Translate فتح الباري وتفسير بن كثير كيكي520.

الجمعة، 13 مايو 2022

الأم مجلد 9. محمد بن إدريس الشافعي

 

9.

الأم مجلد 9. محمد بن إدريس الشافعي أبو عبد الله سنة الولادة 150/ سنة الوفاة 204 .

  - * الْحُكْمُ بين أَهْلِ الذِّمَّةِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لم أَعْلَمْ مُخَالِفًا من أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسِّيَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَمَّا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَادَعَ يَهُودَ كَافَّةً على غَيْرِ جِزْيَةٍ وَأَنَّ قَوْلَ اللَّهِ عز وجل { فَإِنْ جاؤوك ( ( ( جاءوك ) ) ) فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أو أَعْرِضْ عَنْهُمْ } إنَّمَا نَزَلَتْ في الْيَهُودِ الْمُوَادِعِينَ الَّذِينَ لم يُعْطُوا جِزْيَةً ولم يُقِرُّوا بِأَنْ يَجْرِي عليهم الْحُكْمُ وقال بَعْضٌ نَزَلَتْ في الْيَهُودِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ زَنَيَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاَلَّذِي قالوا يُشْبِهُ ما قالوا لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فيها حُكْمُ اللَّهِ } وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ } الْآيَةَ يَعْنِيَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إنْ تَوَلَّوْا عن حُكْمِك بِغَيْرِ رِضَاهُمْ وَهَذَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ أتى حَاكِمًا غير مَقْهُورٍ على الْحُكْمِ وَاَلَّذِينَ حَاكَمُوا إلَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في امْرَأَةٍ منهم وَرَجُلٍ زَنَيَا مُوَادِعُونَ وكان في التَّوْرَاةِ الرَّجْمُ وَرَجَوْا أَنْ لَا يَكُونَ من حُكْمِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الرَّجْمُ فجاؤوا ( ( ( فجاءوا ) ) ) بهما ( ( ( بها ) ) ) فَرَجَمَهُمَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وإذا وَادَعَ الْإِمَامُ قَوْمًا من أَهْلِ الشِّرْكِ ولم يَشْتَرِطْ أَنْ يُجْرِيَ عليهم الْحُكْمَ ثُمَّ جَاءُوهُ مُتَحَاكِمِينَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بين أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أو يَدَعَ الْحُكْمَ فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حُكْمَهُ بين الْمُسْلِمِينَ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } وَالْقِسْطُ حُكْمُ اللَّهِ عز وجل الذي أَنْزَلَهُ عليه صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ الْخِيَارُ في أَحَدٍ من الْمُعَاهَدِينَ الَّذِينَ يَجْرِي عليهم الْحُكْمُ إذَا جَاءُوهُ في حَدِّ لله ( ( ( الله ) ) ) عز وجل وَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَهُ وَلَا يُفَارِقُونَ الْمُوَادِعِينَ إلَّا في هذا الْمَوْضِعِ ثُمَّ على الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ على الْمُوَادِعِينَ حُكْمَهُ على الْمُسْلِمِينَ إذَا جَاءُوهُ فَإِنْ امْتَنَعُوا بَعْدَ رِضَاهُمْ بِحُكْمِهِ حَارَبَهُمْ وَسَوَاءٌ في أَنَّ له الْخِيَارَ في الْمُوَادِعِينَ إذَا أَصَابُوا حد ( ( ( حدا ) ) ) الله ( ( ( لله ) ) ) أو حَدًّا فِيمَا بَيْنَهُمْ لِأَنَّ الْمُصَابَ منه الْحَدُّ لم يُسْلِمْ ولم يُقِرَّ بِأَنْ يجري عليه الْحُكْمُ - * الْحُكْمُ بين أَهْلِ الْجِزْيَةِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال اللَّهُ عز وجل { حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَكَانَ الصَّغَارُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يُجْرِيَ عليهم حُكْمَ الْإِسْلَامِ وَأَذِنَ اللَّهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ منهم على أَنْ قد عَلِمَ شِرْكَهُمْ بِهِ وَاسْتِحْلَالَهُمْ لِمَحَارِمِهِ فَلَا يَكْشِفُوا عن شَيْءٍ مِمَّا اسْتَحَلُّوا بَيْنَهُمْ ما لم يَكُنْ ضَرَرًا على مُسْلِمٍ أو مُعَاهَدٍ أو مُسْتَأْمَنِ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كان فيه ضَرَرٌ على أَحَدٍ من أَنْفُسِهِمْ لم يَطْلُبْهُ لم يَكْشِفُوا عنه فإذا أَبَى بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ما فيه له عليه حَقٌّ فَأَتَى طَالِبُ الْحَقِّ إلَى الْإِمَامِ يَطْلُبُ حَقَّهُ فَحَقٌّ لَازِمٌ لِلْإِمَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَحْكُمَ له على من كان له عليه حَقٌّ منهم وَإِنْ لم يَأْتِهِ الْمَطْلُوبُ رَاضِيًا بِحُكْمِهِ وَكَذَلِكَ إنْ أَظْهَرَ السَّخْطَةَ لِحُكْمِهِ لِمَا وَصَفْت من قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { وَهُمْ صَاغِرُونَ } وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ دَارُ الْإِسْلَامِ دَارَ مُقَامٍ لِمَنْ يَمْتَنِعُ من الْحُكْمِ في حَالٍ وَيُقَالُ نَزَلَتْ وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَكَانَ ظَاهِرُ ما عَرَفْنَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ جَاءَتْ امْرَأَةُ رَجُلٍ منهم تَسْتَعْدِي عليه بِأَنَّهُ طَلَّقَهَا أو آلَى منها حَكَمْت عليه حُكْمِي على الْمُسْلِمِينَ فَأَلْزَمْته الطَّلَاقَ وَفَيْئِيَّةَ الْإِيلَاءِ فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا أَخَذْته بِأَنْ يُطَلِّقَ وَإِنْ قالت تَظَاهَرَ مِنِّي أَمَرْته أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حتى يُكَفِّرَ وَلَا يُجْزِئُهُ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ وَكَذَلِكَ لَا يُجْزِئُهُ في الْقَتْلِ إلَّا رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قال قَائِلٌ فَكَيْفَ يُكَفِّرُ الْكَافِرُ قِيلَ كما يُؤَدِّي الْوَاجِبَ وَإِنْ كان لَا يُؤْجَرُ على أَدَائِهِ من دِيَةٍ أو أَرْشِ جُرْحٍ أو غَيْرِهِ وَكَمَا يُحَدُّ وَإِنْ كان لَا يُكَفِّرُ عنه بِالْحَدِّ لَشِرْكِهِ فَإِنْ قال فَيُكَفِّرُ عنه خَطِيئَةَ الْحَدِّ قِيلَ فَإِنْ جَازَ أَنْ يُكَفِّرَ خَطِيئَةَ الْحَدِّ جَازَ أَنْ يُكَفِّرَ عنه خَطِيئَةَ الظِّهَارِ وَالْيَمِينِ وَإِنْ قِيلَ يُؤَدِّي وَيُؤْخَذُ منه
____________________

(4/210)


الْوَاجِبُ وَإِنْ لم يُؤْجَرْ وَإِنْ لم يُكَفِّرْ عنه قِيلَ وَكَذَلِكَ الظِّهَارُ وَالْأَيْمَانُ وَالرَّقَبَةُ في الْقَتْلِ فَإِنْ جَاءَنَا يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ لم نُزَوِّجْهُ إلَّا كما يُزَوَّجُ الْمُسْلِمُ بِرِضًا من الزَّوْجَةِ وَمَهْرٍ وَشُهُودِ عُدُولٍ من الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ جَاءَتْنَا امْرَأَةٌ قد نَكَحَهَا تُرِيدُ فَسَادَ نِكَاحِهَا بِأَنَّهُ نَكَحَهَا بِغَيْرِ شُهُودٍ مُسْلِمِينَ أو غَيْرِ وَلِيٍّ وما يُرَدُّ بِهِ نِكَاحُ الْمُسْلِمِ مِمَّا لَا حَقَّ فيه لِزَوْجٍ غَيْرِهِ لم يُرَدَّ نِكَاحُهُ إذَا كان اسْمُهُ عِنْدَهُمْ نِكَاحًا لِأَنَّ النِّكَاحَ مَاضٍ قبل حُكْمِنَا فَإِنْ قال قَائِلٌ من أَيْنَ قُلْت هذا قُلْت قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى في الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ { اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبَا } وقال { وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رؤوس أَمْوَالِكُمْ } فلم يَأْمُرْهُمْ بِرَدِّ ما بَقِيَ من الرِّبَا وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ لَا يَأْخُذُوا ما لم يَقْبِضُوا منه وَرَجَعُوا منه إلَى رؤوس أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفَذَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نِكَاحَ الْمُشْرِكِ بِمَا كان قبل حُكْمِهِ وَإِسْلَامِهِمْ وكان مُقْتَضِيًا وَرَدَّ ما جَاوَزَ أَرْبَعًا من النِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ بِوَاقٍ فَتَجَاوَزَ عَمَّا مَضَى كُلِّهِ في حُكْمِ اللَّهِ عز وجل وَحُكْمِ رَسُولِهِ وَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ذِمَّةٌ وَأَهْلُ هُدْنَةٍ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَنْكِحُونَ نِكَاحَهُمْ ولم يَأْمُرْهُمْ بِأَنْ يَنْكِحُوا غَيْرَهُ ولم نَعْلَمْهُ أَفْسَدَ لهم نِكَاحًا وَلَا مَنَعَ أَحَدًا منهم أَسْلَمَ امْرَأَتَهُ وأمرأته امرأة بِالْعَقْدِ الْمُتَقَدِّمِ في الشِّرْكِ بَلْ أَقَرَّهُمْ على ذلك النِّكَاحِ إذَا كان مَاضِيًا وَهُمْ مُشْرِكُونَ وَإِنْ كَانُوا مُعَاهَدِينَ وَمُهَادَنِينَ وَهَكَذَا إنْ جَاءَنَا رَجُلَانِ منهم قد تَبَايَعَا خَمْرًا ولم يتقابضاها أَبْطَلْنَا الْبَيْعَ وَإِنْ تَقَابَضَاهَا لم نَرُدَّهُ لِأَنَّهُ قد مَضَى وَإِنْ تَبَايَعَاهَا فَقَبَضَ الْمُشْتَرِي بَعْضًا ولم يَقْبِضْ بَعْضًا لم يَرُدَّ الْمَقْبُوضَ وَرَدَّ ما لم يَقْبِضْ وَهَكَذَا بُيُوعُ الرِّبَا كُلُّهَا وَلَوْ جَاءَتْنَا نَصْرَانِيَّةٌ قد نَكَحَهَا مُسْلِمٌ بِلَا وَلِيٍّ أو شُهُودٍ نَصَارَى أَفْسَدْنَا النِّكَاحَ لِأَنَّهُ ليس لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَبَدًا غير تَزْوِيجِ الْإِسْلَامِ فَنُنَفِّذُ له وَلَوْ جَاءَنَا نَصْرَانِيٌّ بَاعَ مُسْلِمًا خَمْرًا أو نَصْرَانِيٌّ ابْتَاعَ من مُسْلِمٍ خَمْرًا تَقَابَضَاهَا أو لم يتقابضاها أَبْطَلْنَاهَا بِكُلِّ حَالٍ وَرَدَدْنَا الْمَالَ إلَى الْمُشْتَرِي وَأَبْطَلْنَا ثَمَنَ الْخَمْرِ عنه إنْ كان الْمُسْلِمُ الْمُشْتَرِي لها لم يَمْلِكْ خَمْرًا وَإِنْ كان الْبَائِعُ لها لم يَكُنْ له أَنْ يَمْلِكَ ثَمَنَ خَمْرٍ وَلَا آمُرُ الذِّمِّيَّ أَنْ يَرُدَّ الْخَمْرَ على الْمُسْلِمِ وَأُهْرِيقَهَا على الذِّمِّيِّ إذَا كان مَلَكَهَا على الْمُسْلِمِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَمَالِهِ وَإِنْ كان الْمُسْلِمُ الْقَابِضُ لِلْخَمْرِ يَرُدُّ ثَمَنَ الْخَمْرِ على الْمُسْلِمِ وأهريقت الْخَمْرُ لِأَنِّي لَا أَقْضِي على مُسْلِمٍ أَنْ يَرُدَّ خَمْرًا وَيَجُوزُ أَنْ أُهْرِيقَهَا لِأَنَّ الذِّمِّيَّ عَصَى بِإِخْرَاجِهَا إلَى الْمُسْلِمِ مع مَعْصِيَتِهِ بِمِلْكِهَا وَأَخْرَجَهَا طَائِعًا فَأَدَّبْته بِإِهْرَاقِهَا لم أَكُنْ أُهْرِيقَهَا ولم يَأْذَنْ فيها إنَّمَا أُهْرِيقَهَا بَعْدَ ما أَذِنَ فيها بِالْبَيْعِ وَإِنْ جَاءَتْنَا امْرَأَةُ الذِّمِّيِّ قد نَكَحَتْهُ في بَقِيَّةٍ من عِدَّتِهَا من زَوْجٍ غَيْرِهِ فَرَّقْنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا لِحَقِّ الزَّوْجِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ هذا كَفَسَادِ عُقْدَةٍ نجيرها ( ( ( نجيزها ) ) ) له إذَا كانت جَائِزَةً عِنْدَهُ لَا ضَرَرَ فيها على غَيْرِهِ وَلَا تَجُوزُ في الْإِسْلَامِ بِحَالٍ وَإِنْ طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُ فَسَخْنَا النِّكَاحَ وَجَعَلْنَا لها مَهْرَ مِثْلِهَا إنْ أَصَابَهَا ولم تَحِلَّ له حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ يُصِيبُهَا فإذا نَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا فَأَصَابَهَا حَلَّ له نِكَاحُهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَتَبْطُلُ بَيْنَهُمْ الْبُيُوعُ التي تَبْطُلُ بين الْمُسْلِمِينَ كُلُّهَا فإذا مَضَتْ وَاسْتُهْلِكَتْ لم نُبْطِلْهَا إنَّمَا نُبْطِلُهَا ما كانت قَائِمَةً وَإِنْ جَاءَنَا عبد أَحَدِهِمْ قد أَعْتَقَهُ أَعْتَقْنَا عليه وَإِنْ كَاتَبَهُ كِتَابَةً جَائِزَةً عندنا ( ( ( عندما ) ) ) أَجَزْنَاهَا له أو أُمُّ وَلَدٍ يُرِيدُ بَيْعَهَا لم نَدَعْهُ يَبِيعُهَا في قَوْلِ من لَا يَبِيعُ أُمَّ الْوَلَدِ وَيَبِيعُهَا في قَوْلِ من يَبِيعُ أُمَّ الْوَلَدِ فإذا أَسْلَمَ عبد الذِّمِّيِّ بِيعَ عليه فَإِنْ أَعْتَقَهُ الذِّمِّيُّ أو وَهَبَهُ أو تَصَدَّقَ بِهِ وَأَقْبَضَهُ فَكُلُّ ذلك جَائِزٌ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ وَوَلَاؤُهُ لِلذِّمِّيِّ لِأَنَّهُ الذي أَعْتَقَهُ وَلَا يَرِثُهُ إنْ مَاتَ بِالْوَلَاءِ لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ فَإِنْ أَسْلَمَ قبل أَنْ يَمُوتَ ثُمَّ مَاتَ وَرِثَهُ بِالْوَلَاءِ وَهَكَذَا أَمَتُهُ فَإِنْ أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِهِ عُزِلَ عنها وَأُخِذَ بِنَفَقَتِهَا وكان له أَنْ يُؤَاجِرَهَا فإذا مَاتَ فَهِيَ حُرَّةٌ وَإِنْ دَبَّرَ عَبْدًا له فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ قبل مَوْتِ السَّيِّدِ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُبَاعَ عليه كما يُبَاعُ عَبْدُهُ لو قال له أنت حُرٌّ إذَا دَخَلْت الدَّارَ أو كان غَدٌ أو جاء شَهْرُ كَذَا وَالْآخَرُ لَا يُبَاعُ حتى يَمُوتَ فَيَعْتِقَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ السَّيِّدُ بَيْعَهُ فإذا شَاءَ جَازَ بَيْعُهُ وَإِنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ قِيلَ لِلْمُكَاتَبِ إنْ شِئْت فَاتْرُكْ الْكِتَابَةَ وَتُبَاعُ وَإِنْ شِئْت فَأَنْتَ على الْكِتَابَةِ فإذا أَدَّيْت عَتَقْت وَمَتَى عَجَزْت أُبِعْتَ
____________________

(4/211)


