره هنا استطرادا. وقد وصله ابن أبي حاتم أيضا من طريق عطاء عن ابن عباس قال في قوله: "أرجه وأخاه" قال: أخره وأخاه. قوله: "حدثنا زكريا بن يحيى" هو الطائي وقيل: البلخي، وقد تقدم بيان ذلك في العيدين. قوله: "حدثنا أبو أسامة قال هشام: حدثنا" هو من تقديم المخبر على الصيغة وهو جائز. قوله: "كنت أغار" كذا وقع بالغين المعجمة من الغيرة ووقع عند الإسماعيلي من طريق محمد بن بشر عن هشام بن عروة بلفظ: "كانت تعير اللاتي وهبن أنفسهن" بعين مهملة وتشديد. قوله: "وهبن أنفسهن" هذا ظاهر في أن الواهبة أكثر من واحدة، ويأتي في النكاح حديث سهل بن سعد "أن امرأة قالت: يا رسول الله، إني وهبت نفسي لك" الحديث، وفيه قصة الرجل الذي طلبها قال: "التمس ولو خاتما من حديد" ومن حديث أنس "أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن لي ابنة - فذكرت من جمالها - فآثرتك بها. فقال: قد قبلتها . فلم تزل تذكر حتى قالت: لم تصدع قط. فقال: لا حاجة لي في ابنتك" وأخرجه أحمد أيضا، وهذه امرأة أخرى بلا شك. وعند ابن أبي حاتم من حديث عائشة: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم هي خولة بنت حكيم، وسيأتي الكلام عليه في كتاب النكاح، فإن البخاري أشار إليه معلقا. ومن طريق الشعبي قال: من الواهبات أم شريك. وأخرجه النسائي من طريق عروة. وعند أبي عبيدة معمر بن المثنى أن من الواهبات فاطمة بنت شريح. وقيل: إن ليلى بنت الحطيم ممن وهبت نفسها له. ومنهن زينب بنت خزيمة، جاء عن الشعبي وليس بثابت، وخولة بنت حكيم وهو في هذا الصحيح. ومن طريق قتادة عن ابن عباس قال: التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم هي ميمونة بنت الحارث، وهذا منقطع. وأورده من وجه آخر مرسل وإسناده ضعيف. ويعارضه حديث

(8/525)


سماك عن عكرمة عن ابن عباس "لم يكن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة وهبت نفسها له" أخرجه الطبري وإسناده حسن، والمواد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبت نفسها له وإن كان مباحا له لأنه راجع إلى إرادته لقوله تعالى. {إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا} ، وقد بينت عائشة في هذا الحديث سبب نزول قوله تعالى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} وأشارت إلى قوله تعالى: {وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ} وقوله تعالى: {قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ} وروى ابن مردويه من حديث ابن عمر ومن حديث ابن عباس أيضا قال: فرض عليهم أن لا نكاح إلا بولي وشاهدين قوله: "ما أرى ربك إلا يسارع في هواك" أي ما أرى الله إلا موجدا لما تريد بلا تأخير، منزلا لما تحب وتختار. وقوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} أي تؤخرهن بغير قسم، وهذا قول الجمهور، وأخرجه الطبري عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأبي رزين وغيرهم. وأخرج الطبري أيضا عن الشعبي في قوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ} قال: كن نساء وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم، فدخل ببعضهن وأرجأ بعضهن لم ينكحهن، وهذا شاذ، والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات كما تقدم. وقيل: المراد بقوله: {تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} أنه كان هم بطلاق بعضهن، فقلن له لا تطلقنا واقسم لنا ما شئت، فكان يقسم لبعضهن قسما مستويا، وهن اللاتي آواهن، ويقسم للباقي ما شاء وهن اللاتي أرجأهن. فحاصل ما نقل في تأويل "ترجي" أقوال: أحدها تطلق وتمسك، ثانيها: تعتزل من شئت منهن بغير طلاق وتقسم لغيرها، ثالثها: تقبل من شئت من الواهبات وترد من شئت. وحديث الباب يؤيد هذا والذي قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة. وظاهر ما حكته عائشة من استئذانه أنه لم يرج أحدا منهن، بمعنى أنه لم يعتزل، وهو قول الزهري: "ما أعلم أنه أرجأ أحدا من نسائه" أخرجه ابن أبي حاتم، وعن قتادة أطلق له أن يقسم كيف شاء فلم يقسم إلا بالسوية. قوله: "يستأذن المرأة في اليوم" أي الذي يكون فيه نوبتها إذا أراد أن يتوجه إلى الأخرى. قوله: "تابعه عباد بن عباد سمع عاصما" وصله ابن مردويه في تفسيره من طريق يحيي بن معين عن عباد بن عباد، ورويناه في الجزء الثالث من حديث يحيي بن معين رواية أبي بكر المروزي عنه من طريق المصريين إلى المروزي. "تكميل" : اختلف في المنفي في قوله تعالى في الآية التي تلي هذه الآية وهي قوله: "لا تحل لك النساء من بعد" هل المراد بعد الأوصاف المذكورة فكان يحل له صنف دون صنف؟ أو بعد النساء الموجودات عند التخيير؟ على قولين، وإلى الأول ذهب أبي بن كعب ومن وافقه أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وإلى الثاني ذهب ابن عباس ومن وافقه وأن ذلك وقع مجازاة لهن على اختيارهن إياه، نعم الواقع أنه صلى الله عليه وسلم لم يتجدد له تزوج امرأة بعد القصة المذكورة، لكن ذلك لا يرفع الخلاف. وقد روى الترمذي والنسائي عن عائشة "ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء" وأخرج ابن أبي حاتم عن أم سلمة رضي الله عنها مثله.

(8/526)


8- باب {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} يُقَالُ إِنَاهُ إِدْرَاكُهُ أَنَى يَأْنِي أَنَاةً فَهُوَ آنٍ

(8/526)


{لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا} إِذَا وَصَفْتَ صِفَةَ الْمُؤَنَّثِ قُلْتَ قَرِيبَةً وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وَبَدَلًا وَلَمْ تُرِدْ الصِّفَةَ نَزَعْتَ الْهَاءَ مِنْ الْمُؤَنَّثِ وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا فِي الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى
4790- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَاب"
4791- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدْ انْطَلَقُوا فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} الْآيَةَ
[الحديث 4791- أطرافه في: 4792، 4793، 4794، 5154، 5163، 5166، 5168، 5170، 5171، 5466، 6238، 6226، 6271، 7421]
4792- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الْآيَةِ آيَةِ الْحِجَابِ لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ صَنَعَ طَعَامًا وَدَعَا الْقَوْمَ فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} إِلَى قَوْلِهِ { مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} فَضُرِبَ الْحِجَابُ وَقَامَ الْقَوْم"
4793- حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ قَالَ: "ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ" وَبَقِيَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" فَقَالَتْ وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فَتَقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا ثَلاَثَةٌ مِنْ رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدَ الْحَيَاءِ فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا

(8/527)


نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَمَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَاب"
4794- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيَدْعُونَ لَهُ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيثُ فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلاَنِ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِمَا أَمْ أُخْبِرَ فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ وَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَاب"
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم"
4795- حدثني زكريا بن يحيى حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت ثم خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة أما والله ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين قالت فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق فدخلت فقالت يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمر كذا وكذا قالت فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن"
قوله: "باب قوله: {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ} إلى قوله: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً} كذا لأبي ذر والنسفي، وساق غيرهما الآية كلها. قوله: "يقال: إناه إدراكه، أنى يأنى أناة فهو آن" أنى بفتح الألف والنون مقصور، ويأتي بكسر النون، وأناة بفتح الهمزة والنون مخففا وآخره هاء تأنيث بغير مد مصدر، قال أبو عبيدة في قوله: {إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي إدراكه وبلوغه، ويقال: أنى يأنى أنيا أي بلغ وأدرك، قال الشاعر:
تمحضت المنون له بنوم ... أنى، ولكل حاملة تمام
وقوله: "أنيا" بفتح الهمزة وسكون النون مصدر أيضا. وقرأ الأعمش وحده "آناه" بمد أوله بصيغة الجمع مثل آناء الليل ولكن بغير همز في آخره. قوله: {لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} إذا وصفت صفة المؤنث قلت: قريبة، وإذا جعلته ظرفا وبدلا ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث، وكذلك لفظها في الواحد والاثنين والجمع المذكر والأنثى" هكذا وقع هذا الكلام هنا لأبي ذر والنسفي، وسقط لغيرهما وهو أوجه، لأنه وإن اتجه ذكره في هذه السورة لكن ليس هذا محله، وقد قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً} مجازه مجاز

(8/528)


الظرف هاهنا، ولو كان وصفا للساعة لكان "قريبة" وإذا كانت ظرفا فإن لفظها في الواحد وفي الاثنين والجمع من المذكر والمؤنث واحد بغير هاء وبغير جمع وبغير تثنية، وجوز غيره أن يكون المراد بالساعة اليوم فلذلك ذكره أو المراد شيئا قريبا أو زمانا قريبا أو التقدير قيام الساعة فحذف قيام وروعيت الساعة في تأنيث "تكون" وروعي المضاف المحذوف في تذكير "قريبا" وقيل قريبا كثر استعماله استعمال الظروف فهو ظرف في موضع الخبر. ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث. أحدها حديث أنس عن عمر قال: "قلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب" وهو طرف من حديث أوله: "وافقت ربي في ثلاث" وقد تقدم بتمامه في أوائل الصلاة وفي تفسير البقرة. ثانيها: حديث أنس في قصة بناء النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش ونزول آية الحجاب، أورده من أربعة طرق عن أنس بعضها أتم من بعض، وقوله: "لما أهديت" أي لما زينتها الماشطة وزفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وزعم الصغاني أن الصواب "هديت" بغير ألف، لكن توارد النسخ على إثباتها يرد عليه، ولا مانع من استعمال الهدية في هذا استعارة. قوله: "لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا" في رواية الزهري عن أنس كما سيأتي في الاستئذان قال: "أنا أعلم الناس بشأن الحجاب وكان في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش، أصبح بها عروسا فدعا القوم" وفي رواية أبي قلابة عن أنس قال: "أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب. لما أهديت زينب بنت جحش إلى النبي صلى الله عليه وسلم صنع طعاما" وفي رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس أنه كان الداعي إلى الطعام قال: "فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، قال: فدعوت حتى ما أجد أحدا" وفي رواية حميد "فأشبع المسلمين خبزا ولحما" ووقع في رواية الجعد بن عثمان عن أنس عند مسلم، وعلقه البخاري قال: "تزوج النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله، فصنعت له أم سليم حيسا، فذهبت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع لي فلانا وفلانا، وذهبت فدعوتهم زهاء ثلاثمائة رجل" فذكر الحديث في إشباعهم من ذلك، وقد تقدمت الإشارة إليه في "علامات النبوة" ويجمع بينه وبين رواية حميد بأنه صلى الله عليه وسلم أولم عليه باللحم والخبز، وأرسلت إليه أم سليم الحيس. وفي رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس "لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أطعمنا عليها الخبز واللحم حتى امتد النهار" الحديث أخرجه مسلم. قوله: "قلت: يا رسول الله والله ما أجد أحدا، قال: فارفعوا طعامكم" زاد الإسماعيلي من طريق جعفر بن مهران عن عبد الوارث فيه: "قال: وزينب جالسة في جانب البيت، قال: وكانت امرأة قد أعطيت جمالا، وبقي في البيت ثلاثة" . قوله: "ثم جلسوا يتحدثون" في رواية أبي قلابة: "فجعل يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون" . قوله: "وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر" في رواية عبد العزيز "وبقي ثلاثة رهط" وفي رواية حميد "فلما رجع إلى بيته رأى رجلين" ووافقه بيان بن عمرو عن أنس عند الترمذي، وأصله عند المصنف أيضا، ويجمع بين الروايتين بأنهم أول ما قام وخرج من البيت كانوا ثلاثة وفي آخر ما رجع توجه واحد منهم في أثناء ذلك فصاروا اثنين، وهذا أولى من جزم ابن التين بأن إحدى الروايتين وهم، وجوز الكرماني أن يكون التحديث وقع من اثنين منهم فقط والثالث كان ساكتا، فمن ذكر الثلاثة لحظ الأشخاص ومن ذكر الاثنين لحظ سبب العقود، ولم أقف على تسمية أحد منهم. قوله: "فانطلقت فجئت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم انطلقوا" هكذا وقع الجزم في هذه الرواية بأنه الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخروجهم، وكذا في رواية الجعد المذكورة، واتفقت رواية عبد العزيز وحميد على

(8/529)


أن أنسا كان يشك في ذلك، ولفظ حميد "فلا أدري ألا أخبرته بخروجهما أم أخبر" وفي رواية عبد العزيز عن أنس "فما أدري أخبرته أو أخبر" وهو مبني للمجهول أي أخبر بالوحي، وهذا الشك قريب من شك أنس في تسمية الرجل الذي سأل الدعاء بالاستسقاء، فإن بعض أصحاب أنس جزم عنه بأنه الرجل الأول وبعضهم ذكر أنه سأله عن ذلك فقال: لا أدري كما تقدم في مكانه، وهو محمول على أنه كان يذكره ثم عرض له الشك فكان يشك فيه ثم تذكر فجزم. قوله: "فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} الآية" زاد أبو قلابة في روايته {إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} إلى قوله: {مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} فضرب الحجاب. وفي رواية عبد العزيز "حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب داخلة والأخرى خارجة أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب" وعند الترمذي من رواية عمرو بن سعيد عن أنس "فلما أرخى الستر دوني ذكرت ذلك لأبي طلحة فقال: إن كان كما تقول لينزلن فيه قرآن، فنزلت آية الحجاب" . قوله في رواية عبد العزيز "فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم" في رواية حميد "ثم خرج إلى أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه فيسلم عليهن ويسلمن عليه ويدعو لهن ويدعون له" وفي رواية عبد العزيز أنهن قلن له: "كيف وجدت أهلك بارك الله لك" . قوله: "فتقرى" بفتح القاف وتشديد الراء بصيغة الفعل الماضي، أي تتبع الحجرات واحدة واحدة، يقال منه قريت الأرض إذا تتبعتها أرضا بعد أرض وناسا بعد ناس. قوله: "وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة" في رواية حميد "رأى رجلين جرى بهما الحديث فلما رآهما رجع عن بيته، فلما رأى الرجلان نبي الله صلى الله عليه وسلم رجع عن بيته وثبا مسرعين" ومحصل القصة أن الذين حضروا الوليمة جلسوا يتحدثون، واستحيي النبي صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالخروج فتهيأ للقيام ليفطنوا لمراده فيقوموا بقيامه، فلما ألهاهم الحديث عن ذلك قام وخرج فخرجوا بخروجه، إلا الثلاثة الذين لم يفطنوا لذلك لشدة شغل بالهم بما كانوا فيه من الحديث، وفي غضون ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يقوموا من غير مواجهتهم بالأمر بالخروج لشدة حيائه فيطيل الغيبة عنهم بالتشاغل بالسلام على نسائه، وهم في شغل بالهم، وكان أحدهم في أثناء ذلك أفاق من غفلته فخرج وبقي الاثنان، فلما طال ذلك ووصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله فرآهما فرجع فرأياه لما رجع، فحينئذ فطنا فخرجا، فدخل النبي، وأنزلت الآية، فأرخى الستر بينه وبين أنس خادمه أيضا ولم يكن له عهد بذلك. "تنبيه" : ظاهر الرواية الثانية أن الآية نزلت قبل قيام القوم. والأولى وغيرها أنها نزلت بعد، فيجمع بأن المراد أنها نزلت حال قيامهم أي أنزلها الله وقد قاموا. ووقع في رواية الجعد "فرجع فدخل البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} إلى قوله: {مِنَ الْحَقِّ} "وفي الحديث من الفوائد مشروعية الحجاب لأمهات المؤمنين، قال عياض: فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات إلا ما دعت إليه ضرورة من براز. ثم استدل بما في "الموطا" أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها؛ وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها. انتهى. وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد النبي صلى الله عليه وسلم يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص، وقد تقدم في الحج قول ابن جريج لعطاء لما ذكر له طواف عائشة: أقبل الحجاب أو بعده؟ قال: قد أدركت ذلك بعد

(8/530)


الحجاب. وسيأتي في آخر الحديث الذي يليه مزيد بيان لذلك. قوله: "وقال ابن أبي مريم: أنبأنا يحيى حدثني حميد سمعت أنسا" مراده بذلك أن عنعنة حميد في هذا الحديث غير مؤثرة لأنه ورد عنه التصريح بالسماع لهذا الحديث ومنه، ويحيى المذكور هو ابن أيوب الغافقي المصري، وابن أبي مريم من شيوخ البخاري واسمه سعيد بن الحكم، ووقع في بعض النسخ من رواية أبي ذر "وقال إبراهيم بن أبي مريم" وهو تغيير فاحش، وإنما هو سعيد. الحديث الثالث حديث عائشة "خرجت سودة - أي بنت زمعة أم المؤمنين - بعدما ضرب الحجاب لحاجتها" وقد تقدم في كتاب الطهارة من طريق هشام بن عروة عن أبيه ما يخالف ظاهره رواية الزهري هذه عن عروة. قال الكرماني: فإن قلت: وقع هنا أنه كان بعدما ضرب الحجاب، وتقدم في الوضوء أنه كان قبل الحجاب، فالجواب: لعله وقع مرتين. قلت: بل المراد بالحجاب الأول غير الحجاب الثاني. والحاصل أن عمر رضي الله عنه وقع في قلبه نفرة من اطلاع الأجانب على الحريم النبوي، حتى صرح يقوله له عليه الصلاة والسلام: "احجب نساءك" وأكد ذلك إلى أن نزلت آية الحجاب، ثم قصد بعد ذلك أن لا يبدين أشخاصهن أصلا ولو كن مستترات، فبالغ في ذلك، فمنع منه، وأذن لهن في الخروج لحاجتهن دفعا للمشقة ورفعا للحرج. وقد اعترض بعض الشراح بأن إيراد الحديث المذكور في الباب ليس مطابقا، بل إيراده في عدم الحجاب أولى. وأجيب بأنه أحال على أصل الحديث كعادته، وكأنه أشار إلى أن الجمع بين الحديثين ممكن، والله أعلم. وقد وقع في رواية مجاهد عن عائشة لنزول آية الحجاب سبب آخر أخرجه النسائي بلفظ: "كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم حيسا في قعب، فمر عمر فدعاه فأكل، فأصاب إصبعه إصبعي فقال: حس - أو أوه - لو أطاع فيكن ما رأتكن عين. فنزل الحجاب" ويمكن الجمع بأن ذلك وقع قبل قصة زينب، فلقربه منها أطلقت نزول الحجاب بهذا السبب، ولا مانع من تعدد الأسباب. وقد أخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس قال: "دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فأطال الجلوس، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ليخرج فلم يفعل، فدخل عمر فرأى الكراهية في وجهه فقال للرجل: لعلك آذيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد قمت ثلاثا لكي يتبعني فلم يفعل" ، فقال له عمر: يا رسول الله لو اتخذت حجابا، فإن نساءك لسن كسائر النساء، وذلك أطهر لقلوبهن، فنزلت آية الحجاب" .

(8/531)


باب {إن تبدو شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما لا جناح عليهن في آبائهن ....}
...
9- باب {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا لاَ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَائِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا}
4796- حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَقُلْتُ لاَ آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ فَقال النبي

(8/531)


صلى الله عليه وسلم: " وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي عَمُّكِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ فَقَالَ ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ" قَالَ عُرْوَةُ فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ حَرِّمُوا مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنْ النَّسَب"
قوله: "باب قوله {إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ} - إلى قوله: {شَهِيدًا} كذا لأبي ذر، وساق غيره الآيتين جميعا ثم ذكر حديث عائشة في قصة أفلح أخي أبي القعيس، وسيأتي شرح الحديث مستوفى في الرضاع. ومطابقته للترجمة من قوله: " {لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ} إلخ" فإن ذلك من جملة الآيتين، وقوله في الحديث: "ائذني له فإنه عمك" مع قوله في الحديث الآخر "العم صنو الأب" وبهذا يندفع اعتراض من زعم أنه ليس في الحديث مطابقة للترجمة أصلا، وكأن البخاري رمز بإيراد هذا الحديث إلى الرد على من كره للمرأة أن تضع خمارها عند عمها أو خالها، كما أخرجه الطبري من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة والشعبي أنه قيل لهما: لم لم يذكر العم والخال في هذه الآية؟ فقالا: لأنهما ينعتاها لأبنائهما، وكرها لذلك أن تضع خمارها عند عمها أو خالها. وحديث عائشة في قصة أفلح يرد عليهما. وهذا من دقائق ما في تراجم البخاري.

(8/532)


10- باب {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ صَلاَةُ اللَّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلاَئِكَةِ وَصَلاَةُ الْمَلاَئِكَةِ الدُّعَاءُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُصَلُّونَ يُبَرِّكُونَ لَنُغْرِيَنَّكَ لَنُسَلِّطَنَّكَ
4798- حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَّا السَّلاَمُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ فَكَيْفَ الصَّلاَةُ عَلَيْكَ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ"
4798- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا التَّسْلِيمُ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ قَالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَبُو صَالِحٍ عَنْ اللَّيْثِ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ يَزِيدَ وَقَالَ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيم"
[الحديث 4798- طرفه في: 6358]

(8/532)


قوله: باب قوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية" كذا لأبي ذر، وساقها غيره إلى {تَسْلِيمًا} . قوله: "قال أبو العالية: صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة الدعاء" أخرجه ابن أبي حاتم. ومن طريق آدم بن أبي إياس "حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع هو ابن أنس بهذا" وزاد في آخره: "له" . قوله: "وقال ابن عباس: يصلون يبركون" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "ويصلون على النبي" قال: يبركون على النبي، أي يدعون له بالبركة، فيوافق قول أبي العالية، لكنه أخص منه. وقد سئلت عن إضافة الصلاة إلى الله دون السلام وأمر المؤمنين بها وبالسلام، فقلت: يحتمل أن يكون السلام له معنيان التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد لم يضف إليهم دفعا للإبهام. والعلم عند الله. قوله: "لنغرينك: لنسلطنك" كذا وقع هذا هنا، ولا تعلق له بالآية وإن كان من جملة السورة، فلعله من الناسخ، وهو قول ابن عباس. ووصله الطبري أيضا من طريق علي بن أبي طلحة عنه بلفظ: "لنسلطنك عليهم" وقال أبو عبيدة مثله، وكذا قال السدي. قوله: "سعيد بن يحيي" هو الأموي. قوله: "قيل: يا رسول الله أما السلام عليك فقد عرفناه" في حديث أبي سعيد الذي بعد هذا "قلنا: يا رسول الله" والمراد بالسلام ما علمهم إياه في التشهد من قولهم: "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته" والسائل عن ذلك هو كعب بن عجرة نفسه، أخرجه ابن مردويه من طريق الأجلح عن الحكم بن أبي ليلى عنه. وقد وقع السؤال عن ذلك أيضا لبشير بن سعد والد النعمان بن بشير، كذا وقع في حديث أبي مسعود عند مسلم بلفظ: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك"؟ وروى الترمذي من طريق يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال: "لما نزلت: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ} الآية، قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام فكيف الصلاة"؟. قوله: "فكيف الصلاة عليك"؟ في حديث أبي سعيد "فكيف نصلي عليك"؟ زاد أبو مسعود في روايته: "إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا" أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان بهذه الزيادة. قوله: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد" في حديث أبي سعيد "على محمد عبدك ورسولك" . قوله: "كما صليت على آل إبراهيم" أي تقدمت منك الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فنسأل منك الصلاة على محمد وعلى آل محمد بطريق الأولى، لأن الذي يثبت للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأولى، وبهذا يحصل الانفصال عن الإيراد المشهور من أن شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى، ومحصل الجواب أن التشبيه ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل بل من باب التهييج ونحوه، أو من بيان حال ما لا يعرف بما يعرف، لأنه فيما يستقبل، والذي يحصل لمحمد صلى الله عليه وسلم من ذلك أقوى وأكمل. وأجابوا بجواب آخر على تقدير أنه من باب الإلحاق. وحاصل الجواب أن التشبيه وقع للمجموع بالمجموع، لأن مجموع آل إبراهيم أفضل من مجموع آل محمد، لأن في آل إبراهيم الأنبياء بخلاف آل محمد. ويعكر على هذا الجواب التفصيل الواقع في غالب طرق الحديث. وقيل في الجواب أيضا: إن ذلك كان قبل أن يعلم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه أفضل من إبراهيم وغيره من الأنبياء، وهو مثل ما وقع عند مسلم عن أنس "أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا خير البرية، قال ذاك إبراهيم" . قوله: "على آل إبراهيم" كذا فيه في الموضعين، وسأذكر تحرير ذلك في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى. وفي آخر حديث أبي سعيد المذكور "والسلام كما قد علمتم" . قوله في حديث أبي سعيد "قال أبو صالح عن الليث" يعني بالإسناد المذكور قبل. قوله: "على محمد وعلى

(8/533)


آل محمد كما باركت على آل إبراهيم" يعني أن عبد الله بن يوسف لم يذكر آل إبراهيم عن الليث وذكرها أبو صالح عنه في الحديث المذكور، وهكذا أخرجه أبو نعيم من طريق يحيي بن بكير عن الليث. قوله: "حدثنا ابن أبي حازم" هو عبد العزيز بن سلمة بن دينار. قوله: "والدراوردي" هو عبد العزيز بن محمد. قوله: "عن يزيد" هو ابن عبد الله بن شداد بن الهاد شيخ الليث فيه، ومراده أنهما روياه بإسناد الليث، فذكر آل إبراهيم كما ذكره أبو صالح عن الليث. واستدل بهذا الحديث على جواز الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم من أجل قوله فيه: "وعلى آل محمد" وأجاب من منع بأن الجواز مقيد بما إذا وقع تبعا، والمنع إذا وقع مستقلا، والحجة فيه أنه صار شعارا للنبي صلى الله عليه وسلم فلا يشاركه غيره فيه، فلا يقال قال أبو بكر صلى الله عليه وسلم: وإن كان معناه صحيحا، ويقال: صلى الله على النبي وعلى صديقه أو خليفته ونحو ذلك. وقريب من هذا أنه لا يقال: قال محمد عز وجل وإن كان معناه صحيحا، لأن هذا الثناء صار شعار الله سبحانه لا يشاركه غيره فيه. ولا حجة لمن أجاز ذلك منفردا فيما وقع من قوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} ولا في قوله: "اللهم صل على آل أبي أوفى" ولا في قول امرأة جابر "صل علي وعلى زوجي، فقال: اللهم صل عليهما" فإن ذلك كله وقع من النبي صلى الله عليه وسلم. ولصاحب الحق أن يتفضل من حقه بما شاء، وليس لغيره أن يتصرف إلا بإذنه، ولم يثبت عنه إذن في ذلك. ويقوي المنع بأن الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم صار شعارا لأهل الأهواء يصلون على من يعظمونه من أهل البيت وغيرهم. وهل المنع في ذلك حرام أو مكروه أو خلاف الأولى؟ حكى الأوجه الثلاثة النووي في "الأذكار" وصحح الثاني. وقد روى إسماعيل بن إسحاق في كتاب "أحكام القرآن" له بإسناد حسن عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب "أما بعد فإن ناسا من الناس التمسوا عمل الدنيا بعمل الآخرة، وإن ناسا من القصاص أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي، فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين، ودعاؤهم للمسلمين، ويدعوا ما سوى ذلك" ثم أخرج عن ابن عباس بإسناد صحيح قال: "لا تصلح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن للمسلمين والمسلمات الاستغفار" وذكر أبو ذر أن الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كان في السنة الثانية من الهجرة، وقيل من ليلة الإسراء.