وَهَكَذَا لو أَسْلَمَ الْعَبْدُ ثُمَّ كَاتَبَهُ سَيِّدُهُ النَّصْرَانِيُّ أو أَسْلَمَ ثُمَّ دَبَّرَ أو أَسْلَمَتْ أَمَتُهُ ثُمَّ وَطِئَهَا فَحَبِلَتْ لِأَنَّهُ مَالِكٌ لهم في هذه الْحَالِ وَلَا حَدَّ عليه وَلَا عليها وإذا جَنَى النَّصْرَانِيُّ على النَّصْرَانِيِّ عَمْدًا فَالْمَجْنِيُّ عليه بِالْخِيَارِ بين الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ إنْ كان جَنَى جِنَايَةً فيها الْقَوَدُ فإذا اخْتَارَ الْعَقْلَ فَهُوَ حَالٌّ في مَالِ الْجَانِي وَإِنْ كانت الْجِنَايَةُ خَطَأً فَعَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي كما تَكُونُ على عَوَاقِلِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لم يَكُنْ لِلْجَانِي عَاقِلَةٌ فَالْجِنَايَةُ في مَالِهِ دَيْنٌ يُتْبَعُ بها وَلَا يَعْقِلُ عنه النَّصَارَى وَلَا قَرَابَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ وَهُمْ لَا يَرِثُونَ وَلَا يَعْقِلُ الْمُسْلِمُونَ عنه وَهُمْ لَا يَأْخُذُونَ ما تَرَكَ إذَا مَاتَ مِيرَاثًا إنَّمَا يَأْخُذُونَهُ فَيْئًا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَوُلَاةُ دِمَاءِ النَّصَارَى كَوُلَاةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْنَهُمْ شَهَادَةٌ إلَّا شَهَادَةُ الْمُسْلِمِينَ وَيَجُوزُ إقْرَارُهُمْ بَيْنَهُمْ كما يَجُوزُ إقْرَارُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَكُلُّ حَقٍّ بَيْنَهُمْ يُؤْخَذُ لِبَعْضِهِمْ من بَعْضٍ كما يُؤْخَذُ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ من بَعْضٍ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فاذا أَهَرَاقَ وَاحِدٌ منهم لِصَاحِبِهِ خَمْرًا أو قَتَلَ له خِنْزِيرًا أو حَرَقَ له مَيْتَةً أو خِنْزِيرًا أو جِلْدَ مَيْتَةٍ لم يُدْبَغْ لم يَضْمَنْ له في شَيْءٍ من ذلك شيئا لِأَنَّ هذا حَرَامٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْحَرَامِ ثَمَنٌ وَلَوْ كانت الْخَمْرُ في زِقٍّ فَخَرَقَهُ أو جر ( ( ( جرة ) ) ) فكسره ( ( ( فكسرها ) ) ) ضَمِنَ ما نَقَصَ الْجَرَّ أو الزق ( ( ( أحلفه ) ) ) ولم يَضْمَنْ الْخَمْرَ لِأَنَّهُ يَحِلُّ مِلْكُ الزِّقِّ وَالْجَرَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الزِّقُّ من مَيْتَةٍ لم يُدْبَغْ أو جِلْدِ خِنْزِيرٍ دُبِغَ أو لم يُدْبَغْ فَلَا يَكُونُ له ثَمَنٌ وَلَوْ كَسَرَ له صَلِيبًا من ذَهَبٍ لم يَكُنْ عليه شَيْءٌ وَلَوْ كَسَرَهُ من عُودٍ وكان الْعُودُ إذَا فُرِّقَ لم يَكُنْ صَلِيبًا يَصْلُحُ لِغَيْرِ الصَّلِيبِ فَعَلَيْهِ ما نَقَصَ الْكَسْرُ الْعُودَ وَكَذَلِكَ لو كَسَرَ له تِمْثَالًا من ذَهَبٍ أو خَشَبٍ يَعْبُدُهُ لم يَكُنْ عليه في الذَّهَبِ شَيْءٌ ولم يَكُنْ أَيْضًا في الْخَشَبِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَشَبُ مَوْصُولًا فإذا فُرِّقَ صَلُحَ لِغَيْرِ تِمْثَالٍ فَيَكُونَ عليه ما نَقَصَ كَسْرُ الْخَشَبِ لَا ما نَقَصَ قِيمَةَ الصَّنَمِ وَلَوْ كَسَرَ له طُنْبُورًا أو مِزْمَارًا أو كَبَرًا فَإِنْ كان في هذا شَيْءٌ يَصْلُحُ لِغَيْرِ الْمَلَاهِي فَعَلَيْهِ ما نَقَصَ الْكَسْرُ وَإِنْ لم يَكُنْ يَصْلُحُ إلَّا لِلْمَلَاهِي فَلَا شَيْءَ عليه وَهَكَذَا لو كَسَرَهَا نَصْرَانِيٌّ لِمُسْلِمٍ أو نَصْرَانِيٌّ أو يَهُودِيٌّ أو مُسْتَأْمَنٌ أو كَسَرَهَا مُسْلِمٌ لِوَاحِدٍ من هَؤُلَاءِ أَبْطَلْت ذلك كُلَّهُ قال وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا أَفْسَدَ لِنَصْرَانِيٍّ ما أَبْطَلَ عنه فَغَرِمَ الْمُفْسِدُ شيئا بِحُكْمِ حَاكِمِهِمْ أو شيء ( ( ( شيئا ) ) ) يَرَوْنَهُ حَقًّا يُلْزِمُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أو شيء ( ( ( شيئا ) ) ) تَطَوَّعَ له بِهِ وَضَمِنَهُ ولم يَقْبِضْهُ الْمَضْمُونُ له حتى جَاءَنَا الضَّامِنُ أَبْطَلْنَاهُ عنه لِأَنَّهُ لم يَقْبِضْ وَلَوْ لم يَأْتِنَا حتى يَدْفَعَ إلَيْهِ ثُمَّ سَأَلْنَا إبْطَالَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا لَا نُبْطِلُهُ وَنَجْعَلُهُ كما مَضَى من بُيُوعِ الرِّبَا وَالْآخَرُ أَنْ نُبْطِلَهُ بِكُلِّ حَالٍ لِأَنَّهُ أخذ منه على غَيْرِ بَيْعٍ إنَّمَا أُخِذَ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ لَا قِيمَةَ لها وَلَوْ كان الذي غَرِمَ له ما أَبْطَلَ عنه في الْحُكْمِ مُسْلِمًا وَقَبَضَهُ منه ثُمَّ جَاءَنِي رَدَدْته على الْمُسْلِمِ كما لو أَرْبَى على مُسْلِمٍ أو أَرْبَى عليه مُسْلِمٌ وَتَقَابَضَا رَدَدْت ذلك بَيْنَهُمَا وَكَذَلِكَ لو أَهَرَاقَ نَصْرَانِيٌّ لِمُسْلِمٍ خَمْرًا أو أَفْسَدَ له شيئا مِمَّا أَبْطَلَهُ عنه وَتَرَافَعَا إلَيَّ وَغَرِمَ له النَّصْرَانِيُّ قِيمَتَهُ مُتَطَوِّعًا أو بِحُكْمِ ذِمِّيٍّ أو بِأَمْرٍ رَآهُ النَّصْرَانِيُّ لَازِمًا له وَدَفَعَهُ إلَى الْمُسْلِمِ ثُمَّ جَاءَنِي أَبْطَلْته عنه وَرَدَدْت النَّصْرَانِيَّ بِهِ على الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ ليس لِمُسْلِمٍ قَبْضُ حَرَامٍ وما مَضَى من قَبْضِهِ الْحَرَامِ وَبَقِيَ سَوَاءٌ في أَنَّهُ يَرُدُّ عنه وَأَنَّهُ لَا يُقِرُّ على حَرَامٍ جَهِلَهُ وَلَا عَرَفَهُ بِحَالٍ وَيَجُوزُ لِلنَّصْرَانِيِّ أَنْ يُقَارِضَ الْمُسْلِمَ وَأَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُقَارِضَ النَّصْرَانِيَّ أو يُشَارِكَهُ خَوْفَ الرِّبَا وَاسْتِحْلَالَ الْبُيُوعِ الْحَرَامِ وَإِنْ فَعَلَ لم أَفْسَخْ ذلك لِأَنَّهُ قد يَعْمَلُ بِالْحَلَالِ وَلَا أَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ النَّصْرَانِيَّ وَأَكْرَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ النَّصْرَانِيُّ الْمُسْلِمَ وَلَا أَفْسَخُ الْإِجَارَةَ إذَا وَقَعَتْ وَأَكْرَهُ أَنْ يَبِيعَ الْمُسْلِمُ من النَّصْرَانِيِّ عَبْدًا مُسْلِمًا أو أَمَةً مُسْلِمَةً وَإِنْ بَاعَهُ لم يَبِنْ لي أَنْ أَفْسَخَ الْبَيْعَ وَجَبَرْتُ النَّصْرَانِيَّ على بَيْعِهِ مَكَانَهُ إلَى أَنْ يَعْتِقَهُ أو يَتَعَذَّرَ السُّوقُ عليه في مَوْضِعِهِ فَأُلْحِقُهُ بِالسُّوقِ وَيَتَأَنَّى بِهِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ ثُمَّ أُجْبِرُهُ على بَيْعِهِ قال وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أن الْبَيْعَ مَفْسُوخٌ وَإِنْ بَاعَ مُسْلِمٌ من نَصْرَانِيٍّ مُصْحَفًا فَالْبَيْعُ مَفْسُوخٌ وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ منه دَفْتَرًا فيه أَحَادِيثُ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنَّمَا فُرِّقَ بين هذا وَبَيْنَ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ أَنَّ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ قد يَعْتِقَانِ فَيَعْتِقَانِ
____________________

(4/212)


بِعِتْقِ النَّصْرَانِيِّ وَهَذَا مَالٌ لَا يَخْرُجُ من مِلْكِ مَالِكِهِ إلَّا إلَى مَالِكٍ غَيْرِهِ وَإِنْ بَاعَهُ دَفَاتِرَ فيها رَأْيٌ كَرِهْت ذلك له ولم أَفْسَخْ الْبَيْعَ وَإِنْ بَاعَهُ دَفَاتِرَ فيها شِعْرٌ أو نَحْوٌ لم أَكْرَهْ ذلك له ولم أَفْسَخْ الْبَيْعَ وَكَذَلِكَ إنْ بَاعَهُ طِبًّا أو عِبَارَةَ رُؤْيَا وما أَشْبَهَهُمَا في كِتَابٍ قال وَلَوْ أَنَّ نَصْرَانِيًّا بَاعَ مُسْلِمًا مُصْحَفًا أو أَحَادِيثَ من أَحَادِيثِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أو عَبْدًا مُسْلِمًا لم أَفْسَخْ له الْبَيْعَ ولم أَكْرَهْهُ إلَّا أَنِّي أَكْرَهُ أَصْلَ مِلْكِ النَّصْرَانِيِّ فإذا أَوْصَى الْمُسْلِمُ لِلنَّصْرَانِيِّ بِمُصْحَفٍ أو دَفْتَرٍ فيه أَحَادِيثُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَبْطَلْت الْوَصِيَّةَ وَلَوْ أَوْصَى بها النَّصْرَانِيُّ لِمُسْلِمٍ لم أُبْطِلْهَا وَلَوْ أَوْصَى الْمُسْلِمُ لِلنَّصْرَانِيِّ بِعَبْدٍ مُسْلِمٍ فَمَنْ قال أَفْسَخُ بَيْعَ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لو اشْتَرَاهُ النَّصْرَانِيُّ أَبْطَلَ الْوَصِيَّةَ وَمَنْ قال أُجْبِرُهُ على بَيْعِهِ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ وَهَكَذَا هِبَةُ الْمُسْلِمِ لِلنَّصْرَانِيِّ وَالْيَهُودِيِّ وَالْمَجُوسِيِّ في جَمِيعِ ما ذَكَرْت وَلَوْ أَوْصَى مُسْلِمٌ لِنَصْرَانِيٍّ بِعَبْدٍ نَصْرَانِيٍّ فَمَاتَ الْمُسْلِمُ ( 1 ) ثُمَّ أَسْلَمَ النَّصْرَانِيُّ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ في الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِأَنَّهُ قد مَلَكَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي وهو نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ أَسْلَمَ فَيُبَاعُ عليه وَلَوْ أَسْلَمَ قبل مَوْتِهِ النَّصْرَانِيُّ كان كَوَصِيَّةٍ له بِعَبْدٍ مسلم لَا يَخْتَلِفَانِ فإذا أَوْصَى النَّصْرَانِيُّ بِأَكْثَرَ من ثُلُثِهِ فَجَاءَنَا وَرَثَتُهُ أَبْطَلْنَا ما جَاوَزَ الثُّلُثَ إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ كما نُبْطِلُهُ إنْ شَاءَ وَرَثَةُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ أو بِشَيْءٍ منه يَبْنِي بِهِ كَنِيسَةً لِصَلَاةِ النصراني ( ( ( النصارى ) ) ) أو يَسْتَأْجِرُ بِهِ خَدَمًا لِلْكَنِيسَةِ أو يَعْمُرُ بِهِ الْكَنِيسَةَ أو يَسْتَصْبِحُ بِهِ فيها أو يَشْتَرِي بِهِ أَرْضًا فَتَكُونُ صَدَقَةً على الْكَنِيسَةِ وَتَعْمُرُ بها أو ما في هذا الْمَعْنَى كانت الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً وَكَذَلِكَ لو أَوْصَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ خَمْرًا أو خَنَازِيرَ فَيَتَصَدَّقَ بها أو أَوْصَى بِخَنَازِيرِ له أو خَمْرٍ أَبْطَلْنَا الْوَصِيَّةَ في هذا كُلِّهِ وَلَوْ أَوْصَى أَنْ تبني كَنِيسَةٌ يَنْزِلُهَا مَارُّ الطَّرِيقِ أو وَقَفَهَا على قَوْمٍ يَسْكُنُونَهَا أو جَعَلَ كِرَاءَهَا لِلنَّصَارَى أو لِلْمَسَاكِينِ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ وَلَيْسَ في بُنْيَانِ الْكَنِيسَةِ مَعْصِيَةٌ إلَّا أَنْ تُتَّخَذَ لِمُصَلَّى النَّصَارَى الَّذِينَ اجْتِمَاعُهُمْ فيها على الشِّرْكِ وَأَكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْمَلَ بِنَاءً أو نِجَارَةً أو غَيْرَهُ في كَنَائِسِهِمْ التي لِصَلَوَاتِهِمْ وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُعْطِيَ الرُّهْبَانَ وَالشَّمَامِسَةَ ثُلُثَهُ جَازَتْ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّهُ قد تَجُوزُ الصَّدَقَةُ على هَؤُلَاءِ وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ بِثُلُثِهِ الْإِنْجِيلَ وَالتَّوْرَاةَ لِدَرْسٍ لم تَجُزْ الْوَصِيَّةُ لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل قد ذَكَرَ تَبْدِيلَهُمْ منها فقال { للذين ( ( ( الذين ) ) ) يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا من عِنْدِ اللَّهِ } وقال { وَإِنَّ منهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ } قَرَأَ الرَّبِيعُ الْآيَةَ وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ بِهِ كُتُبَ طِبٍّ فَتَكُونُ صَدَقَةً جَازَتْ له الْوَصِيَّةُ وَلَوْ أَوْصَى أَنْ تُكْتَبَ بِهِ كُتُبُ سِحْرٍ لم يَجُزْ وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِثُلُثِهِ سِلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ جَازَ وَلَوْ أَوْصَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ سِلَاحًا لِلْعَدُوِّ من الْمُشْرِكِينَ لم يَجُزْ وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لِبَعْضِ أَهْلِ الْحَرْبِ جَازَ لِأَنَّهُ لم يَحْرُمْ أَنْ يُعْطَوْا مَالًا وَكَذَلِكَ لو أَوْصَى أَنْ يُفْتَدَى منه أَسِيرٌ في أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ من أَهْلِ الْحَرْبِ قال وَمَنْ اسْتَعْدَى على ذِمِّيٍّ أو مُسْتَأْمَنٍ أَعْدَى عليه وَإِنْ لم يَرْضَ ذلك المستعدي عليه إذَا اسْتَعْدَى عليه في شَيْءٍ فيه حَقٌّ لِلْمُسْتَعْدِي وَإِنْ جَاءَنَا مُحْتَسِبٌ من الْمُسْلِمِينَ أو غَيْرِهِمْ يَذْكُرُ أَنَّ الذِّمِّيِّينَ يَعْمَلُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَعْمَالًا من رِبَاءٍ لم نَكْشِفْهُمْ عنها لِأَنَّ ما أَقْرَرْنَاهُمْ عليه من الشِّرْكِ أَعْظَمُ ما لم يَكُنْ لها طَالِبٌ يَسْتَحِقُّهَا وَكَذَلِكَ لَا يَكْشِفُونَ عَمَّا اسْتَحَلُّوا من نِكَاحِ الْمَحَارِمِ فَإِنْ جَاءَتْنَا مَحْرَمٌ لِلرَّجُلِ قد نَكَحَتْهُ فَسَخْنَا النِّكَاحَ فَإِنْ جَاءَتْنَا امْرَأَةٌ نَكَحَهَا على أَرْبَعٍ أَجْبَرْنَاهُ بِأَنْ يَخْتَارَ أَرْبَعًا وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ وَإِنْ لم تَأْتِنَا لم نَكْشِفْهُ عن ذلك فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ يُفَرِّقُ بين كل ذِي مَحْرَمٍ من الْمَجُوسِ فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ إذَا طَلَبَتْ ذلك الْمَرْأَةُ أو وَلِيُّهَا أو طَلَبَهُ الزَّوْجُ لِيُسْقِطَ عنه مَهْرَهَا وَتَرْكُنَا لهم على الشِّرْكِ أَعْظَمُ من تَرْكِنَا لهم على نِكَاحِ ذَاتِ مَحْرَمٍ وَجَمْعُ أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ ما لم يَأْتُونَا فَإِنْ جَاءَنَا منهم مَسْرُوقٌ بِسَارِقٍ قَطَعْنَاهُ له وَإِنْ جَاءَنَا منهم سَارِقٌ قد اسْتَعْبَدَهُ مَسْرُوقٌ بِحُكْمٍ له أَبْطَلْنَا الْعُبُودِيَّةَ عنه وَحَكَمْنَا عليه حُكْمَنَا على السَّارِقِ قال وَلِلنَّصْرَانِيِّ الشُّفْعَةُ على الْمُسْلِمِ وَلِلْمُسْلِمِ الشُّفْعَةُ عليه وَلَا يُمْنَعُ النَّصْرَانِيُّ أَنْ
____________________

(4/213)


يَشْتَرِيَ من مُسْلِمٍ مَاشِيَةً فيها صَدَقَةٌ وَلَا أَرْضَ زَرْعٍ وَلَا نَخْلًا وَإِنْ أَبْطَلَ ذلك الصَّدَقَةَ فيها كما لَا يُمْنَعُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَنْ يَبِيعَ ذلك مُفَرَّقًا من جَمَاعَةٍ فَتَسْقُطَ فيه الصَّدَقَةُ قال وَلَا يَكُونُ لِذِمِّيٍّ أَنْ يحيى مَوَاتًا من بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ أَحْيَاهَا لم تَكُنْ له بِإِحْيَائِهَا وَقِيلَ له خُذْ عِمَارَتَهَا وَإِنْ كان ذلك فيها وَالْأَرْضُ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ إحْيَاءَ الْمَوَاتِ فَضْلٌ من اللَّهِ تَعَالَى بَيَّنَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ لِمَنْ أَحْيَاهُ ولم يَكُنْ له قَبْلُ يُحْيِيهِ كَالْفَيْءِ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْفَيْءَ وَمِلْكَ ما لَا مَالِكَ له لِأَهْلِ دِينِهِ لَا لِغَيْرِهِمْ (1) * - * بَابٌ فِيمَنْ يَجِبُ قِتَالُهُ من أَهْلِ الْبَغْيِ - * ( أخبرنا الرَّبِيعُ بن سُلَيْمَانَ ) قال ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَإِنْ طَائِفَتَانِ من الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصلحوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا على الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فذكر اللَّهُ عز وجل اقْتِتَالَ الطَّائِفَتَيْنِ وَالطَّائِفَتَانِ الْمُمْتَنِعَتَانِ الْجَمَاعَتَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ تَمْتَنِعُ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ أو أَضْعَفَ أذا لَزِمَهَا اسْمُ الِامْتِنَاعِ وَسَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ فَحَقٌّ على كل أَحَدٍ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ إذَا افْتَرَقُوا وَأَرَادُوا الْقِتَالَ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا حتى يَدْعُوا إلَى الصُّلْحِ وَبِذَلِكَ قُلْت لَا يَبِيتُ أَهْلُ الْبَغْيِ قبل دُعَائِهِمْ لِأَنَّ على الْإِمَامِ الدُّعَاءَ كما أَمَرَ اللَّهُ عز وجل قبل الْقِتَالِ وَأَمَرَ اللَّهُ عز وجل بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ وَهِيَ مُسَمَّاةٌ بِاسْمِ الْإِيمَانِ حتى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ لم يَكُنْ لِأَحَدٍ قِتَالُهَا لِأَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا أَذِنَ في قِتَالِهَا في مُدَّةِ الِامْتِنَاعِ بِالْبَغْيِ إلَى أَنْ تَفِيءَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالْفَيْءُ الرَّجْعَةُ عن الْقِتَالِ بِالْهَزِيمَةِ أو التَّوْبَةِ وَغَيْرِهَا وَأَيُّ حَالٍ تَرَكَ بها الْقِتَالَ فَقَدْ فَاءَ وَالْفَيْءُ بِالرُّجُوعِ عن الْقِتَالِ الرُّجُوعُ عن مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ذَكَرَهُ إلَى طَاعَتِهِ في الْكَفِّ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عز وجل قال وقال أبو ذُؤَيْبٍ يُعَيِّرُ نَفَرًا من قَوْمِهِ انْهَزَمُوا عن رَجُلٍ من أَهْلِهِ في وَقْعَةٍ فَقُتِلَ % لَا يَنْسَأُ اللَّهُ مِنَّا مَعْشَرًا شَهِدُوا * % يوم الْأُمَيْلِحِ لَا غَابُوا وَلَا جُرِحُوا % عَقُّوا بِسَهْمٍ فلم يَشْعُرْ بِهِ أَحَدٌ * % ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا حَبَّذَا الْوَضَحُ % ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إنْ فَاءُوا أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ولم يذكر تِبَاعَةً في دَمٍ وَلَا مَالٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الصُّلْحَ آخِرًا كما ذَكَرَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمْ أَوَّلًا قبل الْإِذْنِ بِقِتَالِهِمْ فَأَشْبَهَ هذا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ تَكُونَ التِّبَاعَاتُ في الْجِرَاحِ وَالدِّمَاءِ وما فَاتَ من الْأَمْوَالِ سَاقِطَةً بَيْنَهُمْ قال وقد يَحْتَمِلُ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل { فَإِنْ فَاءَتْ فَأُصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ } أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُمْ بِالْحُكْمِ إذَا كَانُوا قد فَعَلُوا ما فيه حُكْمٌ فَيُعْطِي بَعْضَهُمْ من بَعْضٍ ما وَجَبَ له لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { بِالْعَدْلِ } والعدل أَخَذَ الْحَقَّ لِبَعْضِ الناس من بَعْضٍ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَإِنَّمَا ذَهَبْنَا إلَى أَنَّ الْقَوَدَ سَاقِطٌ وَالْآيَةُ تَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا مُطَرِّفُ بن مَازِنٍ عن مَعْمَرِ بن رَاشِدٍ عن الزُّهْرِيِّ قال أَدْرَكَتْ الْفِتْنَةَ الْأُولَى أَصْحَابُ رسول اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكَانَتْ فيها دِمَاءٌ وَأَمْوَالٌ فلم يُقْتَصَّ فيها من دَمٍ وَلَا مَالٍ وَلَا قُرْحٍ أُصِيبَ بِوَجْهِ التَّأْوِيلِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ مَالُ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَيُدْفَعَ إلَى صَاحِبِهِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَهَذَا كما قال الزُّهْرِيُّ عِنْدَنَا قد كانت في تِلْكَ الْفِتْنَةِ دِمَاءٌ يُعْرَفُ في بَعْضِهَا الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ وَأُتْلِفَتْ فيها أَمْوَالٌ ثُمَّ صَارَ الناس إلَى أَنْ سَكَنَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَجَرَى الْحُكْمُ عليهم فما عَلِمْته اقْتَصَّ أَحَدٌ من أَحَدٍ وَلَا غَرِمَ له مَالًا أَتْلَفَهُ وَلَا عَلِمْتُ الناس اخْتَلَفُوا في أَنْ ما حَوَوْا في الْبَغْيِ من مَالٍ فَوُجِدَ بِعَيْنِهِ فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ
____________________
1- * كِتَابُ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَهْلِ الرِّدَّةِ

(4/214)


عن الزُّهْرِيِّ عن طَلْحَةَ بن عبد اللَّهِ بن عَوْفٍ عن سَعِيدِ بن زَيْدِ بن عَمْرِو بن نُفَيْلٍ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ( من قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَسُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم تَدُلُّ على أَنَّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَمْنَعَ مَالَهُ وإذا مَنَعَهُ بِالْقِتَالِ دُونَهُ فَهُوَ إحْلَالٌ لِلْقِتَالِ وَالْقِتَالُ سَبَبُ الْإِتْلَافِ لِمَنْ يُقَاتِلُ في النَّفْسِ وما دُونَهَا قال وَلَا يَحْتَمِلُ قَوْلُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( من قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ) إلَّا أَنْ يُقَاتِلَ دُونَهُ وَلَوْ ذَهَبَ رَجُلٌ إلَى أَنْ يَحْمِلَ هذا الْقَوْلَ على أَنْ يُقْتَلَ وَيُؤْخَذَ مَالُهُ كان اللَّفْظُ في الحديث من قُتِلَ وَأُخِذَ مَالُهُ أو قُتِلَ لِيُؤْخَذَ مَالُهُ وَلَا يُقَالُ له قُتِلَ دُونَ مَالِهِ وَمَنْ قُتِلَ بِلَا أَنْ يُقَاتِلَ فَلَا يَشُكُّ أَحَدٌ أَنَّهُ شَهِيدٌ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَأَهْلُ الرِّدَّةِ بَعْدَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ضَرْبَانِ منهم قَوْمٌ كفروا ( ( ( أغروا ) ) ) بَعْدَ الْإِسْلَامِ مِثْلُ طُلَيْحَةَ وَمُسَيْلِمَةَ وَالْعَنْسِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ وَمِنْهُمْ قَوْمٌ تَمَسَّكُوا بِالْإِسْلَامِ وَمَنَعُوا الصَّدَقَاتِ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على ذلك وَالْعَامَّةُ تَقُولُ لهم أَهْلَ الرِّدَّةِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ فَالرِّدَّةُ الِارْتِدَادُ عَمَّا كَانُوا عليه بِالْكُفْرِ وَالِارْتِدَادُ بمنع ( ( ( يمنع ) ) ) الْحَقَّ قال وَمَنْ رَجَعَ عن شَيْءٍ جَازَ أَنْ يُقَالَ ارْتَدَّ عن كَذَا وَقَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ أَلَيْسَ قد قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فإذا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ على اللَّهِ ) في قَوْلِ أبي بَكْرٍ ( هذا من حَقِّهَا لو مَنَعُونِي عَنَاقًا مِمَّا اعطوا رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عليه ) مَعْرِفَةٌ مِنْهُمَا مَعًا بِأَنَّ مِمَّنْ قَاتَلُوا من هو علي التَّمَسُّكِ بِالْإِيمَانِ وَلَوْلَا ذلك ما شَكَّ عُمَرُ في قِتَالِهِمْ وَلَقَالَ أبو بَكْرٍ قد تَرَكُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَصَارُوا مُشْرِكِينَ وَذَلِكَ بَيِّنٌ في مُخَاطَبَتِهِمْ جُيُوشَ أبي بَكْرٍ وَأَشْعَارِ من قال الشِّعْرَ منهم وَمُخَاطَبَتِهِمْ لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ الْإِسَارِ فقال شَاعِرُهُمْ % أَلَا أصبحينا ( ( ( أصبحنا ) ) ) قبل نَائِرَةِ الْفَجْرِ * % لَعَلَّ مَنَايَانَا قَرِيبٌ وما نَدْرِي % أَطَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ما كان وَسَطَنَا * % فَيَا عَجَبًا ما بَالُ مِلْكِ أبي بَكْرٍ % فإن الذي يسألكمو فَمَنَعْتُمْ * % لَكَالتَّمْرِ أو أَحْلَى إلَيْهِمْ من التَّمْرِ % سَنَمْنَعُهُمْ ما كان فِينَا بَقِيَّةٌ * % كِرَامٌ على الْعَزَاءِ في سَاعَةِ الْعُسْرِ % وَقَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ بَعْدَ الْإِسَارِ ما كَفَرْنَا بَعْدَ إيمَانِنَا وَلَكِنْ شَحِحْنَا على أَمْوَالِنَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَقَوْلُ أبي بَكْرٍ لَا تُفَرِّقُوا بين ما جَمَعَ اللَّهُ يَعْنِي فِيمَا أَرَى وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنَّهُ مُجَاهِدُهُمْ على الصَّلَاةِ وَأَنَّ الزَّكَاةَ مِثْلُهَا وَلَعَلَّ مَذْهَبَهُ فيه أَنَّ اللَّهَ عز وجل يقول { وما أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ له الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ } وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عليهم شَهَادَةَ الْحَقِّ وَالصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَأَنَّهُ مَتَى مَنَعَ فَرْضًا قد لَزِمَهُ لم يُتْرَكْ وَمَنْعَهُ حتى يُؤَدِّيَهُ أو يُقْتَلَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَسَارَ إلَيْهِمْ أبو بَكْرٍ بِنَفْسِهِ حتى لَقِيَ أَخَا بَنِي بَدْرٍ الْفَزَارِيّ فَقَاتَلَهُ معه عُمَرُ وَعَامَّةُ أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ أَمْضَى أبو بَكْرٍ خَالِدَ بن الْوَلِيدِ في قِتَالِ من ارْتَدَّ وَمَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ مَعًا فَقَاتَلَهُمْ بِعَوَامَّ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال فَفِي هذا الدَّلِيلُ على أَنْ من مَنَعَ ما فَرَضَ اللَّهُ عز وجل عليه فلم يَقْدِرْ الْإِمَامُ على أَخْذِهِ منه بِامْتِنَاعِهِ قَاتَلَهُ وَإِنْ أنى ( ( ( أتى ) ) ) الْقِتَالُ على نَفْسِهِ وفي هذا الْمَعْنَى كُلُّ حَقٍّ لِرَجُلٍ على رَجُلٍ مَنَعَهُ قال فإذا امْتَنَعَ رَجُلٌ من تَأْدِيَةِ حَقٍّ وَجَبَ عليه وَالسُّلْطَانُ يَقْدِرُ على أَخْذِهِ منه أَخَذَهُ ولم يَقْتُلْهُ وَذَلِكَ أَنْ يَقْتُلَ فَيَقْتُلَهُ أو يَسْرِقَ فَيَقْطَعَهُ أو يَمْنَعَ أَدَاءَ دَيْنٍ فَيُبَاعَ فيه مَالُهُ أو زَكَاةٍ فَتُؤْخَذَ منه فَإِنْ امْتَنَعَ دُونَ هذا أو شَيْءٍ منه بِجَمَاعَةٍ وكان إذَا قِيلَ له أَدِّ هذا قال لَا أُؤَدِّيه وَلَا أَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ إلَّا أَنْ تُقَاتِلُونِي قُوتِلَ عليه لِأَنَّ هذا إنَّمَا يُقَاتِلُ على ما مَنَعَ من حَقٍّ لَزِمَهُ وَهَكَذَا من مَنَعَ الصَّدَقَةَ مِمَّنْ نُسِبَ إلَى الرِّدَّةِ فَقَاتَلَهُمْ أبو بَكْرٍ بِأَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَمَانِعُ
____________________

(4/215)


الصَّدَقَةِ مُمْتَنِعٌ بِحَقٍّ نَاصِبٍ دُونَهُ فإذا لم يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في قِتَالِهِ فَالْبَاغِي يُقَاتِلُ الْإِمَامَ الْعَادِلَ في مِثْلِ هذا الْمَعْنَى في أَنَّهُ لَا يُعْطِي الْإِمَامَ الْعَادِلَ حَقًّا إذَا وَجَبَ عليه وَيَمْتَنِعُ من حُكْمِهِ وَيَزِيدُ على مَانِعِ الصَّدَقَةِ أَنْ يُرِيدَ أَنْ يَحْكُمَ هو على الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَيُقَاتِلَهُ فَيَحِلَّ قِتَالُهُ بِإِرَادَتِهِ قتال ( ( ( قتاله ) ) ) الْإِمَامَ قال وقد قَاتَلَ أَهْلُ الِامْتِنَاعِ بِالصَّدَقَةِ وَقُتِلُوا ثُمَّ قُهِرُوا فلم يُقِدْ منهم أَحَدًا من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَكِلَا هَذَيْنِ مُتَأَوِّلٌ أَمَّا أَهْلُ الِامْتِنَاعِ فَقَالُوا قد فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤَدِّيَهَا إلَى رَسُولِهِ كَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى قَوْلِ اللَّهِ عز وجل لِرَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم خُذْ من أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَقَالُوا لَا نَعْلَمُهُ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُؤَدِّيَهَا إلَى غَيْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم واما أَهْلُ الْبَغْيِ فَشَهِدُوا على من بَغَوْا عليه بِالضَّلَالِ وَرَأَوْا أَنَّ جِهَادَهُ حَقٌّ فلم يَكُنْ على وَاحِدٍ من الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَ تقضى الْحَرْبِ قِصَاصٌ عِنْدَنَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا وَاحِدًا قُتِلَ على التَّأْوِيلِ أو جَمَاعَةً غير مُمْتَنِعِينَ ثُمَّ كانت لهم بَعْدَ ذلك جَمَاعَةٌ مُمْتَنِعُونَ أو لم تَكُنْ كان عليهم الْقِصَاصُ في الْقَتْلِ وَالْجِرَاحِ وَغَيْرِ ذلك كما يَكُونُ على غَيْرِ الْمُتَأَوِّلِينَ فقال لي قَائِلٌ فَلِمَ قُلْت في الطَّائِفَةِ الْمُمْتَنِعَةِ الناصبة ( ( ( الغاصبة ) ) ) الْمُتَأَوِّلَةِ تَقْتُلُ وَتُصِيبُ الْمَالَ أُزِيلُ عنها الْقِصَاصِ وَغُرْمَ الْمَالَ إذَا تَلِفَ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا تَأَوَّلَ فَقَتَلَ أو أَتْلَفَ مَالًا اقْتَصَصْت منه وَأَغْرَمْته الْمَالَ فَقُلْت له وَجَدْت اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يقول { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ في الْقَتْلِ } وقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فِيمَا يُحِلُّ دَمَ مُسْلِمٍ ( أو قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ) وروى عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( من اعْتَبَطَ مُسْلِمًا بِقَتْلٍ فَهُوَ قَوَدُ يَدِهِ ) وَوَجَدْت اللَّهَ تَعَالَى قال { وَإِنْ طَائِفَتَانِ من الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا على الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } فذكر اللَّهُ عز وجل قِتَالَهُمْ ولم يذكر الْقِصَاصَ بَيْنَهُمَا فَأَثْبَتْنَا الْقِصَاصَ بين الْمُسْلِمِينَ على ما حَكَمَ اللَّهُ عز وجل في الْقِصَاصِ وَأَزَلْنَاهُ في الْمُتَأَوِّلِينَ الممتنعين ( ( ( الممتغين ) ) ) وَرَأَيْنَا أَنَّ الْمَعْنَى بِالْقِصَاصِ من الْمُسْلِمِينَ هو من لم يَكُنْ مُمْتَنِعًا مُتَأَوِّلًا فَأَمْضَيْنَا الْحُكْمَيْنِ على ما أَمْضَيَا عليه وَقُلْت له عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ ولى قِتَالَ الْمُتَأَوِّلِينَ فلم يَقْصُصْ من دَمٍ وَلَا مَالٍ أُصِيبَ في التَّأْوِيلِ وَقَتَلَهُ بن مُلْجِمٍ مُتَأَوِّلًا فَأَمَرَ بِحَبْسِهِ وقال لِوَلَدِهِ إنْ قَتَلْتُمْ فَلَا تُمَثِّلُوا وَرَأَى له الْقَتْلَ وَقَتَلَهُ الْحَسَنُ بن عَلِيٍّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنهما وفي الناس بَقِيَّةٌ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَنْكَرَ قَتْلَهُ وَلَا عَابَهُ وَلَا خَالَفَهُ في أَنْ يُقْتَلَ إذْ لم يَكُنْ له جَمَاعَةٌ يَمْتَنِعُ بِمِثْلِهَا ولم يُقِدْ عَلِيٌّ وأبو بَكْرٍ قَبْلَهُ ولى من قَتَلَتْهُ الْجَمَاعَةُ الْمُمْتَنِعُ بِمِثْلِهَا على التَّأْوِيلِ كما وَصَفْنَا وَلَا على الْكُفْرِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَالْآيَةُ تَدُلُّ على أَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُهُمْ في حَالٍ وَلَيْسَ في ذلك إبَاحَةُ أَمْوَالِهِمْ وَلَا شَيْءٍ منها وَأَمَّا قُطَّاعُ الطَّرِيقِ وَمَنْ قَتَلَ على غَيْرِ تَأْوِيلٍ فَسَوَاءٌ جَمَاعَةً كَانُوا أو وُحْدَانًا يَقْتُلُونَ حَدًّا وَبِالْقِصَاصِ بِحُكْمِ اللَّهِ عز وجل في الْقَتَلَةِ وفي الْمُحَارَبِينَ - * بَابُ السِّيرَةِ في أَهْلِ الْبَغْيِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى روى عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه عن جَدِّهِ عَلِيِّ بن الْحُسَيْنِ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنهما قال دَخَلْت على مَرْوَانَ بن الْحَكَمِ فقال ما رَأَيْت أَحَدًا أَكْرَمَ غَلَبَةً من أَبِيك ما هو إلَّا أَنْ وَلِيَنَا يوم الْجَمَلِ فَنَادَى مُنَادِيهِ ( لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ وَلَا يَذْفِفْ على جَرِيحٍ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَذَكَرْت هذا الحديث لِلدَّرَاوَرْدِيِّ فقال ما أَحْفَظُهُ يُرِيدُ يَعْجَبُ بِحِفْظِهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ جَعْفَرٌ بهذا الْإِسْنَادِ * قال الدَّرَاوَرْدِيُّ أخبرنا جَعْفَرٌ عن أبيه أَنَّ عَلِيًّا رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه كان لَا يَأْخُذُ سَلَبًا وَأَنَّهُ كان يُبَاشِرُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ كان لَا يَذْفِفْ على جَرِيحٍ وَلَا يَقْتُلُ مُدْبِرًا
____________________

(4/216)


( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن مُحَمَّدٍ عن جَعْفَرِ بن مُحَمَّدٍ عن أبيه أَنَّ عَلِيًّا رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه قال في بن مُلْجِمٍ بَعْدَ ما ضَرَبَهُ ( أَطْعِمُوهُ وَاسْقُوهُ وَأَحْسِنُوا إسَارَهُ إنْ عِشْت فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي أَعْفُو إنْ شِئْت وَإِنْ شِئْت اسْتَقَدْت وَإِنْ مِتُّ فَقَتَلْتُمُوهُ فَلَا تُمَثِّلُوا ) - * بَابُ الْحَالِ التي لَا يَحِلُّ فيها دِمَاءُ أَهْلِ الْبَغْيِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا أَظْهَرُوا رَأْيَ الْخَوَارِجِ وَتَجَنَّبُوا جَمَاعَاتِ الناس وَكَفَّرُوهُمْ لم يَحْلِلْ بِذَلِكَ قِتَالُهُمْ لِأَنَّهُمْ على حُرْمَةِ الْإِيمَانِ لم يَصِيرُوا إلَى الْحَالِ التي أَمَرَ اللَّهُ عز وجل وجل بِقِتَالِهِمْ فيها بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيًّا رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه بينا ( ( ( بينما ) ) ) هو يَخْطُبُ إذْ سمع تَحْكِيمًا من نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ( لَا حَكَمَ إلَّا لله ( ( ( الله ) ) ) عز وجل ) فقال عَلِيٌّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه ( كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بها بَاطِلٌ لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ لَا نَمْنَعَكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فيها اسْمَ اللَّهِ وَلَا نَمْنَعُكُمْ الْفَيْءَ ما كانت أَيْدِيكُمْ مع أَيْدِينَا وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ ) ( قال الشافعى ) رَحِمَهُ اللَّهُ أخبرنا عبد الرحمن بن الْحَسَنِ بن الْقَاسِمِ الْأَزْرَقِيُّ الْغَسَّانِيُّ عن أبيه أَنَّ عَدِيًّا كَتَبَ لِعُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ أَنَّ الْخَوَارِجَ عِنْدَنَا يَسُبُّونَك فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بن عبد الْعَزِيزِ ( إنْ سَبُّونِي فَسُبُّوهُمْ أو اُعْفُوَا عَنْهُمْ وَإِنْ أَشْهَرُوا السِّلَاحَ فَأَشْهِرُوا عليهم وَإِنْ ضَرَبُوا فَاضْرِبُوهُمْ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبِهَذَا كُلِّهِ نَقُولُ وَلَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ بِطَعْنِهِمْ دِمَاؤُهُمْ وَلَا أَنْ يُمْنَعُوا الْفَيْءَ ما جَرَى عليهم حُكْمُ الْإِسْلَامِ وَكَانُوا أُسْوَتَهُمْ في جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَلَا يُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَسَاجِدِ وَالْأَسْوَاقِ قال وَلَوْ شَهِدُوا شَهَادَةَ الْحَقِّ وَهُمْ مُظْهِرُونَ لِهَذَا قبل الِاعْتِقَادِ أو بَعْدَهُ وَكَانَتْ حَالُهُمْ في الْعَفَافِ وَالْعُقُولُ حَسَنَةٌ انبغى ( ( ( البغي ) ) ) لِلْقَاضِي أَنْ يُحْصِيَهُمْ بِأَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ فَإِنْ كَانُوا يَسْتَحِلُّونَ في مَذَاهِبِهِمْ أَنْ يَشْهَدُوا لِمَنْ يَذْهَبُ مَذْهَبَهُمْ بِتَصْدِيقِهِ على ما لم يَسْمَعُوا ولم يُعَايِنُوا أو يَسْتَحِلُّوا أَنْ يَنَالُوا من أَمْوَالِ من خَالَفَهُمْ أو أَبْدَانِهِمْ شيئا يَجْعَلُونَ الشَّهَادَةَ بِالْبَاطِلِ ذَرِيعَةً إلَيْهِ لم تَجُزْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ كَانُوا لَا يَسْتَحِلُّونَ ذلك جَازَتْ شَهَادَتُهُمْ وَهَكَذَا من بَغَى من أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ فِيمَا يَجِبُ لهم وَعَلَيْهِمْ من أَخْذِ الْحَقَّ وَالْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ وَلَوْ أَصَابُوا في هذه الْحَالِ حَدًّا لِلَّهِ عز وجل أو لِلنَّاسِ دَمًا أو غَيْرَهُ ثُمَّ اعْتَقَدُوا وَنَصَبُوا إمَامًا وَامْتَنَعُوا ثُمَّ سَأَلُوا أَنْ يُؤْمِنُوا على أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُمْ ما أَصَابُوا قبل أَنْ يَعْتَقِدُوا أو شَيْءٌ منه لم يَكُنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُسْقِطَ عَنْهُمْ منه شيئا لِلَّهِ عز ذِكْرُهُ وَلَا لِلنَّاسِ وكان عليه أَخْذُهُمْ بِهِ كما يَكُونُ عليه أَخْذُ من أَحْدَثَ حَدًّا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أو لِلنَّاسِ ثُمَّ هَرَبَ ولم يَتَأَوَّلْ وَيَمْتَنِعُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا في مِصْرٍ أو صَحْرَاءَ فَسَفَكُوا الدِّمَاءَ وَأَخَذُوا الْأَمْوَالَ كان حُكْمُهُمْ كَحُكْمِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَسَوَاءٌ الْمُكَابَرَةُ في الْمِصْرِ أو الصَّحْرَاءِ وَلَوْ افْتَرَقَا كانت الْمُكَابَرَةُ في الْمِصْرِ أَعْظَمَهُمَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَكَذَلِكَ لو أَنَّ قَوْمًا كَابَرُوا فَقَتَلُوا ولم يَأْخُذُوا مَالًا أُقِيمَ عليهم الْحَقُّ في جَمِيعِ ما أَخَذُوا وَكَذَلِكَ لو امْتَنَعُوا فَأَصَابُوا دَمًا وَأَمْوَالًا على غَيْرِ التَّأْوِيلِ ثُمَّ قَدَرَ عليهم أَخَذَ منهم الْحَقَّ في الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَكُلِّ ما أَتَوْا من حَدٍّ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا مُتَأَوِّلِينَ كَثِيرًا كَانُوا أو قَلِيلًا اعْتَزَلُوا جَمَاعَةَ الناس فَكَانَ عليهم وَالٍ لِأَهْلِ الْعَدْلِ يُجْرِي حُكْمَهُ فَقَتَلُوهُ وَغَيْرَهُ قبل أَنْ يَنْصِبُوا إمَامًا وَيَعْتَقِدُوا وَيُظْهِرُوا حُكْمًا مُخَالِفًا لِحُكْمِهِ كان عليهم في ذلك الْقِصَاصُ وَهَكَذَا كان شَأْنُ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا عَلِيًّا رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه وَنَقَمُوا عليه الْحُكُومَةَ فَقَالُوا لَا نُسَاكِنُك في بَلَدٍ فَاسْتَعْمَلَ عليهم عَامِلًا فَسَمِعُوا له ما شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ قَتَلُوهُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ أَنْ ادْفَعُوا إلَيْنَا قَاتِلَهُ نَقْتُلْهُ بِهِ قالوا كُلُّنَا قَاتِلُهُ قال فَاسْتَسْلِمُوا نَحْكُمُ عَلَيْكُمْ قالوا لَا فَسَارَ إلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَأَصَابَ أَكْثَرَهُمْ قال وَكُلُّ ما أَصَابُوهُ في هذه الْحَالِ من حَدٍّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أو لِلنَّاسِ أُقِيمَ عليهم مَتَى قَدَرَ عليهم
____________________