(8/534)


11- باب {لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى}
4799- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلاَسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلاً حَيِيًّا وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا}
قوله: باب {لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى} ذكر فيه طرفا من قصة موسى مع بني إسرائيل" ، وقد تقدم بسنده مطولا في أحاديث الأنبياء مع شرحه مستوفى، وقد روى "أحمد بن منيع في مسنده" والطبري وابن أبي حاتم بإسناد قوي عن ابن عباس عن علي قال: "صعد موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، كان ألين لنا منك وأشد حبا فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته فمرت به على مجالس بني إسرائيل، فعلموا بموته" قال الطبري: يحتمل أن يكون هذا المراد بالأذى في قوله: {لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا

(8/534)


مُوسَى} . قلت: وما في الصحيح أصح من هذا، لكن لا مانع أن يكون للشيء سببان فأكثر كما تقدم تقريره غير مرة.

(8/535)


34- سورة سَبَإٍ
يُقَالُ {مُعَاجِزِينَ} مُسَابِقِينَ {بِمُعْجِزِينَ} بِفَائِتِينَ مُعَاجِزِيَّ مُسَابِقِيَّ {سَبَقُوا} فَاتُوا {لاَ يُعْجِزُونَ} لاَ يَفُوتُونَ يَسْبِقُونَا يُعْجِزُونَا وَقَوْلُهُ {بِمُعْجِزِينَ} بِفَائِتِينَ وَمَعْنَى مُعَاجِزِينَ مُغَالِبِينَ يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ مِعْشَارٌ عُشْرٌ يُقَالُ الأُكُلُ الثَّمَرُ بَاعِدْ وَبَعِّدْ وَاحِدٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ {لاَ يَعْزُبُ} لاَ يَغِيبُ {سَيْلَ الْعَرِمِ} السُّدُّ مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ اللَّهُ فِي السُّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِيَ فَارْتَفَعَتَا عَنْ الْجَنْبَيْنِ وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا وَلَمْ يَكُنْ الْمَاءُ الأَحْمَرُ مِنْ السُّدِّ وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ الْعَرِمُ الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَقَالَ غَيْرُهُ الْعَرِمُ الْوَادِي {السَّابِغَاتُ} الدُّرُوعُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ {يُجَازَى} يُعَاقَبُ {أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} بِطَاعَةِ اللَّهِ {مَثْنَى وَفُرَادَى} وَاحِدٌ وَاثْنَيْنِ {التَّنَاوُشُ} الرَّدُّ مِنْ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا {وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ {بِأَشْيَاعِهِمْ} بِأَمْثَالِهِمْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {كَالْجَوَابِ} كَالْجَوْبَةِ مِنْ الأَرْضِ الْخَمْطُ الأَرَاكُ وَالأَثَلُ الطَّرْفَاءُ الْعَرِمُ الشَّدِيدُ
قوله. "سورة سبأ - {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}"سقط لفظ: "سورة والبسملة" لغير أبي ذر. وهذه السورة سميت بقوله فيها: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ} الآية، قال ابن إسحاق وغيره: هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ووقع عند الترمذي وحسنه من حديث فروة بن مسيك قال: "أنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ، أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن ستة وتشاءم أربعة" الحديث. قال: "وفي الباب عن ابن عباس" . قلت. حديث ابن عباس وفروة صححهما الحاكم. وأخرج ابن أبي حاتم في حديث فروة زيادة أنه قال: "يا رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا فأقاتلهم، قال: ما أمرت فيهم بشيء، فنزلت: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ} الآيات. فقال له رجل: يا رسول الله، وما سبا" فذكره. وأخرج ابن عبد البر في "الأنساب" له شاهدا من حديث تميم الداري. وأصله قصة سبأ. وقد ذكرها ابن إسحاق مطولة في أول السيرة النبوية. وأخرج بعضها ابن أبي حاتم من طريق حبيب بن الشهيد عن عكرمة، وأخرجها أيضا من طريق السدي مطولا. قوله: "معاجزين مسابقين، بمعجزين بفائتين، معاجزي مسابقي، سبقوا فاتوا، لا يعجزون لا يفوتون، يسبقونا يعجزونا. قوله: بمعجزين بفائتين ومعنى معاجزين مغالبين يريد كل واحد منهما أن يظهر عجز صاحبه" أما قوله معاجزين مسابقين فقال أبو عبيدة في قوله: {وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي مسابقين، يقال: ما أنت بمعجزي أي سابقي. وهذا اللفظ أي {مُعَاجِزِينَ} على إحدى القراءتين، وهي قراءة الأكثر في موضعين من هذه السورة وفي سورة الحج، والقراءة الأخرى لابن كثير وأبي عمرو "معجزين" بالتشديد في المواضع الثلاثة وهي بمعناها، وقيل: معنى معاجزين معاندين

(8/535)


ومغالبين، ومعنى معجزين ناسبين غيرهم إلى العجز. وأما قوله: "بمعجزين" فلعله أشار إلى قوله في سورة العنكبوت {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ} وقد أخرج ابن أبي حاتم بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير نحوه. وأما قوله: "معاجزي مسابقي" فسقط من رواية الأصيلي وكريمة وثبت عندهما "معاجزين مغالبين" وتكرر لهما بعد، وقد ظهر أنه بقية كلام أبي عبيدة كما قدمته. وأما قوله: "سبقوا إلخ" فقال أبو عبيدة في سورة الأنفال في قوله: {ولا تحسبن الذين كفروا سبقوا} مجازه فاتوا "أنهم لا يعجزون" أي لا يفوتون. وأما قوله: {يَسْبِقُونَا} فأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا} أي يعجزونا. وأما قوله: "بمعجزين بفائتين" فكذا وقع مكررا في رواية أبي ذر وحده، وسقط للباقين. وأما قوله: "معاجزين مغالبين إلخ. فقال الفراء: معناه معاندين. وذكر ابن أبي حاتم من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {مُعَاجِزِينَ} قال: مراغمين. وكلها بمعنى. قوله: "معشار: عشر" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ} أي عشر ما أعطيناهم. وقال الفراء: المعنى وما بلغ أهل مكة معشار الذين أهلكناهم من قبلهم من القوة والجسم والولد والعدد، والمعشار العشر. قوله: "يقال الأكل الثمرة" قال أبو عبيدة في قوله تعالى : {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ} قال: الخمط هو كل شجر ذي شوك، والأكل الجني أي بفتح الجيم مقصور وهو بمعنى الثمرة. قوله: "باعد وبعد واحد" قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} مجازه مجاز الدعاء، وقرأه قوم "بعد" يعني بالتشديد. قلت: قراءة باعد للجمهور، وقرأه "بعد" أبو عمرو وابن كثير وهشام. قوله: "وقال مجاهد: لا يعزب لا يغيب" وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه بهذا. قوله: "سيل العرم السد" كذا للأكثر بضم المهملة وتشديد الدال، ولأبي ذر عن الحموي الشديد بمعجمة وزن عظيم. قوله: "فشقه" كذا للأكثر بمعجمة قبل القاف الثقيلة، وذكر عياض أن في رواية أبي ذر "فبثقه" بموحدة ثم مثلثة قبل القاف الخفيفة، قال: وهو الوجه، تقول بثقت النهر إذا كسرته لتصرفه عن مجراه. قوله: "فارتفعتا عن الجنبتين" كذا للأكثر بفتح الجيم والنون الخفيفة بعدها موحدة ثم مثناة فوقانية ثم تحتانية ثم نون، ولأبي ذر عن الحموي بتشديد النون بغير موحدة تثنيه جنة. واستشكل هذا الترتيب لأن السياق يقتضي أن يقول: ارتفع الماء على الجنتين، وارتفعت الجنتان عن الماء. وأجيب بأن المراد من الارتفاع الزوال أي ارتفع اسم الجنة منهما، فالتقدير: فارتفعت الجنتان عن كونهما جنتين. وتسمية ما بدلوا به جنتين على سبيل المشاكلة. قوله: "ولم يكن الماء الأحمر من السد" كذا للأكثر بضم المهملة وتشديد الدال، وللمستملي من السيل، وعند الإسماعيلي من السيول. وهذا الأثر عن مجاهد وصله الفريابي أيضا وقال: "السد" في الموضعين فقال: "فشقه" بالمعجمة والقاف الثقيلة. وقال: "على الجنتين" تثنية جنة كما للأكثر في المواضع كلها. قوله: "وقال عمرو بن شرحبيل؛ العرم المسناة بلحن أهل اليمن. وقال غيره. العرم الوادي" أما قول عمرو فوصله سعيد بن منصور عن شريك عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة وهو عمرو بن شرحبيل فذكره سواء، واللحن اللغة، والمسناة بضم الميم وفتح المهملة وتشديد النون، وضبط في أصل الأصيلي، بفتح الميم وسكون المهملة، قال ابن التين: المراد بها ما يبنى في عرض الوادي ليرتفع السيل ويفيض على الأرض" وكأنه أخذ من عرامة الماء وهو ذهابه كل مذهب" . وقال الفراء: العرم المسناة وهي مسناة كانت تحبس الماء على ثلاثة أبواب منها، فيسيبون من ذلك الماء من الباب الأول ثم الثاني ثم الآخر، ولا ينفذ حتى يرجع الماء السنة

(8/536)


المقبلة، وكانوا أنعم قوم، فلما أعرضوا عن تصديق الرسل وكفروا بثق الله عليهم تلك المسناة، فغرقت أرضهم ودقت الرمل بيوتهم ومزقوا كل ممزق، حنى صار تمزيقهم عند العرب مثلا يقولون: "تفرقوا أيدي سبا" . وأما قول غيره: فأخرجه ابن أبي حاتم من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه قال: العرم اسم الوادي، وقيل: العرم اسم الجرذ الذي خرب السد، وقيل: هو صفة السيل مأخوذ من العرامة، وقيل: اسم المطر الكثير. وقال أبو حاتم: هو جمع لا واحد له من لفظه. وقال أبو عبيدة: سيل العرم واحدتها عرمة، وهو بناء يحبس به الماء يبنى فيشرف به على الماء في وسط الأرض، ويترك فيه سبيل للسفينة، فتلك العرمات واحدتها عرمة. قوله: "السابغات الدروع" قال أبو عبيدة في قوله: {أنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} أي دروعا واسعة طويلة. قوله: "وقال مجاهد: يجازي يعاقب" وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عنه، ومن طريق طاوس قال: هو المناقشة في الحساب، ومن نوقش الحساب عذب، وهو الكافر لا يغفر له.
" تنبيه " : قيل: إن هذه الآية أرجى آية في كتاب الله من جهة الحصر في الكفر، فمفهومه أن غير الكفر بخلاف ذلك. ومثله {أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى} وقيل: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ، وقيل: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} ، وقيل: {كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} وقيل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية، وقيل: آية الدين، وقيل: {وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ} وهذا الأخير نقله مسلم في صحيحه عن عبد الله بن المبارك عقب حديث الإفك، وفي كتاب الإيمان من "مستدرك الحاكم" عن ابن عباس قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} . قوله: "أعظكم بواحدة: بطاعة الله، مثنى وفرادى واحد واثنين" وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا. قوله: "التناوش: الرد من الآخرة إلى الدنيا" وصله الفريابي من طريق مجاهد بلفظ "وأنى لهما التناوش" قال: رد من مكان بعيد من الآخرة إلى الدنيا. وعند الحاكم من طريق التميمي عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} قال: يسألون الرد، وليس بحين رد. قوله: "وبين ما يشتهون: من مال أو ولد أو زهرة" وصله الفريابي من طريق مجاهد مثله، ولم يقل. "أو زهرة" . قوله: "بأشياعهم: بأمثالهم" وصله الفريابي من طريق مجاهد بلفظ: كما فعل بأشياعهم من قبل قال الكفار من قبلهم. قوله: "وقال ابن عباس: كالجوابي كالجوبة من الأرض" تقدم هذا في أحاديث الأنبياء، قيل: الجوابي في اللغة جمع جابية وهو الحوض الذي يجبى فيه الشيء أي يجمع، وأما الجوبة من الأرض فهي الموضع المطمئن فلا يستقيم تفسير الجوابي بها، وأجيب باحتمال أن يكون فسر الجابية بالجوبة ولم يرد أن اشتقاقهما واحد. قوله: "الخمط الأراك، والأثل الطرفاء؛ العرم الشديد" سقط الكلام الأخير للنسفي، وقد وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بهذا كله مفرقا.

(8/537)


1- باب {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}
4800- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتْ الْمَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فَيَسْمَعُهَا

(8/537)


مُسْتَرِقُ السَّمْعِ وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُلْقِيهَا الْآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوْ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنْ السَّمَاء"
قوله: "باب {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} قوله: "حدثنا عمرو" هو ابن دينار. قوله: "إذا قضى الله الأمر في السماء" في حديث النواس بن سمعان عند الطبراني مرفوعا: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله، فإذا سمع أهل السماء بذلك صعقوا وخروا سجدا، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فينتهي به على الملائكة، كلما مر بسماء سأله أهله ماذا قال ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمر" . قوله: "ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا" بفتحتين من الخضوع. وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه وهو مصدر بمعنى خاضعين. قوله: "كأنه" أي القول المسموع "سلسلة على صفوان" هو مثل قوله في بدء الوحي: "صلصلة كصلصلة الجرس" وهو صوت الملك بالوحي، وقد روى ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه: "إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان فيفزعون، ويرون أنه من أمر الساعة . وقرأ: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ} الآية" وأصله عند أبي داود وغيره، وعلقه المصنف موقوفا، ويأتي في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى. قال الخطابي: الصلصلة صوت الحديد إذا تحرك وتداخل، وكأن الرواية وقعت له بالصاد، وأراد أن التشبيه في الموضعين بمعنى واحد، فالذي في بدء الوحي هذا والذي هنا جر السلسلة من الحديد إلى الصفوان الذي هو الحجر الأملس يكون الصوت الناشئ عنهما سواء. قوله: "على صفوان" زاد في سورة الحجر عن علي بن عبد الله "قال غيره: - يعني غير سفيان - ينفذهم ذلك" في حديث ابن عباس عند ابن مردويه من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه "فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا" وعند مسلم والترمذي من طريق علي بن الحسين بن علي عن ابن عباس عن رجال من الأنصار أنهم كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فرمي بنجم فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون لهذا إذا رمي به في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول مات عظيم أو يولد عظيم، فقال: إنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح سماء الدنيا، ثم يقولون لحملة العرش: ماذا قال ربكم" الحديث. وليس عند الترمذي عن رجال من الأنصار، وسيأتي مزيد فيه في كتاب التوحيد. قوله: "ومسترقو السمع" في رواية علي عند أبي ذر "ومسترق" بالإفراد وهو فصيح. قوله: "هكذا بعضه فوق بعض وصفه سفيان" أي ابن عيينة "بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه" أي فرق. وفي رواية علي "ووصف سفيان بيده ففرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض" وفي حديث ابن عباس عند ابن مردويه "كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون منه الوحي" يعني يلقيها، زاد علي عن سفيان "حتى ينتهي إلى الأرض فيلقى". قوله: "على لسان الساحر أو الكاهن" في رواية الجرجاني "على لسان الآخر" بدل الساحر وهو تصحيف. وفي رواية علي "الساحر والكاهن" وكذا قال سعيد بن منصور عن سفيان. قوله: "فربما

(8/538)


أدرك الشهاب إلخ" يقتضي أن الأمر في ذلك يقع على حد سواء، والحديث الآخر يقتضي أن الذي يسلم منهم قليل بالنسبة إلى من يدركه الشهاب. ووقع في رواية سعيد بن منصور عن سفيان في هذا الحديث: "فيرمي هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى يلقى على فم ساحر أو كاهن". قوله: "فيكذب معها مائة كذبة، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" زاد علي بن عبد الله عن سفيان كما تقدم في تفسير الحجر "فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا الكلمة التي سمعت من السماء" وفي حديث ابن عباس المذكور "فيقول يكون العام كذا وكذا فيسمعه الجن فيخبرون به الكهنة فتخبر الكهنة الناس فيجدونه" وسيأتي بقية شرح هذا القدر في أواخر كتاب الطب إن شاء الله تعالى.
" تنبيه " : وقع في تفسير سورة الحجر في آخر هذا الحديث عن علي بن عبد الله "قلت لسفيان: إن إنسانا روى عنك عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة أنه قرأ فرغ - بضم الفاء وبالراء المهملة الثقيلة وبالغين المعجمة - فقال سفيان: هكذا قرأ عمرو - يعني ابن دينار - فلا أدري سمعه هكذا أم لا" وهذه القراءة رويت أيضا عن الحسن وقتادة ومجاهد، والقراءة المشهورة بالزاي والعين المهملة، وقرأها ابن عامر مبنيا للفاعل ومعناه بالزاي والمهملة أدهش الفزع عنهم، ومعنى التي بالراء والغين المعجمة ذهب عن قلوبهم ما حل فيها "فقال سفيان: هكذا قرأ عمرو فلا أدري سمعه أم لا. قال سفيان: وهي قراءتنا" قال الكرماني: فإن قيل كيف جازت القراءة إذا لم تكن مسموعة فالجواب لعل مذهبه جواز القراءة بدون السماع إذا كان المعنى صحيحا. قلت: هذا وإن كان محتملا لكن إذا وجد احتمال غيره فهو أولى، وذلك محمل قول سفيان: "لا أدري سمعه أم لا" على أن مراده سمعه من عكرمة الذي حدثه بالحديث لا أنه شك في أنه هل سمعه مطلقا، فالظن به أن لا يكتفي في نقل القرآن بالأخذ من الصحف بغير سماع. وأما قول سفيان: "وهي قراءتنا" فمعناه أنها وافقت ما كان يختار من القراءة به؛ فيجوز أن ينسب إليه كما نسب لغيره.

(8/539)


باب {إن هو إلا نذير بين يدي عذاب شديد}
...
2- باب {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}
4801- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: "يَا صَبَاحَاهْ" فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ قَالُوا مَا لَكَ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبًّا لَكَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَب} "
قوله: باب قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} ذكر فيه طرفا من حديث ابن عباس في نزول قوله تعالى: {وأنذر عشيرتك الأقربين} وقد تقدم شرحه مستوفى في سورة الشعراء.

(8/539)


35- سورة الْمَلاَئِكَةِ
قَالَ مُجَاهِدٌ {الْقِطْمِيرُ} لِفَافَةُ النَّوَاةِ {مُثْقَلَةٌ} مُثَقَّلَةٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {الْحَرُورُ} بِاللَّيْلِ وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ. وَقَالَ

(8/539)


36- سورة يس
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {فَعَزَّزْنَا} شَدَّدْنَا {يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} كَانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ {أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ} لاَ يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ وَلاَ يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ {سَابِقُ النَّهَارِ} يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ {نَسْلَخُ} نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنْ الآخَرِ وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا {مِنْ مِثْلِهِ} مِنْ الأَنْعَامِ {فَكِهُونَ} مُعْجَبُونَ {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} عِنْدَ الْحِسَابِ وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ {الْمَشْحُونِ} الْمُوقَرُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {طَائِرُكُمْ} مَصَائِبُكُمْ {يَنْسِلُونَ} يَخْرُجُونَ {مَرْقَدِنَا} مَخْرَجِنَا {أَحْصَيْنَاهُ} حَفِظْنَاهُ {مَكَانَتُهُمْ} وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ
قوله: "سورة يس" سقط هذا لأبي ذر هنا والصواب إثباته. قوله: "وقال مجاهد: فعززنا شددنا" سقط هذا لأبي ذر، وقد وصله الفريابي من طريق مجاهد. قوله: "يا حسرة على العباد، وكان حسرة عليهم استهزاؤهم بالرسل" وصله الفريابي كذلك، وقد أخرج سعيد بن منصور عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ: {يا حسرة العباد" بالإضافة. قوله: "أن تدرك القمر إلخ، وقوله سابق النهار إلخ، وقوله نسلخ نخرج إلخ" سقط كله لأبي ذر، وقد تقدم في بدء الخلق. قوله: "من مثله من الأنعام" وصله الفريابي أيضا من طريق مجاهد، وعن ابن عباس قال: المراد بالمثل هنا السفن، ورجح لقوله بعد: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ} إذ الغرق لا يكون في الأنعام. قوله: "فكهون معجبون" في رواية غير أبي ذر "فاكهون" وهي القراءة المشهورة، والأولى رويت عن يعقوب الحضرمي، وقد وصله الفريابي من طريق مجاهد: فاكهون معجبون. قال أبو عبيدة: من قرأها فاكهون جعله كثير الفاكهة، قال الحطيئة:
ودعوتني وزعمت أنك ... لابن في الصيف تامر
أي عندك لبن كثير وتمر كثير، وأما فكهون فهي قراءة أبي جعفر وشيبة وهي بوزن فرحون، ومعناه

(8/540)


مأخوذ من الفاكهة وهي التلذذ والتنعم. قوله: " {جُنْدٌ مُحْضَرُونَ} عند الحساب" سقط هذا لأبي ذر، وقد وصله الفريابي من طريق مجاهد كذلك. قوله: "ويذكر عن عكرمة المشحون الموقر" سقط هذا لأبي ذر، وقد تقدم في أحاديث الأنبياء، وجاء مثله عن ابن عباس، وصله الطبري من طريق سعيد بن جبير عنه بإسناد حسن. قوله: "سورة يس - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كذا لأبي ذر هنا، وسقط لغيره. قوله: "وقال ابن عباس: طائركم عند الله مصائبكم" وتقدم في أحاديث الأنبياء وللطبري من وجه آخر عن ابن عباس قال: طائركم أعمالكم. وقال أبو عبيدة: طائركم أي حظكم من الخير والشر. قوله: "ينسلون يخرجون" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس به. قوله: "مرقدنا مخرجنا. وقوله: أحصيناه حفظناه. وقوله: مكانتهم ومكانهم واحد" سقط هذا كله لأبي ذر وسيأتي تفسير "أحصيناه" في كتاب التوحيد. وروى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} يقول: لأهلكناهم في مساكنهم. وقال أبو عبيدة في قوله: {لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ} المكان والمكانة واحد.