(4/217)


وَلَيْسَ عليهم في هذه الْحَالِ أَنْ يَبْدَءُوا بِقِتَالٍ حتى يَمْتَنِعُوا من الْحُكْمِ وَيَنْتَصِبُوا قال وَهَكَذَا لو خَرَجَ رَجُلٌ أو رَجُلَانِ أو نَفَرٌ يَسِيرٌ قَلِيلُو الْعَدَدِ يُعْرَفُ أَنَّ مِثْلَهُمْ لَا يَمْتَنِعُ إذَا أُرِيدَ فَأَظْهَرُوا رَأْيَهُمْ وَنَابَذُوا إمَامَهُمْ الْعَادِلَ وَقَالُوا نَمْتَنِعُ من الْحُكْمِ فَأَصَابُوا دَمًا وَأَمْوَالًا وَحُدُودًا في هذه الْحَالِ مُتَأَوِّلِينَ ثُمَّ ظَهَرَ عليهم أُقِيمَتْ عليهم الْحُدُودُ وَأُخِذَتْ منهم الْحُقُوقُ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلنَّاسِ في كل شَيْءٍ كما يُؤْخَذُ من غَيْرِ الْمُتَأَوِّلِينَ فَإِنْ كانت لِأَهْلِ الْبَغْيِ جَمَاعَةٌ تَكْثُرُ وَيَمْتَنِعُ مِثْلُهَا بِمَوْضِعِهَا الذي هِيَ بِهِ بَعْضُ الِامْتِنَاعِ حتى يُعْرَفَ أَنَّ مِثْلَهَا لَا يُنَالُ حتى تَكْثُرَ نِكَايَتُهُ وَاعْتَقَدَتْ وَنَصَبُوا إمَامًا وَأَظْهَرُوا حُكْمًا وَامْتَنَعُوا من حُكْمِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ فَهَذِهِ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ التي تُفَارِقُ حُكْمَ من ذَكَرْنَا قَبْلَهَا فَيَنْبَغِي إذَا فَعَلُوا هذا أَنْ نَسْأَلَهُمْ ما نَقَمُوا فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً بَيِّنَةً رُدَّتْ فَإِنْ لم يَذْكُرُوهَا بَيِّنَةً قِيلَ لهم عُودُوا لِمَا فَارَقْتُمْ من طَاعَةِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ وَأَنْ تَكُونَ كَلِمَتُكُمْ وَكَلِمَةُ أَهْلِ دِينِ اللَّهِ على الْمُشْرِكِينَ وَاحِدَةً وَأَنْ لَا تَمْتَنِعُوا من الْحُكْمِ فَإِنْ فَعَلُوا قُبِلَ منهم وَإِنْ امْتَنَعُوا قِيلَ إنَّا مُؤْذِنُوكُمْ بِحَرْبٍ فَإِنْ لم يُجِيبُوا قُوتِلُوا وَلَا يُقَاتَلُونَ حتى يُدْعَوْا وَيُنَاظَرُوا إلَّا أَنْ يَمْتَنِعُوا من الْمُنَاظَرَةِ فَيُقَاتَلُوا قال وإذا امْتَنَعُوا من الْإِجَابَةِ وَحُكِمَ عليهم بِحُكْمٍ فلم يُسَلِّمُوا أو حَلَّتْ عليهم صَدَقَةٌ فَمَنَعُوهَا وَحَالُوا دُونَهَا وَقَالُوا لَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ قُوتِلُوا حتى يُقِرُّوا بِالْحُكْمِ وَيَعُودُوا لِمَا امْتَنَعُوا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وما أَصَابُوا في هذه الْحَالِ على وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا ما أَصَابُوا من دَمٍ وَمَالٍ وَفَرْجٍ على التَّأْوِيلِ ثُمَّ ظَهَرَ عليهم بَعْدُ لم يَقُمْ عليهم منه شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُوجَدَ مَالُ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ فَيُؤْخَذَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي ما أَصَابُوا على غَيْرِ وَجْهِ التَّأْوِيلِ من حَدٍّ لِلَّهِ تَعَالَى أو لِلنَّاسِ ثُمَّ ظَهَرَ عليهم رَأَيْت أَنْ يُقَامَ عليهم كما يُقَامُ على غَيْرِهِمْ مِمَّنْ هَرَبَ من حَدٍّ أو أَصَابَهُ وهو في بِلَادٍ لَا وَالِيَ لها ثُمَّ جاء لها وَالٍ وَهَكَذَا غَيْرُهُمْ من أَهْلِ دَارٍ غَلَبُوا الْإِمَامَ عليها فَصَارَ لَا يَجْرِي له بها حُكْمٌ فَمَتَى قَدَرَ عليهم أُقِيمَتْ عليهم تِلْكَ الْحُدُودُ ولم يَسْقُطْ عَنْهُمْ ما أَصَابُوا بِالِامْتِنَاعِ وَلَا يَمْنَعُ الِامْتِنَاعُ حَقًّا يُقَامُ إنَّمَا يَمْنَعُهُ التَّأْوِيلُ وَالِامْتِنَاعُ مَعًا فَإِنْ قال قَائِلٌ فَأَنْتَ تُسْقِطُ ما أَصَابَ الْمُشْرِكُونَ من أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا أَسْلَمُوا ( 1 ) فَكَذَلِكَ أُسْقِطَ عن حَرْبِيٍّ لو قَتَلَ مُسْلِمًا مُنْفَرِدًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَأَقْتُلُ الْحَرْبِيَّ بَدِيئًا من غَيْرِ أَنْ يَقْتُلَ أَحَدًا وَلَيْسَ هذا الْحُكْمُ في الْمُتَأَوِّلِ في وَاحِدٍ من الْوَجْهَيْنِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فإذا دعى أَهْلُ الْبَغْيِ فَامْتَنَعُوا من الْإِجَابَةِ فَقُوتِلُوا فَالسِّيرَةُ فِيهِمْ مُخَالِفَةٌ لِلسِّيرَةِ في أَهْلِ الشِّرْكِ وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عز وجل حَرَّمَ ثُمَّ رَسُولَهُ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ رَسُولُهُ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَإِنَّمَا أُبِيحَ قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ ما كَانُوا يُقَاتِلُونَ وَهُمْ لَا يَكُونُونَ مُقَاتِلِينَ أَبَدًا إلَّا مُقْبِلِينَ مُمْتَنِعِينَ مَرِيدِينَ فَمَتَى زَايَلُوا هذه الْمَعَانِي فَقَدْ خَرَجُوا من الْحَالِ التي أُبِيحَ بها قِتَالُهُمْ وَهُمْ لَا يَخْرُجُونَ منها أَبَدًا إلَّا إلَى أَنْ تَكُونَ دِمَاؤُهُمْ مُحَرَّمَةً كَهِيَ قَبْلُ يُحْدِثُونَ وَذَلِكَ بَيِّنٌ عِنْدِي في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ولم يَسْتَثْنِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى في الْفَيْئَةِ فَسَوَاءٌ كان لِلَّذِي فَاءَ فِئَةٌ أو لم تَكُنْ له فِئَةٌ فَمَتَى فَاءَ وَالْفَيْئَةُ الرُّجُوعُ حُرِّمَ دَمُهُ وَلَا يُقْتَلُ منهم مُدْبِرٌ أَبَدًا وَلَا أَسِيرٌ وَلَا جَرِيحٌ بِحَالٍ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قد صَارُوا في غَيْرِ الْمَعْنَى الذي حَلَّتْ بِهِ دِمَاؤُهُمْ وَكَذَلِكَ لَا يُسْتَمْتَعُ من أَمْوَالِهِمْ بِدَابَّةٍ تُرْكَبُ وَلَا مَتَاعٍ وَلَا سِلَاحٍ يُقَاتَلُ بِهِ في حَرْبِهِمْ وَإِنْ كانت قَائِمَةً وَلَا بَعْدَ تَقَضِّيهَا وَلَا غَيْرِ ذلك من أَمْوَالِهِمْ وما صَارَ إلَيْهِمْ من دَابَّةٍ فَحَبَسُوهَا أو سِلَاحٍ فَعَلَيْهِمْ رَدُّهُ عليهم وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمْوَالَ في الْقِتَالِ إنَّمَا تَحِلُّ من أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ يَتَخَوَّلُونَ إذَا قَدَرَ عليهم فَأَمَّا من أَسْلَمَ فَحُدَّ في قَطْعِ الطَّرِيقِ وَالزِّنَا وَالْقَتْلِ فَهُوَ لَا يُؤْخَذُ مَالُهُ فَهُوَ إذَا
____________________

(4/218)


قُوتِلَ في الْبَغْيِ كان أَخَفَّ حَالًا لِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ عن الْقِتَالِ لم يُقْتَلْ فَلَا يُسْتَمْتَعُ من مَالِهِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ على مَالِهِ بِدَلَالَةٍ تُوجِبُ في مَالِهِ شيئا قال وَمَتَى أَلْقَى أَهْلُ الْبَغْيِ السِّلَاحَ لم يُقَاتَلُوا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا قَاتَلَتْ الْمَرْأَةُ أو الْعَبْدُ مع أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْغُلَامُ الْمُرَاهِقُ فَهُمْ مِثْلُهُمْ يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ وَيُتْرَكُونَ مُوَلِّينَ قال وَيَخْتَلِفُونَ في الْأُسَارَى فَلَوْ أُسِرَ الْبَالِغُ من الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ فَحُبِسَ لِيُبَايِعَ رَجَوْت أَنْ يَسَعَ وَلَا يُحْبَسَ مَمْلُوكٌ وَلَا غَيْرُ بَالِغٍ من الْأَحْرَارِ وَلَا امْرَأَةٌ لِتُبَايِعَ وَإِنَّمَا يُبَايِعُ النِّسَاءُ على الْإِسْلَامِ فَأَمَّا على الطَّاعَةِ فَهُنَّ لَا جِهَادَ عَلَيْهِنَّ وَكَيْفَ يُبَايِعْنَ وَالْبَيْعَةُ على الْمُسْلِمِينَ الْمَوْلُودِينَ في الْإِسْلَامِ إنَّمَا هِيَ على الْجِهَادِ وَأَمَّا إذَا انْقَضَتْ الْحَرْبُ فَلَا أَرَى أَنْ يُحْبَسَ أَسِيرُهُمْ وَلَوْ قال أَهْلُ الْبَغْيِ أَنْظِرُونَا نَنْظُرْ في أَمْرِنَا لم أَرَ بَأْسًا أَنْ يُنْظَرُوا قال وَلَوْ قالوا أَنْظِرُونَا مُدَّةً رَأَيْت أَنْ يَجْتَهِدَ الْإِمَامُ فيه فَإِنْ كان يَرْجُو فَيْئَتَهُمْ أَحْبَبْت الِاسْتِينَاءُ بِهِمْ وَإِنْ لم يَرْجُ ذلك فله جِهَادَهُمْ وَإِنْ كان يَخَافُ على الْفِئَةِ الْعَادِلَةِ الضَّعْفَ عَنْهُمْ رَجَوْتُ تَأْخِيرَهُمْ إلَى أَنْ يَرْجِعُوا أو تُمْكِنُهُ الْقُوَّةُ عليهم ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ سَأَلُوا أَنْ يُتْرَكُوا بِجُعْلٍ يُؤْخَذُ منهم لم يَنْبَغِ أَنْ يُؤْخَذَ من مُسْلِمٍ جَعْلٌ على تَرْكِ حَقٍّ قَبِلَهُ وَلَا يَتْرُكُ جِهَادَهُ لِيَرْجِعَ إلَى حَقٍّ مَنَعَهُ أو عن بَاطِلٍ رَكِبَهُ وَالْأَخْذُ منهم على هذا الْوَجْهِ في مَعْنَى الصَّغَارِ وَالذِّلَّةِ وَالصَّغَارُ لَا يَجْرِي على مُسْلِمٍ قال وَلَوْ سَأَلُوا أَنْ يُتْرَكُوا أَبَدًا مُمْتَنِعِينَ لم يَكُنْ ذلك لِلْإِمَامِ إذَا قوى على قِتَالِهِمْ وإذا تَحَصَّنُوا فَقَدْ قِيلَ يُقَاتَلُونَ بِالْمَجَانِيقِ وَالنِّيرَانِ وَغَيْرِهَا وَيَبِيتُونَ إنْ شَاءَ من يُقَاتِلُهُمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وأنا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَوَقَّى ذلك فِيهِمْ ما لم يَكُنْ بإلامام ضَرُورَةٌ إلَيْهِ وَالضَّرُورَةُ إلَيْهِ أَنْ يَكُونَ بِإِزَاءِ قَوْمٍ مُتَحَصِّنًا فَيَغْزُونَهُ أو يُحَرِّقُونَ عليه أو يَرْمُونَهُ بِمَجَانِيقَ أو عَرَّادَاتٍ أو يُحِيطُونَ بِهِ فَيَخَافُ الِاصْطِلَامَ على من معه فإذا كان هذا أو بَعْضُهُ رَجَوْت أَنْ يَسَعَهُ رَمْيُهُمْ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ دَفْعًا عن نَفْسِهِ أو مُعَاقَبَةً بِمِثْلِ ما فَعَلَ بِهِ قال وَلَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ عِنْدِي أَنْ يَسْتَعِينُوا على أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَحَدٍ من الْمُشْرِكِينَ ذِمِّيٍّ وَلَا حَرْبِيٍّ وَلَوْ كان حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ وَلَا أَجْعَلُ لِمَنْ خَالَفَ دِينَ اللَّهِ عز وجل الذَّرِيعَةَ إلَى قَتْلِ أَهْلِ دِينِ اللَّهِ قال وَلَا بَأْسَ إذَا كان حُكْمُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرُ أَنْ يُسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ على قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ وَنِيَامًا وَكَيْفَمَا قَدَرَ عليهم إذَا بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ وَأَهْلُ الْبَغْيِ إنَّمَا يَحِلُّ قِتَالُهُمْ دَفْعًا لهم عَمَّا أَرَادُوا من قِتَالٍ أو امْتِنَاعٍ من الْحُكْمِ فإذا فَارَقُوا تِلْكَ الْحَالَ حَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ قال وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ أَيْضًا بِأَحَدٍ يَسْتَحِلُّ قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ وَجَرْحَى وَأَسْرَى من الْمُسْلِمِينَ فَيُسَلِّطَ عليهم من يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْمَلَ فِيهِمْ بِخِلَافِ الْحَقِّ وَهَكَذَا من وَلِيَ شيئا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُوَلَّاهُ وهو يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِخِلَافِ الْحَقِّ فيه وَلَوْ كان الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَسْتَحِلُّونَ من أَهْلِ الْبَغْيِ ما وَصَفْت يُضْبَطُونَ بِقُوَّةِ الْإِمَامِ وَكَثْرَةِ من معه حتى لَا يَتَقَدَّمُوا على خِلَافِهِ وَإِنْ رَأَوْهُ حَقًّا لم أَرَ بَأْسًا أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِمْ على أَهْلِ الْبَغْيِ على هذا الْمَعْنَى إذَا لم يُوجَدْ غَيْرُهُمْ يَكْفِي كِفَايَتَهُمْ وَكَانُوا أَجْزَأَ في قِتَالِهِمْ من غَيْرِهِمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ تَفَرَّقَ أَهْلُ الْبَغْيِ فَنَصَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فَسَأَلَتْ الطَّائِفَتَانِ أو إحْدَاهُمَا إمَامَ أَهْلِ الْعَدْلِ مَعُونَتَهَا على الطَّائِفَةِ الْمُفَارِقَةِ لها بِلَا رُجُوعٍ إلَى جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ وَكَانَتْ بِالْإِمَامِ وَمَنْ معه قُوَّةٌ على الِامْتِنَاعِ منهم لو أَجْمَعُوا عليه لم أَرَ أَنْ يُعِينَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ على الْأُخْرَى وَذَلِكَ أَنَّ قِتَالَ إحْدَاهُمَا ليس بِأَوْجَبَ من قِتَالِ الْأُخْرَى وَأَنَّ قِتَالَهُ مع إحْدَاهُمَا كَالْأَمَانِ لِلَّتِي تُقَاتِلُ معه وَإِنْ كان الْإِمَامُ يَضْعُفُ فَذَلِكَ أَسْهَلُ في أَنْ يَجُوزَ مُعَاوَنَةُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ على الْأُخْرَى فَإِنْ انْقَضَى حَرْبُ الْإِمَامِ الْأُخْرَى لم يَكُنْ له جِهَادُ التي أَعَانَ حتى يَدْعُوَهَا وَيُعْذِرَ إلَيْهَا فَإِنْ امْتَنَعَتْ من الرُّجُوعِ نَبَذَ إلَيْهَا ثُمَّ جَاهَدَهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا من أَهْلِ الْعَدْلِ قَتَلَ رَجُلًا من أَهْلِ الْعَدْلِ في شُغْلِ الْحَرْبِ وَعَسْكَرِ أَهْلِ الْعَدْلِ فقال أَخْطَأْت بِهِ ظَنَنْته من أَهْلِ الْبَغْيِ أُحْلِفَ وَضَمِنَ دِيَتَهُ وَلَوْ قال عَمَدْته أُقِيدُ منه ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَكَذَلِكَ لو صَارَ إلَى أَهْلِ
____________________

(4/219)