(8/541)


1- باب {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}
4802- حدثنا أبو نعيم حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر رضي الله عنه قال ثم كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ثم غروب الشمس فقال: " يا أبا ذر أتدري أين تغرب الشمس قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فذلك قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}
4803- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْش"
قوله: "باب قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} ذكر فيه حديث أبي ذر" كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس فقال: يا أبا ذر أين تغرب الشمس؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب تسجد تحت العرش، فذلك قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} إلى آخر الآية" هكذا أورده مختصرا وأخرجه النسائي عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: "تذهب حتى تنتهي تحت لعرش عند ربها" وزاد: "ثم تستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تستأذن فلا يؤذن لها وتستشفع وتطلب، فإذا كان ذلك قيل اطلعي من مكانك، فذلك قوله: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} وقد ذكر نحو هذه الزيادة من غير طريق أبي نعيم كما سأنبه عليه. قوله في الرواية الثانية" سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} قال: مستقرها تحت العرش" كذا رواه وكيع عن الأعمش مختصرا، وهو بالمعنى، فإن في الرواية الأولى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي استفهمه " أتدري أين تغرب الشمس؟ فقال: الله ورسوله أعلم" . قوله: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش" في رواية أبي معاوية عن الأعمش كما سيأتي في التوحيد فإنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن لها، وكأنها

(8/541)


قد قيل لها اطلعي من حيث جئت فتطلع من مغربها. ثم قرأ "وذلك مستقر لها" . قال: وهي قراءة عبد الله. وروى عبد الرزاق من طريق وهب عن جابر عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية قال: مستقرها أن تطلع فيردها ذنوب بني آدم، فإذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت فلا يؤذن لها، فتقول: إن السير بعد، وإني إن لا يؤذن لي لا أبلغ، فتحبس ما شاء الله. ثم يقال: اطلعي من حيث غربت، قال فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها. وأما قوله: "تحت العرش" فقيل هو حين محاذاتها. ولا يخالف هذا قوله: "وجدها تغرب في عين حمئة" فإن المراد بها نهاية مدرك البصر إليها حال الغروب، وسجودها تحت العرش إنما هو بعد الغروب. وفي الحديث رد على من زعم أن المراد بمستقرها غاية ما تنتهي إليه في الارتفاع، وذلك أطول يوم في السنة، وقيل إلى منتهى أمرها عند انتهاء الدنيا. وقال الخطابي: يحتمل أن يكون المراد باستقرارها تحت العرش أنها تستقر تحته استقرارا لا نحيط به نحن، ويحتمل أن يكون المعنى أو علم ما سألت عنه من مستقرها تحت العرش في كتاب كتب فيه ابتداء أمور العالم ونهايتها فيقطع دوران الشمس وتستقر عند ذلك ويبطل فعلها، وليس في سجودها كل ليلة تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها. قلت: وظاهر الحديث أن المراد بالاستقرار وقوعه في كل يوم وليلة عند سجودها ومقابل الاستقرار المسير الدائم المعبر عنه بالجري. والله أعلم.

(8/542)


37- سورة الصَّافَّاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ} بَعِيدٍ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ { وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ} يُرْمَوْنَ {وَاصِبٌ} دَائِمٌ {لاَزِبٌ} لاَزِمٌ {تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِينِ} يَعْنِي الْحَقَّ الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيْطَانِ {غَوْلٌ} وَجَعُ بَطْنٍ {يُنْزَفُونَ} لاَ تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ {قَرِينٌ} شَيْطَانٌ {يُهْرَعُونَ} كَهَيْئَةِ الْهَرْوَلَةِ {يَزِفُّونَ} النَّسَلاَنُ فِي الْمَشْيِ {وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ الْمَلاَئِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجِنِّ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ} سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {لَنَحْنُ الصَّافُّونَ} الْمَلاَئِكَةُ {صِرَاطِ الْجَحِيمِ} سَوَاءِ الْجَحِيمِ وَوَسَطِ الْجَحِيمِ {لَشَوْبًا} يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ {مَدْحُورًا} مَطْرُودًا {بَيْضٌ مَكْنُونٌ} اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} يُذْكَرُ بِخَيْرٍ وَيُقَالُ {يَسْتَسْخِرُونَ} يَسْخَرُونَ بَعْلًا رَبًّا
قوله: "سورة الصافات {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}". قوله: "وقال مجاهد ويقذفون بالغيب من مكان بعيد من كل مكان، ويقذفون من كل جانب. دحورا يرمون. واصب دائم. لازب لازم" سقط هذا كله لأبي ذر، وقد تقدم بعضه في بدء الخلق. وروى الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: "ويقذفون بالغيب من مكان" يقولون هو ساحر هو كاهن هو شاعر وفي قوله: {إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ} قال: لازم. وقال أبو عبيدة في قوله: "ولهم عذاب واصب أي دائم وفي قوله: {مِنْ طِينٍ لازِبٍ} هي بمعنى اللازم قال النابغة" ولا يحسبون الشر ضربة لازب" أي لازم. قوله: {تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ} ، يعني الحق، الكفار تقوله للشياطين "ووقع في رواية الكشميهني: "يعني الجن" بجيم ثم نون، ونسبه عياض للأكثر. وقد وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ: {إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ

(8/542)


الْيَمِينِ}، قال الكفار تقوله للشياطين" ولم يذكر الزيادة، فدل على أنه شرح من المصنف. ولكل من الروايتين وجه، فمن قال: "يعني الجن" أراد بيان المقول له وهم الشياطين، ومن قال: "الحق" بالمهملة والقاف أراد تفسير لفظ اليمين أي كنتم تأتوننا من جهة الحق فتلبسوه علينا، ويؤيده تفسير قتادة قال: يقول الإنس للجن: كنتم تأتوننا عن اليمين، أي من طريق الجنة تصدوننا عنها. قوله: "غول وجع بطن، ينزفون لا تذهب عقولهم، قرين شيطان" سقط هذا لأبي ذر، وقد وصله الفريابي عن مجاهد كذلك. قوله: "يهرعون كهيئة الهرولة" وصله الفريابي عن مجاهد كذلك. قوله: "يزفون النسلان في المشي" سقط هذا لأبي ذر، وقد وصله عبد بن حميد من طريق شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: "فأقبلوا إليه يزفون" قال: الوزيف النسلان انتهى - والنسلان بفتحتين الإسراع مع تقارب الخطأ، وهو دون السعي. قوله: "وبين الجنة نسبا إلخ" سقط هذا لأبي ذر، وقد تقدم في بدء الخلق. قوله: "وقال ابن عباس: لنحن الصافون الملائكة" وصله الطبري، وقد تقدم في بدء الخلق. قوله: "صراط الجحيم سواء الجحيم ووسط الجحيم، لشوبا يخلط طعامهم ويساط بالحميم، مدحورا مطرودا" سقط هذا كله لأبي ذر وقد تقدم في بدء الخلق، قال بعض الشراح: أراد أن يفسر "دحورا" التي في الصافات ففسر مدحورا التي في سورة الإسراء. قوله: "بيض مكنون اللؤلؤ المكنون" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه. وقال أبو عبيدة في قوله كأنهن بيض مكنون أي مصون، وكل شيء صنته فهو مكنون، وكل شيء أضمرته في نفسك فقد أكننته. قوله: "وتركنا عليه في الآخرين يذكر بخير" ثبت هذا للنسفي وحده، وقد تقدم في بدء الخلق. قوله: "الأسباب السماء" سقط هذا لغير أبي ذر، وثبت للنسفي بلفظ: "ويقال: "وقد وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. قوله: "، يقال يستسخرون يسخرون" ثبت هذا أيضا للنسفي وأبي ذر فقط. وقال أبو عبيدة: يستسخرون ويسخرون سواء. قوله: "بعلا ربا" ثبت هذا للنسفي وحده، وقد وصله ابن أبي حاتم من طريق عطاء بن السائب عن عكرمة عن ابن عباس أنه أبصر رجلا يسوق بقرة فقال: من بعل هذا؟ قال فدعاه فقال: من أنت؟ فقال من أهل اليمين، قال: هي لغة {أَتَدْعُونَ بَعْلاً} أي ربا، وصله إبراهيم الحربي في "غريب الحديث:"من هذا الوجه مختصرا إلخ، ولمح المصنف بهذا القدر من قصة إلياس، وقد ذكرت خبره في أحاديث الأنبياء عند ذكر إدريس.

(8/543)


1- باب {وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ}
4804- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"
4805- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ هِلاَلِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَب"
قوله: "باب قوله: وإن يونس لمن المرسلين" ذكر فيه حديث ابن مسعود "لا ينبغي لأحد أن يكون خيرا من

(8/543)


يونس بن متى" وحديث أبي هريرة " من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب" وقد تقدم شرحه في أحاديث الأنبياء ولله الحمد

(8/544)


38- سُورَةُ "ص"
4806- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ السَّجْدَةِ فِي "ص" قَالَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ} وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا"
4807- حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةٍ فِي "ص" فَقَالَ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ فَقَالَ أَوَ مَا تَقْرَأُ {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ} {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ} فَكَانَ دَاوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ فَسَجَدَهَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلاَم فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {عُجَابٌ} عَجِيبٌ {الْقِطُّ} الصَّحِيفَةُ هُوَ هَا هُنَا صَحِيفَةُ الْحِسَابِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ {فِي عِزَّةٍ} مُعَازِّينَ {الْمِلَّةِ الآخِرَةِ} مِلَّةُ قُرَيْشٍ {الاخْتِلاَقُ} الْكَذِبُ {الأَسْبَابُ} طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا قَوْلُهُ {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ} يَعْنِي قُرَيْشًا {أُولَئِكَ الأَحْزَابُ} الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ {فَوَاقٍ} رُجُوعٍ {قِطَّنَا} عَذَابَنَا {اتَّخَذْنَاهُمْ سُخْرِيًّا} أَحَطْنَا بِهِمْ {أَتْرَابٌ} أَمْثَالٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {الأَيْدُ الْقُوَّةُ} فِي الْعِبَادَةِ {الأَبْصَارُ} الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ {حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} مِنْ ذِكْرِ {طَفِقَ مَسْحًا} يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا {الأَصْفَادِ} الْوَثَاق"
قوله: "سورة "ص" – {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سقطت البسملة فقط للنسفي، واقتصر الباقون على "ص" ، وحكمها حكم الحروف المقطعة أوائل السور، وقد قرأها عيسى بن عمر بكسر الدال فقيل الدرج وقيل بل هي عند فعل أمر من المصاداة وهي المعارضة، كأنه قيل عارض القرآن بعملك، والأول هو المشهور. وسيأتي مزيد بيان في أسماء السورة في أول غافر. قوله: "حدثنا شعبة عن العوام" هو ابن حوشب، كذا قال أكثر أصحاب شعبة. وقال أمية بن خالد عنه "عن منصور وعمرو بن مرة وأبي حصين ثلاثتهم عن مجاهد" فكأن لشعبة فيه مشايخ. قوله: "عن مجاهد" كذا قال أكثر أصحاب العوام بن حوشب. وقال أبو سعيد الأشج "عن أبي خالد الأحمر وحفص بن غياث عن العوام عن سعيد بن جبير" بدل مجاهد، أخرجه ابن خزيمة. فلعل للعوام فيه شيخين. وقد تقدم في تفسير الأنعام من طريق سليمان الأحول عن مجاهد أنه سأل ابن عباس: أفي "ص" سجدة؟ قال نعم، ثم تلا: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ} إلى قوله: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} قال هو منهم، فالحديث محفوظ لمجاهد، فرواية أبي سعيد الأشج شاذة. قوله: "حدثنا محمد بن عبد الله" قال الكلاباذي وابن طاهر: هو الذهلي نسب إلى جده. وقال غيرهما: يحتمل أن يكون محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي فإنه من هذه الطبقة. قوله: "فسجدها داود فسجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم" سقط "فسجدها داود" من رواية غير أبي ذر؛ وهذا أصرح في الرفع من رواية شعبة وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بالسجود في "ص" في كتاب سجود التلاوة مستوفي، واستدل بهذا على أن شرع من

(8/544)


قبلنا شرع لنا وهي مسألة مشهورة في الأصول وقد تعرضنا لها في مكان آخر. قوله: "عجاب عجيب" هو قول أبي عبيدة قال: والعرب تحول فعيلا إلى فعال بالضم وهو مثل طويل وطوال، قال الشاعر "تعدو به سلهبة سراعة" أي سريعة، وقرأ عيسى بن عمر ونقلت عن علي عجاب بالتشديد وهو مثل كبار في قوله: "مكروا مكرا كبارا" وهو أبلغ من كبار بالتخفيف وكبار المخفف أبلغ من كبير. قوله: "القط الصحيفة هو هاهنا صحيفة الحسنات" في رواية الكشميهني: "الحساب" وكذا في رواية النسفي، وذكر بعض الشراح بالعكس، قال أبو عبيدة: القط الكتاب والجمع قطوط وقططة كقرد وقرود وقردة، وأصله من قط الشيء أي قطعه والمعنى قطعة مما وعدتنا به، ويطلق على الصحيفة قط لأنها قطعة تقطع،. وكذلك الصك، ويقال للجائزة أيضا قط لأنها قطعة من العطية، وأكثر استعماله في الكتاب، وسيأتي له تفسير آخر قريبا. وعند عبد بن حميد من طريق عطاء أن قائل ذلك هو النضر بن الحارث. قوله: "وقال مجاهد في عزة" أي "معازين" وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد به، وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة في قوله: "في عزة" قال في حمية، ونقل عن الكسائي في رواية أنه قرأ: {في غرة" بالمعجمة والراء، وهي قراءة الجحدري وأبي جعفر. قوله: "الملة الآخرة ملة قريش. الاختلاق الكذب" وصله الفريابي أيضا عن مجاهد في قوله: "ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة" قال: ملة قريش {إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ} كذب وأخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "الملة الآخرة" قال النصرانية. وعن السدي نحوه. وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن الكلبي، قال وقال قتادة: دينهم الذي هم عليه قوله: {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ} ، يعني قريشا "سقط لفظ: "قوله:"لغير أبي ذر، وقد وصله الفريابي من طريق مجاهد في قوله: {جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ} قال قريش، وقوله جند خبر مبتدأ محذوف أي هم، وما مزيدة أو صفة لجند وهنالك مشار به إلى مكان المراجعة، ومهزوم صفة لجند أي سيهزمون بذلك المكان، وهو من الإخبار بالغيب لأنهم هزموا بعد ذلك بمكة، لكن يعكر على هذا ما أخرجه الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال: وعده الله وهو بمكة أنه سيهزم جند المشركين، فجاء تأويلها ببدر، فعلى هذا فهنالك ظرف للمراجعة فقط ومكان الهزيمة لم يذكر. قوله: "الأسباب طرق السماء في أبوابها" وصله الفريابي من طريق بلفظ: "طرق السماء أبوابها" وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: الأسباب هي أبواب السماء. وقال أبو عبيدة: العرب تقول للرجل إذا كان ذا دين ارتقى فلان في الأسباب. قوله: "أولئك الأحزاب: القرون الماضية" وصله الفريابي عن مجاهد. قوله: "فواق رجوع" وصله الفريابي من طريق مجاهد مثله. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: ليس لها مثنوية وهي بمعنى قول مجاهد. وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي ما لها من فواق يقول ليس لهم إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. وقال أبو عبيدة من فتحها أي الفاء قال ما لها من راحة، ومن ضمها جعلها من فواقي ناقة وهو ما بين الحلبتين، والذي قرأ بضم الفاء حمزة والكسائي والباقون بفتحها. وقال قوم: المعنى بالفتح وبالضم واحد مثل قصاص الشعر يقال بضم القاف وبفتحها. قوله: {قِطَّنَا} عذابنا وصله الفريابي من طريق مجاهد أيضا، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم فإنه محمول على أن المراد بقولهم قطنا أي نصيبنا من العذاب. وقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {قِطَّنَا} قال نصيبنا من العذاب وهو شبيه قولهم {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} الآية، وقول الآخرين "ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين" وقد أخرج الطبري

(8/545)


من طريق إسماعيل بن أبي خالد قال قوله قطنا أي رزقنا، ومن طريق سعيد بن جبير قال نصيبنا من الجنة، ومن طريق السدي نحوه. ثم قال وأولي الأقوال بالصواب أنهم سألوا تعجيل كتبهم بنصيبهم من الخير أو الشر الذي وعد الله عباده في الآخرة أن يعجل لهم ذلك في الدنيا استهزاء منهم وعنادا. قوله: "الصافنات صفن الفرس إلخ" وقوله الجياد السراع وقوله {جَسَداً} شيطانا وقوله رخاء الرخاء الطيب وقوله حيث أصاب حيث شاء وقوله فامتن أعط وقوله بغير حساب بغير حرج ثبت هذا كله للنسفي هنا وسقط للباقين وقد تقدم جميعه في ترجمة سليمان بن داود عليهما السلام من أحاديث الأنبياء. قوله: "اتخذناهم سخريا أحطنا بهم" قال الدمياطي في حواشيه لعله أحطناهم، وتلقاه عن عياض فإنه قال أحطنا بهم كذا وقع ولعله أحطناهم وحذف مع ذلك القول الذي هذا تفسيره وهو أم زاغت عنهم الأبصار انتهى وقد أخرجه ابن أبي حاتم من طريق مجاهد بلفظ أخطأناهم أم هم في النار لا نعلم مكانهم. وقال ابن عطية المعنى ليسوا معنا أم هم معنا لكن أبصارنا تميل عنهم. وقال أبو عبيدة من قرأها اتخذناهم أي بهمزة قطع جعلها استفهاما وجعل أم جوابا ومن لم يستفهم فتحها على القطع، ومعنى أم معنى بل ومثله أم أنا خير من هذا الذي هو مهين انتهى والذي قرأها بهمزة وصل أبو عمرو وحمزة والكسائي. قوله: "أتراب أمثال" وصله الفريابي كذلك قال أبو عبيدة الأتراب جمع ترب وهو بكسر أوله من يولد في زمن واحد. وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال أتراب مستويان. قوله: "وقال ابن عباس الأيد القوة في العباد" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله داود ذا الأيد قال القوة، ومن طريق مجاهد قال القوة في الطاعة وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {ذَا الْأَيْدِ} ذا القوة في العبادة. قوله: "الأبصار البصر في أمر الله" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله أولي الأيدي والأبصار قال أولي القوة في العبادة والفقه في الدين. ومن طريق منصور عن مجاهد قال الأبصار العقول.
" تنبيه " : الأبصار وردت في هذه السورة عقب الأيدي لا عقب الأيد لكن في قراءة ابن مسعود أولي الأيد والأبصار من غير ياء فلعل البخاري فسره على هذه القراءة. قوله: {حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي} إلى آخره" سقط هذا لأبي ذر وقد تقدم في ترجمة سليمان بن داود من أحاديث الأنبياء. قوله: "الأصفاد الوثاق" سقط هذا أيضا لأبي ذر وقد تقدم في ترجمة سليمان أيضا

(8/546)


2- باب {هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}
4808- حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ {رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا"
قوله: "باب قوله {هَبْ لِي مُلْكًا لاَ يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} تقدم شرحه في ترجمة سليمان عليه السلام من أحاديث الأنبياء. قوله: "تفلت على البارحة أو كلمة نحوها" يحتمل أن يكون الشك في لفظ التفلت أو في لفظ البارحة وقد تقدم ذلك في أوائل كتاب الصلاة. قوله: "فذكرت قول أخي سليمان" تقدم الكلام عليه في ترجمة

(8/546)


سليمان من أحاديث الأنبياء. وأما ما أخرج الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال في قوله لا ينبغي لأحد من بعدي لا أسلبه كما سلبته أول مرة، وظاهر حديث الباب يرد عليه وكأن سبب تأويل قتادة هذا هكذا طعن بعض الملاحدة على سليمان ونسبته في هذا إلى الحرص على الاستبداد بنعمة الدنيا وخفي عليه أن ذلك كان بإذن له من الله وأن تلك كانت معجزته كما اختص كل نبي بمعجزة دون غيره والله أعلم. قوله: "قال روح فرده خاسئا" روح هو ابن عبادة أحد رواته وكأن المراد أن هذه الزيادة وقعت في روايته دون رواية رفيقه، وقد ذكرت ما في ذلك من البحث في أوائل كتاب الصلاة وذكرت ما يتعلق برؤية الجن في ترجمة سليمان عليه السلام من أحاديث الأنبياء

(8/547)


3- باب {وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ}
حدثنا قتيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال ثم دخلنا على عبد الله بن مسعود قال يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين وسأحدثكم عن الدخان إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا قريشا إلى الإسلام فأبطؤوا عليه فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " فأخذتهم سنة فحصت كل شيء حتى أكلوا الميتة والجلود حتى جعل الرجل يري بينه وبين السماء دخانا من الجوع قال الله عز وجل: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال فدعوا {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ َنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ أفيكشف العذاب يوم القيامة} قال فكشف ثم عادوا في كفرهم فأخذهم الله يوم بدر قال الله تعالى: {يوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}
"باب قوله {وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} ذكر فيه حديث ابن مسعود في قصة الدخان وقد تقدم قريبا في تفسير سورة الروم ويأتي في تفسير الدخان وتقدم ما يتعلق منه بالاستسقاء في بابه

(8/547)


39- سورة الزُّمَرِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ} يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} {ذِي عِوَجٍ} لَبْسٍ {وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ} مَثَلٌ لآلِهَتِهِمْ الْبَاطِلِ وَالإِلَهِ الْحَقِّ {وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} بِالأَوْثَانِ {خَوَّلْنَا} أَعْطَيْنَا {وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ} الْقُرْآنُ {وَصَدَّقَ بِهِ} الْمُؤْمِنُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ وَقَالَ غَيْرُهُ {مُتَشَاكِسُونَ}

(8/547)


1- باب {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}
4810- حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ يَعْلَى إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا "أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا وَأَكْثَرُوا وَزَنَوْا وَأَكْثَرُوا فَأَتَوْا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً فَنَزَلَ {وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ} وَنَزَلَتْ {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} "
قوله باب قوله: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} الآية" ذكر فيه حديث ابن

(8/549)


عباس "أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا" . قوله: "أن ابن جريج أخبرهم، قال يعلى" أي: قال قال يعلى - و "قال:"تسقط خطأ وتثبت لفظا، ويعلى هذا هو ابن مسلم كما وقع عند مسلم من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج في هذا الحديث بعينه بلفظ: "أخبرني مسلم بن يعلى صلى الله عليه وسلم 0 وأخرجه أبو داود والنسائي من رواية حجاج هذا لكن وقع عندهما "عن يعلى" غير منسوب كما وقع عند البخاري. وزعم بعض الشراح أنه وقع عند أبي داود فيه: "يعلى بن حكيم" ولم أر ذلك في شيء من نسخه، وليس في البخاري من رواية يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سوى حديث واحد وهو من رواية غير ابن جريج عن يعلى والله أعلم. ويعلى بن مسلم بصري الأصل سكن مكة مشهور بالرواية عن سعيد بن جبير وبرواية ابن جبير عنه، وقد روى يعلى بن حكيم أيضا عن سعيد بن جبير وروى عنه ابن جريج، ولكن ليس هو المراد هنا. قوله: "لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة" في رواية الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس أن السائل عن ذلك هو وحشي بن حرب قاتل حمزة وأنه لما قال ذلك نزلت: {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} الآية فقال: هذا شرط شديد، فنزلت: {قُلْ يَا عِبَادِيَ} الآية. وروى ابن إسحاق في "السيرة" قال: حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص أن نهاجر إلى المدينة" فذكر الحديث في قصتهم ورجوع رفيقه فنزلت: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} الآية قال فكتبت بها إلى هشام. قوله: "ونزل قل {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ} في رواية الطبراني" فقال الناس يا رسول الله إنا أصبنا ما أصاب وحشي، فقال هي للمسلمين عامة" وروى أحمد والطبراني في "الأوسط" من حديث ثوبان قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلَى أنْفُسِهمْ} الآية. فقال رجل: ومن أشرك؟ فسكت ساعة ثم قال: ومن أشرك ثلاث مرات" واستدل بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها سواء تعلقت بحق الآدميين أم لا، والمشهور عند أهل السنة أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة، وأنها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما خصوص ما وقع منه فلا بد له من رده لصاحبه أو محاللته منه. نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعرض صاحب الحق عن حقه ولا يعذب العاصي بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} والله أعلم
ـــــــ
(1) لعله يعلى بن مسلم

(8/550)


2- باب {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}
4811- حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وَسَائِرَ الْخَلاَئِقِ عَلَى إِصْبَعٍ فَيَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ

(8/550)


قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} "
[الحديث 4811- طرفه في: 7414، 7415، 7451، 7513]
قوله: "باب قوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} ذكر فيه حديث عبد الله وهو ابن مسعود" قال جاء حبر" بفتح المهملة وبكسرها أيضا، ولم أقف على اسمه. قوله: "إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع الحديث" يأتي شرحه في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى، قال ابن التين: تكلف الخطابي في تأويل الإصبع وبالغ حتى جعل ضحكه صلى الله عليه وسلم تعجبا وإنكارا لما قال الحبر، ورد ما وقع في الرواية الأخرى "فضحك صلى الله عليه وسلم تعجبا وتصديقا" بأنه على قدر ما فهم الراوي. قال النووي: وظاهر السياق أنه ضحك تصديقا له بدليل قراءته الآية التي تدل على صدق ما قال الحبر، والأولى في هذه الأشياء الكف عن التأويل مع اعتقاد التنزيه، فإن كل ما يستلزم النقص من ظاهرها غير مراد. وقال ابن فورك: يحتمل أن يكون المراد بالإصبع إصبع بعض المخلوقات، وما ورد في بعض طرقه: "أصابع الرحمن" يدل على القدرة والملك. قوله: "حتى بدت نواجذه" أي أنيابه، وليس ذلك منافيا للحديث الآخر أن ضحكه كان تبسما كما سيأتي في تفسير الأحقاف

(8/551)


باب {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}
...
3- باب {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}
4812- حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْض"
قوله: "باب قوله: {وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} لما وقع ذكر الأرض مفردا حسن تأكيده، بقوله: "جميعا" إشارة إلى أن المراد جميع الأراضي. حديث أبي هريرة "يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض" ؟ وسيأتي شرحه أيضا مستوفي في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى

(8/551)


باب {ونفخ في الصور فصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون}
...
4- باب {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ}
4813- حَدَّثَنِي الْحَسَنُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ فَلاَ أَدْرِي أَكَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَة"
4814- حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ قَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ سَنَةً قَالَ أَبَيْتُ قَالَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا قَالَ أَبَيْتُ وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الإِنْسَانِ إِلاَّ عَجْبَ ذَنَبِهِ فِيهِ

(8/551)


40- سُورَةُ الْمُؤْمِنِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ وَيُقَالُ بَلْ هُوَ اسْمٌ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ:
يُذَكِّرُنِي حاميم وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلاَ تَلاَ حاميم قَبْلَ التَّقَدُّمِ
الطَّوْلِ التَّفَضُّلُ دَاخِرِينَ خَاضِعِينَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ {إِلَى النَّجَاةِ} الإِيمَانُ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ يَعْنِي الْوَثَنَ {يُسْجَرُونَ} تُوقَدُ بِهِمْ النَّارُ {تَمْرَحُونَ} تَبْطَرُونَ وَكَانَ الْعَلاَءُ بْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ فَقَالَ رَجُلٌ لِمَ تُقَنِّطْ النَّاسَ قَالَ وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقَنِّطَ النَّاسَ وَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} وَيَقُولُ {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ وَإِنَّمَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ مَنْ عَصَاه"
4815- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ إِذْ أَقْبَلَ

(8/553)


عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ {أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُم} "
قوله: "سورة المؤمن. {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سقطت البسملة لغير أبي ذر. قوله: "وقال مجاهد: حم مجازها مجاز أوائل السور" ويقال بل هو اسم، لقول شريح بن أبي أوفى العبسي:
يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم
ووقع في رواية أبي ذر: وقال البخاري "ويقال إلخ" وهذا الكلام لأبي عبيدة في "مجاز القرآن" ولفظه: حم مجازها مجاز أوائل السور. وقال بعضهم بل هو اسم، وهو يطلق المجاز ويريد به التأويل أي تأويل حم تأويل أوائل السور، أي أن الكل في الحكم واحد، فمهما قيل مثلا في ألم يقال مثله في حم. وقد اختلف في هذه الحروف المقطعة التي في أوائل السور على أكثر من ثلاثين قولا ليس هذا موضع بسطها. وأخرج الطبري من طريق الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: الم، وحم، والمص، وص: فواتح افتتح بها. وروى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد قال: فواتح السور كلها ق وص وطسم وغيرها هجاء مقطوع. والإسناد الأول أصح. وأما قوله: "ويقال بل هو اسم" فوصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: حم اسم من أسماء القرآن. وقال ابن التين: لعله يريد على قراءة عيسى بن عمر بفتح الحاء والميم الثانية من ميم، ويحتمل أن يكون عيسى فتح لالتقاء الساكنين. قلت: والشاهد الذي أنشد يوافق قراءة عيسى. وقال الطبري: الصواب من القراءة عندنا في جميع حروف فواتح السور السكون لأنها حروف هجاء لا أسماء مسميات. وروى ابن مردويه من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: "ص" وأشباهها قسم، أقسم الله بها، وهو من أسماء الله. وشريح بن أبي أوفى الذي نسب إليه البيت المذكور وقع في رواية القابسي شريح ابن أبي أوفى وهو خطأ. ولفظ أبي عبيدة "وقال بعضهم بل هو اسم، واحتجوا بقول شريح بن أبي أوفى العبسي" فذكر البيت. وروى هذه القصة عمر بن شبه في "كتاب الجمل" له من طريق داود بن أبي هند قال: كان على محمد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل عمامة سوداء، فقال علي: لا تقتلوا صاحب العمامة السوداء، فإنما أخرجه بره بأبيه، فلقيه شرخ بن أبي أوفى فأهوى له بالرمح فتلاحم فقتله. وحكى أيضا عن ابن إسحاق أن الشعر المذكور للأشتر النخعي. وقال وهو الذي قتل محمد بن طلحة. وذكر أبو مخنف أنه لمدلج بن كعب السعدي ويقال كعب بن مدلج، وذكر الزبير بن بكار أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر، قال المرزباني: هو الثبت. وأنشد له البيت المذكور وأوله:
وأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم
هتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعا لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعا ... عليا، ومن لا يتبع الحق يندم
يذكرني حم البيت. ويقال إن الشعر لشداد بن معاوية العبسي، ويقال اسمه حديد من بني أسد بن خزيمة حكاه

(8/554)


الزبير، وقيل عبد الله بن معكبر، وذكر الحسن بن المظفر النيسابوري في. "كتاب مأدبة الأدباء" قال: كان شعار أصحاب علي يوم الجمل حم، وكان شريح بن أبي أوفى مع علي، فلما طعن شريح محمدا قال حم، فأنشد "شريح الشعر. قال: وقيل بل قال محمد لما طعنه شريح" أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله "فهذا معنى قوله: "يذكرني حم" أي بتلاوة الآية المذكورة لأنها من حم.
" تكملة " : حم جمع على حواميم قال أبو عبيدة على غير قياس. وقال الفراء ليس هذا الجمع من كلام العرب. ويقال كأن مراد محمد بن طلحة بقوله أذكرك حم أي قوله تعالى في حم عسق {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} الآية، كأنه يذكره بقرابته ليكون ذلك دافعا له عن قتله. قوله: "الطول التفضل" هو قول أبي عبيدة وزاد تقول العرب للرجل إنه لذو طول على قومه أي ذو فضل عليهم، وروى ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: "ذي الطول" قال: ذي السعة والغنى، ومن طريق عكرمة قال: ذي المنن، ومن طريق قتادة قال: ذي النعماء. قوله: "داخرين خاضعين" هو قول أبي عبيدة، وروى الطبري من طريق السدي في قوله: {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} أي صاغرين. قوله: "وقال مجاهد إلى النجاة إلى الإيمان" وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا. قوله: "ليس له دعوة يعني الوثن" وصله الفريابي أيضا عن مجاهد بلفظ الأوثان. قوله: "يسجرون توقد بهم النار" وصله الفريابي أيضا عن مجاهد بهذا. قوله: "تمرحون تبطرون" وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ يبطرون ويأشرون. قوله: "وكان العلاء بن زياد يذكر النار" هو بتشديد الكاف أي يذكر الناس النار أي يخوفهم بها. قوله: "فقال رجل" لم أقف على اسمه. قوله: "لم" بكسر اللام للاستفهام "تقنط" بتشديد النون، وأراد بذكر هذه الآية الإشارة إلى الآية الأخرى "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا" فنهاهم عن القنوط من رحمته مع قوله: {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} استدعاء منهم الرجوع عن الإسراف والمبادرة إلى التوبة قبل الموت. وأبو العلاء هذا هو العلاء بن زياد البصري تابعي زاهد قليل الحديث، وليس له في البخاري ذكر إلا في هذا الموضع، ومات قديما سنة أربع وتسعين. حديث عروة بن الزبير "قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنعه المشركون" وقد تقدم شرحه في أوائل السيرة النبوية

(8/555)


41- سورة حم السَّجْدَةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ {ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا} أَعْطِيَا {قَالَتَا} أَتَيْنَا طَائِعِينَ أَعْطَيْنَا وَقَالَ الْمِنْهَالُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ قَالَ {فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ} {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ {أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا} إِلَى قَوْلِهِ {دَحَاهَا} فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ خَلْقِ الأَرْضِ ثُمَّ قَالَ {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إِلَى قَوْلِهِ {طَائِعِينَ} فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ وَقَالَ {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} {عَزِيزًا حَكِيمًا}{سَمِيعًا بَصِيرًا} فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى فَقَالَ {فَلاَ

(8/555)


أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ} فِي النَّفْخَةِ الأُولَى ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْآخِرَةِ {أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} وَأَمَّا قَوْلُهُ {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} {وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ} حَدِيثًا فَإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لأَهْلِ الإِخْلاَصِ ذُنُوبَهُمْ وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ تَعَالَوْا نَقُولُ لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ فَخُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أَنَّ اللَّهَ لاَ يُكْتَمُ حَدِيثًا وَعِنْدَهُ {يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} الآيَةَ وَخَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاءَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الأَرْضَ وَدَحْوُهَا أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْجِمَالَ وَالآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ {دَحَاهَا} وَقَوْلُهُ {خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} فَجُعِلَتْ الأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَخُلِقَتْ السَّمَوَاتُ فِي يَوْمَيْنِ {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا} سَمَّى نَفْسَهُ ذَلِكَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئاً إِلاَّ أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ فَلاَ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ عَنْ الْمِنْهَالِ بِهَذَا وَقَالَ مُجَاهِدٌ {لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} مَحْسُوبٍ أَقْوَاتَهَا أَرْزَاقَهَا فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا مِمَّا أَمَرَ بِهِ {نَحِسَاتٍ} مَشَائِيمَ {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ} قَرَنَّاهُمْ بِهِمْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلاَئِكَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ اهْتَزَّتْ بِالنَّبَاتِ وَرَبَتْ ارْتَفَعَتْ مِنْ أَكْمَامِهَا حِينَ تَطْلُعُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي أَيْ بِعَمَلِي أَنَا مَحْقُوقٌ بِهَذَا وَقَالَ غَيْرُهُ {سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} قَدَّرَهَا سَوَاءً فَهَدَيْنَاهُمْ دَلَلْنَاهُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَقَوْلِهِ {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} وَكَقَوْلِهِ {هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} وَالْهُدَى الَّذِي هُوَ الإِرْشَادُ بِمَنْزِلَةِ أَصْعَدْنَاهُ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ} يُوزَعُونَ يُكَفُّونَ مِنْ أَكْمَامِهَا قِشْرُ الْكُفُرَّى هِيَ الْكُمُّ وَقَالَ غَيْرُهُ وَيُقَالُ لِلْعِنَبِ إِذَا خَرَجَ أَيْضًا كَافُورٌ وَكُفُرَّى وَلِيٌّ حَمِيمٌ الْقَرِيبُ مِنْ مَحِيصٍ حَاصَ عَنْهُ أَيْ حَادَ مِرْيَةٍ وَمُرْيَةٌ وَاحِدٌ أَيْ امْتِرَاءٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} هِيَ وَعِيدٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ وَالْعَفْوُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمَهُمْ اللَّهُ وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}
قوله: "سورة حم السجدة. {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} سقطت البسملة لغير أبي ذر. قوله: "وقال طاوس عن ابن عباس {ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}"أعطينا وصله الطبري وابن أبي حاتم بإسناد على شرط البخاري في الصحة، ولفظ الطبري في قوله: "ائتيا" قال أعطيا وفي قوله: {قَالَتَا أَتَيْنَا} قالتا أعطينا. وقال عياض: ليس أتي هنا بمعنى أعطى، وإنما هو من الإتيان وهو المجيء بمعنى الانفعال للوجود، بدليل الآية نفسها. وبهذا فسره المفسرون أن معناه جيئا بما خلقت فيكما وأظهراه، قالتا أجبنا. وروي ذلك عن ابن عباس قال وقد روي عن سعيد بن جبير نحو ما ذكره المصنف، ولكنه يخرج على تقريب المعنى أنهما لما أمرتا بإخراج

(8/556)


ما فيهما من شمس وقمر ونهر ونبات وغير ذلك وأجابتا إلى ذلك كان كالإعطاء، فعبر بالإعطاء عن المجيء بما أودعتاه. قلت. فإذا كان موجها وثبتت به الرواية فأي معنى لإنكاره عن ابن عباس، وكأنه لما رأى عن ابن عباس أنه فسره بمعنى المجيء نفى أن يثبت عنه أنه فسره بالمعنى الآخر، وهذا عجيب، فما المانع أن يكون له في الشيء قولان بل أكثر، وقد روى الطبري من طريق مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال الله عز وجل للسماوات اطلعي الشمس والقمر والنجوم. وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك، قالتا أتينا طائعين. وقال ابن التين: لعل ابن عباس قرأها آتينا بالمد ففسرها على ذلك. قلت: وقد صرح أهل العلم بالقراآت أنها قراءته، وبها قرأ صاحباه مجاهد وسعيد بن جبير. وقال السهيلي في أماليه: قيل إن البخاري وقع له في أي من القرآن وهم، فإن كان هذا منها وإلا فهي قراءة بلغته، وجهه أعطيا الطاعة كما يقال فلان يعطى الطاعة لفلان، قال: وقد قرئ {ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا} بالمد والقصر، والفتنة ضد الطاعة. وإذا جاز في إحداهما جاز في الأخرى انتهى وجوز بعض المفسرين أن آتينا بالمد بمعنى الموافقة، وبه جزم الزمخشري. فعلى هذا يكون المحذوف مفعولا واحدا والتقدير: لتوافق كل منكما الأخرى، قالتا توافقنا. وعلى الأول يكون قد حذف مفعولان والتقدير: أعطيا من أمركما الطاعة من أنفسكما قالتا أعطيناه الطاعة. وهو أرجح لثبوته صريحا عن ترجمان القرآن. قوله: "قالتا" قال ابن عطية أراد الفرقتين المذكورتين جعل السماوات سماء والأرضين أرضا. ثم ذكر لذلك شاهدا. وهي غفلة منه، فإنه لم يتقدم قبل ذلك إلا لفظ سماء مفرد ولفظ أرض مفرد، نعم قوله طائعين عبر بالجمع بالنظر إلى تعدد كل منهما، وعبر بلفظ جمع المذكر من العقلاء لكونهم عوملوا معاملة العقلاء في الإخبار عنهم، وهو مثل {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} . قوله: "وقال المنهال" هو ابن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في قصة إبراهيم من أحاديث الأنبياء، وهو صدوق من طبقة الأعمش، وثقه ابن معين والنسائي والعجلي وغيرهم، وتركه شعبة لأمر لا يوجب فيه قدحا كما بينته في المقدمة، وهذا التعليق قد وصله المصنف بعد فراغه من سياق الحديث كما سأذكره. قوله: "عن سعيد" هو ابن جبير، وصرح به الأصيلي في روايته وكذا النسفي. قوله: "قال رجل لابن عباس" كأن هذا الرجل هو نافع بن الأزرق الذي صار بعد ذلك رأس الأزارقة من الخوارج وكان يجالس ابن عباس بمكة ويسأله ويعارضه، ومن جملة ما وقع سؤاله عنه صريحا ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة قال: "سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله تعالى: {هَذَا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ} {فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} "وقوله: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ} - {وهاؤم اقرءوا كتابيه} "الحديث بهذه القصة حسب، وهي إحدى القصص المسئول عنها في حديث الباب. وروى الطبراني من حديث الضحاك بن مزاحم قال: "قدم نافع بن الأزرق ونجدة بن عويمر في نفر من رءوس الخوارج مكة" فإذا هم بابن عباس قاعدا قريبا من زمزم والناس قياما يسألونه، فقال له نافع بن الأزرق: أتيتك لأسألك، فسأله عن أشياء كثيرة من التفسير، ساقها في ورقتين. وأخرج الطبري من هذا الوجه بعض القصة ولفظه: "أن نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: قول الله {وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} و قوله: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فقال: أني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت لهم أين ابن عباس فألقي عليه متشابه القرآن؟ فأخبرهم أن الله تعالى إذا جمع الناس يوم القيامة قال المشركون: إن الله لا يقبل إلا من وحده، فيسألهم فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين،

(8/557)


قال فيختم على أفواههم ويستنطق جوارحهم" انتهى وهذه القصة إحدى ما ورد في حديث الباب، فالظاهر أنه المبهم فيه. قوله: "إني أجد في القرآن أشياء تختلف على" أي تشكل وتضطرب، لأن بين ظواهرها تدافعا. زاد عبد الرزاق في رواية عن معمر عن رجل عن المنهال بسنده "فقال ابن عباس: ما هو، أشك في القرآن؟ قال: ليس بشك ولكنه اختلاف، فقال: هات ما اختلف عليك من ذلك، قال: أسمع الله يقول. وحاصل ما وقع السؤال في حديث الباب أربعة مواضع: الأول نفي المسائلة يوم القيامة وإثباتها، الثاني كتمان المشركين حالهم وإفشاؤه، الثالث خلق السماوات والأرض أيهما تقدم، الرابع الإتيان بحرف "كان" الدال على الماضي مع أن الصفة لازمة. وحاصل جواب ابن عباس عن الأول أن نفي المسائلة فيما قبل النفخة الثانية وإثباتها فيما بعد ذلك، وعن الثاني أنهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم، وعن الثالث أنه بدأ خلق الأرض في يومين غير مدحوة ثم خلق السماء فسواها في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين فتلك أربعة أيام للأرض، فهذا الذي جمع به ابن عباس بين قوله تعالى في هذه الآية وبين قوله: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} هو المعتمد، وأما ما أخرجه عبد الرزاق من طريق أبي سعيد عن عكرمة عن ابن عباس رفعه قال: "خلق الله الأرض في يوم الأحد وفي يوم الاثنين، وخلق الجبال وشقق الأنهار وقدر في كل أرض قوتها يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، ثم استوى إلى السماء وهي دخان وتلا الآية إلى قوله: {فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} قال في يوم الخميس ويوم الجمعة الحديث، فهو ضعيف لضعف أبي سعيد وهو البقال، وعن الرابع بأن "كان" وإن كانت للماضي لكنها لا تستلزم الانقطاع؛ بل المراد أنه لم يزل كذلك، فأما الأول فقد جاء فيه تفسر آخر أن نفي المساءلة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة والجواز على الصراط وإثباتها فيما عدا ذلك، وهذا منقول عن السدي أخرجه الطبري، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن نفي المساءلة عند النفخة الأولى وإثباتها بعد النفخة الثانية، وقد تأول ابن مسعود نفي المساءلة على معنى آخر وهو طلب بعضهم من بعض العفو، فأخرج الطبري من طريق زاذان قال: "أتيت ابن مسعود فقال: يؤخذ بيد العبد يوم القيامة فينادي: ألا إن هذا فلان ابن فلان، فمن كان له حق قبله فليأت، قال فتود المرأة يومئذ أن يثبت لها حق على أبيها أو ابنها أو أخيها أو زوجها، فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" . ومن طريق أخرى قال: "لا يسأل أحد يومئذ بنسب شيئا ولا يتساءلون به ولا يمت برحم، وأما الثاني فقد تقدم بسطه من وجه آخر عند الطبري، والآية الأخرى التي ذكرها ابن عباس وهي قوله: {اللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} فقد ورد ما يؤيده من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم أثناء حديث وفيه: "ثم يلقى الثالث فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك ويثنى ما استطاع، فيقول: الآن نبعث شاهدا عليك، فيفكر في نفسه من الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه وتنطق جوارحه" وأما الثابت فأجيب بأجوبة أيضا منها أن "ثم" بمعنى الواو فلا إيراد، وقيل المراد ترتيب الخبر لا المخبر به كقوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} الآية، وقيل على بابها لكن ثم لتفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخي في الزمان، وقيل خلق بمعنى قدر. وأما الرابع وجواب ابن عباس عنه فيحتمل كلامه أنه أراد أنه سمي نفسه غفورا رحيما، وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقضى، وأما الصفتان فلا يزالان كذلك لا ينقطعان لأنه تعالى إذا أراد المغفرة أو الرحمة في الحال أو الاستقبال وقع مراده، قاله الكرماني. قال: ويحتمل أن يكون ابن عباس أجاب بجوابين أحدهما أن التسمية هي التي كانت وانتهت والصفة لا نهاية لها، والآخر أن معنى

(8/558)


"كان" الدوام فإنه لا يزال كذلك. ويحتمل أن يحمل السؤال على مسلكين والجواب على رفعهما كأن يقال: هذا اللفظ مشعر بأنه في الزمان الماضي كان غفورا رحيما مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم، وبأنه ليس في الحال كذلك لما يشعر به لفظ كان، والجواب عن الأول بأنه كان في الماضي يسمى به، وعن الثاني بأن كان تعطى معنى الدوام، وقد قال النحاة. كان لثبوت خبرها ماضيا دائما أو منقطعا. قوله: "فلا يختلف" بالجزم للنهي، وقد وقع في رواية ابن أبي حاتم من طريق مطرف عن المنهال بن عمرو وفي آخره: "قال فقال له ابن عباس: هل بقي في قلبك شيء؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا نزل فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه".
" تنبيه " : وقع في السياق " و السَّمَاءُ بَنَاهَا" والتلاوة {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} كذا زعم بعض الشراح، والذي في الأصل من رواية أبي ذر "والسماء وما بناها" وهو على وفق التلاوة، لكن قوله بعد ذلك "إلى قوله:{دحاها} يدل على أن المراد الآية التي فيها {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا} . قوله: "حدثنيه يوسف بن عدي" أي ابن أبي زريق التيمي الكوفي نزيل مصر، وهو أخو زكريا بن عدي، وليس له في البخاري إلا هذا الحديث. وقد وقع في رواية القابسي "حدثنيه عن يوسف" بزيادة "عن" وهي غلط. وسقط قوله: "وحدثنيه إلخ" من رواية النسفي، وكذا من رواية أبي نعيم عن الجرجاني عن الفربري، وثبت ذلك عند جمهور الرواة عن الفربري، لكن ذكر البرقاني في "المصافحة" بعد أن أخرج الحديث من طريق محمد ابن إبراهيم البوشنجي "حدثنا أبو يعقوب يوسف بن عدي" فساقه بتمامه قال: "وقال لي محمد بن إبراهيم الأردستاني قال: شاهدت نسخة من كتاب البخاري في هامشها" حدثنيه محمد بن إبراهيم حدثنا يوسف بن عدي "قال البرقاني: ويحتمل أن يكون هذا من صنيع من سمعه من البوشنجي فإن اسمه محمد بن إبراهيم، قال: ولم يخرج البخاري ليوسف ولا لعبيد الله بن عمرو ولا لزيد بن أبي أنيسة حديثا مسندا سواه، وفي مغايرة البخاري سياق الإسناد عن ترتيبه المعهود إشارة إلى أنه ليس على شرطه وإن صارت صورته صورة الموصول، وقد صرح ابن خزيمة في صحيحه بهذا الاصطلاح وأن ما يورده بهذه الكيفية ليس على شرط صحيحه وخرج على من يغير هذه الصيغة المصطلح عليها إذا أخرج منه شيئا على هذه الكيفية. فزعم بعض الشراح أن البخاري سمعه أولا مرسلا وآخرا مسندا فنقله كما سمعه، وهذا بعيد جدا، وقد وجدت للحديث طريقا أخرى أخرجها الطبري من رواية مطرف من طريق عن المنهال بن عمرو بتمامه، فشيخ معمر المبهم يحتمل أن يكون مطرفا أو زيد بن أبي أنيسة أو ثالثا. قوله: "وقال مجاهد لهم أجر غير ممنون: محسوب" سقط هذا من رواية النسفي، وقد وصله الفريابي من طريق مجاهد به، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {غَيْرُ مَمْنُونٍ} قال: غير منقوص، وهو بمعنى قول مجاهد محسوب، والمراد أنه يحسب فيحصى فلا ينقص منه شيء. قوله: "أقواتها أرزاقها" أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الحسن بلفظ: "قال وقال قتادة جبالها وأنهارها ودوابها وثمارها" وصله الفريابي من طريق مجاهد بلفظ: {وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا} قال: من المطر. وقال أبو عبيدة: أقواتها واحدها قوت وهي الأرزاق. قوله: "في كل سماء أمرها مما أمر به" وصله الفريابي بلفظ: "مما أمر به وأراده" أي من خلق الرجوم والنيرات وغير ذلك. قوله: "نحسات مشائيم" وصله الفريابي من طريق مجاهد به. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة "ريحا صرصرا: باردة. نحسات: مشومات" وقال أبو عبيدة: الصرصر هي الشديدة الصوت العاصفة، نحسات: ذوات نحوس أي مشائيم. قوله: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ} تتنزل عليهم الملائكة عند الموت "كذا في رواية أبي ذر والنسفي وطائفة، وعند

(8/559)


الأصيلي: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ} قرناهم بهم تتنزل عليهم الملائكة عند الموت" وهذا هو وجه الكلام وصوابه، وليس تتنزل عليهم تفسيرا لقيضنا. وقد أخرج الفريابي من طريق مجاهد بلفظ: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ} قال شياطين. وفي قوله: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا} قال عند الموت "وكذلك أخرجه الطبري مفرقا في موضعيه، ومن طريق السدي قال: تتنزل عليهم الملائكة عند الموت، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تتنزل عليهم الملائكة وذلك في الآخرة. قلت: ويحتمل الجمع بين التأويلين فإن حالة الموت أول أحوال الآخرة في حق الميت، والحاصل من التأويلين أنه ليس المراد تتنزل عليهم في حال تصرفهم في الدنيا. د قوله: "اهتزت بالنبات، وربت ارتفعت من أكمامها حين تطلع" كذا لأبي ذر والنسفي. وفي رواية غيرهما إلى قوله: "ارتفعت" وهذا هو الصواب، وقد وصله الفريابي من طريق مجاهد إلى قوله: "ارتفعت" وزاد: "قبل أن تنبت" . قوله: "ليقولن هذا لي أي بعلمي أنا محقوق بهذا" وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا ولكن لفظه: "بعملي" بتقديم المهم على اللام وهو الأشبه، واللام في ليقولن جواب القسم، وأما جواب الشرط فمحذوف، وأبعد من قال اللام جواب الشرط والفاء محذوفة منه لأن ذلك شاذ مختلف في جوازه في الشعر، ويحتمل أن يكون قوله: "هذا لي" أي لا يزول عني. قوله: "وقال غيره سواء للسائلين قدرها سواء" سقط "وقال غيره:"لغير أبي ذر والنسفي وهو أشبه، فإنه معنى قول أبي عبيدة. وقال في قوله سواء للسائلين: نصبها على المصدر. وقال الطبري: قرأ الجمهور سواء بالنصب وأبو جعفر بالرفع ويعقوب بالجر، فالنصب على المصدر أو على نعت الأقوات، ومن رفع فعلى القطع، ومن خفض فعلى نعت الأيام أو الأربعة. قوله: "فهديناهم دللناهم على الخير والشر "ك قوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} وكقوله: "هديناه السبيل" والهدى الذي هو الإرشاد بمنزلة أسعدناه، ومن ذلك قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} . كذا لأبي ذر والأصيلي ولغيرهما: "أصعدناه" بالصاد المهملة، قال السهيلي: هو بالصاد أقرب إلى تفسير أرشدناه من أسعدناه بالسين المهملة، لأنه إذا كان بالسين كان من السعد والسعادة، وأرشدت الرجل إلى الطريق وهديته السبيل بعيد من هذا التفسير، فإذا قلت أصعدناهم بالصاد خرج اللفظ إلى معنى الصعدات في قوله: "إياكم والقعود على الصعدات" وهي الطرق، وكذلك أصعد في الأرض إذا سار فيها على قصد، فإن كان البخاري قصد هذا وكتبها في نسخته بالصاد التفاتا إلى حديث الصعدات فليس بمنكر انتهى. والذي عند البخاري إنما هو بالسين كما وقع عند أكثر الرواة عنه، وهو منقول من "معاني القرآن" قال في قوله تعالى :{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} يقال دللناهم على مذهب الخير ومذهب الشر كقوله: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} ثم ساق عن علي في قوله: "وهديناه النجدين" قال: الخير والشر، قال: وكذلك قوله: "إنا هديناه السبيل" قال: والهدى على وجه آخر وهو الإرشاد، ومثله قولك أسعدناه من ذلك {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} في كثير من القرآن. قوله: "يوزعون يكفون" قال أبو عبيدة في قوله: "فهم يوزعون" : أي يدفعون، وهو من وزعت. وأخرج الطبري من طريق السدي في قوله: "فهم يوزعون" قال: عليهم وزعة ترد أولاهم على أخراهم. قوله: "من أكمامها: قشر الكفرى الكم" كذا لأبي ذر، ولغيره هي الكم، زاد الأصيلي: واحدها هو قول الفراء بلفظه. وقال أبو عبيدة في قوله: "من أكمامها" : أي أوعيتها واحدها كمة وهو ما كانت فيه، وكم وكمة واحد، والجمع أكمام، وأكمة. "تنبيه" : كاف الكم مضمومة ككم القميص وعليه يدل كلام أبي عبيدة وبه جزم

(8/560)


الراغب، ووقع في الكشاف بكسر الكاف فإن ثبت فلعلها لغة فيه دون كم القميص. قوله: "وقال غيره: ويقال للعنب إذا خرج أيضا: كافور وكفرى" ثبت هذا في رواية المستملي وحده، والكفرى بضم الكاف وفتح الفاء وبضمها أيضا والراء مثقلة مقصور، وهو وعاء الطالع وقشره الأعلى قاله الأصمعي وغيره، قالوا: ووعاء كل شيء كافوره. وقال الخطابي: قول الأكثرين الكفرى الطلع بما فيه، وعن الخليل أنه الطلع. قوله: "ولي حميم: القريب" كذا للأكثر، وعند النسفي: وقال معمر فذكره، ومعمر هو ابن المثنى أبو عبيدة وهذا كلامه، قال في قوله: {كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} قال: ولي قريب. قوله: "من محيص حاص عنه حاد عنه" قال أبو عبيدة في قوله: {مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ} يقال حاص عنه أي عدل وحاد. وقال في موضع آخر "من محيص" أي من معدل. قوله: "مرية ومرية واحد" أي بكسر الميم وضمها أي امتراء، هو قول أبي عبيدة أيضا، وقراءة الجمهور بالكسر، وقرأ الحسن البصري بالضم. قوله: "وقال مجاهد {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} الوعيد" في رواية الأصيلي هو وعيد، وقد وصله عبد بن حميد من طريق سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} قال: هذا وعيد. وأخرجه عبد الرزاق من وجهين آخرين عن مجاهد. وقال أبو عبيدة: لم يأمرهم بعمل الكفر، وإنما هو توعد. قوله: "وقال ابن عباس {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الصبر عند الغضب والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم" سقط {كأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} من رواية أبي ذر وحده وثبت للباقين، وقد وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة إلخ، ومن طريق عبد الكريم الجزري عن مجاهد {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} : السلام

(8/561)


1- باب {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ}
4816- حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ} الآيَةَ قَالَ كَانَ رَجُلاَنِ مِنْ قُرَيْشٍ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ثَقِيفَ أَوْ رَجُلاَنِ مِنْ ثَقِيفَ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ حَدِيثَنَا قَالَ بَعْضُهُمْ يَسْمَعُ بَعْضَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ يَسْمَعُ كُلَّهُ فَأُنْزِلَتْ {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ} الآيَةَ
[الحديث 4816- طرفاه في: 4817، 7521]
قوله باب قوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ} الآية قال الطبري: اختلف في معنى قوله: {تَسْتَتِرُونَ} ثم أخرج من طريق السدي قال: تستخفون، ومن طريق مجاهد قال: تتقون، ومن طريق شعبة عن قتادة قال: ما كنتم تظنون أن يشهد عليكم إلخ. قوله: "عن ابن مسعود: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ} أي قال في تفسير قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ} . قوله: "كان رجلان من قريش وختن لهما من ثقيف أو رجلان

(8/561)


من ثقيف وختن لهما من قريش" هذا الشك من أبي معمر رواية عن ابن مسعود وهو عبد الله بن سخبرة، وقد أخرجه عبد الرزاق من طريق وهب بن ربيعة عن ابن مسعود بلفظ: "ثقفي وختناه قرشيان" ولم يشك. وأخرج مسلم من طريق وهب هذه ولم يسق لفظها، وأخرجه الترمذي من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود قال: "ثلاثة نفر" ولم ينسبهم، وذكر ابن بشكوال في "المبهمات" من طريق "تفسير عبد الغني بن سعيد الثقفي" أحد الضعفاء بإسناده عن ابن عباس قال: القرشي الأسود بن عبد يغوث الزهري والثقفيان الأخنس بن شريق والآخر لم يسم، وراجعت التفسير المذكور فوجدته قال في تفسير قوله تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} قال: جلس رجلان عند الكعبة أحدهما من ثقيف وهو الأخنس بن شريق والآخر من قريش وهو الأسود بن عبد يغوث، فذكر الحديث. وفي تنزيل هذا على هذا ما لا يخفى. وذكر الثعلبي وتبعه البغوي أن الثقفي عبد ياليل بن عمرو بن عمير والقرشيان صفوان وربيعة ابنا أمية بن خلف. وذكر إسماعيل بن محمد التيمي في تفسيره أن القرشي صفوان بن أمية والثقفيان ربيعة وحبيب ابنا عمرو، فالله أعلم

(8/562)


2- باب {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ}
4817- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ اجْتَمَعَ عِنْدَ الْبَيْتِ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيٌّ أَوْ ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيٌّ كَثِيرَةٌ شَحْمُ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ أَتُرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ مَا نَقُولُ قَالَ الْآخَرُ يَسْمَعُ إِنْ جَهَرْنَا وَلاَ يَسْمَعُ إِنْ أَخْفَيْنَا وَقَالَ الآخَرُ إِنْ كَانَ يَسْمَعُ إِذَا جَهَرْنَا فَإِنَّهُ يَسْمَعُ إِذَا أَخْفَيْنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلاَ أَبْصَارُكُمْ وَلاَ جُلُودُكُمْ} الآيَةَ وَكَانَ سُفْيَانُ يُحَدِّثُنَا بِهَذَا فَيَقُولُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ أَوْ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ أَوْ حُمَيْدٌ أَحَدُهُمْ أَوْ اثْنَانِ مِنْهُمْ ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى مَنْصُورٍ وَتَرَكَ ذَلِكَ مِرَارًا غَيْرَ مَرَّةٍ وَاحِدَة"
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِنَحْوِه"
قوله: "باب {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنْ الْخَاسِرِينَ} الإشارة في قوله: {وَذَلِكُمْ} لما تقدم من صنيع الاستتار ظنا منهم أنهم يخفى عملهم عند الله. وهو مبتدأ والخبر أرداكم، وظنكم بدل من ذلكم. ثم ذكر فيه الحديث الذي قبله من طريق أخرى. قوله: "اجتمع البيت" أي عند الكعبة. قوله: "كثيرة شحم بطونهم قليلة فقه قلوبهم" كذا للأكثر بإضافة بطون لشحم وإضافة قلوب لفقه وتنوين كثيرة وقليلة. وفي رواية سعيد بن منصور والترمذي من طريق عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود "كثير شحم بطونهم قليل فقه قلوبهم" وذكره بعض الشراح بلفظ إضافة شحم إلى كثيرة وبطونهم بالرفع على أنه المبتدأ أي بطونهم كثيرة الشحم والآخر مثله وهو محتمل، وقد أخرجه ابن مردويه من وجه آخر بلفظ: "عظيمة بطونهم قليل فقههم" وفيه إشارة إلى أن الفطنة قلما تكون مع البطنة، قال الشافعي: ما رأيت سمينا عاقلا إلا محمد بن الحسن. قوله: "لئن كان يسمع بعضه

(8/562)


لقد سمع كله" أي لأن نسبة جميع المسموعات إليه واحدة فالتخصيص تحكم، وهذا يشعر بأن قائل ذلك كان أفطن أصحابه، وأخلق به أن يكون الأخنس بن شريق لأنه أسلم بعد ذلك، وكذا صفوان بن أمية. قوله: "وكان سفيان يحدثنا بهذا فيقول: حدثنا منصور أو ابن أبي نجيح أو حميد أحدهم أو اثنان منهم، ثم ثبت على منصور وترك ذلك مرارا غير واحدة" هذا كلام الحميدي شيخ البخاري فيه، وقد أخرجه عنه في كتاب التوحيد قال: "حدثنا سفيان حدثنا منصور عن مجاهد" فذكره مختصرا ولم يذكر مع منصور أحدا. وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن سفيان بن عيينة عن منصور وحده به. قوله: "حدثنا يحيى" هو ابن سعيد القطان. قوله: "حدثنا سفيان" هو الثوري. قوله: "عن منصور" لسفيان فيه إسناد آخر أخرجه مسلم عن أبي بكر بن خلاد عن يحيى القطان عن سفيان الثوري عن سليمان وهو الأعمش عن عمارة بن عمير عن وهب بن ربيعة عن ابن مسعود، وكأن البخاري ترك طريق الأعمش للاختلاف عليه قيل عنه هكذا، وقيل عنه عن عمارة بن عمير عن عبد الرحمن بن يزيد عن ابن مسعود أخرجه الترمذي بالوجهين.

(8/563)


42- سُورَةُ حم عسق
وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ {عَقِيمًا} الَّتِي لاَ تَلِدُ {رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا} الْقُرْآنُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} نَسْلٌ بَعْدَ نَسْلٍ {لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} لاَ خُصُومَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ {مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} ذَلِيلٍ وَقَالَ غَيْرُهُ {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} يَتَحَرَّكْنَ وَلاَ يَجْرِينَ فِي الْبَحْرِ {شَرَعُوا} ابْتَدَعُوا
قوله: "سورة حم عسق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سقطت البسملة لغير أبي ذر. قوله: "ويذكر عن ابن عباس عقيما التي لا تلد" وصله ابن أبي حاتم والطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظ {وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً} قال: لا يلقح. وذكره باللفظ المعلق بلفظ جويبر عن الضحاك عن ابن عباس وفيه ضعف وانقطاع، فكأنه لم يجزم به لذلك. قوله: " {رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} : القرآن" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بهذا، وروى الطبري من طريق السدي قال في قوله: { رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا} قال: وحيا. ومن طريق قتادة عن الحسن في قوله: "روحا من أمرنا" قال: رحمة. قوله: "وقال مجاهد يذرؤكم فيه نسل بعد نسل" وصله الفريابي من طريق مجاهد في قوله: "يذرؤكم فيه" قال نسلا بعد نسل من الناس والأنعام، وروى الطبري من طريق السدي في قوله: "يذرؤكم" قال: يخلقكم. قوله: {لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ} لا خصومة بيننا وبينكم، وصله الفريابي عن مجاهد بهذا، وروى الطبري من طريق السدي في قوله: {جَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} قال: هم أهل الكتاب قالوا للمسلمين: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم. قوله: "{مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ}: ذليل" وصله الفريابي عن مجاهد بهذا، وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس مثله، ومن طريق قتادة ومن طريق السدي في قوله: {يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} قال: يسارقون النظر، وتفسير مجاهد هو بلازم هذا. قوله: "شرعوا ابتدعوا" هو قول أبي عبيدة. قوله: " {فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ} : يتحركن ولا يجرين في البحر" وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال سفن هذا البحر تجري بالريح فإذا أمسكت عنها الريح ركدت، وقوله: يتحركن أي يضربن بالأمواج، ولا يجرين في البحر بسكون الريح، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من زعم أن "لا" سقطت في قوله: "يتحركن"

(8/563)


قال: لأنهم فسروا {رَوَاكِدَ} بسواكن، وتفسير {رَوَاكِدَ} بسواكن قول أبي عبيدة، ولكن السكون والحركة في هذا أمر نسبي

(8/564)


1- بَاب {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}
4818- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ قَالَ سَمِعْتُ طَاوُسًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَجِلْتَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلاَّ كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ إِلاَّ أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنْ الْقَرَابَةِ
حديث طاوس "عن ابن عباس سئل عن تفسيرها، فقال سعيد بن جبير: قربى آل محمد، فقال ابن عباس: عجلت" أي أسرعت في التفسير. وهذا الذي جزم به سعيد بن جبير قد جاء عنه من روايته عن ابن عباس مرفوعا فأخرج الطبري وابن أبي حاتم من طريق قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت قالوا يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم؟ الحديث، وإسناده ضعيف، وهو ساقط لمخالفته هذا الحديث الصحيح. والمعنى إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش خاصة، والقربى قرابة العصوبة والرحم، فكأنه قال احفظوا للقرابة إن لم تتبعوني للنبوة. ثم ذكر ما تقدم عن عكرمة في سبب نزول (1) وقد جزم بهذا التفسير جماعة من المفسرين واستندوا إلى ما ذكرته عن ابن عباس من الطبراني وابن أبي حاتم، وإسناده واه فيه ضعيف ورافضي. وذكر الزمخشري هنا أحاديث ظاهر وضعها، ورده الزجاج بما صح عن ابن عباس من رواية طاوس في حديث الباب، وبما نقله الشعبي عنه، وهو المعتمد. وجزم بأن الاستثناء منقطع. وفي سبب نزولها قول آخر ذكره الواحدي عن ابن عباس قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كانت تنوبه نوائب وليس بيده شيء، فجمع له الأنصار مالا فقالوا: يا رسول الله إنك ابن أختنا، وقد هدانا الله بك، وتنوبك النوائب وحقوق وليس لك سعة، فجمعنا لك من أموالنا ما تستعين به علينا، فنزلت. وهذه من رواية الكلبي ونحوه من الضعفاء. وأخرج من طريق مقسم عن ابن عباس أيضا قال بلغ النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنصار شيء فخطب فقال ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي الحديث، وفيه فجثوا على الركب وقالوا أنفسنا وأموالنا لك فنزلت. وهذا أيضا ضعيف ويبطله أن الآية مكية والأقوى في سبب نزولها صلى الله عليه وسلم عن قتادة قال: قال المشركون لعل محمدا يطلب أجرا على ما يتعاطاه فنزلت. وزعم بعضهم أن هذه الآية منسوخة، ورده الثعلبي بأن الآية دالة على الأمر بالتودد إلى الله بطاعته أو باتباع نبيه أو صلة رحمه بترك أذيته أو صلة أقاربه من أجله وكل ذلك مستمر الحكم غير منسوخ، والحاصل أن سعيد بن جبير ومن وافقه كعلي بن الحسين والسدي وعمرو بن شعيب فيما أخرجه الطبري عنهم حملوا الآية على أمر المخاطبين بأن يواددوا أقارب النبي صلى الله عليه وسلم،
ـــــــ
(1) بياض بأصله.

(8/564)


وابن عباس حملها على أن يواددوا النبي صلى الله عليه وسلم من أجل القرابة التي بينهم وبينه، فعلى الأول الخطاب عام لجميع المكلفين، وعلى الثاني الخطاب خاص بقريش. ويؤيد ذلك أن السورة مكية. وقد قيل إن هذه الآية نسخت بقوله: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} ويحتمل أن يكون هذا عاما خص بما دلت عليه آية الباب، والمعنى أن قريشا كانت تصل أرحامها، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قطعوه فقال: صلوني كما تصلون غيري من أقاربكم. وقد روى سعيد بن منصور من طريق الشعبي قال: أكثروا علينا في هذه الآية، فكتبت إلى ابن عباس أسأله عنها فكتب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب في قريش، لم يكن حي من أحياء قريش إلا ولده، فقال الله {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ المَوَدَةَ فِي القُرْبَىَ" تودوني بقرابتي منكم، وتحفظوني في ذلك. وفيه قول ثالث أخرجه أحمد من طريق مجاهد عن ابن عباس أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً} على ما جئتكم به من البينات والهدى إلا أن تقربوا إلى الله بطاعته، وفي إسناده ضعف. وثبت عن الحسن البصري نحوه، والأجر على هذا مجاز. وقوله: "القربى" هو مصدر كالزلفى والبشرى بمعنى القرابة، والمراد في أهل القربى، وعبر بلفظ: "في" دون اللام كأنه جعلهم مكانا للمودة ومقرا لها، كما يقال لي في آل فلان هوى أي هم مكان هواي، ويحتمل أن تكون "في" سببية، وهذا على أن الاستثناء متصل، فإن كان منقطعا فالمعنى لا أسألكم عليه أجرا قط، ولكن أسألكم أن تودوني بسب قرابتي فيكم

(8/565)


43- سورة حم الزُّخْرُفِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {عَلَى أُمَّةٍ} عَلَى إِمَامٍ {وَقِيلَهُ يَا رَبِّ} تَفْسِيرُهُ أَيَحْسِبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَلاَ نَسْمَعُ قِيلَهُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} لَوْلاَ أَنْ جَعَلَ النَّاسَ كُلَّهُمْ كُفَّارًا لَجَعَلْتُ لِبُيُوتِ الْكُفَّارِ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ مِنْ فِضَّةٍ وَهِيَ دَرَجٌ وَسُرُرَ فِضَّةٍ مُقْرِنِينَ مُطِيقِينَ آسَفُونَا أَسْخَطُونَا يَعْشُ يَعْمَى وَقَالَ مُجَاهِدٌ {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ} أَيْ تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لاَ تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ {وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} سُنَّةُ الأَوَّلِينَ مُقْرِنِينَ يَعْنِي الإِبِلَ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ {يَنْشَأُ فِي الْحِلْيَةِ} الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ف {َكَيْفَ تَحْكُمُونَ} {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} يَعْنُونَ الأَوْثَانَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ} أَيْ الأَوْثَانُ إِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ فِي عَقِبِهِ وَلَدِهِ مُقْتَرِنِينَ يَمْشُونَ مَعًا سَلَفًا قَوْمُ فِرْعَوْنَ سَلَفًا لِكُفَّارِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَ {مَثَلاً} : عِبْرَةً {يَصِدُّونَ} يَضِجُّونَ {مُبْرِمُونَ} مُجْمِعُونَ {أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ غَيْرُهُ {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} الْعَرَبُ تَقُولُ نَحْنُ مِنْكَ الْبَرَاءُ وَالْخَلاَءُ وَالْوَاحِدُ وَالاثْنَانِ وَالْجَمِيعُ مِنْ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ يُقَالُ فِيهِ بَرَاءٌ لأَنَّهُ مَصْدَرٌ وَلَوْ قَالَ بَرِيءٌ لَقِيلَ فِي الاثْنَيْنِ بَرِيئَانِ وَفِي الْجَمِيعِ بَرِيئُونَ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّنِي بَرِيءٌ بِالْيَاءِ وَ {الزُّخْرُفُ}: الذَّهَبُ {مَلاَئِكَةً يَخْلُفُونَ} يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.
قوله: "سورة حم الزخرف. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: "على أمة على إمام" كذا للأكثر. وفي رواية أبي

(8/565)


ذر "وقال مجاهد فذكره" والأول أولى وهو قول أبي عبيدة وروى عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: {عَلَى أُمَّةٍ} قال: على ملة: وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {عَلَى أُمَّةٍ} أي على دين، ومن طريق السدي مثله. قوله: "وقيله يا رب تفسيره أيحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ولا نسمع قيلهم" قال ابن التين: هذا التفسير أنكره بعضهم، وإنما يصح لو كانت التلاوة "وقيلهم" وقال أبو عبيدة: وقيله منصوب في قول أبي عمرو بن العلاء على نسمع سرهم ونجواهم وقيله، قال وقال غيره: هي في موضع الفعل، أي ويقول. وقال غيره: هذا التفسير محمول على أنه أراد تفسير المعنى، والتقدير ونسمع قيله فحذف العامل، لكن يلزم منه الفصل بين المتعاطفين بجمل كثيرة. وقال الفراء: من قرأ وقيله فنصب تجوز من قوله نسمع سرهم ونجواهم ونسمع قيلهم؛ وقد ارتضى ذلك الطبري وقال: قرأ الجمهور وقيله بالنصب عطفا على قوله {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ} والتقدير ونسمع قيله يا رب، وبهذا يندفع اعتراض ابن التين وإلزامه بل يصح والقراءة وقيله بالإفراد، قال الطبري: وقراءة الكوفيين وقيله بالجر على معنى وعنده علم الساعة وعلم قيله، قال: وهما قراءتان صحيحتا المعنى، وسيأتي أواخر هذه السورة أن ابن مسعود قرأ: "وقال الرسول يا رب" في موضع وقيله يا رب. وقال بعض النحويين: المعنى إلا من شهد بالحق وقال قيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون؛ وفيه أيضا الفصل بين المتعاطفين بجمل كثيرة. قوله: "وقال ابن عباس: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} إلخ" وصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس بلفظه مقطعا. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: أمة واحدة كفارا، وروى الطبري من طريق عوف عن الحسن في قوله: {وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} قال: كفارا يميلون إلى الدنيا. قال: وقد مالت الدنيا بأكثر أهلها وما فعل، فكيف لو فعل. قوله: "مقرنين مطيقين" وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} قال: مطيقين. وهو بالقاف. ومن طريق للسدي مثله. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} لا في الأيدي ولا في القوة. قوله: "آسفونا أسخطونا" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {فَلَمَّا آسَفُونَا} قال: أسخطونا. وقال عبد الرزاق سمعت ابن جريح يقول: {آسَفُونَا} أغضبونا. وعن سماك بن الفضل عن وهب بن منبه مثله وأورده في قصة له مع عروة بن محمد السعدي عامل عمر بن عبد العزيز على اليمن. قوله: "يعش يعمى" وصله ابن أبي حاتم من طريق شبيب عن بشر عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ} قال: يعمى. وروى الطبري من طريق السدي قال: {وَمَنْ يَعْشُ} أي يعرض. ومن طريق سعيد عن قتادة مثله. قال الطبري: من فسر يعش بمعنى يعمى فقراءته بفتح الشين. وقال ابن قتيبة قال أبو عبيدة قوله: {وَمَنْ يَعْشُ} بضم الشين أي تظلم عينه. وقال الفراء. يعرض عنه، قال: ومن قرأ يعش بفتح الشين أراد تعمى عينه، قال: ولا أرى القول إلا قول أبي عبيدة، ولم أر أحدا يجيز عشوت عن الشيء أعرضت عنه، إنما يقال تعاشيت عن كذا تغافلت عنه ومثله تعاميت. وقال غيره: عشى إذا مشى ببصر ضعيف مثل عرج مشى مشية الأعرج. قوله: "وقال مجاهد أفنضرب عنكم الذكر صفحا أي تكذبون بالقرآن ثم لا تعاقبون عليه"؟ وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظه، وروى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: أفحسبتم أن نصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به. قوله: "ومضى مثل الأولين: سنة الأولين" وصله الفريابي عن مجاهد