الْعَدْلِ بَعْضُ أَهْلِ الْبَغْيِ تَائِبًا مُجَاهِدًا أَهْلَ الْبَغْيِ أو تَارِكًا لِلْحَرْبِ وَإِنْ لم يُجَاهِدْ أَهْلَ الْبَغْيِ فَقَتَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَدْلِ وقال قد عَرَفْته بِالْبَغْيِ وَكُنْت أَرَاهُ إنَّمَا صَارَ إلَيْنَا لِيَنَالَ من بَعْضِنَا غِرَّةً فَقَتَلْته أُحْلِفَ على ذلك وَضَمِنَ دِيَتَهُ وَإِنْ لم يَدَّعِ هذه الشُّبْهَةَ أُقِيدُ منه لِأَنَّهُ إذَا صَارَ إلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ رَجَعَ نَفَرٌ من أَهْلِ الْبَغْيِ عن رَأْيِهِمْ وَأَمَّنَهُمْ السُّلْطَانُ فَقَتَلَ رَجُلًا منهم رَجُلٌ فَادَّعَى مَعْرِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ من أَهْلِ الْبَغْيِ وَجَهَالَتُهُ بِأَمَانِ السُّلْطَانِ لهم وَرُجُوعُهُمْ عن رَأْيِهِمْ دُرِئَ عنه الْقَوَدُ وَأُلْزِمَ الدِّيَةَ بَعْدَ ما يَحْلِفُ على ما ادَّعَى من ذلك وَإِنْ أتى ذلك عَامِدًا أَقِيدَ بِمَا نَالَ من دَمٍ وَجُرْحٍ يُسْتَطَاعُ فيه الْقِصَاصُ وكان عليه الْأَرْشُ فِيمَا لَا يُسْتَطَاعُ فيه الْقِصَاصُ من الْجِرَاحِ قال وَلَوْ أَنَّ تُجَّارًا في عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ أو أَهْلِ مَدِينَةٍ غَلَبَ عليها أَهْلُ الْبَغْيِ أو أَسْرَى من الْمُسْلِمِينَ كَانُوا في أَيْدِيهِمْ وَكُلُّ هَؤُلَاءِ غَيْرُ دَاخِلٍ مع أَهْلِ الْبَغْيِ بِرَأْيٍ وَلَا مَعُونَةٍ قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أو أتى حَدًّا لِلَّهِ أو لِلنَّاسِ عَارِفًا بِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عليه ثُمَّ قَدَرَ على إقَامَتِهِ عليه أُقِيم عليه ذلك كُلُّهُ وَكَذَلِكَ لو كَانُوا في بِلَادِ الْحَرْبِ فَأَتَوْا ذلك عَالَمِينَ بِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ وَغَيْرَ مُكْرَهِينَ على إتْيَانِهِ أُقِيمَ عليهم كُلُّ حَدٍّ لِلَّهِ عز وجل وَلِلنَّاسِ وَكَذَلِكَ لو تَلَصَّصُوا فَكَانُوا بِطَرَفٍ مُمْتَنِعِينَ لَا يَجْرِي عليهم حُكْمٌ أو لَا يَتَلَصَّصُونَ وَلَا مُتَأَوِّلِينَ إلَّا أَنَّهُمْ لَا تَجْرِي عليهم الْأَحْكَامُ وَكَانُوا مِمَّنْ قَامَتْ عليهم الْحُجَّةُ بِالْعِلْمِ مع الْإِسْلَامِ ثُمَّ قَدَرَ عليهم أُقِيمَتْ عليهم الْحُقُوقُ - * حُكْمُ أَهْلِ الْبَغْيِ في الْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا ظَهَرَ أَهْلُ الْبَغْيِ على بَلَدٍ من بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ فَأَقَامَ إمَامُهُمْ على أَحَدٍ حَدًّا لِلَّهِ أو لِلنَّاسِ فَأَصَابَ في إقَامَتِهِ أو أَخَذَ صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَوْفَى ما عليهم أو زاد ( ( ( زاده ) ) ) مع أَخْذِهِ ما عليهم ما ليس عليهم ثُمَّ ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عليهم لم يَعُودُوا على من حَدَّهُ إمَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ بِحَدٍّ وَلَا على من أَخَذُوا صَدَقَتَهُ بِصَدَقَةٍ عامه ذلك فَإِنْ كانت وَجَبَتْ عليهم صَدَقَةٌ فَأَخَذُوا بَعْضَهَا اسْتَوْفَى إمَامُ أَهْلِ الْعَدْلِ ما بَقِيَ منها وَحَسَبَ لهم ما أَخَذَ أَهْلُ الْبَغْيِ منها قال وَكَذَلِكَ من مَرَّ بِهِمْ فَأَخَذُوا ذلك منه قال وَإِنْ أَرَادَ إمَامُ أَهْلِ الْعَدْلِ أَخْذَ الصَّدَقَةِ منهم فَادَّعَوْا أَنَّ إمَامَ أَهْلِ الْبَغْيِ أَخَذَهَا منهم فَهُمْ أُمَنَاءُ على صَدَقَاتِهِمْ وَإِنْ ارْتَابَ بِأَحَدٍ منهم أَحْلَفَهُ فإذا حَلَفَ لم تُعَدَّ عليه الصَّدَقَةُ وَكَذَلِكَ ما أَخَذُوا من خَرَاجِ الْأَرْضِ وَجِزْيَةِ الرِّقَابِ لم يُعَدَّ على من أَخَذُوهُ منه لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ ظَاهِرُ حُكْمِهِمْ في الْمَوْضِعِ الذي أَخَذُوا ذلك فيه ما عليهم من خَرَاجٍ وَجِزْيَةِ رَقَبَةٍ وَحَقٍّ لَزِمَ في مَالٍ أو غَيْرِهِ قال وَلَوْ اسْتَقْضَى إمَامُ أَهْلِ الْبَغْيِ رَجُلًا كان عليه أَنْ يُقَوِّمَ بِمَا يُقَوِّمُ بِهِ الْقَاضِي من أَخْذِ الْحَقِّ لِبَعْضِ الناس من بَعْضٍ في الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا إذَا جَعَلَ ذلك إلَيْهِ وَلَوْ ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ على أَهْلِ الْبَغْيِ لم يَرْدُدْ من قَضَاءِ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ إلَّا ما يُرَدُّ من قَضَاءِ الْقُضَاةِ غَيْرُهُ وَذَلِكَ خِلَافُ الْكِتَابِ أو السُّنَّةِ أو إجْمَاعِ الناس أو ما هو في مَعْنَى هذا أو عَمَدَ الْحَيْفَ بِرَدِّ شَهَادَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ في الْحِينِ الذي يَرُدُّهَا فيه أو إجَازَةِ شَهَادَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ في الْحِينِ الذي يُجِيزُهَا فيه وَلَوْ كَتَبَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ بِحَقٍّ ثَبَتَ عِنْدَهُ لِرَجُلٍ على آخَرَ من غَيْرِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَالْأَغْلَبُ من هذا خَوْفُ أَنْ يَكُونَ يَرُدَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الْعَدْلِ بِخِلَافِ رَأْيِهِ وَيَقْبَلُ شَهَادَةَ من لَا عَدْلَ له بِمُوَافَقَتِهِ وَمِنْهُمْ من هو مَخُوفٌ أَنْ يَكُونَ يَسْتَحِلُّ بَعْضَ أَخْذِ أَمْوَالِ الناس بِمَا أَمْكَنَهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَقْبَلَ كِتَابَهُ وَكِتَابُهُ ليس بِحُكْمٍ نَفَذَ منه فَلَا يَكُونُ لِلْقَاضِي رَدُّهُ إلَّا بِجَوْرٍ تَبَيَّنَ له وَلَوْ كَانُوا مَأْمُونِينَ على ما وَصَفْنَا بِرَاءٍ من كل خَصْلَةٍ منه وَكَتَبَ من بِلَادٍ نَائِيَةٍ يَهْلِكُ حَقُّ الْمَشْهُودِ له إنْ رَدَّ كِتَابَهُ فَقَبِلَ الْقَاضِي كِتَابَهُ كان لِذَلِكَ وَجْهٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وكان كِتَابُ قَاضِيهِمْ إذَا كان كما وَصَفْت في فَوْتِ الْحَقِّ إنْ رَدَّ شَبِيهًا بِحُكْمِهِ قال وَمَنْ شَهِدَ من أَهْلِ الْبَغْيِ عِنْدَ قَاضٍ من أَهْلِ الْعَدْلِ في الْحَالِ التي يَكُونُ فيها مُحَارِبًا أو مِمَّنْ يَرَى رَأْيَهُمْ في غَيْرِ مُحَارَبَةٍ فَإِنْ كان يُعْرَفُ
____________________

(4/220)


بِاسْتِحْلَالِ بَعْضِ ما وَصَفْت من أَنْ يَشْهَدَ لِمَنْ وَافَقَهُ بِالتَّصْدِيقِ له على ما لم يُعَايِنْ ولم يَسْمَعْ أو بِاسْتِحْلَالٍ لِمَالِ الْمَشْهُودِ عليه أو دَمِهِ أو غَيْرِ ذلك من الْوُجُوهِ التي يَطْلُبُ بها الذَّرِيعَةَ إلَى مَنْفَعَةِ الْمَشْهُودِ له أو نِكَايَةِ الْمَشْهُودِ عليه اسْتِحْلَالًا لم تَجُزْ شَهَادَتُهُ في شَيْءٍ وَإِنْ قَلَّ وَمَنْ كان من هذا بَرِيئًا منهم وَمِنْ غَيْرِهِمْ عَدْلًا جَازَتْ شَهَادَتُهُ قال وَلَوْ وَقَعَ لِرَجُلٍ في عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ على رَجُلٍ في عَسْكَرِ أَهْلِ الْعَدْلِ حَقٌّ في دَمِ نَفْسٍ أو جُرْحٍ أو مَالٍ وَجَبَ على قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ الْأَخْذُ له بِهِ لَا يَخْتَلِفُ هو وَغَيْرُهُ فِيمَا يُؤْخَذُ لِبَعْضِهِمْ من بَعْضٍ من الْحَقِّ في الْمَوَارِيثِ وَغَيْرِهَا وَكَذَلِكَ حَقٌّ على قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ أَنْ يَأْخُذَ من الْبَاغِي لِغَيْرِ الْبَاغِي من الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ حَقَّهُ وَلَوْ امْتَنَعَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ من أَخْذِ الْحَقِّ منهم لِمَنْ خَالَفَهُمْ كان بِذَلِكَ عِنْدَنَا ظَالِمًا ولم يَكُنْ لِقَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَمْنَعَ أَهْلَ الْبَغْيِ حُقُوقَهُمْ قِبَلَ أَهْلِ الْعَدْلِ بِمَنْعِ قَاضِيهِمْ الْحَقَّ منهم قال وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَأْخُذُ من أَهْلِ الْعَدْلِ الْحَقَّ لِأَهْلِ الْحَرْبِ وَالذِّمَّةِ وَإِنْ مَنَعَ أَهْلُ الْحَرْبِ الْحَقَّ يَقَعُ عليهم وَأَحَقُّ الناس بِالصَّبْرِ لِلْحَقِّ أَهْلُ السُّنَّةِ من أَهْلِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ مَنْعُ رَئِيسِ الْمُشْرِكِينَ حَقًّا قِبَلَ من بِحَضْرَتِهِ لِمُسْلِمٍ بِاَلَّذِي يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَمْنَعَ حَرْبِيًّا مُسْتَأْمَنًا حَقَّهُ لِأَنَّهُ ليس بِاَلَّذِي ظَلَمَهُ فَيُحْبَسُ له مِثْلُ ما أَخَذَ منه وَلَا يَمْنَعُ رَجُلًا حَقًّا بِظُلْمِ غَيْرِهِ وَبِهَذَا يَأْخُذُ الشَّافِعِيُّ قال وَلَوْ ظَهَرَ أَهْلُ الْبَغْيِ على مِصْرٍ فَوَلَّوْا قَضَاءَهُ رَجُلًا من أهله ( ( ( أهل ) ) ) مَعْرُوفًا بِخِلَافِ رأى أَهْلِ الْبَغْيِ فَكَتَبَ إلَى قَاضٍ غَيْرِهِ نُظِرَ فَإِنْ كان الْقَاضِي عَدْلًا وَسَمَّى شُهُودًا شَهِدُوا عِنْدَهُ يُعَرِّفُهُمْ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أو يُعَرِّفُهُمْ أَهْلُ الْعَدَالَةِ بِالْعَدْلِ وَخِلَافُ أَهْلِ الْبَغْيِ قبل الْكِتَابِ فَإِنْ لم يَعْرِفُوا فَكِتَابُهُ كما وَصَفْت من كِتَابِ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ قال وإذا غَزَا أَهْلُ الْبَغْيِ الْمُشْرِكِينَ مع أَهْلِ الْعَدْلِ وَالْتَقُوا في بِلَادِهِمْ فَاجْتَمَعُوا ثُمَّ قَاتَلُوا مَعًا فَإِنْ كان لِكُلِّ وَاحِدٍ من الطَّائِفَتَيْنِ إمَامٌ فَأَهْلُ الْبَغْيِ كَأَهْلِ الْعَدْلِ جَمَاعَتُهُمْ كَجَمَاعَتِهِمْ وَوَاحِدُهُمْ مِثْلُ وَاحِدِهِمْ في كل شَيْءٍ ليس الْخُمُسُ قال فَإِنْ أَمَّنَ أَحَدُهُمْ عَبْدًا كان أو حُرًّا أو امْرَأَةً منهم جَازَ الْأَمَانُ وَإِنْ قَتَلَ أَحَدٌ منهم في الْإِقْبَالِ كان له السَّلَبُ وَإِنْ كان أَهْلُ الْبَغْيِ في عَسْكَرٍ رِدْءًا لِأَهْلِ الْعَدْلِ فَسَرَّى أَهْلُ الْعَدْلِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ أو كان أَهْلُ الْعَدْلِ رِدْءًا فَسَرَّى أَهْلُ الْبَغْيِ فَأَصَابُوا غَنَائِمَ شَرِكَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ من الطَّائِفَتَيْنِ صَاحِبَتَهَا لَا يَفْتَرِقُونَ في حَالٍ إلَّا أَنَّهُمْ إذَا دَفَعُوا الْخُمُسَ من الْغَنِيمَةِ كان إمَامُ أَهْلِ الْعَدْلِ أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لِقَوْمٍ مُفْتَرِقِينَ في الْبُلْدَانِ يُؤَدِّيهِ إلَيْهِمْ لِأَنَّ حُكْمَهُ جَارٍ عليهم دُونَ حُكْمِ إمَامِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِلُّ حَبْسَهُ اسْتِحْلَالَ الْبَاغِي قال وَلَوْ وَادَعَ أَهْلُ الْبَغْيِ قَوْمًا من الْمُشْرِكِينَ لم يَكُنْ لِأَحَدٍ من الْمُسْلِمِينَ غَزْوُهُمْ فَإِنْ غَزَاهُمْ فَأَصَابَ لهم شيئا رَدَّهُ عليهم وَلَوْ غَزَا أَهْلُ الْبَغْيِ قَوْمًا قد وَادَعَهُمْ إمَامُ الْمُسْلِمِينَ فَسَبَاهُمْ أَهْلُ الْبَغْيِ فَإِنْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ على أَهْلِ الْبَغْيِ اسْتَخْرَجُوا ذلك من أَيْدِيهِمْ وَرَدُّوهُ على أَهْلِهِ الْمُشْرِكِينَ قال وَلَا يَحِلُّ شِرَاءُ أَحَدٍ من ذلك السَّبْيِ وَإِنْ اشْتَرَى فَشِرَاؤُهُ مَرْدُودٌ قال وَلَوْ اسْتَعَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ على قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ وقد كان أَهْلُ الْعَدْلِ وَادَعُوا أَهْلَ الْحَرْبِ فإنه حَلَالٌ لِأَهْلِ الْعَدْلِ قِتَالُ أَهْلِ الْحَرْبِ وَسَبْيُهُمْ وَلَيْسَ كَيْنُونَتُهُمْ مع أَهْلِ الْبَغْيِ بِأَمَانٍ إنَّمَا يَكُونُ لهم الْأَمَانُ على الْكَفِّ فَأَمَّا على قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَلَوْ كان لهم إمان فَقَاتَلُوا أَهْلَ الْعَدْلِ كان نَقْضًا له وقد قِيلَ لو اسْتَعَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ بِقَوْمٍ من أَهْلِ الذِّمَّةِ على قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ لم يَكُنْ هذا نَقْضًا لِلْعَهْدِ لِأَنَّهُمْ مع طَائِفَةٍ من الْمُسْلِمِينَ وَأَرَى إنْ كَانُوا مُكْرَهِينَ أو ذَكَرُوا جَهَالَةً فَقَالُوا كنا نَرَى عَلَيْنَا إذَا حَمَلَتْنَا طَائِفَةٌ من الْمُسْلِمِينَ على طَائِفَةٍ من الْمُسْلِمِينَ أُخْرَى أنها إنَّمَا تَحْمِلُنَا على من يَحِلُّ دَمُهُ في الْإِسْلَامِ مِثْلُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ أو قالوا لم نَعْلَمُ أَنَّ من حَمَلُونَا على قِتَالِهِ مُسْلِمًا لم يَكُنْ هذا نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ وَيُؤْخَذُونَ بِكُلِّ ما أَصَابُوا من أَهْلِ الْعَدْلِ من دَمٍ وَمَالٍ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِالْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَنَتَقَدَّمُ إلَيْهِمْ وَنُجَدِّدُ عليهم شَرْطًا بِأَنَّهُمْ إنْ خرجوا ( ( ( درجوا ) ) ) إلَى مِثْلِ هذا اُسْتُحِلَّ قَتْلُهُمْ وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ قال فَإِنْ أتى أَحَدٌ من أَهْلِ الْبَغْيِ تَائِبًا
____________________

(4/221)


لم يُقْتَصَّ منه لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ مُحَرَّمُ الدَّمِ وإذا قَاتَلَ أَهْلُ الذِّمَّةِ مع أَهْلِ الْعَدْلِ أَهْلَ الْحَرْبِ لم يُعْطَوْا سَلَبًا وَلَا خُمُسًا وَلَا سَهْمًا وَإِنَّمَا يُرْضَخُ لهم وَلَوْ رَهَنَ أَهْلُ الْبَغْيِ نَفَرًا منهم عِنْدَ أَهْلِ الْعَدْلِ وَرَهَنَهُمْ أَهْلُ الْعَدْلِ رَهْنًا وَقَالُوا احْبِسُوا رَهْنَنَا حتى نَدْفَعَ إلَيْكُمْ رَهْنَكُمْ وَتَوَادَعُوا على ذلك إلَى مُدَّةٍ جَعَلُوهَا بَيْنَهُمْ فَعَدَا أَهْلُ الْبَغْيِ على رَهْنِ أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَتَلُوهُمْ لم يَكُنْ لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَقْتُلُوا رَهْنَ أَهْلِ الْبَغْيِ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ وَلَا ان يَحْبِسُوهُمْ إذَا أَثْبَتُوا أَنْ قد قُتِلَ أَصْحَابُهُمْ لِأَنَّ أَصْحَابَهُمْ لَا يَدْفَعُونَ إلَيْهِمْ أَبَدًا وَلَا يُقْتَلُ الرَّهْنُ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كان رَهْنُ أَهْلِ الْبَغْيِ بِلَا رَهْنٍ من أَهْلِ الْعَدْلِ وَوَادَعُوهُمْ إلَى مُدَّةٍ فَجَاءَتْ تِلْكَ الْمُدَّةُ وقد غَدَرَ أهل الْبَغْيُ لم يَكُنْ لهم حَبْسُ الرَّهْنِ بِغَدْرِ غَيْرِهِمْ قال وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعَدْلِ أَمَّنُوا رَجُلًا من أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَتَلَهُ رَجُلٌ جَاهِلٌ كان فيه الدِّيَةُ وإذا قَتَلَ الْعَدْلِيُّ الْبَاغِيَّ عَامِدًا وَالْقَاتِلُ وَارِثُ الْمَقْتُولِ أو قَتَلَ الْبَاغِي الْعَدْلِيَّ وهو وَارِثُهُ لم أَرَ ان يَتَوَارَثَا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَيَرِثُهُمَا مَعًا وَرَثَتُهُمَا غَيْرُ الْقَاتِلَيْنِ وإذا قُتِلَ أَهْلُ الْبَغْيِ في مَعْرَكَةٍ وَغَيْرِهَا صلي عليهم لِأَنَّ الصَّلَاةَ سُنَّةٌ في الْمُسْلِمِينَ إلَّا من قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ في الْمَعْرَكَةِ فإنه لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عليه وَأَمَّا أَهْلُ الْبَغْيِ إذَا قُتِلُوا في الْمَعْرَكَةِ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عليهم وَيُصْنَعُ بِهِمْ ما يُصْنَعُ بِالْمَوْتَى وَلَا يُبْعَثُ بِرُءُوسِهِمْ إلَى مَوْضِعٍ وَلَا يُصْلَبُونَ وَلَا يُمْنَعُونَ الدَّفْنَ وإذا قَتَلَ أَهْلَ الْعَدْلِ أَهْلُ الْبَغْيِ في الْمَعْرَكَةِ فَفِيهِمْ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُدْفَنُوا بِكُلُومِهِمْ وَدِمَائِهِمْ وَالثِّيَابِ التي قُتِلُوا فيها إنْ شاؤوا لِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ وَلَا يُصَلَّى عليهم وَيُصْنَعُ بِهِمْ كما يُصْنَعُ بِمَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ لِأَنَّهُمْ مَقْتُولُونَ في الْمَعْرَكَةِ وَشُهَدَاءُ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يُصَلَّى عليهم لِأَنَّ أَصْلَ الْحُكْمِ في الْمُسْلِمِينَ الصَّلَاةُ على الموتي إلَّا حَيْثُ تَرَكَهَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَإِنَّمَا تَرَكَهَا فِيمَنْ قَتَلَهُ الْمُشْرِكُونَ في الْمَعْرَكَةِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ من أَهْلِ الْبَغْيِ إذَا قُتِلُوا مَعَهُمْ فَهُمْ في الصَّلَاةِ عليهم مِثْلُ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ قال وَأَكْرَهُ لِلْعَدْلِيِّ أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَ ذِي رَحِمِهِ من أَهْلِ الْبَغْيِ وَلَوْ كَفَّ عن قَتْلِ أبيه أو ذِي رَحِمِهِ أو أَخِيهِ من أَهْلِ الشِّرْكِ لم أَكْرَهْ ذلك له بَلْ أُحِبُّهُ وَذَلِكَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كَفَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بن عُتْبَةَ عن قَتْلِ أبيه وَأَبَا بَكْرٍ يوم أُحُدٍ عن قَتْلِ أبيه وإذا قَتَلَتْ الْجَمَاعَةُ الْمُمْتَنِعَةُ من أَهْلِ الْقِبْلَةِ غَيْرِ الْمُتَأَوِّلَةِ أو أَخَذَتْ الْمَالَ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَهَذَا مَكْتُوبٌ في كِتَابِ قَطْعِ الطَّرِيقِ * وإذا ارْتَدَّ قَوْمٌ عن الْإِسْلَامِ فَاجْتَمَعُوا وَقَاتَلُوا فَقُتِلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ من الْمُشْرِكِينَ وإذا تَابُوا لم يُتْبَعُوا بِدَمٍ وَلَا مَالٍ فَإِنْ قال قَائِلٌ لِمَ لَا يُتْبَعُونَ قِيلَ هَؤُلَاءِ صَارُوا مُحَارَبِينَ حَلَالَ الْأَمْوَالِ وَالدِّمَاءِ وما أَصَابَ الْمُحَارِبُونَ لم يُقْتَصَّ منهم وما أُصِيبَ لهم لم يُرَدَّ عليهم وقد قَتَلَ طُلَيْحَةُ عُكَاشَةَ بن مُحْصِنٍ وَثَابِتَ بن أفرم ( ( ( أقرم ) ) ) ثُمَّ أَسْلَمَ هو فلم يَضْمَنْ عَقْلًا وَلَا قَوَدًا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْحَدُّ في الْمُكَابَرَةِ في الْمِصْرِ وَالصَّحْرَاءِ سَوَاءٌ وَلَعَلَّ الْمُحَارِبَ في الْمِصْرِ أَعْظَمُ ذَنْبًا ( قال الرَّبِيعُ ) وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ يُقَادُ منهم إذَا ارْتَدُّوا وَحَارَبُوا فَقَتَلُوا من قِبَلِ أَنَّ الشِّرْكَ إنْ لم يَزِدْهُمْ شَرًّا لم يَزِدْهُمْ خَيْرًا بِأَنْ يَمْنَعَ الْقَوَدَ منهم ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ ظَهَرُوا على مَدِينَةٍ فَأَرَادَ قَوْمٌ غَيْرُهُمْ من أَهْلِ الْبَغْيِ قِتَالَهُمْ لم أَرَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَعَهُمْ فَإِنْ قالوا نُقَاتِلُكُمْ مَعًا وَسِعَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ قِتَالُهُمْ دَفْعًا لهم عن أَنْفُسِهِمْ وَعِيَالِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَكَانُوا في مَعْنَى من قُتِلَ دُونَ نَفْسِهِ وَمَالِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ سَبَى الْمُشْرِكُونَ أَهْلَ الْبَغْيِ وَكَانَتْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ على قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ لم يَسَعْ الْمُسْلِمِينَ الْكَفُّ عن قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حتى يَسْتَنْقِذُوا أَهْلَ الْبَغْيِ وَلَوْ غَزَا الْمُسْلِمُونَ فَمَاتَ عَامِلُهُمْ فَغَزَوْا مَعًا أو مُتَفَرِّقِينَ وَكُلُّ وَاحِدٍ منهم ردء ( ( ( رد ) ) ) لِصَاحِبِهِ شَرِكَ كُلُّ وَاحِدٍ منهم صَاحِبَهُ في الْغَنِيمَةِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال لي قَائِلٌ فما تَقُولُ فِيمَنْ أَرَادَ مَالَ رَجُلٍ أو دَمَهُ أو حُرْمَتَهُ قلت له فَلَهُ دَفْعُهُ عنه قال فَإِنْ لم يَكُنْ يُدْفَعُ عنه إلَّا بِقِتَالٍ قُلْت فَيُقَاتِلُهُ
____________________