(8/566)


في قوله: {وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} قال سنتهم، وسيأتي له تفسير آخر قريبا. قوله: "مقرنين يعني الإبل والخيل والبغال" وصله الفريابي عن مجاهد بلفظه وزاد: والحمير. وهذا تفسير المراد بالضمير في قوله له، وأما لفظ: "مقرنين" فتقدم معناه قريبا. قوله: "أو من ينشأ في الحلية الجواري، يقول جعلتموهن للرحمن ولدا فكيف تحكمون" وصله االفريابي عن مجاهد بلفظه والمعنى أنه تعالى أنكر على الكفرة الذين زعموا أن الملائكة بنات الله فقال: {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ} وأنتم تمقتون البنات وتنفرون منهن حتى بالغتم في ذلك فوأدتموهن، فكيف تؤثرون أنفسكم بأعلى الجزأين وتدعون له الجزء الأدنى مع أن صفة هذا الصنف الذي هو البنات أنها تنشأ في الحلية والزينة المفضية إلى نقص العقل وعدم القيام بالحجة. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} قال: البنات {وَهُوَ فِي الخِصَامِ غَيرُ مُبِين} قال فما تكلمت المرأة تريد أن تكلم بحجة لها إلا تكلمت بحجة عليها.
" تنبيه " : قرأ ينشأ بفتح أوله مخففا الجمهور، وحمزة والكسائي وحفص بضم أوله مثقلا، والجحدري مثله مخففا. قوله: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} ، يعنون الأوثان. يقول الله تعالى: ما لهم بذلك من علم الأوثان إنه لا يعلمون" وصله الفريابي من طريق، مجاهد في قوله: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} قال: الأوثان. قال الله {مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} ما تعلمون قدرة الله على ذلك والضمير في قوله ما لهم بذلك من علم للكفار أي ليس لهم علم بما ذكروه من المشيئة ولا برهان معهم على ذلك إنما يقولونه ظنا وحسبانا، أو الضمير للأوثان ونزلهم منزلة من يعقل ونفى عنهم علم ما يصنع المشركون من عبادتهم. قوله: "في عقبه ولده" وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظه، والمراد بالولد الجنس حتى يدخل فيه ولد الولد وإن سفل. وقال عبد الرزاق في عقبه لا يزال في ذريته من يوحد الله عز وجل. قوله: "مقترنين يمشون معا" وصله الفريابي عن مجاهد في قوله: {أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ} يمشون معا. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: يعني متتابعين. قوله: "سلفا قوم فرعون. سلفا لكفار أمة محمد" وصله الفريابي من طريق مجاهد قال: هم قوم فرعون كفارهم سلفا لكفار أمة محمد. قوله: "ومثلا عبرة" وصله الفريابي عن مجاهد بلفظه وزاد: "لمن بعدهم" . قوله: "يصدون يضجون" وصله الفريابي والطبري عن مجاهد بلفظه، وهو قول أبي عبيدة وزاد: ومن ضمها فمعناه يعدلون. وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ومن طريق آخر عن ابن عباس ومن طريق سعيد عن قتادة في قوله: "يصدون" قال: يضجون. وقال عبد الرزاق عن معمر عن عاصم أخبرني زر هو ابن حبيش أن ابن عباس كان يقرؤها "يصدون" يعني بكسر الصاد يقول: يضجون. قال عاصم: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقرؤها بضم الصاد، فبالكسر معناه يضج وبالضم معناه يعرض. وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى وأنكر بعضهم قراءة الضم، واحتج بأنه لو كانت كذاك لكانت عنه لا منه. وأجيب بأن المعنى منه أي من أجله فيصح الضم، وروى الطبري من طريق أبي يحيى عن ابن عباس أنه أنكر على عبيد بن عمير قراءته يصدون بالضم. قوله: "مبرمون مجمعون" وصله الفريابي عن مجاهد بلفظه وزاد إن كادوا شرا كدناهم مثله. قوله: "أول العابدين أول المؤمنين" وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ: "أول المؤمنين بالله فقولوا ما شئتم" وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: قوله: {فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} يقول: فأنا أول من عبد الله وحده وكفر بما تقولون. وروى الطبري من طريق محمد بن ثور عن معمر بسنده قال: "قل إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول من عبد الله وحده

(8/567)


وكذبكم" وسيأتي له بعد هذا تفسير آخر. قوله: "وقال غيره إنني براء مما تعبدون، العرب تقول: نحن منك البراء والخلاء، الواحد والاثنان والجميع من المذكر والمؤنث سواء يقال فيه براء لأنه مصدر، ولو قيل بريء لقيل في الاثنين بريئان وفي الجميع بريئون" قال أبو عبيدة: قوله: "إنني براء" مجازها لغة عالية يجعلون الواحد والاثنين والثلاثة من المذكر والمؤنث على لفظ واحد، وأهل نجد يقولون: أنا بريء وهي بريئة ونحن براء. قوله: "وقرأ عبد الله إنني بريء بالياء" وصله الفضل بن شاذان في "كتاب القراءات" بإسناده عن طلحة ابن مصرف عن يحيى بن وثاب عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. قوله: "والزخرف الذهب" قال عبد الله بن حميد حدثنا هاشم بن القاسم عن شعبة عن الحكيم عن مجاهد قال: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيتها في قراءة عبد الله أي ابن مسعود "أو يكون لك بيت من ذهب" وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: "وزخرفا" قال الذهب. وعن معمر عن الحسن مثله. قوله: "ملائكة في الأرض يخلفون يخلف بعضهم بعضا" أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة وزاد في آخره: مكان ابن آدم.

(8/568)


باب {ونادوا يا مالك ليقضي علينا ربك}
...
1- باب {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}
4819- حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} وَقَالَ قَتَادَةُ {مَثَلاً لِلآخِرِينَ} عِظَةً لِمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ غَيْرُهُ {مُقْرِنِينَ} ضَابِطِينَ يُقَالُ فُلاَنٌ مُقْرِنٌ لِفُلاَنٍ ضَابِطٌ لَهُ وَالأَكْوَابُ الأَبَارِيقُ الَّتِي لاَ خَرَاطِيمَ لَهَا وَقَالَ قَتَادَةُ فِي {أُمِّ الْكِتَابِ} جُمْلَةِ الْكِتَابِ أَصْلِ الْكِتَابِ {أَوَّلُ الْعَابِدِينَ} أَيْ مَا كَانَ فَأَنَا أَوَّلُ الآنِفِينَ وَهُمَا لُغَتَانِ رَجُلٌ عَابِدٌ وَعَبِدٌ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ} وَيُقَالُ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ الْجَاحِدِينَ مِنْ عَبِدَ يَعْبَدُ
قوله: "باب قوله {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ} ظاهرها أنهم بعدما طال إبلاسهم تكلموا، والمبلس الساكت بعد اليأس من الفرج، فكان فائدة الكلام بعد ذلك حصول بعض فرج لطول العهد، أو النداء يقع قبل الإبلاس لأن الواو لا تستلزم ترتيبا. قوله: "عمرو" هو ابن دينار. قوله: "عن صفوان بن يعلى عن أبيه" هو يعلى بن أمية المعروف بابن منية. قوله: "يقرأ على المنبر ونادوا يا مالك" كذا للجميع بإثبات الكاف وهي قراءة الجمهور، وقرأ الأعمش "ونادوا يا مال" بالترخيم، ورويت عن علي، وتقدم في بدء الخلق أنها قراءة ابن مسعود، قال عبد الرزاق قال الثوري: في حرف ابن مسعود "ونادوا يا مال" يعني بالترخيم، وبه جزم ابن عيينة. ويذكر عن بعض السلف أنه لما سمعها قال: ما أشغل أهل النار عن الترخيم؟ وأجيب باحتمال أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وشدة ما هم فيه. قوله: "وقال قتادة مثلا للآخرين عظة لمن بعدهم" قال عبد الرزاق. عن معمر عن قتادة في قوله: {فَلَمَّا آسَفُونَا} قال أغضبونا {فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً} قال إلى النار {وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ} قال: عظة للآخرين. قوله: "وقال غيره: مقرنين ضابطين، يقال: فلان مقرن لفلان ضابط له" هو قول أبي عبيدة، واستشهد بقول الكميت "ولستم

(8/568)


للصعاب مقرنينا" . قوله: "والأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها" هو قول أبي عبيدة بلفظه، وروى الطبري من طريق السدي قال: الأكواب الأباريق التي لا آذان لها. قوله وقال قتادة "في أم الكتاب" جملة الكتاب، أصل الكتاب "قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ} قال: في أصل الكتاب وجملته. قوله: "أول العابدين أي ما كان فأنا أول الآنفين، وهما لغتان رجل عابد وعبد" وأخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول لم يكن للرحمن ولد. ومن طريق سعيد عن قتادة قال: هذه كلمة في كلام العرب، إن كان للرحمن ولد أي أن ذلك لم يكن. ومن طريق زيد بن أسلم قال: هذا معروف من قول العرب: إن كان هذا الأمر قط. أي ما كان. ومن طريق السدي "إن" بمعنى لو أي لو كان للرحمن ولد كنت أول من عبده بذلك لكن لا ولد له، ورجحه الطبري. وقال أبو عبيدة إن بمعنى ما في قول، والفاء بمعنى الواو، أي ما كان للرحمن ولد وأنا أول العابدين. وقال آخرون: معناه. إن كان للرحمن في قولكم ولد فأنا أول العابدين أي الكافرين بذلك والجاحدين لما قلتم، والعابدين من عبد بكسر الباء يعبد بفتحها، قال الشاعر:
أولئك قومي إن هجوني هجوتهم ... وأعبد أن أهجو كليبا بدارم
أي أمتنع. وأخرج الطبري أيضا عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب: عبد معناه استنكف، ثم ساق قصة عن عمر في ذلك. وقال ابن فارس: عبد بفتحتين بمعنى عابد. وقال الجوهري: العبد بالتحريك الغضب. قوله: "وقرأ عبد الله: وقال الرسول يا رب" تقدمت الإشارة إلى إسناد قراءة عبد الله وهو ابن مسعود. وأخرج الطبري من وجهين عن قتادة في قوله: {وَقِيلِهِ يَا رَبِّ} قال: هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم. قوله: "ويقال أول العابدين: أول الجاحدين، من عبد يعبد" وقال ابن التين كذا ضبطوه ولم أر في اللغة عبد بمعنى جحد انتهى. وقد ذكرها الفربري. "تنبيه" : ضبطت عبد يعبد هنا بكسر الموحدة في الماضي وفتحها في المستقبل

(8/569)


باب {أفنضرب الذكر عنكم صفحا إن كنتم قوما مسرفين}
...
2- باب {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} مُشْرِكِينَ وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ رُفِعَ حَيْثُ رَدَّهُ أَوَائِلُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَهَلَكُوا {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} عُقُوبَةُ الأَوَّلِينَ {جُزْءًا} عِدْلاً
قوله: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمْ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ} : مشركين، والله لو أن هذا القرآن رفع حيث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا" وصله ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظه وزاد: ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه. قوله: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} ، عقوبة الأولين" وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بهذا. قوله: "جزءا عدلا" وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة بهذا، وهو بكسر العين. وكذا أخرجه البخاري في كتاب خلق أفعال العباد من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مثله، وأما أبو عبيدة فقال جزءا أي نصيبا، وقيل جزءا إناثا، تقول جزأت المرأة إذا أتت بأنثى

(8/569)


44- سُورَةُ حم الدُّخَانِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {رَهْوًا} طَرِيقًا يَابِسًا وَيُقَالُ رَهْوًا سَاكِنًا {عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} عَلَى مَنْ بَيْنَ

(8/569)


1- باب {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} قَالَ قَتَادَةُ فَارْتَقِبْ فَانْتَظِرْ
4820- حَدَّثَنَا عَبْدَانُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَضَى خَمْسٌ الدُّخَانُ وَالرُّومُ وَالْقَمَرُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ
قوله: "باب {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} ، فارتقب فانتظر" كذا لأبي ذر. وفي رواية غيره: "وقال قتادة فارتقب فانتظر" وقد وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة به. قوله: "عن الأعمش عن مسلم" هو ابن صبيح بالتصغير أبو الضحى كما صرح به في الأبواب التي بعده، وقد ترجم لهذا الحديث ثلاث تراجم بعد هذا وساق الحديث بعينه مطولا ومختصرا، وقد تقدم أيضا في تفسير الفرقان مختصرا وفي تفسير الروم وتفسير "ص" مطولا، ويحيى الراوي فيه عن أبي معاوية وفي الباب الذي يليه عن وكيع هو ابن موسى البلخي، وقوله في الطريق الأولى "حتى أكلوا العظام" زاد في الرواية التي بعدها "والميتة" وفي التي تليها "حتى أكلوا الميتة" وفي التي بعدها "حتى أكلوا العظام والجلود" وفي رواية فيها "حتى أكلوا الجلود والميتة" وقع في جمهور الروايات "الميتة" بفتح الميم وبالتحتانية ثم المثناة، وضبطها بعضهم بنون مكسورة ثم تحتانية ساكنة وهمزة وهو الجلد أول ما يدبغ، والأول أشهر

(8/571)


2- باب {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ}
4821- حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّمَا كَانَ هَذَا لِأَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ فَأَصَابَهُمْ قَحْطٌ وَجَهْدٌ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قَالَ فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ فَإِنَّهَا قَدْ هَلَكَتْ قَالَ: لِمُضَرَ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ فَاسْتَسْقَى لَهُمْ فَسُقُوا فَنَزَلَتْ {إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} فَلَمَّا أَصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ عَادُوا إِلَى حَالِهِمْ حِينَ أَصَابَتْهُمْ الرَّفَاهِيَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} قَالَ يَعْنِي يَوْمَ بَدْر"
قوله بعد قوله {يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قال فأتى رسول الله" كذا بضم الهمزة على البناء للمجهول،

(8/571)


3- باب {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ}
4822- حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لاَ تَعْلَمُ اللَّهُ أَعْلَمُ إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} إِنَّ قُرَيْشًا لَمَّا غَلَبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ أَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ وَالْمَيْتَةَ مِنْ الْجَهْدِ حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنْ الْجُوعِ {قَالُوا رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} فَقِيلَ لَهُ إِنْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَادُوا فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} إِلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}
قوله في الباب الثاني "عن مسروق قال دخلت على عبد الله" أي ابن مسعود. قوله: "إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم" تقدم سبب قول ابن مسعود هذا في سورة الروم من وجه آخر عن الأعمش ولفظه: "عن مسروق قال: بينما رجل يحدث في كندة فقال: يجيء دخان يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم ويأخذ المؤمن كهيئة الزكام، ففزعنا، فأتيت ابن مسعود وكان متكئا فغضب فجلس فقال: من علم فليقل، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم. وقد جرى البخاري على عادته في إيثار الخفي على الواضح، فإن هذه السورة كانت أولى بإيراد هذا السياق من سورة الروم لما تضمنته من ذكر الدخان، لكن هذه طريقته يذكر الحديث في موضع ثم يذكره في الموضع اللائق به عاريا عن الزيادة اكتفاء بذكرها في الموضع الآخر، شحذا للأذهان وبعثا على مزيد الاستحضار، وهذا الذي أنكره ابن مسعود قد جاء عن علي، فأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم من طريق الحارث عن علي قال: "آية الدخان لم تمض بعد، يأخذ المؤمن كهيئة الزكام، وينفح الكافر حتى ينفد". ثم أخرج

(8/572)


عبد الرزاق من طريق ابن أبي مليكة قال: "دخلت على ابن عباس يوما فقال لي: لم أنم البارحة حتى أصبحت، قالوا طلع الكوكب ذو الذنب فخشينا الدخان قد خرج" وهذا أخشى أن يكون تصحيفا وإنما هو الدجال بالجيم الثقيلة واللام، ويؤيد كون آيه الدخان لم تمض ما أخرجه مسلم من حديث أبي شريحة رفعه: " لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، الدخان، والدابة" وروى الطبري من حديث ربعي عن حذيفة مرفوعا في خروج الآيات والدخان" قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟ فتلا هذه الآية قال: أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكمة، وأما الكافر فيخرج من منخريه وأذنيه ودبره" وإسناده ضعيف أيضا. وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي سعيد نحوه وإسناده ضعيف أيضا، وأخرجه مرفوعا بإسناد أصلح منه، وللطبري من حديث أبي مالك الأشعري رفعه: "إن ربكم أنذركم ثلاثا: الدخان يأخذ المؤمن كالزكمة " الحديث، ومن حديث ابن عمر نحوه وإسنادهما ضعيف أيضا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلا، ولو ثبت طريق حديث حذيفة لاحتمل أن يكون هو القاص المراد في حديث ابن مسعود.

(8/573)


4- باب {أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ} الذِّكْرُ وَالذِّكْرَى وَاحِدٌ
4823- حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا قُرَيْشًا كَذَّبُوهُ وَاسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" فَأَصَابَتْهُمْ سَنَةٌ حَصَّتْ يَعْنِي كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْمَيْتَةَ فَكَانَ يَقُومُ أَحَدُهُمْ فَكَانَ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ مِثْلَ الدُّخَانِ مِنْ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ ثُمَّ قَرَأَ {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} حَتَّى بَلَغَ {إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} قَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ وَالْبَطْشَةُ الْكُبْرَى يَوْمَ بَدْر"
قوله: "الذكرى" هو والذكر سواء.

(8/573)


5- بَاب {ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ}
4824- حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سُلَيْمَانَ وَمَنْصُورٍ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُتَكَلِّفِينَ} فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى قُرَيْشًا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ" فَأَخَذَتْهُمْ السَّنَةُ حَتَّى حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ وَالْجُلُودَ فَقَالَ أَحَدُهُمْ حَتَّى أَكَلُوا الْجُلُودَ وَالْمَيْتَةَ وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنْ الأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ أَيْ مُحَمَّدُ إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ فَدَعَا ثُمَّ قَالَ: "تَعُودُونَ بَعْدَ هَذَا" فِي حَدِيثِ مَنْصُورٍ ثُمَّ قَرَأَ {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} إِلَى {عَائِدُونَ} أَنَكْشِفُ عَنْهُمْ عَذَابَ الآخِرَةِ فَقَدْ مَضَى الدُّخَانُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَقَالَ

(8/573)


6- بَاب {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}
4825- حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ اللِّزَامُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَالْقَمَرُ وَالدُّخَان"
قوله في الرواية الأخيرة "أخبرنا محمد" هو ابن جعفر غندر. قوله: "عن سليمان" هو الأعمش، ومنصور هو ابن المعتمر. قوله: "حتى حصت" بمهملتين أي جردت وأذهبت، يقال سنة حصاء أي جرداء لا غيث فيها. قوله: "فقال أحدهم" كذا قاله في موضعين أي أحد الرواة، ولم يتقدم في سياق السدوسي موضع واحد فيه اثنان سليمان ومنصور، فحق العبارة أن يقول قال أحدهما لكن تحمل على تلك اللغة. قوله: "وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان" وقع في الرواية التي قبلها "فكان يرى بينه وبين السماء مثل الدخان من الجوع" ولا تدافع بينهما لأنه يحمل على أنه كان مبدؤه من الأرض ومنتهاه ما بين السماء والأرض، ولا معارضة أيضا بين قوله: "يخرج من الأرض" وبين قوله: "كهيئة الدخان" لاحتمال وجود الأمرين بأن يخرج من الأرض بخار كهيئة الدخان من شدة حرارة الأرض ووهجها من عدم الغيث، وكانوا يرون بينهم وبين السماء مثل الدخان من فرط حرارة الجوع، والذي كان يخرج من الأرض بحسب تخيلهم ذلك من غشاوة أبصارهم من فرط الجوع، أو لفظ: "من - الجوع" صفة الدخان أي يرون مثل الدخان الكائن من الجوع.

(8/574)


سورة الجاثية
...
45- سورة حم الْجَاثِيَةِ
{جاثية} : مُسْتَوْفِزِينَ عَلَى الرُّكَبِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ {نَسْتَنْسِخُ} نَكْتُبُ {نَنْسَاكُمْ} نَتْرُكُكُمْ
4826- حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار"
[الحديث 4826- طرفاه في: 6181، 7491]
قوله: "سورة حم الجاثية. {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كذا لأبي ذر، ولغيره: "الجاثية" حسب. قوله: "جاثية مستوفزين على الركب" كذا لهم، وهو قول مجاهد وصله الطبري من طريقه. وقال أبو عبيدة في قوله: "جاثية" قال على الركب. ويقال استوفز في قعدته إذا قعد منتصبا قعودا غير مطمئن. قوله: "نستنسخ نكتب" كذا لأبي ذر، ولغيره: وقال مجاهد فذكر. وقد أخرج ابن أبي حاتم معناه عن مجاهد. قوله: "ننساكم نترككم" هو قول أبي عبيدة، وقد وصله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ} قال: اليوم نترككم كما تركتم. وأخرجه ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أيضا، وهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم، لأن من نسى فقد ترك بغير عكس. قوله: "يؤذيني ابن آدم" كذا أورده مختصرا، وقد أخرجه الطبري

(8/574)


46- سورة الأَحْقَافِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {تُفِيضُونَ} تَقُولُونَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَثَرَةٍ وَأُثْرَةٍ وَأَثَارَةٍ بَقِيَّةٌ مِنْ عِلْمٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {بِدْعًا مِنْ الرُّسُلِ} لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ وَقَالَ غَيْرُهُ {أَرَأَيْتُمْ} هَذِهِ الأَلِفُ إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ لاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَلَيْسَ قَوْلُهُ {أَرَأَيْتُمْ} بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ إِنَّمَا هُوَ أَتَعْلَمُونَ أَبَلَغَكُمْ أَنَّ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ خَلَقُوا شَيْئًا
قوله: "سورة حم الأحقاف. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم" سقطت البسملة لغير أبي ذر. قوله: "وقال بعضهم أثرة وأثرة وأثارة من علم" قال أبو عبيدة في قوله: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} أي بقية من علم، ومن قال أثرة أي بفتحتين فهو مصدر أثره يأثره فذكره. قال الطبري: قرأ الجمهور "أو أثارة" بالألف، وعن أبي عبد الرحمن السلمي "أو أثرة" بمعنى أو خاصة من علم أوتيتموه وأوثرتم به على غيركم. قلت: وبهذا فسره الحسن وقتادة،

(8/575)


قال عبد الرزاق عن معمر عن الحسن في قوله: أو أثرة من علم" قال: أثرة شيء يستخرجه فيثيره. قال وقال قتادة: أو خاصة من علم. وأخرج الطبري من طريق أبي سلمة عن ابن عباس في قوله: {أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ} قال: خط كانت تخطه العرب في الأرض. وأخرجه أحمد والحاكم وإسناده صحيح. ويروى عن ابن عباس: جودة الخط، وليس بثابت. وحمل بعض المالكية الخط هنا على المكتوب، وزعم أنه أراد الشهادة على الخط إذا عرفه، والأول هو الذي عليه الجمهور، وتمسك به بعضهم في تجويد الخط، ولا حجة فيه لأنه إنما جاء على ما كانوا يعتمدونه، فالأمر فيه ليس هو لإباحته. قوله: "وقال ابن عباس "بدعا من الرسل "ما كنت بأول الرسل" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وللطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله. وقال أبو عبيدة مثله قال: ويقال ما هذا مني ببدع أي ببديع. وللطبري من طريق سعيد عن قتادة قال: إن الرسل قد كانت قبلي. قوله: "تفيضون تقولون" كذا لأبي ذر، وذكره غيره في أول السورة عن مجاهد، وقد وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد. قوله: "وقال غيره أرأيتم هذه الألف إنما هي توعد إن صح ما تدعون لا يستحق أن يعبد، وليس قوله أرأيتم برؤية العين إنما هو أتعلمون أبلغكم أن ما تدعون من دون الله خلقوا شيئا" هذا كله سقط لأبي ذر.

(8/576)


1- باب {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}
4827- حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا فَقَالَ خُذُوهُ فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا فَقَالَ مَرْوَانُ إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي} فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلاَّ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي"
قوله: "باب {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ} - إلى قوله: {أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} كذا لأبي ذر، وساق غيره الآية إلى آخرها، وأف قرأها الجمهور بالكسر، لكن نونها نافع وحفص عن عاصم، وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصن - وهي رواية عن عاصم - بفتح الفاء بغير تنوين. قوله: "عن يوسف بن ماهك" بفتح الهاء وبكسرها ومعناه القمير تصغير القمر، ويجوز صرفه وعدمه كما سيأتي. قوله: "كان مروان على الحجاز: أي أميرا على المدينة من قبل معاوية. وأخرج الإسماعيلي والنسائي من طريق محمد بن زياد هو الجمحي قال: "كان مروان عاملا على المدينة" . قوله: "استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له" في رواية الإسماعيلي من الطريق المذكورة" فأراد معاوية أن يستخلف يزيد - يعني ابنه - فكتب إلى مروان بذلك، فجمع مروان الناس فخطبهم، فذكر يزيد، ودعا إلى بيعته وقال: إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر ". قوله: "فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا" قيل قال له: بيننا وبينكم ثلاث، مات

(8/576)


رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ولم يعهدوا. كذا قال بعض الشراح وقد اختصره فأفسده، والذي في رواية الإسماعيلي: فقال عبد الرحمن ما هي إلا هرقلية. وله من طريق شعبة عن محمد بن زياد: فقال مروان سنة أبي بكر وعمر. فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر. ولابن المنذر من هذا الوجه: أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم؟ ولأبي يعلى وابن أبي حاتم من طريق إسماعيل بن أبي خالد "حدثني عبد الله المدني قال: كنت في المسجد حين خطب مروان فقال: إن الله قد أرى أمير المؤمنين رأيا حسنا في يزيد، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: هرقلية. إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا في أهل بيته، وما جعلها معاوية إلا كرامة لولده" . قوله: "فقال خذوه، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا" أي امتنعوا من الدخول خلفه إعظاما لعائشة. وفي رواية أبي يعلى "فنزل مروان عن المنبر حتى أتى باب عائشة فجعل يكلمها وتكلمه ثم انصرف" . قوله: "فقال مروان إن هذا الذي أنزل الله فيه" في رواية أبي يعلى "قال مروان: اسكت، ألست الذي قال الله فيه. فذكر الآية، فقال عبد الرحمن: ألست ابن اللعين الذي لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم" . قوله: "فقالت عائشة" في رواية محمد بن زياد: فقالت كذب مروان. قوله: "ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري" أي الآية التي في سورة النور في قصة أهل الإفك وبراءتها مما رموها به. وفي رواية الإسماعيلي: فقالت عائشة كذب والله ما نزلت فيه. وفي رواية له: والله ما أنزلت إلا في فلان ابن فلان الفلاني. في رواية له: لو شئت أن أسميه لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه. وأخرج عبد الرزاق من طريق ميناء أنه سمع عائشة تنكر أن تكون الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر وقالت: إنما نزلت في فلان ابن فلان سمت رجلا. وقد شغب بعض الرافضة فقال: هذا يدل على أن قوله: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ} ليس هو أبا بكر، وليس كما فهم هذا الرافضي، بل المراد بقول عائشة فينا أي في بني أبي بكر، ثم الاستثناء من عموم النفي وإلا فالمقام يخصص، والآيات التي في عذرها في غاية المدح لها، والمراد نفي إنزال ما يحصل به الذم كما في قصة قوله: "والذي قال لوالديه" إلى آخره. والعجب مما أورده الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الرحمن بن أبي بكر. وقد تعقبه الزجاج فقال: الصحيح أنها نزلت في الكافر العاق، وإلا فعبد الرحمن قد أسلم فحسن إسلامه وصار من خيار المسلمين. وقد قال الله في هذه الآية {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} إلى آخر الآية فلا يناسب ذلك عبد الرحمن وأجاب المهدوي عن ذلك بأن الإشارة بأولئك للقوم الذين أشار إليهم المذكور بقوله: "وقد خلت القرون من قبلي" فلا يمتنع أن يقع ذلك من عبد الرحمن قبل إسلامه ثم يسلم بعد ذلك، وقد أخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن مجاهد قال: نزلت في عبد الله بن أبي بكر الصديق، قال ابن جريج: وقال آخرون في عبد الرحمن بن أبي بكر. قلت: والقول في عبد الله كالقول في عبد الرحمن فإنه أيضا أسلم وحسن إسلامه. ومن طريق أسباط عن السدي قال: نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، قال لأبويه - وهما أبو بكر وأم رومان - وكانا قد أسلما وأبى هو أن يسلم، فكانا يأمرانه بالإسلام فكان يرد عليهما ويكذبهما ويقول: فأين فلان وأين فلان يعني مشايخ قريش ممن قد مات، فأسلم بعد فحسن إسلامه، فنزلت توبته في هذه الآية {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} . قلت: لكن نفي عائشة أن تكون نزلت في عبد الرحمن وآل بيته أصح إسنادا وأولى بالقبول. وجزم مقاتل في تفسيره أنها نزلت في عبد الرحمن. وأن قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ} نزلت في ثلاثة من كفار قريش، والله أعلم.

(8/577)


2- باب {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَارِضٌ السَّحَابُ
4828- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّم"
4829- قَالَتْ وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ فَقَالَ: " يَا عَائِشَةُ مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ فَقَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا"
[الحديث 4828- طرفه في: 6092]
قوله: "باب {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} الآية" ساقها غير أبي ذر. قوله: "قال ابن عباس: عارض السحاب" وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه. وأخرج الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: الريح إذا أثارت سحابا قالوا هذا عارض. قوله: "حدثنا أحمد" كذا لهم. وفي رواية أبي ذر "حدثنا أحمد بن عيسى". قوله: "أخبرنا عمرو" هو ابن الحارث، وأبو النضر هو سالم المدني، ونصف هذا الإسناد الأعلى مدنيون والأدنى مصريون. قوله: "حتى أرى منه لهواته" بالتحريك جمع لهاة وهي اللحمة المتعلقة في أعلى الحنك، ويجمع أيضا على لهي بفتح اللام مقصور. قوله: "إنما كان يتبسم" لا ينافي هذا ما جاء في الحديث الآخر "أنه ضحك حتى بدت نواجذه" لأن ظهور النواجذ - وهي الأسنان التي في مقدمة الفم أو الأنياب - لا يستلزم ظهور اللهاة. قوله: "عرفت الكراهية في وجهه" عبرت عن الشيء الظاهر في الوجه بالكراهة لأنه ثمرتها. ووقع في رواية عطاء عن عائشة في أول هذا الحديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: "اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" . وإذا تخيلت السماء تغير لونه وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا أمطرت سرى عنه" الحديث أخرجه مسلم بطوله، وتقدم في بدء الخلق من قوله: "كان إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر" وقد تقدم لهذا الدعاء شواهد من حديث أنس وغيره في أواخر الاستسقاء. قوله: "عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب فقالوا: هذا عارض" ظاهر هذا أن الذين عذبوا بالريح غير الذين قالوا ذلك، لما تقرر أن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأول، لكن ظاهر آية الباب على أن الذين عذبوا بالريح هم الذين قالوا هذا عارض، ففي هذه السورة "واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف" الآيات وفيها "فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتم به، ريح فيها عذاب أليم" وقد أجاب الكرماني عن الإشكال بأن هذه القاعدة المذكورة إنما تطرد إذا لم يكن في السياق قرينة تدل على أنها عين الأول، فإن كان هناك قرينة كما في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ} فلا. ثم قال: ويحتمل أن عادا قومان قوم بالأحقاف وهم أصحاب العارض وقوم غيرهم، قلت: ولا يخفى بعده. لكنه محتمل، فقد قال تعالى في سورة النجم {وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى} فإنه يشعر بأن ثم عادا أخرى. وقد أخرج قصة عاد الثانية أحمد بإسناد حسن عن

(8/578)


الحارث بن حسان البكري قال: "خرجت أنا والعلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث - وفيه - فقلت: أعوذ بالله وبرسوله أن أكون كوافد عاد، قال: وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث ولكنه يستطعمه، فقلت: إن عادا قحطوا، فبعثوا قيل بن عنز إلى معاوية بن بكر بمكة يستسقى لهم، فمكث شهرا في ضيافته تغنيه الجرادتان، فلما كان بعد شهر خرج لهم فاستسقى لهم، فمرت بهم سحابات فاختار السوداء منها، فنودي: خذها رمادا رمدا، لا تبق من عاد أحدا" وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه بعضه، والظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه، وإنما بنيت بعد إبراهيم حين أسكن هاجر وإسماعيل بواد غير ذي زرع، فالذين ذكروا في سورة الأحقاف هم عاد الأخيرة ويلزم عليه أن المراد بقوله تعالى: {أَخَا عَادٍ} نبي آخر غير هود. والله أعلم.

(8/579)


47- سورة مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
{أَوْزَارَهَا} آثَامَهَا حَتَّى لاَ يَبْقَى إِلاَّ مُسْلِمٌ {عَرَّفَهَا} بَيَّنَهَا وَقَالَ مُجَاهِدٌ {مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} وَلِيُّهُمْ {فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ} أَيْ جَدَّ الأَمْرُ {فَلاَ تَهِنُوا} لاَ تَضْعُفُوا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ {أَضْغَانَهُمْ} حَسَدَهُمْ {آسِنٍ} مُتَغَيِّرٍ
قوله: "سورة محمد صلى الله عليه وسلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كذا لابن ذر، ولغيره {الَّذِينَ كَفَرُوا} حسب. قوله: "أوزارها آثامها حتى لا يبقى إلا مسلم" قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} قال: حتى لا يكون شرك، قال: والحرب من كان يقاتله، سماهم حربا. قال ابن التين: لم يقل هذا أحد غير البخاري. والمعروف أن المراد بأوزارها السلاح، وقيل حتى ينزل عيسى بن مريم انتهى. وما نفاه قد علمه غيره؛ قال ابن قرقول: هذا التفسير يحتاج إلى تفسير، وذلك لأن الحرب لا آثام لها، فلعله كما قال الفراء آثام أهلها، ثم حذف وأبقى المضاف إليه، أو كما قال النحاس: حتى تضع أهل الآثام فلا يبقى مشرك انتهى. ولفظ الفراء الهاء في أوزارها لأهل الحرب أي آثامهم، ويحتمل أن يعود على الحرب والمراد بأوزارها سلاحها انتهى. فجعل ما ادعى ابن التين أنه المشهور احتمالا. قوله: "عرفها: بينها" قال أبو عبيدة في قوله: {عَرَّفَهَا لَهُمْ} بينها لهم وعرفهم منازلهم. قوله: "وقال مجاهد: {مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} وليهم" كذا لغير أبي ذر وسقط له، وقد وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا. قوله: "فإذا عزم الأمر أي جد الأمر" وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه. قوله: "فلا تهنوا: فلا تضعفوا" وصله ابن أبي حاتم من طريقه كذلك. قوله: "وقال ابن عباس: أضغانهم حسدهم" وصله ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله: {أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ} قال: أعمالهم، خبثهم والحسد. قوله: "آسن متغير" كذا لغير أبي ذر هنا، وسيأتي في أواخر السورة.

(8/579)


1- باب {وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ}
4830- حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي مُزَرِّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتْ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ لَهُ مَهْ قَالَتْ هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ قَالَ أَلاَ تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ

(8/579)


48- سورة الْفَتْحِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ بُورًا هَالِكِينَ {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ} السَّحْنَةُ وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ مُجَاهِدٍ التَّوَاضُعُ {شَطْأَهُ} فِرَاخَهُ {فَاسْتَغْلَظَ} غَلُظَ {سُوقِهِ} السَّاقُ حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ وَيُقَالُ {دَائِرَةُ السَّوْءِ} كَقَوْلِكَ رَجُلُ السَّوْءِ وَدَائِرَةُ السُّوءِ الْعَذَابُ {تُعَزِّرُوهُ} تَنْصُرُوهُ {شَطْأَهُ} شَطْءُ السُّنْبُلِ تُنْبِتُ الْحَبَّةُ عَشْرًا أَوْ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى {فَآزَرَهُ} قَوَّاهُ وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقُمْ عَلَى سَاقٍ وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ خَرَجَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَوَّاهُ بِأَصْحَابِهِ كَمَا قَوَّى الْحَبَّةَ بِمَا يُنْبِتُ مِنْهَا"
قوله: "سورة الفتح. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم" سقطت البسملة لغير أبي ذر. قوله: "وقال مجاهد: بورا هالكين" وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بهذا، وسقط لغير أبي ذر. وقال أبو عبيدة: ويقال بار الطعام أي هلك، ومنه قول عبد الله بن الزبعرى:
يا رسول الله المليك إن لساني ... رائق ما فتقت إذ أنا بور
أي هالك. قوله: "سيماهم في وجوههم: السحنة" وفي رواية المستملي والكشميهني والقابسي "السجدة" والأول أولى، فقد وصله ابن أبي حاتم من طريق الحاكم عن مجاهد كذلك، والسحنة بالسين وسكون الحاء المهملتين وقيده ابن السكن والأصيلي بفتحهما قال عياض وهو الصواب عند أهل اللغة، وهو لين البشرة والنعمة، وقيل الهيئة،

(8/581)


وقيل الحال انتهى. وجزم ابن قتيبة بفتح الحاء أيضا وأنكر السكون وقد أثبته الكسائي والفراء. وقال العكبري: السحنة بفتح أوله وسكون ثانية لون الوجه. ولرواية المستملي ومن وافقه توجيه لأنه يريد بالسجدة أثرها في الوجه يقال لأثر السجود في الوجه سجدة وسجادة، ووقع في رواية النسفي "المسحة" . قوله: "وقال منصور عن مجاهد: التواضع" وصله علي بن المديني عن جرير عن منصور، ورويناه في "الزهد" لابن المبارك وفي "تفسير عبد بن حميد" وابن أبي حاتم عن سفيان وزائدة كلاهما عن منصور عن مجاهد قال: هو الخشوع، زاد في رواية زائدة "قلت ما كنت أراه إلا هذا الأثر الذي في الوجه، فقال: ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبا من فرعون" . قوله: "شطأه فراخه، فاستغلظ غلظ، سوقه الساق حاملة الشجرة" قال أبو عبيدة في قوله: "كزرع أخرج شطأه" أخرج فراخه، يقال قد أشطأه الزرع فآزره ساواه صار مثل الأم، فاستغلظ غلظ، فاستوى على سوقه الساق حاملة الشجر. وأخرج عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: "كزرع أخرج شطأه" قال: ما يخرج بجنب الحقلة فيتم وينمى، وبه في قوله: "على سوقه" قال: على أصوله. قوله: "شطأه شطء السنبل تنبت الحبة عشرا أو ثمانيا وسبعا فيقوى بعضه ببعض فذاك قوله تعالى: {فَآزَرَهُ} قواه، ولو كانت واحدة لم تقم على ساق، وهو مثل ضربه الله للنبي صلى الله عليه وسلم إذ خرج وحده ثم قواه بأصحابه كما قوى الحبة بما ينبت منها"1 . قوله: "دائرة السوء كقولك رجل السوء، ودائرة السوء العذاب" هو قول أبي عبيدة قال المعنى تدور عليهم.
" تنبيه " : قرأ الجمهور السوء بفتح السين في الموضعين، وضمها أبو عمرو وابن كثير. قوله: "يعزروه ينصروه" قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: "ويعزروه" قال: ينصروه، وقد تقدم في الأعراف "فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه" وهذه ينبغي تفسيرها بالتوقير فرارا من التكرار، والتعزير يأتي بمعنى التعظيم والإعانة والمنع من الأعداء، ومن هنا يجيء التعزير بمعنى التأديب لأنه يمنع الجاني من الوقوع في الجناية، وهذا التفسير على قراءة الجمهور، وجاء في الشواذ عن ابن عباس "يعزروه" بزاءين من العزة. ثم ذكر في الباب خمسة أحاديث: الحديث الأول:
ـــــــ
(1) كذا بالنسخ ولم يذكر المؤلف هنا شيئا ولعله كان بيض له فتركه النساخ

(8/582)


1- بَاب {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا}
4833- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثَكِلَتْ أُمُّ عُمَرَ نَزَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لاَ يُجِيبُكَ قَالَ عُمَرُ فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أَنْ يُنْزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنٌ فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّا

(8/582)


فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} "
4834- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} قَالَ الْحُدَيْبِيَة"
4835- حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَرَجَّعَ فِيهَا قَالَ مُعَاوِيَةُ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَحْكِيَ لَكُمْ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفَعَلْت"
قوله: "عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر" هذا السياق صورته الإرسال، لأن أسلم لم يدرك زمان هذه القصة لكنه محمول على أنه سمعه من عمر بدليل قوله في أثنائه "قال عمر فحركت بعيري إلخ" وإلى ذلك أشار القابسي، وقد جاء من طريق أخرى سمعت عمر" أخرجه البزار من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن مالك ثم قال: "لا نعلم رواه عن مالك هكذا إلا ابن عثمة وابن غزوان" انتهي. ورواية ابن غزوان - وهو عبد الرحمن أبو نوح المعروف بقراد - قد أخرجها أحمد عنه، واستدركها مغلطاي على البزار ظانا أنه غير ابن غزوان، وأورده الدار قطني في "غرائب مالك" من طريق هذين ومن طريق يزيد بن أبي حكيم ومحمد بن حرب وإسحاق الحنيني أيضا، فهؤلاء خمسة رووه عن مالك بصريح الاتصال، وقد تقدم في المغازي أن الإسماعيلي أيضا أخرج طريق ابن عثمة، وكذا أخرجها الترمذي، وجاء في رواية الطبراني من طريق عبد الرحمن بن أبي علقمة عن ابن مسعود أن السفر المذكور هو عمرة الحديبية، وكذا في رواية معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس قال: "لما رجعنا من الحديبية وقد حيل بيننا وبين نسكنا فنحن بين الحزن والكآبة فنزلت: {وسيأتي حديث سهل بن حنيف في ذلك قريبا. واختلف في المكان الذي نزلت فيه: فوقع عند محمد بن سعد بضجنان وهي بفتح المعجمة وسكون الجيم ونون خفيفة، وعند الحاكم في "الإكليل" بكراع الغميم، وعن أبي معشر بالجحفة، والأماكن الثلاثة متقاربة. قوله: "فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يجبه" يستفاد منه أنه ليس لكل كلام جواب، بل السكوت قد يكون جوابا لبعض الكلام. وتكرير عمر السؤال إما لكونه خشي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعه أو لأن الأمر الذي كان يسأل عنه كان مهما عنده، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم أجابه بعد ذلك، وإنما ترك إجابته أولا لشغله بما كان فيه من نزول الوحي. قوله: "ثكلت" بكسر الكاف "أم عمر" في رواية الكشميهني: "ثكلتك أم عمر" والثكل فقدان المرأة ولدها، دعا عمر على نفسه بسبب ما وقع منه من الإلحاح، ويحتمل أن يكون لم يرد الدعاء على نفسه حقيقة وإنما هي من الألفاظ التي تقال عند الغضب من غير قصد معناها. قوله: "نزرت" بزاي ثم راء بالتخفيف والتثقيل والتخفيف أشهر، أي ألححت عليه قاله ابن فارس والخطابي. وقال الداودي: معنى المثقل أقللت كلامه إذا سألته ما لا يجب أن يجيب عنه، وأبعد من فسر نزرت براجعت. قوله: "فما نشبت" بكسر المعجمة بعدها موحدة ساكنة، أي لم أتعلق بشيء غير ما ذكرت. قوله: "أن سمعت صارخا يصرخ بي" لم أقف على اسمه. قوله: "لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس" أي لما فيها من البشارة بالمغفرة والفتح، قال ابن العربي: أطلق المفاضلة

(8/583)


بين المنزلة التي أعطيها وبين ما طلعت عليه الشمس، ومن شرط المفاضلة استواء الشيئين في أصل المعنى ثم يزيد أحدهما على الآخر، ولا استواء بين تلك المنزلة والدنيا بأسرها. وأجاب ابن بطال بأن معناه أنها أحب إليه من كل شيء لأنه لا شيء إلا الدنيا والآخرة فأخرج الخبر عن ذكر الشيء بذكر الدنيا إذ لا شيء سواها إلا الآخرة. وأجاب ابن العربي بما حاصله: أن أفعل قد لا يراد بها المفاضلة كقوله: {خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً} ولا مفاضلة بين الجنة والنار، أو الخطاب وقع على ما استقر في أنفس أكثر الناس فإنهم يعتقدون أن الدنيا لا شيء مثلها أو أنها المقصودة فأخبر بأنها عنده خير مما يظنون أن لا شيء أفضل منه انتهى. ويحتمل أن يراد المفاضلة بين ما دلت عليه وبين ما دل عليه غيرها من الآيات المتعلقة به فرجحها، وجميع الآيات وإن لم تكن من أمور الدنيا لكنها أنزلت لأهل الدنيا فدخلت كلها فيما طلعت عليه الشمس. قوله سمعت قتادة عن أنس "إنا فتحنا لك فتحا مبينا قال: الحديبية" هكذا أورده مختصرا، وقد أخرجه في المغازي بأتم من هذا، وبين أن بعض الحديث عن أنس موصول وبعضه عن عكرمة مرسل، وسمي ما وقع في الحديبية فتحا لأنه كان مقدمة الفتح وأول أسبابه، وقد تقدم شرح ذلك مبينا في كتاب المغازي. الحديث الثالث. قوله: "عن عبد الله بن مغفل" بالمعجمة والفاء وزن محمد. قوله: "فرجع فيها" أي ردد صوته بالقراءة، وقد أورده في التوحيد من طريق أخرى بلفظ: "كيف ترجيعه؟ قال: إإإ ثلاث مرات" قال القرطبي: هو محمول على إشباع المد في موضعه، وقيل كان ذلك بسبب كونه راكبا فحصل الترجيع من تحريك الناقة. وهذا فيه نظر لأن في رواية علي بن الجعد عن شعبة عند الإسماعيلي: "وهو يقرأ قراءة لينة، فقال: لولا أن يجتمع الناس علينا لقرأت ذلك اللحن" وكذا أخرجه أبو عبيدة في "فضائل القرآن" عن أبي النضر عن شعبة، وسأذكر تحرير هذه المسألة في شرح حديث: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" .

(8/584)


باب {ليغفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما}
...
3 - بَاب {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا}
4836- حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنَا زِيَادٌ هُوَ ابْنُ عِلاَقَةَ أَنَّهُ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: "أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا"
4837- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ سَمِعَ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: "أَفَلاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا" فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَع"
"قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه" وقد تقدم شرحه في صلاة الليل من كتاب الصلاة. قوله: "أنبأنا حيوة" هو ابن شريح المصري، وأبو الأسود هو محمد بن عبد الرحمن النوفلي المعروف بيتيم عرروة، ونصف هذا الإسناد مصريون ونصفه مدنيون، وقد تقدم شرحه في صلاة الليل. قوله: "فلما كثر لحمه" أنكره الداودي وقال: المحفوظ "فلما بدن" أي كبر فكأن الراوي

(8/584)


تأوله على كثرة اللحم انتهى. وتعقبه أيضا ابن الجوزي فقال: لم يصفه أحد بالسمن أصلا، ولقد مات صلى الله عليه وسلم وما شبع من خبز الشعير في يوم مرتين، وأحسب بعض الرواة لما رأى "بدن" ظنه كثر لحمه، وليس كذلك وإنما هو بدن تبدينا أي أسن، قاله أبو عبيدة. قلت: وهو خلاف الظاهر، وفي استدلاله بأنه لم يشبع من خبز الشعير نظر، فإنه يكون من جملة المعجزات. كما في كثرة الجماع وطوافه في الليلة الواحدة على تسع وإحدى عشرة مع عدم الشبع وضيق العيش، وأي فرق بين تكثير المني مع الجوع وبين وجود كثرة اللحم في البدن مع قلة الأكل؟ وقد أخرج مسلم من طريق عبد الله بن عروة عن عائشة قالت: "لما بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل كان أكثر صلاته جالسا" لكن يمكن تأويل قوله: "ثقل" أي ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلا لدخوله في السن. قوله: "صلى جالسا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع" في رواية هشام بن عروة عن أبيه "قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع" أخرجاه، وقد تقدم في آخر أبواب تقصير الصلاة، وأخرجا من طريق أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن عائشة بلفظ: "فإذا بقي من قراءته نحو من ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأها وهو قائم ثم ركع" ولمسلم من طريق عمرة عن عائشة "فإذا أراد أن يركع قام فقرأ قدر ما يقرأ إنسان أربعين آية" وقد روى مسلم من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة في صفة تطوعه صلى الله عليه وسلم وفيه: "وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدا ركع وسجد وهو قاعد" وهذا محمول على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن جميعا بين الحديثين، وقد تقدم بيان ذلك والبحث فيه في صلاة الليل، وكثير من فوائده أيضا في آخر أبواب تقصير الصلاة.