(4/222)


قال وَإِنْ أتى الْقِتَالُ على نَفْسِهِ قُلْت نعم إذَا لم يَقْدِرْ على دَفْعِهِ إلَّا بِذَلِكَ قال وما مَعْنَى يَقْدِرُ على دَفْعِهِ بِغَيْرِ ذلك قُلْت أَنْ يَكُونَ فَارِسًا وَالْعَارِضُ له رَاجِلٌ فَيُمْعِنَ على الْفَرَسِ أو يَكُونَ مُتَحَصِّنًا فَيُغْلِقَ الْحِصْنَ السَّاعَةَ فَيَمْضِيَ عنه وَإِنْ أَبَى إلَّا حَصْرَهُ وَقِتَالَهُ قَاتَلَهُ أَيْضًا قال أَفَلَيْسَ قد ذَكَرَ حَمَّادٌ عن يحيى بن سَعِيدٍ عن أبي أُمَامَةَ بن سَهْلِ بن حُنَيْفٍ أَنَّ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ قال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٌ بَعْدَ إيمَانٍ أو زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ أو قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ ) فَقُلْت له حَدِيثَ عُثْمَانَ كما حَدَّثَ بِهِ وَقَوْلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( لَا يَحِلُّ دَمُ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ ) كما قال وَهَذَا كَلَامٌ عَرَبِيٌّ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أتى وَاحِدَةً من ثَلَاثٍ حَلَّ دَمُهُ كما قال فَكَانَ رَجُلٌ زنا ( ( ( زنى ) ) ) ثُمَّ تَرَكَ الزنى وَتَابَ منه أو هَرَبَ من الْمَوْضِعِ الذي زَنَى فيه فَقُدِرَ عليه قُتِلَ رَجْمًا وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِمًا عَامِدًا ثُمَّ تَرَكَ الْقَتْلَ فَتَابَ وَهَرَبَ فقدر عليه قَتْلٌ قَوَدًا وإذا كَفَرَ فَتَابَ زَالَ عنه اسْمُ الْكُفْرِ وَهَذَانِ لَا يُفَارِقُهُمَا اسْمُ الزنى وَالْقَتْلِ وَلَوْ تَابَا وَهَرَبَا فَيُقْتَلَانِ بالإسم اللَّازِمِ لَهُمَا وَالْكَافِرُ بَعْدَ إيمَانِهِ لو هَرَبَ ولم يَتْرُكْ الْقَوْلَ بِالْكُفْرِ بَعْدَ ما أَظْهَرَهُ قُتِلَ إلَّا أَنَّهُ إذَا تَابَ من الْكُفْرِ وَعَادَ إلَى الْإِسْلَامِ حَقَنَ دَمَهُ وَذَلِكَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عنه إذَا رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ اسْمُ الْكُفْرِ فَلَا يُقْتَلُ وقد عَادَ مُسْلِمًا وَمَتَى لَزِمَهُ اسْمُ الْكُفْرِ فَهُوَ كَالزَّانِي وَالْقَاتِلِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْبَاغِي خَارِجٌ من أَنْ يُقَالَ له حَلَالُ الدَّمِ مُطْلَقًا غَيْرُ مُسْتَثْنًى فيه وَإِنَّمَا يُقَالُ إذَا بَغَى وَامْتَنَعَ أو قَاتَلَ مع أَهْلِ الِامْتِنَاعِ قُوتِلَ دَفْعًا عن أَنْ يُقْتَلَ أو مُنَازَعَةً لِيَرْجِعَ أو يَدْفَعَ حَقًّا إنْ مَنَعَهُ فَإِنْ أتى القتال على نَفْسِهِ فَلَا عَقْلَ فيه وَلَا قَوَدَ فَإِنَّا أَبَحْنَا قِتَالَهُ وَلَوْ ولي عن الْقِتَالِ أو اعْتَزَلَ أو جُرِحَ أو أُسِرَ أو كان مَرِيضًا لَا قِتَالَ بِهِ لم يُقْتَلْ في شَيْءٍ من هذه الْحَالَاتِ وَلَا يُقَالُ لِلْبَاغِي وَحَالُهُ هَكَذَا حَلَالُ الدَّمِ وَلَوْ حَلَّ دَمُهُ ما حُقِنَ بِالتَّوْلِيَةِ وَالْإِسَارِ وَالْجُرْحِ وَعَزْلِهِ الْقِتَالَ وَلَا يُحْقَنُ دَمُ الْكَافِرِ حتى يُسْلِمَ وَحَالُهُ ما وَصَفْت قَبْلَهُ من حَالِ من أَرَادَ دَمَ رَجُلٍ أو مَالَهُ - * الْخِلَافُ في قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَضَرَنِي بَعْضُ الناس الذي حَكَيْت حُجَّتَهُ بِحَدِيثِ عُثْمَانَ فَكَلَّمَنِي بِمَا وَصَفْتُ وَحَكَيْت له جُمْلَةَ ما ذَكَرْتَ في قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ فقال هذا كما قُلْت وما عَلِمْتُ أَحَدًا احْتَجَّ في هذا بِشَبِيهِ بِمَا احْتَجَجْتَ بِهِ وَلَقَدْ خَالَفَك أَصْحَابُنَا منه في مَوَاضِعَ قلت وما هِيَ قال قالوا إذَا كانت لِلْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ فِئَةٌ تَرْجِعُ إلَيْهَا وَانْهَزَمُوا قُتِلُوا مُنْهَزِمِينَ وَذُفِّفَ عليهم جَرْحَى وَقُتِلُوا أَسْرَى فَإِنْ كانت حَرْبُهُمْ قَائِمَةً فَأُسِرَ منهم أَسِيرٌ قُتِلَ أَسِيرُهُمْ وَذُفِّفَ على جَرْحَاهُمْ فَأَمَّا إذَا لم يَكُنْ لِأَهْلِ الْبَغْيِ فِئَةٌ وَانْهَزَمَ عَسْكَرُهُمْ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُقْتَلَ مُدْبِرُهُمْ وَلَا أَسِيرُهُمْ وَلَا يُذَفَّفُ على جَرْحَاهُمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْتَ له إذَا زَعَمْتَ أَنَّ ما احْتَجَجْنَا بِهِ حُجَّةٌ فَكَيْفَ رَغِبْت عن الْأَمْرِ الذي فيه الْحُجَّةُ أَقُلْت بهذا خَبَرًا أو قِيَاسًا قال بَلْ قُلْت بِهِ خَبَرًا قُلْت وما الْخَبَرُ قال إنَّ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه قال يوم الْجَمَلِ لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ على جَرِيحٍ فَكَانَ ذلك عِنْدَنَا على أَنَّهُ ليس لِأَهْلِ الْجَمَلِ فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْت له أَفَرَوَيْت عن عَلِيٍّ أَنَّهُ قال لو كانت لهم فِئَةٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهَا قَتَلْنَا مُدْبِرَهُمْ وَأَسِيرَهُمْ وَجَرِيحَهُمْ فَتَسْتَدِلُّ بِاخْتِلَافِ حُكْمِهِ على اخْتِلَافِ السِّيرَةِ في الطَّائِفَتَيْنِ عِنْدَهُ قال لَا وَلَكِنَّهُ عِنْدِي على هذا الْمَعْنَى قُلْت أَفَبِدَلَالَةٍ فَأَوْجَدْنَاهَا فقال فَكَيْفَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ مُقْبِلِينَ وَلَا يَجُوزُ مُدْبِرِينَ قُلْت بِمَا قُلْنَا من أَنَّ اللَّهَ عز وجل إنَّمَا أَذِنَ بِقِتَالِهِمْ إذَا كَانُوا بَاغِينَ قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حتى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } وَإِنَّمَا يُقَاتَلُ من يُقَاتِلُ فَأَمَّا من لَا يُقَاتِلُ فَإِنَّمَا يُقَالُ اُقْتُلُوهُ لَا فَقَاتِلُوهُ وَلَوْ كان فِيمَا احْتَجَجْت بِهِ من
____________________

(4/223)


هذا حُجَّةٌ كانت عَلَيْك لِأَنَّك تَقُولُ لَا تَقْتُلُونَ مُدْبِرًا وَلَا أَسِيرًا وَلَا جَرِيحًا إذَا انْهَزَمَ عَسْكَرُهُمْ ولم تَكُنْ لهم فِئَةٌ قال قُلْته اتِّبَاعًا لِعَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ قُلْت فَقَدْ خَالَفْت عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ عنه في مِثْلِ ما اتَّبَعْته فيه وَقُلْت أَرَأَيْت إنْ احْتَجَّ عَلَيْك أَحَدٌ بِمِثْلِ حُجَّتِك وقال نَقْتُلُهُمْ بِكُلِّ حَالٍ وَإِنْ انْهَزَمَ عَسْكَرُهُمْ لِأَنَّ عَلِيًّا قد يَكُونُ تَرَكَ قَتْلَهُمْ على وَجْهِ الْمَنِّ لَا على وَجْهِ التَّحْرِيمِ قال ليس ذلك له وَإِنْ احْتَمَلَ ذلك الْحَدِيثُ لِأَنَّهُ ليس في الحديث دَلَالَةٌ عليه قُلْت وَلَا لَك لِأَنَّهُ ليس في حديث عَلِيٍّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه وَلَا يَحْتَمِلُهُ دَلَالَةً على قَتْلِ من كانت له فِئَةٌ مُوَلِّيًا وَأَسِيرًا وجريحا ( قال ) وَقُلْت وما أَلْفَيْته من هذا الْمَعْنَى ما هو إلَّا وَاحِدٌ من مَعْنَيَيْنِ أما ما قُلْنَا بالإستدلال بِحُكْمِ اللَّهِ عز وجل وَفِعْلِ من يقتدي بِهِ من السَّلَفِ فإن أَبَا بَكْرٍ قد أَسَرَ غير وَاحِدٍ مِمَّنْ مَنَعَ الصَّدَقَةَ فما ضَرَبَهُ وَلَا قَتَلَهُ وَعَلِيٌّ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه قد أَسَرَ وَقَدَرَ على من امْتَنَعَ فما ضَرَبَهُ وَلَا قَتَلَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُمْ إلَى هذا يُحِلُّ دِمَاءَهُمْ فَيُقْتَلُونَ في كل حَالٍ كانت لهم فِئَةٌ أو لم تَكُنْ قال لَا يُقْتَلُونَ في هذه الْحَالِ قُلْت أَجَلٌ وَلَا في الْحَالِ التي أَبَحْت دِمَاءَهُمْ فيها وقد كان مُعَاوِيَةُ بِالشَّامِ فَكَانَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ لهم فِئَةٌ كَانُوا كَثِيرًا وَانْصَرَفَ بَعْضُهُمْ قبل بَعْضٍ فَكَانُوا يَحْتَمِلُونَ أَنْ تَكُونَ الْفِئَةُ الْمُنْصَرِفَةُ أَوَّلًا فِئَةً لِلْفِئَةِ الْمُنْصَرِفَةِ آخِرًا وقد كانت في الْمُسْلِمِينَ هَزِيمَةٌ يوم أُحُدٍ وَثَبَتَ رسول اللَّه صلى اللَّهُ عليه وسلم وَطَائِفَةٌ بِالشِّعْبِ فَكَانَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فِئَةً لِمَنْ انْحَازَ إلَيْهِ وَهُمْ في مَوْضِعٍ وَاحِدٍ وقد يَكُونُ لِلْقَوْمِ فِئَةٌ فَيَنْهَزِمُونَ وَلَا يُرِيدُونَهَا وَلَا يُرِيدُونَ الْعَوْدَةَ لِلْقِتَالِ وَلَا يَكُونُ لهم فِئَةٌ فَيَنْهَزِمُونَ يُرِيدُونَ الرُّجُوعَ لِلْقِتَالِ وقد وَجَدْت الْقَوْمَ يُرِيدُونَ الْقِتَالَ وَيَشْحَذُونَ السِّلَاحَ فنزعم ( ( ( فتزعم ) ) ) نَحْنُ وَأَنْتَ أَنَّهُ ليس لنا قِتَالُهُمْ ما لم يَنْصِبُوا إمَامًا وَيَسِيرُوا وَنَحْنُ نَخَافُهُمْ على الْإِيقَاع بِنَا فَكَيْفَ أَبَحْت قِتَالَهُمْ بِإِرَادَةِ غَيْرِهِمْ الْقِتَالَ أو بِتَرْكِ غَيْرِهِمْ الْهَزِيمَةَ وقد انْهَزَمُوا هُمْ وَجُرِحُوا وَأُسِرُوا وَلَا تُبِيحُ قِتَالَهُمْ بِإِرَادَتِهِمْ الْقِتَالَ وَقُلْت له لو لم يَكُنْ عَلَيْك في هذا حُجَّةٌ إلَّا فِعْلُ عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ وَقَوْلُهُ كُنْت مَحْجُوجًا بِفِعْلِ عَلِيٍّ وَقَوْلِهِ قال وما ذَاكَ قُلْت أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن أبي فَاخِتَةَ أَنَّ عَلِيًّا رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه أتى بِأَسِيرٍ يوم صِفِّينَ فقال لَا تَقْتُلْنِي صَبْرًا فقال عَلِيٌّ ( لَا أَقْتُلُك صَبْرًا إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ) فَخَلَّى سَبِيلَهُ ثُمَّ قال أَفِيك خَيْرٌ أَيُبَايِعُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْحَرْبُ يوم صِفِّينَ قَائِمَةٌ وَمُعَاوِيَةُ يُقَاتِلُ جَادًّا في أَيَّامِهِ كُلِّهَا مُنْتَصِفًا أو مُسْتَعْلِيًا وَعَلِيٌّ يقول لِأَسِيرٍ من أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ لَا أَقْتُلُك صَبْرًا إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَأَنْتَ تَأْمُرُ بِقَتْلِ مِثْلِهِ قال فَلَعَلَّهُ مَنَّ عليه قُلْت هو يقول إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ قال يقول إنِّي أَخَافُ اللَّهَ فَأَطْلُبُ الْأَجْرَ بِالْمَنِّ عَلَيْك قُلْت أَفَيَجُوزُ إذْ قال لَا يُقْتَلُ مُدْبِرٌ وَلَا يُذَفَّفُ على جَرِيحٍ لِمَنْ لَا فِئَةَ له مِثْلُ حُجَّتِك قال لَا لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ في الحديث عليه قُلْت وَلَا دَلَالَةَ في حديث أبي فَاخِتَةَ على ما قُلْت وَفِيهِ الدَّلَالَةُ على خِلَافِك لِأَنَّهُ لو قَالَهُ رَجَاءَ الْأَجْرِ قال إنِّي لَأَرْجُو اللَّهَ وَاسْمُ الرَّجَاءِ بِمَنْ تَرَكَ شيئا مُبَاحًا له أَوْلَى من اسْمِ الْخَوْفِ وَاسْمُ الْخَوْفِ بِمَنْ تَرَكَ شيئا خَوْفَ الْمَأْثَمِ أَوْلَى وَإِنْ احْتَمَلَ اللِّسَانُ الْمَعْنَيَيْنِ قال فإن أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ قَوْلَك لَا نَسْتَمْتِعُ من أَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ بِشَيْءٍ إلَّا في حَالٍ وَاحِدَةٍ قُلْت وما تِلْكَ الْحَالُ قال إذَا كانت الْحَرْبُ قَائِمَةً اُسْتُمْتِعَ بِدَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فإذا انْقَضَتْ الْحَرْبُ رُدَّ ذلك عليهم وَعَلَى وَرَثَتِهِمْ قُلْت أَفَرَأَيْت إنْ عَارَضَنَا وَإِيَّاكَ مُعَارِضٌ يَسْتَحِلُّ مَالَ من اُسْتُحِلَّ دَمُهُ من أَهْلِ الْقِبْلَةِ فقال الدَّمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ حُرْمَةً من الْمَالِ فإذا حَلَّ الدَّمُ كان الْمَالُ له تَبَعًا هل الْحُجَّةُ عليه إلَّا أَنْ يُقَالَ هذا في رِجَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ الَّذِينَ خَالَفُوا دِينَ اللَّهِ عز وجل هَكَذَا وَتَحِلُّ أَمْوَالُهُمْ أَيْضًا بِمَا لَا تَحِلُّ بِهِ دِمَاؤُهُمْ وَذَلِكَ أن يُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فَيُسْتَرَقُّونَ وَتُؤْخَذُ أَمْوَالُهُمْ ونساؤهم وذراريهم ولا تحل دماؤهم وَالْحُكْمُ في أَهْلِ الْقِبْلَةِ مُبَايِنٌ لِهَذَا قد يَحِلُّ دَمُ الزَّانِي منهم وَالْقَاتِلُ وَلَا يَحِلُّ من مَالِهِمَا شَيْءٌ وَذَلِكَ لِجِنَايَتِهِمَا وَلَا جِنَايَةَ على أَمْوَالِهِمَا
____________________

(4/224)