(8/585)


3- بَاب {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}
4838- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ هِلاَلِ بْنِ أَبِي هِلاَلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} قَالَ فِي التَّوْرَاةِ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ وَلاَ سَخَّابٍ بِالأَسْوَاقِ وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا"
قوله "بَاب {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} "قوله "حدثنا عبد الله بن مسلمة" كذا في رواية أبي ذر وأبي على بن الموطأ ووقع ثم غيرهما عبد منسوب فتردد فيه أبو مسعود بين أن يكون عبد الله بن رجاء وعبد الله بن صالح كاتب الليث وقال أبو على الجياني عندي أنه عبد الله بن صالح ورجح هذا المزي وحده بأن البخاري أخرج هذا الحديث بعينه في كتاب الأدب المفرد عن عبد الله بن صالح عن عبد العزيز قلت لكن لا يلزم من ذلك الجزم به وما المانع أن يكون له في الحديث الواحد شيخان عن شيخ واحد وليس الذي وقع في الأدب بأرجح مما وقع الجزم به في رواية أبي علي وأبي ذر وهما حافظان وقد أخرج البخاري في باب التكبير إذا علا شرفا من كتاب الحج حديثا قال فيه حدثنا عبد منسوب حدثنا عبد العزيز

(8/585)


ابن أبي سلمة كذا منسوب وتردد فيه أبو مسعود بين الرجلين الذين تردد فيهما في حديث الباب لكن وقع في رواية أبي على بن الموطأ حدثنا عبد الله بن يوسف فتعين المصير إليه لأنها زيادة من حافظ في الرواية فتقدم على من فسره بالظن قوله عن هلال بن أبي هلال تقدم القول فيه في أوائل البيوع قوله عن عبد الله بن عمرو بن العاص تقدم بيان الاختلاف فيه على عطاء بن يسار في البيوع أيضا وتقدم في تلك الرواية سبب تحديث عبد الله بن عمرو به وأنهم سألوه عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة فقال أجل أنه لموصوف ببعض صفته في القرآن وللدارمي من طريق أبي صالح ذكوان عن كعب قال في السطر الأول محمد رسول الله عبدي المختار قوله إن هذه الآية التي في القرآن {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً} قال في التوراة يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا أي شاهدا على الأمة ومبشرا للمطيعين بالجنة وللعصاة بالنار أو شاهدا والجواب قبله بالإبلاغ قوله وحرزا بكسر المهملة وسكون الراء بعدها زاي أي حصنا والاميين هم العرب وقد تقدم شرح ذلك في البيوع قوله سميتك المتوكل أي على الله لقناعته باليسير والصبر على ما كان يكره قوله ليس كذا وقع بصيغة الغيبة على طريق الالتفات ولو جرى على النسق الأول لقال لست قوله بلفظ ولا غليظ هو موافق لقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} ولا يعارض من قوله تعالى: {اغْلُظْ عَلَيْهِمْ} لأن النفي محمول على طبعه الذي جبل عليه والأمر محمول على المعالجة أو النفي بالنسبة للمؤمنين والأمر بالنسبة للكفار والمنافقين كما هو مصرح به في نفس الآية قوله ولا سحاب كذا فيه بالسين المهملة وهي لغة أثبتها الفراء وغيره وبالصاد أشهر وقد تقدم ذلك أيضا قوله ولا يدفع السيئه بالسيئة هو مثل قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} زاد في رواية كعب مولده بمكة ومهاجره طيبة وملكه بالشام قوله وإن يقبضه أي يميته قوله حتى يقيم به أي حتى ينفي الشرك ويثبت التوحيد والملة العوجاء ملة الكفر قوله فيفتح بها أي بكلمة التوحيد أعينا عميا أي عن الحق وليس هو على حقيقته ووقع في رواية القابسي أعين عمي بالإضافة وكذا الكلام في الآذان والقلوب وفي مرسل جبير بن نفير بإسناد صحيح ثم الدارمي ليس بوهن ولا كسل ليختن قلوبا غلفا ويفتح أعينا عميا ويسمع أذانا صما ويقيم ألسنة عوجاء حتى يقال لا إله إلا الله وحده تنبيه قيل أني بجمع القلة في قوله أعين للإشارة إلى أن المؤمنين أقل من الكافرين وقيل بل جمع القلة قد يأتي في موضع الكثرة وبالعكس كقوله {ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} والأول أولى ويحتمل أن يكون هو نكتة العدول إلى جمع القلة أو للمؤاخاة في قوله آذانا وقد ترد القلوب على المعنى الأول وجوابه أنه لم يسمع للقلوب جمع قلة كما لم يسمع للآذان جمع كثرة

(8/586)


4- بَاب {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ}
4839- حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ وَفَرَسٌ لَهُ مَرْبُوطٌ فِي الدَّارِ فَجَعَلَ يَنْفِرُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا وَجَعَلَ يَنْفِرُ فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: " السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالْقُرْآن"

(8/586)


قوله "بَاب {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ} ذكر في حديث البراء في نزول السكينة سيأتي بتمامه في فضائل القرآن مع شرحه إن شاء الله تعالى.

(8/587)


5- بَاب {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ}
4840- حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِائَة"
4841- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا شَبَابَةُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيِّ إِنِّي مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَذْفِ "
[الحديث 4841- طرفاه في: 5479، 6220]
4842- وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ صُهْبَانَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيَّ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَل"
يَأْخُذُ مِنْهُ الْوَسْوَاسُ
4843-حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ "
4844- حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ حَدَّثَنَا يَعْلَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْأَلُهُ فَقَالَ كُنَّا بِصِفِّينَ فَقَالَ رَجُلٌ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ} فَقَالَ عَلِيٌّ نَعَمْ فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُشْرِكِينَ وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا فَجَاءَ عُمَرُ فَقَالَ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاَهُمْ فِي النَّارِ قَالَ: بَلَى قَالَ فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا" فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ قَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْح"
قوله "بَاب {إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها حديث جابر" كنا يوم الحديبية ألفا وأربعمائة "وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب المغازي. قوله: "علي بن عبد الله" هو ابن المديني كذا للأكثر، ووقع في رواية المستملي "علي بن سلمة" وهو اللبقي بفتح اللام والموحدة ثم قاف خفيفة وبه جزم الكلاباذي. قوله: "عن عبد الله بن المغفل المزني ممن شهد الشجرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخذف" بخاء معجمة أي الرمي بالحصى بين إصبعين، وسيأتي الكلام عليه في الأدب. قوله: "وعن عقبة بن صهبان سمعت عبد الله بن مغفل المزني في البول في المغتسل" كذا للأكثر وزاد في رواية الأصيلي وكذا لأبي ذر عن السرخسي

(8/587)


"يأخذ منه الوسواس" وهذان الحديثان المرفوع والموقوف الذي عقبه به لا تعلق لهما بتفسير هذه الآية بل ولا هذه السورة، وإنما أورد الأول لقول الراوي فيه: "ممن شهد الشجرة" فهذا القدر هو المتعلق بالترجمة، ومثله ما ذكره بعده عن ثابت بن الضحاك وذكر المتن بطريق التبع لا القصد. وأما الحديث الثاني فأورده لبيان التصريح بسماع عقبة بن صهبان من عبد الله بن مغفل، وهذا من صنيعه في غاية الدقة وحسن التصرف فلله دره. وهذا الحديث قد أخرجه أبو نعيم في المستخرج والحاكم من طريق يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن عقبة بن صهبان عن عبد الله بن مغفل قال: "نهي - أو زجر - أن يبال في المغتسل" وهذا يدل على أن زيادة ذكر الوسواس التي عند الأصيلي ومن وافقه في هذه الطريق وهم. نعم أخرج أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم من طريق أشعث عن الحسن عن عبد الله بن مغفل رفعه: "لا يبولن أحدكم في مستحمه، فإن عامة الوسواس منه" قال الترمذي غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أشعث، وتعقب بأن الطبري أخرجه من طريق إسماعيل بن مسلم عن الحسن أيضا، وهذا التعقب وارد على الإطلاق، وإلا فإسماعيل ضعيف. قوله: "عن خالد" هو الحذاء. قوله: "عن أبي قلابة عن ثابت بن الضحاك وكان من أصحاب الشجرة" هكذا ذكر القدر الذي يحتاج إليه من هذا الحديث ولم يسق المتن، ويستفاد من ذلك أنه لم يجر على نسق واحد في إيراد الأشياء التبعية، بل تارة يقتصر على موضع الحاجة من الحديث وتارة يسوقه بتمامه، فكأنه يقصد التفنن بذلك. وقد تقدم لحديث ثابت المذكور طريق أخرى في غزوة الحديبية. قوله: "حدثنا يعلى" هو ابن عبيد الطنافسي. قوله: "حدثنا عبد العزيز بن سياه" بمهملة مكسورة ثم تحتانية خفيفة وآخر هاء منونة، تقدم في أواخر الجزية. قوله: "أتيت أبا وائل أساله" لم يذكر المسئول عنه، وبينه أحمد في روايته عن يعلى بن عبيد ولفظه: "أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي - يعني الخوارج - قال: كنا بصفين فقال رجل" فذكره. قوله: "فقال كنا بصفين" هي مدينة قديمة على شاطئ الفرات بين الرقة ومنبج كانت بها الواقعة المشهورة بين علي ومعاوية. قوله: "فقال رجل: ألم تر إلى الذين يدعون إلى كتاب الله" ساق أحمد إلى أخر الآية. هذا الرجل هو عبد الله بن الكواء، ذكره الطبري، وكان سبب ذلك أن أهل الشام لما كاد أهل العراق يغلبونهم أشار عليهم عمرو بن العاص برفع المصاحف والدعاء إلى العمل بما فيها، وأراد بذلك أن تقع المطاولة فيستريحوا من الشدة التي وقعوا فيها فكان كما ظن، فلما رفعوها وقالوا بيننا وبينكم كتاب الله، وسمع من بعسكر علي وغالبهم ممن يتدين، قال قائلهم ما ذكر؛ فأذعن علي إلى التحكيم موافقة لهم واثقا بأن الحق بيده. وقد أخرج النسائي هذا الحديث عن أحمد بن سليمان عن يعلى بن عبيد بالإسناد الذي أخرجه البخاري فذكر الزيادة نحو ما أخرجها أحمد، وزاد بعد قوله كنا بصفين "قال فلما استحر القتل بأهل الشام قال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل المصحف إلى علي فادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك، فأتي به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله، فقال علي: أنا أولى بذلك بيننا. كتاب الله، فجاءته الخوارج - ونحن يومئذ نسميهم القراء - وسيوفهم على عواتقهم فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ننتظر بهؤلاء القوم، ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فقام سهل بن حنيف" . قوله: "فقال علي نعم" زاد أحمد والنسائي: "أنا أولى بذلك" أي بالإجابة إذا دعيت إلى العمل بكتاب الله لأنني واثق بأن الحق بيدي. قوله: "وقال سهل بن حنيف اتهموا أنفسكم" أي في هذا الرأي لأن كثيرا منهم أنكروا التحكيم وقالوا لا حكم إلا لله، فقال على كلمة حق أريد

(8/588)


بها باطل، وأشار عليهم كبار الصحابة بمطاوعة علي وأن لا يخالف ما يشير به لكونه أعلم بالمصلحة، وذكر لهم سهل بن حنيف ما وقع لهم بالحديبية وأنهم رأوا يومئذ أن يستمروا على القتال ويخالفوا ما دعوا إليه من الصلح ثم ظهر أن الأصلح هو الذي كان شرع النبي صلى الله عليه وسلم فيه، وسيأتي ما يتعلق بهذه القصة في كتاب استتابة المرتدين إن شاء الله تعالى، وسبق ما يتعلق بالحديبية مستوفى في كتاب الشروط.

(8/589)


49- سورة الْحُجُرَاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ {لاَ تُقَدِّمُوا} لاَ تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ {امْتَحَنَ} أَخْلَصَ {وَلاَ تَنَابَزُوا} يُدْعَى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلاَمِ {يَلِتْكُمْ} يَنْقُصْكُمْ أَلَتْنَا نَقَصْنَا
قوله: "سورة الحجرات. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم" كذا لأبي ذر، واقتصر غيره على الحجرات حسب. والحجرات بضمتين جمع حجرة بسكون الجيم والمراد بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: "وقال مجاهد: لا تقدموا لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يقضي الله على لسانه" وصله عبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، ورويناه في كتاب "ذم الكلام" من هذا الوجه.
" تنبيه " : ضبط أبو الحجاج البناسي "تقدموا" بفتح القاف والدال وهي قراءة ابن عباس وقراءة يعقوب الحضرمي وهي التي ينطبق عليها هذا التفسير، وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن ناسا كانوا يقولون لو أنزل في كذا فأنزلها الله، قال وقال الحسن: هم ناس من المسلمين ذبحوا قبل الصلاة يوم النحر فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة. قوله: "امتحن أخلص" وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه بلفظه، وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال: أخلص الله قلوبهم فيما أحب. قوله: "ولا تنابزوا: يدعي بالكفر بعد الإسلام" وصله الفريابي عن مجاهد بلفظ: "لا يدعو الرجل بالكفر وهو مسلم:"وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} قال: لا يطعن بعضكم على بعض {وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} قال: لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق يا منافق. وعن الحسن قال: كان اليهودي يسلم فيقال له يا يهودي. فنهوا عن ذلك. وللطبري من طريق عكرمة نحوه. وروى أحمد وأبو داود من طريق الشعبي حدثني أبو جبيرة بن الضحاك قال: "فينا نزلت: {وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ} قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله لقبان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: إنه يغضب منه، فنزلت" . قوله: "يَلِتْكُمْ ينقصكم، ألتنا نقصنا" وصله الفريابي عن مجاهد بلفظه، وبه في قوله: {وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} قال: ما نقصنا الآباء للأبناء. "تنبيه" : هذا الثاني من سورة الطور ذكره هنا استطرادا، وإنما يتناسب ألتنا مع الآية الأخرى على قراءة أبي عمرو هنا فإنه قرأ: {لا يألتكم} بزيادة همزة، والباقون بحذفها، وهو من لات يليت قاله أبو عبيدة، قال وقال رؤبة:
وليلة ذات ندا سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت
وتقول العرب: ألاتني حقي وألاتني عن حاجتي أي صرفني. وأما قوله: "وما ألتناهم" فهو من ألت يألت أي نقص.

(8/589)


1 - باب {لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآيَةَ تَشْعُرُونَ تَعْلَمُونَ وَمِنْهُ الشَّاعِرُ
4845- حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ بْنِ جَمِيلٍ اللَّخْمِيُّ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ فَأَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ أَخِي بَنِي مُجَاشِعٍ وَأَشَارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ قَالَ نَافِعٌ لاَ أَحْفَظُ اسْمَهُ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ مَا أَرَدْتَ إِلاَّ خِلاَفِي قَالَ مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الْآيَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَمَا كَانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي أَبَا بَكْر"
4846- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ فَقَالَ لَهُ مَا شَأْنُكَ فَقَالَ شَرٌّ كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُوسَى فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ فَقَالَ اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: "إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّة"
قوله: "باب {لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية" كذا للجميع. قوله: "تشعرون تعلمون ومنه الشاعر" هو كلام أبي عبيدة. قوله: "حدثنا يسرة" بفتح الياء الأخيرة والمهملة وجد جميل بالجيم وزن عظيم ونافع بن عمر هو الجمحي المكي، وليس هو نافع مولى ابن عمر، ونبه الكرماني هنا على شيء لا يتخيله من له أدنى إلمام بالحديث والرجال فقال: ليس هذا الحديث ثلاثيا لأن عبد الله بن أبي مليكة تابعي. قوله: "كاد الخيران" كذا للجميع بالمعجمة بعدها تحتانية ثقيلة وحكى بعض الشراح رواية بالمهملة وسكون الموحدة. "يهلكان" كذا لأبي ذر. وفي رواية: "يهلكا" بحذف النون؛ قال ابن التين كذا وقع بغير نون وكأنه نصب بتقدير أن انتهى. وقد أخرجه أحمد عن وكيع عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "أن يهلكا" وهو بكسر اللام ونسبها ابن التين لرواية أبي ذر، ثم هذا السياق صورته الإرسال لكن ظهر في آخره أن ابن أبي مليكة حمله عن عبد الله بن الزبير، وسيأتي في الباب الذي بعده التصريح بذلك ولفظه عن ابن أبي مليكة "أن عبد الله بن الزبير أخبرهم" فذكره بكماله. قوله: "رفعا أصواتهما حين قدم عليه ركب بني تميم" في رواية أحمد "وفد بني تميم" وكان قدومهم سنة تسع بعد أن أوقع عيينة بن حصن ببني العنبر وهم بطن من بني تميم، ذكر ذلك أبو الحسن المدائني قوله: "فأشار أحدهما" هو عمر، بينه ابن جريج في الرواية التي في الباب بعده، ووقع عند الترمذي من رواية مؤمل بن إسماعيل عن نافع بن عمر بلفظ: "إن الأقرع بن حابس قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: يا رسول الله استعمله على قومه، فقال عمر لا تستعمله يا رسول

(8/590)


الله" الحديث. وهذا يخالف رواية ابن جريج، وروايته أثبت من مؤمل بن إسماعيل والله أعلم. قوله: "بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع" الأقرع لقب واسمه فيما نقل ابن دريد فراس بن حابس بن عقال بكسر المهملة وتخفيف القاف ابن محمد بن سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي، وكانت وفاة الأقرع بن حابس في خلافة عثمان. قوله: "وأشار الآخر" هو أبو بكر، بينه ابن جريج في روايته المذكورة برجل آخر فقال نافع: لا أحفظ اسمه، سيأتي في الباب الذي بعده من رواية ابن جريج عن ابن أبي مليكة أنه القعقاع بن معبد بن زرارة أي ابن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي. قال الكلبي في "الجامع" : كان يقال له تيار الفرات لجوده، قلت: وله ذكر في غزوة حنين، أورده البغوي في "الصحابة" بإسناد صحيح. قوله: "ما أردت إلا خلافي" أي ليس مقصودك إلا مخالفة قولي. وفي رواية أحمد "إنما أردت خلافي" وهذا هو المعتمد. وحكى ابن التين أنه وقع هنا "ما أردت إلى خلافي" بلفظ حرف الجر، و "ما" في هذا استفهامية "وإلى" بتخفيف اللام، والمعنى أي شيء قصدت منتهيا إلى مخالفتي. وقد وجدت الرواية التي ذكرها ابن التين في بعض النسخ لأبي ذر عن الكشميهني. قوله: "فارتفعت أصواتهما" في رواية ابن جريج "فتماريا" حتى ارتفعت أصواتهما. قوله: "فأنزل الله" في رواية ابن جريج "فنزل في ذلك" . قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} الآية" زاد وكيع كما سيأتي في الاعتصام "إلى قوله:{عظيم" وفي رواية ابن جريج "فنزلت {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلى قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا} وقد استشكل ذلك، قال ابن عطية: الصحيح أن سبب نزول هذه الآية كلام جفاة الأعراب. قلت: لا يعارض ذلك هذا الحديث، فإن الذي يتعلق بقصة الشيخين في تخالفهما في التأمير هو أول السورة {لا تُقَدِّمُوا} ولكن لما اتصل بها قوله: "لا ترفعوا" تمسك عمر منها بخفض صوته، وجفاة الأعراب الذين نزلت فيهم هم من بني تميم، والذي يختص بهم قوله: {إنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة "إن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وراء الحجرات فقال: يا محمد إن مدحي زين وإن شتمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاك الله عز وجل" ، ونزلت" . قلت: ولا مانع أن تنزل الآية لأسباب تتقدمها، فلا يعدل للترجيح مع ظهور الجمع وصحة الطرق، ولعل البخاري استشعر ذلك فأورد قصة ثابت بن قيس عقب هذا ليبين ما أشرت إليه من الجمع، ثم عقب ذلك كله بترجمة "باب قوله {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ} إشارة إلى قصة جفاة الأعراب من بني تميم، لكنه لم يذكر في الترجمة حديثا كما سأبينه قريبا، وكأنه ذكر حديث ثابت لأنه هو الذي كان الخطيب لما وقع الكلام في المفاخرة بين بني تميم المذكورين كما أورده ابن إسحاق في المغازي مطولا. قوله: "فما كان عمر يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه" في رواية وكيع في الاعتصام "فكان عمر بعد ذلك إذا حدث النبي صلى الله عليه وسلم بحديث حدثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه" . قلت وقد أخرج ابن المنذر من طريق محمد بن عمرو بن علقمة أن أبا بكر الصديق قال مثل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مرسل، وقد أخرجه الحاكم موصولا من حديث أبي هريرة نحوه، وأخرجه ابن مردويه من طريق طارق بن شهاب عن أبي بكر قال: "لما نزلت لا ترفعوا أصواتكم الآية قال أبو بكر: قلت يا رسول الله آليت أن لا أكلمك إلا كأخي السرار" . قوله: "ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني أبا بكر" قال مغلطاي: يحتمل أنه أراد بذلك أبا بكر عبد الله بن الزبير أو أبا بكر عبد الله بن أبي مليكة فإن أبا مليكة له ذكر في الصحابة. قلت: وهذا بعيد عن الصواب، بل قرينة ذكر عمر ترشد إلى أن مراده أبو بكر

(8/591)


الصديق. وقد وقع في رواية الترمذي قال: "وما ذكر ابن الزبير جده" وقد وقع في رواية الطبري من طريق مؤمل بن إسماعيل عن نافع بن عمر فقال في آخره: "وما ذكر ابن الزبير جده يعني أبا بكر" وفيه تعقب على من عد في الخصائص النبوية أن أولاد بنته ينسبون إليه لقوله: " إن ابني هذا سيد" وقد أنكره القفال على ابن القاص وعده القضاعي فيما اختص به النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء، وفيه نظر فقد احتج بن يحيى بن يعمر بأن عيسى نسب إلى إبراهيم وهو ابن بنته، وهو استدلال صحيح، وإطلاق الأب على الجد مشهور، وهو مذهب أبي بكر الصديق كما تقدم في المناقب. قوله: "افتقد ثابت بن قيس" تقدم شرحه مستوفى في أواخر علامات النبوة. قوله: "فقال رجل يا رسول الله" هو سعد بن معاذ بينه حماد بن سلمة في روايته لهذا الحديث عن أنس، وقيل هو عاصم بن عدي، وقيل أبو مسعود، والأول المعتمد. قوله: "أنا أعلم لك علمه" أي أعلم لأجلك علما متعلقا به. قول "فقال موسى" هو ابن أنس راوي الحديث عن أنس.

(8/592)


2- باب {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}
4847- حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ قَدِمَ رَكْبٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَمِّرْ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ وَقَالَ عُمَرُ بَلْ أَمِّرْ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا أَرَدْتَ إِلَى أَوْ إِلاَّ خِلاَفِي فَقَالَ عُمَرُ مَا أَرَدْتُ خِلاَفَكَ فَتَمَارَيَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا فَنَزَلَ فِي ذَلِكَ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} حَتَّى انْقَضَتْ الآيَةُ
قوله: "باب {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} ذكر فيه حديث ابن الزبير وقد تقدم شرحه في الذي قبله، وروى الطبري من طريق مجاهد قال: هم أعراب بني تميم. ومن طريق أبي إسحاق عن البراء قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال: ذاك الله تبارك وتعالى"وروى من طريق معمر عن قتادة مثله مرسلا وزاد: "فأنزل الله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ} الآية" . ومن طريق الحسن نحوه. قوله: "عن ابن جريج أخبرني ابن أبي مليكة" كذا قال حجاج بن محمد تقدم في التفسير من طريق هشام ابن يوسف عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة بالعنعنة، وتابعه هشام بن يوسف، وأخرجه ابن المنذر من طريق محمد بن ثور عن ابن جريج فزاد فيه رجلا قال: "أخبرني رجل أن ابن أبي ملكية أخبره" فيحمل على أن ابن جريج حمله عن ابن أبي ملكية بواسطة، ثم لقيه فسمعه منه

(8/592)


باب {ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خير لهم}
...
باب {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ}
قوله: "باب قوله {وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ ل¡