وَالْبَاغِي أَخَفُّ حَالًا مِنْهُمَا لِأَنَّهُ يُقَالُ لِلزَّانِي الْمُحْصَنِ وَالْقَاتِلِ هذا مُبَاحُ الدَّمِ مُطْلَقًا لَا اسْتِثْنَاءَ فيه وَلَا يُقَالُ لِلْبَاغِي مُبَاحُ الدَّمِ إنَّمَا يُقَالُ على الْبَاغِي ان يُمْنَعَ من الْبَغْيِ فَإِنْ قَدَرَ على مَنْعِهِ منه بِالْكَلَامِ أو كان بَاغِيًا غير مُمْتَنِعٍ مُقَاتِلٍ لم يَحِلَّ قِتَالُهُ وَإِنْ يُقَاتِلْ فلم يَخْلُصْ إلَى دَمِهِ حتى يَصِيرَ في غَيْرِ مَعْنَى قِتَالٍ بِتَوْلِيَةٍ أو أَنْ يَصِيرَ جَرِيحًا أو مُلْقِيًا لِلسِّلَاحِ أو أَسِيرًا لم يَحِلَّ دَمُهُ فقال هذا الذي إذَا كان هَكَذَا حُرِّمَ أو مِثْلُ حَالِ الزَّانِي وَالْقَاتِلُ مُحَرَّمُ الْمَالِ قال ما الْحُجَّةُ عليه إلَّا هذا وما فَوْقَ هذا حُجَّةٌ فَقُلْت هل الذي حَمِدْت حُجَّةً عَلَيْك قال إنِّي إنَّمَا آخُذُهُ لِأَنَّهُ أَقْوَى لي وَأَوْهَنُ لهم ما كَانُوا يُقَاتِلُونَ فَقُلْت فَهَلْ يَعْدُو ما أَخَذْت من أَمْوَالِهِمْ أَنْ تَأْخُذَ مَالَ قَتِيلٍ قد صَارَ مِلْكُهُ لِطِفْلٍ أو كَبِيرٍ لم يُقَاتِلْك قَطُّ فَتَقْوَى بِمَالِ غَائِبٍ عَنْك غَيْرِ بَاغٍ على بَاغٍ يُقَاتِلُك غَيْرُهُ أو مَالِ جَرِيحٍ أو أَسِيرٍ أو مُوَلٍّ قد صَارُوا في غَيْرِ مَعْنَى أَهْلِ الْبَغْيِ الَّذِينَ يَحِلُّ قِتَالُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ أو مَالُ رَجُلٍ يُقَاتِلُك يَحِلُّ لَك دَفْعُهُ وَإِنْ أتى الدَّفْعُ على نَفْسِهِ وَلَا جِنَايَةَ على مَالِهِ أو رَأَيْت لو سَبَى أَهْلُ الْبَغْيِ قَوْمًا من الْمُسْلِمِينَ أَنَأْخُذُ من أَمْوَالِهِمْ ما نَسْتَعِينُ بِهِ على قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ لِنَسْتَنْقِذَهُمْ فَنُعْطِيَهُمْ بِاسْتِنْقَاذِهِمْ خَيْرًا مِمَّا نَسْتَمْتِعُ بِهِ من أَمْوَالِهِمْ قال لَا قُلْت وَقَلِيلُ الِاسْتِمْتَاعِ بِأَمْوَالِ الناس مُحَرَّمٌ قال نعم قُلْت فما أَحَلَّ لَك الِاسْتِمْتَاعَ بِأَمْوَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ حتى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ ثُمَّ اسْتَمْتَعْت بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ دُونَ الطَّعَامِ وَالثِّيَابِ وَالْمَالُ غَيْرُهُمَا قال فما فيه قِيَاسٌ وما الْقِيَاسُ فيه إلَّا ما قُلْت وَلَكِنِّي قُلْته خَبَرًا قُلْت وما الْخَبَرُ قال بَلَغَنَا ان عَلِيًّا رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه غَنِمَ ما في عَسْكَرِ من قَاتَلَهُ فَقُلْت له قد رَوَيْتُمْ أَنَّ عَلِيًّا عَرَّفَ وَرَثَةَ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ حتى تَغَيُّبَ قِدْرٍ أو مِرْجَلٍ أَفَسَارَ على عَلِيٍّ بِسِيرَتَيْنِ إحْدَاهُمَا غَنِمَ وَالْأُخْرَى لم يَغْنَمْ فيها قال لَا وَلَكِنَّ أَحَدَ الْحَدِيثَيْنِ وَهْمٌ قُلْت فَأَيُّهُمَا الْوَهْمُ قال ما تَقُولُ أنت قُلْت ما أَعْرِفُ مِنْهُمَا وَاحِدًا ثَابِتًا عنه فَإِنْ عَرَفْت الثَّابِتَ فَقُلْ بِمَا يَثْبُتُ عنه قال مَالُهُ أَنْ يَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ قُلْت الآن أَمْوَالَهُمْ مُحَبَّةٌ قال نعم فَقُلْت فَقَدْ خَالَفْت الْحَدِيثَيْنِ عنه وَأَنْتَ لَا تَغْنَمُ وقد زَعَمْت أَنَّهُ غَنِمَ وَلَا تَتْرُكُ وقد زَعَمْت أَنَّهُ تَرَكَ قال إنَّمَا اسْتَمْتَعَ بها في حَالٍ قُلْت فَالْمَحْظُورُ يُسْتَمْتَعُ بِهِ فِيمَا سِوَى هذا قال لَا قُلْت أَفَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شيآن ( ( ( شيئان ) ) ) مَحْظُورَانِ فَيُسْتَمْتَعُ بِأَحَدِهِمَا وَيَحْرُمُ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْآخَرِ بِلَا خَبَرٍ قال لَا قُلْت فَقَدْ أَجَزْته ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقُلْت له أَرَأَيْت لو وَجَدْت لهم دَنَانِيرَ أو دَرَاهِمَ تُقَوِّيَك عليهم أنأخذها ( ( ( أتأخذها ) ) ) قال لَا قُلْت فَقَدْ تَرَكْت ما هو أَشَدُّ لَك عليهم تَقْوِيَةً من السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ في بَعْضِ الْحَالَاتِ قال فإن صَاحِبَنَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي على قَتْلَى أَهْلِ الْبَغْيِ فَقُلْت له وَلِمَ وَصَاحِبُك يُصَلِّي على من قَتَلَهُ في حَدٍّ وَالْمَقْتُولُ في حَدٍّ يَجِبُ على صَاحِبِك قَتْلُهُ وَلَا يَحِلُّ له تَرْكُهُ وَالْبَاغِي يَحْرُمُ على صَاحِبِك قَتْلُهُ مُوَلِّيًا وَرَاجِعًا عن الْبَغْيِ فإذا تَرَكَ صَاحِبُك الصَّلَاةَ على أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ كان من لَا يَحِلُّ له إلَّا قَتْلُهُ أَوْلَى أَنْ يَتْرُكَ الصَّلَاةَ عليه قال كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ ذلك عُقُوبَةٌ ليتنكل غَيْرُهُ عن مِثْلِ ما صَنَعَ قُلْت أو يُعَاقِبُهُ صَاحِبُك بِمَا لَا يَسَعُهُ أَنْ يُعَاقِبَهُ بِهِ فإذا كان ذلك جَائِزًا فَلْيَصْلُبْهُ أو لِيُحَرِّقْهُ فَهُوَ أَشَدُّ في الْعُقُوبَةِ من تَرْكِ الصَّلَاةِ عليه أو يَجُزَّ رَأْسَهُ فَيَبْعَثْ بِهِ قال لَا يَفْعَلُ بِهِ من هذا شيئا قُلْت وَهَلْ يُبَالِي من قَاتَلَك على أَنَّك كَافِرٌ أَنْ لَا تُصَلِّيَ عليه وهو يَرَى صَلَاتَك لَا تُقَرِّبُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَقُلْت وصاحبك ( ( ( صاحبك ) ) ) لو غَنِمَ مَالَ الْبَاغِي كان أَبْلَغَ في تَنْكِيلِ الناس حتى لَا يَصْنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ الْبَاغِي قال ما يُنَكِّلُ أَحَدٌ بِمَا ليس له أَنْ يُنَكِّلَ بِهِ قُلْت فَقَدْ فَعَلْت وَقُلْتُ له أَتَمْنَعُ الْبَاغِيَ أَنْ تُجُوِّزَ شَهَادَتُهُ أو يُنَاكِحَ أو يُوَارِثُ أو شيئا مِمَّا يحوز ( ( ( يجوز ) ) ) لِأَهْلِ الاسلام قال لَا قُلْت قال فَكَيْفَ مَنَعْته الصَّلَاةَ وَحْدَهَا أَبِخَبَرٍ لَا قُلْت فَإِنْ قال لَك قَائِلٌ أُصَلِّي عليه وَأَمْنَعُهُ أَنْ يُنَاكِحَ أو يُوَارِثُ قال ليس له أَنْ يَمْنَعَهُ شيئا مِمَّا لَا يَمْنَعُهُ الْمُسْلِمَ إلَّا بِخَبَرٍ قُلْت فَقَدْ مَنَعَهُ الصَّلَاةَ بِلَا خَبَرٍ وقال إذَا قَتَلَ الْعَادِلُ أَخَاهُ وَأَخُوهُ بَاغٍ وَرِثَهُ لِأَنَّ له قَتْلَهُ وإذا قَتَلَهُ أَخُوهُ لم يَرِثْهُ لِأَنَّهُ ليس له قَتْلُهُ فَقُلْت له فَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ من قَتَلَ أَخَاهُ عَمْدًا لم يَرِثْ من مَالِهِ وَلَا من ديته ( ( ( دينه ) ) ) إنْ أَخَذْت منه شيئا وَمَنْ قَتَلَهُ خَطَأً وَرِثَ من مَالِهِ ولم يَرِثْ من دِيَتِهِ شيئا لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ على أَنْ
____________________

(4/225)


يَكُونَ قَتَلَهُ لِيَرِثَ مَالَهُ وَرَوَى هذا عَمْرُو بن شُعَيْبٍ يَرْفَعُهُ فَقُلْت حَدِيثُ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ وَقُلْت إنَّمَا قال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( ليس لِقَاتِلٍ شَيْءٌ ) هذا على من لَزِمَهُ اسْمُ الْقَتْلِ أَيُّمَا كان تَعَمَّدَ الْقَتْلَ أو مَرْفُوعًا عنه الْإِثْمُ بِأَنْ عَمَدَ غَرَضًا فَأَصَابَ إنْسَانًا فَكَيْفَ لم يَقُلْ بهذا في الْقَتِيلِ من أَهْلِ الْبَغْيِ وَالْعَدْلِ فيقول كُلُّ من يَلْزَمُهُ اسْمُ قَاتِلٍ فَلَا يَرِثُ كما احْتَجَجْت عَلَيْنَا وَأَنْتَ أَيْضًا تُسَوِّي بَيْنَهُمَا في الْقَتْلِ فَتَقُولُ لَا أُقِيدُ وَاحِدًا مِنْهُمَا من صَاحِبِهِ وَإِنْ كان أَحَدُهُمَا ظَالِمًا لِأَنَّ كُلًّا مُتَأَوِّلٌ قال فإن صَاحِبَنَا قال نُقَاتِلُ أَهْلَ الْبَغْيِ وَلَا يُدْعَوْنَ لِأَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ ما يُدْعَوْنَ إلَيْهِ وقال حُجَّتُنَا فيه أَنَّ من بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ من أَهْلِ الْحَرْبِ جَازَ أَنْ يُقَاتَلَ وَلَا يدعي فَقُلْت له لو قَاسَ غَيْرُك أَهْلَ الْبَغْيِ بِأَهْلِ الْحَرْبِ كُنْت شَبِيهًا بِالْخُرُوجِ إلَى الْإِسْرَافِ في تَضْعِيفِهِ كما رَأَيْتُك تَفْعَلُ في أَقَلَّ من هذا قال وما الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ قُلْت أَرَأَيْت أَهْلَ الْبَغْيِ إذَا أَظْهَرُوا إرَادَةَ الْخُرُوجِ عَلَيْنَا وَالْبَرَاءَةَ مِنَّا وَاعْتَزَلُوا جَمَاعَتَنَا أنقتلهم ( ( ( أتقتلهم ) ) ) في هذه الْحَالِ قال لَا فَقُلْت وَلَا نَأْخُذُ لهم مَالًا وَلَا نَسْبِي لهم ذُرِّيَّةً قال لَا قُلْت أَفَرَأَيْت أَهْلَ الْحَرْبِ إذَا كَانُوا في دِيَارِهِمْ لَا يَهُمُّونَ بِنَا وَلَا يُعَرِّضُونَ بِذِكْرِنَا أَهْلَ قُوَّةٍ على حَرْبِنَا فَتَرَكُوهَا أو ضَعُفَ عنها فلم يَذْكُرُوهَا أَيَحِلُّ لنا أَنْ نُقَاتِلَهُمْ نِيَامًا كَانُوا أو مُوَلِّينَ وَمَرْضَى وَنَأْخُذَ ما قَدَرْنَا عليه من مَالٍ وَسَبْيِ نِسَائِهِمْ وَأَطْفَالِهِمْ وَرِجَالِهِمْ قال نعم قُلْت وما يَحِلُّ منهم مُقَاتِلِينَ مُقْبِلِينَ وَمُدْبِرِينَ مِثْلُ ما يَحِلُّ منهم تَارِكِينَ لِلْحَرْبِ غَافِلِينَ قال نعم قُلْت وَأَهْلُ الْبَغْيِ مُقْبِلِينَ يُقَاتَلُونَ وَيُتْرَكُونَ مُوَلِّينَ فَلَا يُؤْخَذُ لهم مَالٌ قال نعم قُلْت أَفَتَرَاهُمْ يُشْبِهُونَهُمْ قال أنهم لَيُفَارِقُونَهُمْ في بَعْضِ الْأُمُورِ قُلْت بَلْ في أَكْثَرِهَا أو كُلِّهَا قال فما مَعْنَى دَعْوَتِهِمْ قُلْت قد يَطْلُبُونَ الْأَمْرَ بِبَعْضِ الْخَوْفِ وَالْإِرْعَادِ فَيَجْتَمِعُونَ وَيَعْتَقِدُونَ وَيَسْأَلُونَ عَزْلَ الْعَامِلِ وَيَذْكُرُونَ جَوْرَهُ أو رَدَّ مَظْلِمَتِهِ أو ما أَشْبَهَ هذا فَيُنَاظِرُونَ فَإِنْ كان ما طَلَبُوا حَقًّا أُعْطُوهُ وَإِنْ كان بَاطِلًا أُقِيمَتْ الْحُجَّةُ عليهم فيه فَإِنْ تَفَرَّقُوا قبل هذا تَفَرُّقًا لَا يَعُودُونَ له فَذَاكَ وَإِنْ أَبَوْا إلَّا الْقِتَالَ قُوتِلُوا وقد اجْتَمَعُوا في زَمَانِ عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ فَكَلَّمَهُمْ فَتَفَرَّقُوا بِلَا حَرْبٍ وَقُلْت له وإذا كَانُوا عِنْدَنَا وَعِنْدَك إذَا قَاتَلُوا فَأَكْثَرُوا الْقَتْلَ ثُمَّ وَلَّوْا لم يُقْتَلُوا مُوَلِّينَ لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ مع عِظَمِ الْجِنَايَةِ فَكَيْفَ تُبَيِّتُهُمْ فَتَقْتُلُهُمْ قبل قِتَالِهِمْ وَدَعْوَتِهِمْ وقد يُمْكِنُ فِيهِمْ الرُّجُوعُ بِلَا سَفْكِ دَمٍ وَلَا مُؤْنَةٍ أَكْثَرَ من الْكَلَامِ وَرَدِّ مَظْلِمَةٍ إنْ كانت يَجِبُ على الْإِمَامِ رَدُّهَا إذَا عَلِمَهَا قبل أَنْ يُسْأَلَهَا - * الْأَمَانُ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال بَعْضُ الناس يَجُوزُ أَمَانُ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ وَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لِأَهْلِ الْحَرْبِ فَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ فَإِنْ أَمَّنَ أَهْلَ بَغْيٍ أو حَرْبٍ وكان يُقَاتِلُ أَجَزْنَا أَمَانَهُ كما نُجِيزُ أَمَانَ الْحُرِّ وَإِنْ كان لَا يُقَاتِلُ لم نُجِزْ أَمَانَهُ فَقُلْت له لِمَ فَرَّقْت بين الْعَبْدِ يُقَاتِلُ وَلَا يُقَاتِلُ فقال قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( الْمُسْلِمُونَ يَدٌ على من سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ) فَقُلْت له هذه الْحُجَّةُ عَلَيْك قال وَمِنْ أَيْنَ قُلْت إنْ زَعَمْت أَنَّ قَوْلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ) على الْأَحْرَارِ دُونَ الْمَمَالِيكِ فَقَدْ زَعَمْت أَنَّ الْمَمْلُوكَ يُؤَمِّنُ وهو خَارِجٌ من الحديث قال ما هو بخارج ( ( ( خارج ) ) ) من الحديث وَإِنَّهُ لَيَلْزَمُهُ اسْمُ الْإِيمَانِ فَقُلْت له فَإِنْ كان دَاخِلًا في الحديث فَكَيْفَ زَعَمْت أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُ إذَا لم يُقَاتِلْ قال إنَّمَا يُؤَمِّنُ الْمُقَاتِلِينَ مُقَاتِلٌ قُلْت وَرَأَيْت ذلك اسْتِثْنَاءً في الحديث أو وَجَدْت عليه دَلَالَةً منه قال كان الْعَقْلُ يَدُلُّ على هذا قُلْت ليس كما تَقُولُ الْحَدِيثُ وَالْعَقْلُ مَعًا يَدُلَّانِ على أَنَّهُ يَجُوزُ أَمَانُ الْمُؤْمِنِ بِالْإِيمَانِ لَا بِالْقِتَالِ وَلَوْ كان كما قُلْتَ كُنْتَ قد خَالَفْت أَصْلَ مَذْهَبِك قال وَمِنْ أَيْنَ قُلْت زَعَمْت أَنَّ الْمَرْأَةَ تُؤَمِّنُ فَيَجُوزُ أَمَانُهَا وَالزَّمِنُ لَا يُقَاتِلُ يُؤَمِّنُ فَيَجُوزُ أَمَانُهُ وكان يَلْزَمُك في هَذَيْنِ على أَصْلِ ما ذَهَبْت إلَيْهِ أَنْ لَا يَجُوزُ أَمَانُهُمَا لِأَنَّهُمَا لَا يُقَاتِلَانِ قال فَإِنِّي أَتْرُكُ هذا كُلَّهُ
____________________

(4/226)


فَأَقُولُ إنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لَمَّا قال ( تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ) فَدِيَةُ الْعَبْدِ أَقَلُّ من دِيَةِ الْحُرِّ فَلَيْسَ بِكُفْءٍ بِدَمِهِ لِدَمِهِ فَقُلْت له الْقَوْلُ الذي صِرْت إلَيْهِ أَبْعَدُ من الصَّوَابِ من الْقَوْلِ الذي بَانَ لَك تَنَاقُضُ قَوْلِك فيه قال وَمِنْ أَيْنَ قُلْت أَتَنْظُرُ في قَوْلِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ) إلَى الْقَوَدِ أَمْ إلَى الدِّيَةِ قال إلَى الدِّيَةِ قُلْت فَدِيَةُ الْمَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ وَأَنْتَ تُجِيزُ أَمَانَهَا وَدِيَةُ بَعْضِ الْعَبِيدِ عِنْدَك أَكْثَرُ من دِيَةِ الْمَرْأَةِ فَلَا تُجِيزُ أَمَانَهُ وقد يَكُونُ الْعَبْدُ لَا يُقَاتِلُ أَكْثَرَ دِيَةً من الْعَبْدِ يُقَاتِلُ وَلَا تُجِيزُ أَمَانَهُ وَيَكُونُ الْعَبْدُ يُقَاتِلُ عن مِائَةِ دِرْهَمٍ فَتُجِيزُ أَمَانَهُ فَقَدْ تَرَكْت أَصْلَ مَذْهَبِك في إجَازَةِ أَمَانِ الْعَبْدِ الْمُقَاتِلِ يسوي ( ( ( يساوي ) ) ) مِائَةَ دِرْهَمٍ وفي الْمَرْأَةِ قال فَإِنْ قُلْت إنَّمَا عَنَى ( تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ) في الْقَوَدِ قُلْت فَقُلْهُ قال فَقَدْ قلته قُلْت فَأَنْتَ تُقِيدُ بِالْعَبْدِ الذي لَا يسوي ( ( ( يساوي ) ) ) عَشَرَةَ دَنَانِيرَ الْحُرَّ دِيَتُهُ أَلْفُ دِينَارٍ كان الْعَبْدُ مِمَّنْ يُحْسِنُ قِتَالًا أو لَا يُحْسِنُهُ قال إنِّي لَأَفْعَلُ وما هذا على الْقَوَدِ قُلْت أَجَلْ وَلَا على الدِّيَةِ وَلَا على الْقِتَالِ وَلَوْ كان على شَيْءٍ من ذلك كُنْت قد تَرَكْته كُلَّهُ قال فَعَلَامَ هو قُلْت على اسْمِ الْإِيمَانِ قال وإذا أَسَرَ أَهْلُ الْبَغْيِ أَهْلَ الْعَدْلِ وكان أَهْلُ الْعَدْلِ فِيهِمْ تُجَّارٌ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أو اسْتَهْلَكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَالًا لم يُقْتَصَّ لِبَعْضِهِمْ من بَعْضٍ ولم يَلْزَمْ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ في ذلك شَيْءٌ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَجْرِي عليهم وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا في دَارِ حَرْبٍ فَقُلْت له أَتَعْنِي أَنَّهُمْ في حَالِ شُبْهَةٍ بِجُهَّالِهِمْ وَتَنَحِّيهِمْ عن أَهْلِ الْعِلْمِ وَجَهَالَةِ من هُمْ بين ظَهْرَانَيْهِ من ( ( ( ممن ) ) ) أَهْلُ بَغْيٍ أو مُشْرِكِينَ قال لَا وَلَوْ كَانُوا فُقَهَاءَ يَعْرِفُونَ أَنَّ ما أَتَوْا وما هو دُونَهُ مُحَرَّمٌ أَسْقَطْت ذلك عَنْهُمْ في الْحُكْمِ لِأَنَّ الدَّارَ لَا يَجْرِي عليها الْحُكْمُ فَقُلْت له إنَّمَا يَحْتَمِلُ قَوْلُك لَا يَجْرِي عليها الْحُكْم مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تَقُولَ ليس على أَهْلِهَا أَنْ يُعْطُوا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عليهم جَارِيًا وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يَغْلِبَ أَهْلُهَا عليها فيمنعونها ( ( ( فيمنعوها ) ) ) من الْحُكْمِ في الْوَقْتِ الذي يُصِيبُ فيه هَؤُلَاءِ الْحُدُودِ فَأَيَّهُمَا عَنَيْت قال أَمَّا الْمَعْنَى الْأَوَّلُ فَلَا أَقُولُ بِهِ على أَهْلِهَا أَنْ يَصِيرُوا إلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَيَسْتَسْلِمُوا لِلْحُكْمِ وَهُمْ بِمَنْعِهِ ظَالِمُونَ مسلمين ( ( ( مسلمون ) ) ) كَانُوا أو مُشْرِكِينَ وَلَكِنْ إذَا مَنَعُوا دَارَهُمْ من أَنْ يَكُونَ عليها طَاعَةٌ يَجْرِي فيها الْحُكْمُ كَانُوا قبل الْمَنْعِ مُطِيعِينَ يَجْرِي عليهم الْحُكْمُ أو لم يَكُونُوا مُطِيعِينَ قَبْلَهُ فَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ في هذه الدَّارِ حُدُودًا بَيْنَهُمْ أو لِلَّهِ لم تُؤْخَذْ منهم الْحُدُودُ وَلَا الْحُقُوقُ بِالْحُكْمِ وَعَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عز وجل تَأْدِيَتُهَا فَقُلْت له نَحْنُ وَأَنْتَ تُزْعَمُ أَنَّ الْقَوْلَ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ خَبَرًا أو قِيَاسًا مَعْقُولًا فَأَخْبِرْنَا في أَيِّ الْمَعْنَيَيْنِ قَوْلُك قال قَوْلِي قِيَاسٌ لَا خَبَرٌ قُلْنَا فَعَلَامَ قِسْتَهُ قال على أَهْلِ دَارِ الْمُحَارَبِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ يَظْهَرُ عليهم فَلَا نُقِيدُ منهم قُلْت أَتَعْنِي من الْمُشْرِكِينَ قال نعم فَقُلْت له أَهْلُ الدَّارِ من الْمُشْرِكِينَ يُخَالِفُونَ التُّجَّارَ وَالْأُسَارَى فِيهِمْ في الْمَعْنَى الذي ذَهَبْت إلَيْهِ خِلَافًا بَيِّنًا قال فَأَوْجَدَنِيهِ قُلْت أَرَأَيْت الْمُشْرِكِينَ الْمُحَارَبِينَ لو سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ أَسْلَمُوا أَتَدَعُ السَّابِيَ يَتَخَوَّلُ الْمَسْبِيَّ مَوْقُوفًا له قال نعم قُلْت فَلَوْ فَعَلَ ذلك الْأُسَارَى أو التُّجَّارُ ثُمَّ ظَهَرْنَا عليهم قال فَلَا يَكُونُ لهم أَنْ يَسْتَرِقَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا قُلْت أَفَرَأَيْت أَهْلَ الْحَرْبِ لو غَزَوْنَا فَقَتَلُوا فِينَا ثُمَّ رَجَعُوا إلَى دَارِهِمْ فَأَسْلَمُوا أو أَسْلَمُوا قبل الرُّجُوعِ أَيَكُونُ على الْقَاتِلِ منهم قَوَدٌ قال لَا قُلْت فَلَوْ فَعَلَ ذلك الْأُسَارَى أو التُّجَّارُ غير مُكْرَهِينَ وَلَا مُشْتَبَهٍ عليهم قال يُقْتَلُونَ قُلْت أَفَرَأَيْت الْمُسْلِمِينَ أَيَسَعُهُمْ أَنْ يَقْصِدُوا قَصْدَ الْأُسَارَى وَالتُّجَّارِ من الْمُسْلِمِينَ بِبِلَادِ الْحَرْبِ فَيَقْتُلُونَهُمْ قال لَا بَلْ مُحَرَّمٌ عليهم قُلْت أَفَيَسَعُهُمْ ذلك في أَهْلِ الْحَرْبِ قال نعم قُلْت أَرَأَيْت الْأُسَارَى وَالتُّجَّارَ لو تَرَكُوا صَلَوَاتٍ ثُمَّ خَرَجُوا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ أَيَكُونُ عليهم قَضَاؤُهَا أو زَكَاةً كان عليهم أَدَاؤُهَا قال نعم قُلْت وَلَا يَحِلُّ لهم في دَارِ الْحَرْبِ إلَّا ما يَحِلُّ في دَارِ الاسلام قال نعم قُلْت فَإِنْ كانت الدَّارُ لَا تُغَيِّرُ مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ لهم وَحَرَّمَ عليهم شيئا فكيف ( ( ( فيكون ) ) ) أَسْقَطْت عَنْهُمْ حَقَّ اللَّهِ عز وجل وَحَقَّ الْآدَمِيِّينَ الذي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عز وجل فِيمَا أَتَوْا في الدَّارِ التي لَا تُغَيِّرُ عِنْدَك شيئا ثُمَّ قُلْت وَلَا يَحِلُّ لهم حَبْسُ حَقٍّ قِبَلَهُمْ في دَمٍ وَلَا غَيْرِهِ وما كان لَا يَحِلُّ لهم حَبْسُهُ كان على السُّلْطَانِ اسْتِخْرَاجُهُ منهم عِنْدَك في غَيْرِ هذا
____________________

(4/227)


الْمَوْضِعِ فقال فَإِنِّي أَقِيسُهُمْ على أَهْلِ الْبَغْيِ الَّذِينَ أَبْطَلَ ما أَصَابُوا إذَا كان الْحُكْمُ لَا يَجْرِي عليهم قُلْت وَلَوْ قِسْتَهُمْ بِأَهْلِ الْبَغْيِ كُنْت قد أَخْطَأْت الْقِيَاسَ قال وَأَيْنَ قُلْت أنت تَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ ما لم يَنْصِبُوا إمَامًا وَيُظْهِرُوا حُكْمَهُمْ يُقَادُ منهم في كل ما أَصَابُوا وَتُقَامُ عليهم الْحُدُودُ وَالْأُسَارَى وَالتُّجَّارُ لَا إمَامَ لهم وَلَا امْتِنَاعَ فَلَوْ قِسْتَهُمْ بِأَهْلِ الْبَغْيِ كان الذي نقيم ( ( ( تقيم ) ) ) عليه الْحُدُودَ من أَهْلِ الْبَغْيِ أَشْبَهُ بِهِمْ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بِنَفْسِهِ وَهُمْ غَيْرُ مُمْتَنِعِينَ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلُ الْبَغْيِ عِنْدَك إذَا قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِلَا شُبْهَةٍ ثُمَّ ظَهَرَتْ عليهم أَقَدْتهمْ وَأَخَذْت لِبَعْضِهِمْ من بَعْضٍ ما ذَهَبَ لهم من مَالٍ فقال وَلَكِنَّ الدَّارَ مَمْنُوعَةٌ من أَنْ يجري عليها الْحُكْمُ بِغَيْرِهِمْ فَإِنَّمَا مَنَعْتَهُمْ بِأَنَّ الدَّارَ لَا يجري عليها الْحُكْمُ فَقُلْت له فَأَنْتَ إنْ قِسْتَهُمْ بِأَهْلِ الْحَرْبِ وَالْبَغْيِ مُخْطِئٌ وَإِنَّمَا كان يَنْبَغِي أَنْ تَبْتَدِئَ بِاَلَّذِي رَجَعْت إلَيْهِ قال فَيَدْخُلُ عَلَيَّ في الذي رَجَعْت إلَيْهِ شَيْءٌ قُلْت نعم قال وما هو قُلْت أَرَأَيْت الْجَمَاعَةَ من أَهْلِ الْقِبْلَةِ يُحَارِبُونَ فَيَمْتَنِعُونَ في مَدِينَةٍ أو صَحْرَاءَ فَيَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ وَيَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ وَيَأْتُونَ الْحُدُودَ قال يُقَامُ هذا كُلُّهُ عليهم قُلْت وَلِمَ وقد مَنَعُوا هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ دَارَهُمْ وَمَوَاضِعَهُمْ حتى صَارُوا لَا تَجْرِي الْأَحْكَامُ عليهم وَإِنْ كُنْت إنَّمَا ذَهَبْت إلَى أَنَّهُ أَسْقَطَ الْحُكْمَ عن الْمُسْلِمِينَ امْتِنَاعُ الدَّارِ فَهَؤُلَاءِ مَنَعُوا الدَّارَ بِأَنْفُسِهِمْ من أَنْ يجري عليها حُكْمٌ وقد أَجْرَيْت عليهم الْحُكْمَ فَلِمَ أَجْرَيْته على قَوْمٍ في دَارٍ مَمْنُوعَةٍ من الْقَوْمِ وَأَسْقَطْته عن آخَرِينَ وَإِنْ كُنْت قُلْت يَسْقُطُ عن أَهْلِ الْبَغْيِ فَأُولَئِكَ قَوْمٌ مُتَأَوِّلُونَ مع الْمَنْعِيَّةِ مُشْبَهٌ عليهم يَرَوْنَ أَنَّ ما صَنَعُوا مُبَاحٌ لهم وَالْأُسَارَى وَالتُّجَّارُ الَّذِينَ أَسْقَطْت عَنْهُمْ الْحُدُودَ يَرَوْنَ ذلك مُحَرَّمًا عليهم قال فَإِنَّمَا قُلْت هذا في الْمُحَارِبِينَ من أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عليهم أَنْ يُقْتَلُوا أو يُصَلَّبُوا أو تَقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ من خِلَافٍ قُلْت له أَفَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ عليهم إنْ كَانُوا غير مُمْتَنِعِينَ قال نعم وَيُحْتَمَلُ وقل ( ( ( وكل ) ) ) شَيْءٍ إلَّا وهو يُحْتَمَلُ وَلَكِنْ ليس في الْآيَةِ دَلَالَةٌ عليه وَالْآيَةُ على ظَاهِرِهَا حتى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ على بَاطِنٍ دُونَ ظَاهِرٍ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قُلْت له وَمَنْ قال بِبَاطِنٍ دُونَ ظَاهِرٍ بِلَا دَلَالَةٍ له في الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أو الْإِجْمَاعِ مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ قال نعم فَقُلْت له فَأَنْتَ إذًا تُخَالِفُ آيَاتٍ من كِتَابِ اللَّهِ عز وجل قال وَأَيْنَ قُلْت قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا } وقال اللَّهُ تَعَالَى { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } وقال عز ذِكْرُهُ { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } فَزَعَمْت في هذا وَغَيْرِهِ أَنَّك تَطْرَحُهُ عن الْأُسَارَى وَالتُّجَّارِ بِأَنْ يَكُونُوا في دَارٍ مُمْتَنِعَةٍ ولم تَجِدْ دَلَالَةً على هذا في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل وَلَا في سُنَّةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَلَا إجْمَاعٍ فَتُزِيلُ ذلك عَنْهُمْ بِلَا دَلَالَةٍ وَتَخُصُّهُمْ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ وقال بَعْضُ الناس لَا يَنْبَغِي لِقَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ أَنْ يَحْكُمَ في الدِّمَاءِ وَالْحُدُودِ وَحُقُوقِ الناس وإذا ظَهَرَ الْإِمَامُ على الْبَلَدِ الذي فيه قَاضٍ لِأَهْلِ الْبَغْيِ لم يَرُدَّ من حُكْمِهِ إلَّا ما يَرُدُّ من حُكْمِ غَيْرِهِ من قُضَاةِ غَيْرِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَإِنْ حَكَمَ على غَيْرِ أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يُجِيزَ كِتَابَهُ خَوْفَ اسْتِحْلَالِهِ أَمْوَالَ الناس بِمَا لَا يَحِلُّ له ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا كان غير مَأْمُونٍ بِرَأْيِهِ على اسْتِحْلَالِ ما لَا يَحِلُّ له من مَالِ امْرِئٍ أو دَمِهِ لم يَحِلَّ قَبُولُ كِتَابِهِ وَلَا إنْفَاذُ حُكْمِهِ وَحُكْمُهُ أَكْثَرُ من كِتَابِهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُنَفَّذَ حُكْمُهُ وهو الْأَكْثَرُ وَيُرَدَّ كِتَابُهُ وهو الْأَقَلُّ وقال من خَالَفَنَا إذَا قَتَلَ الْعَادِلُ أَبَاهُ وَرِثَهُ وإذا قَتَلَ الْبَاغِي أباه لم يَرِثْهُ وَخَالَفَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فقال هُمَا سَوَاءٌ يَتَوَارَثَانِ لِأَنَّهُمَا مُتَأَوِّلَانِ وَخَالَفَهُ آخَرُ فقال لَا يَتَوَارَثَانِ لِأَنَّهُمَا قَاتِلَانِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى والذي ( ( ( الذي ) ) ) هو أَشْبَهُ بِمَعْنَى الحديث أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لَا يَتَوَارَثَانِ وَيَرِثُهُمَا غَيْرُهُمَا من وَرَثَتِهِمَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) قال من خَالَفَنَا يَسْتَعِينُ الْإِمَامُ على أَهْلِ الْبَغْيِ بِالْمُشْرِكِينَ إذَا كان حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ ظَاهِرًا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْت له إنَّ اللَّهَ عز وجل أَعَزَّ بِالْإِسْلَامِ أَهْلَهُ فَخَوَّلَهُمْ من خَالَفَهُمْ بِخِلَافِ دِينِهِ فَجَعَلَهُمْ صِنْفَيْنِ صِنْفًا مَرْقُوقِينَ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ وَصِنْفًا مَأْخُوذًا من أَمْوَالِهِمْ ما فيه لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ الْمَنْفَعَةُ صَغَارًا غير مَأْجُورِينَ عليه وَمَنَعَهُمْ من أَنْ يَنَالُوا نِكَاحَ مُسْلِمَةٍ وَأَبَاحَ
____________________

(4/228)


نِسَاءَ حَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِلْمُسْلِمِينَ ثُمَّ زَعَمْت أَنْ لَا يَذْبَحَ النُّسُكَ إذَا كان تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ أَحَدٌ من أَهْلِ الْكِتَابِ فَكَيْفَ أَجَزْت أَنْ تَجْعَلَ الْمُشْرِكَ في مَنْزِلَةٍ يَنَالُ بها مُسْلِمًا حتى يَسْفِكَ بها دَمَهُ وَأَنْتَ تَمْنَعُهُ من أَنْ تُسَلِّطَهُ على شَاتِه التي يَتَقَرَّبُ بها إلَى رَبِّهِ قال حُكْمُ الْإِسْلَامِ هو الظَّاهِرُ قُلْت وَالْمُشْرِكُ هو الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ قد مَضَى عنه الْحُكْمُ وَصَيَّرْتَ حَتْفَهُ بِيَدَيْ من خَالَفَ دِينَ اللَّهِ عز وجل وَلَعَلَّهُ يَقْتُلُهُ بِعَدَاوَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ في الْحَالِ التي لَا تَسْتَحِلُّ أنت فيها قَتْلَهُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَقُلْت له أَرَأَيْت قَاضِيًا إنْ اسْتَقْضَى تَحْتَ يَدِهِ قَاضِيًا هل يُوَلِّي ذِمِّيًّا مَأْمُونًا أَنْ يَقْضِيَ في حُزْمَةِ بَقْلٍ وهو يَسْمَعُ قَضَاءَهُ فَإِنْ أَخْطَأَ الْحَقَّ رَدَّهُ قال لَا قُلْت وَلِمَ وَحُكْمُ الْقَاضِي الظَّاهِرُ قال وَإِنْ فَإِنْ عَظِيمًا أَنْ يَنْفُذَ على مُسْلِمٍ شَيْءٌ بِقَوْلِ ذِمِّيٍّ قُلْت إنَّهُ بِأَمْرِ مُسْلِمٍ قال وَإِنْ كان كَذَلِكَ فَالذِّمِّيُّ مَوْضِعُ حَاكِمٍ فَقُلْت له أَفَتَجِدُ الذِّمِّيَّ في قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ قَاتِلًا في الْمَوْضِعِ الذي لَا يَصِلُ الْإِمَامُ إلَى أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَتْلٍ إنْ رَآهُ وَلَا كَفَّ قال إنَّ هذا كما وَصَفْت وَلَكِنَّ أَصْحَابُنَا احْتَجُّوا بِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم اسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ على الْمُشْرِكِينَ قُلْت وَنَحْنُ نَقُولُ لَك اسْتَعِنْ بِالْمُشْرِكِينَ على الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّهُ ليس في الْمُشْرِكِينَ عِزٌّ مُحَرَّمٌ أَنْ نُذِلَّهُ وَلَا حُرْمَةٌ حُرِّمَتْ إلَّا أَنْ نَسْتَبْقِيَهَا كما يَكُونُ في أَهْلِ دِينِ اللَّهِ عز وجل وَلَوْ جَازَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِهِمْ على قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ في الْحَرْبِ كان أَنْ يَمْضُوا حُكْمًا في حُزْمَةِ بَقْلٍ أَجْوَزْ وَقُلْت له ما أَبْعَدَ ما بين أَقَاوِيلِك قال في أَيِّ شَيْءٍ قُلْت أنت تَزْعُمُ أَنَّ الْمُسْلِمَ وَالذِّمِّيَّ إذَا تَدَاعَيَا وَلَذَا جَعَلْت الْوَلَدَ لِلْمُسْلِمِ وَحُجَّتُهُمَا فيه وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ أَوْلَى بِالْوَلَدِ قبل أَنْ يَصِفَ الْوَلَدَ الْإِسْلَامُ وَزَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ إذَا أَسْلَمَ كان الْوَلَدُ مع أَيِّهِمَا أَسْلَمَ تعزيزا ( ( ( تعزيرا ) ) ) لِلْإِسْلَامِ فَأَنْتَ في هذه الْمَسْأَلَةِ تَقُولُ هذا وفي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا تُسَلِّطُ الْمُشْرِكِينَ على قَتْلِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ (1) * أخبرنا الرَّبِيعُ بن سلمان ( ( ( سليمان ) ) ) قال أخبرنا محمد بن إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال جِمَاعُ ما يَحِلُّ أَنْ يَأْخُذَهُ الرَّجُلُ من الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ثَلَاثَةُ وُجُوهٍ أَحَدُهَا ما وَجَبَ على الناس في أَمْوَالِهِمْ مِمَّا ليس لهم دَفْعُهُ من جِنَايَاتِهِمْ وَجِنَايَاتِ من يَعْقِلُونَ عنه وما وَجَبَ عليهم بِالزَّكَاةِ وَالنُّذُورِ وَالْكَفَّارَاتِ وما أَشْبَهَ ذلك وما أَوْجَبُوا على أَنْفُسِهِمْ مِمَّا أَخَذُوا بِهِ الْعِوَضَ من الْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْهِبَاتِ لِلثَّوَابِ وما في مَعْنَاهُ وما أَعْطَوْا مُتَطَوِّعِينَ من أَمْوَالِهِمْ الْتِمَاسَ وَاحِدٍ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا طَلَبُ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْآخَرُ طَلَبُ الِاسْتِحْمَادِ مِمَّنْ أَعْطَوْهُ إيَّاهُ وَكِلَاهُمَا مَعْرُوفٌ حَسَنٌ وَنَحْنُ نَرْجُو عليه الثَّوَابَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ ما أَعْطَى الناس من أَمْوَالِهِمْ من غَيْرِ هذه الْوُجُوهِ وما في مَعْنَاهَا وَاحِدٌ من وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا حَقٌّ وَالْآخَرُ بَاطِلٌ فما أَعْطَوْا من الْبَاطِلِ غَيْرُ جَائِزٍ لهم وَلَا لِمَنْ أَعْطَوْهُ وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عز وجل { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ } فَالْحَقُّ من هذا الْوَجْهِ الذي هو خَارِجٌ من هذه الْوُجُوهِ التي وَصَفْت يَدُلُّ على الْحَقِّ في نَفْسِهِ وَعَلَى الْبَاطِلِ فِيمَا خَالَفَهُ وَأَصْلُ ذِكْرِهِ في الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيمَا نَدَبَ إلَيْهِ أَهْلَ دِينِهِ { وَأَعِدُّوا لهم ما اسْتَطَعْتُمْ من قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ } فَزَعَمَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ أَنَّ الْقُوَّةَ هِيَ الرَّمْيُ وقال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وما أَفَاءَ اللَّهُ على رَسُولِهِ منهم فما أَوَجَفْتُمْ عليه من خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ } قال الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا بن أبي فُدَيْكٍ عن بن أبي ذِئْبٍ عن نَافِعِ بن أبي نَافِعٍ عن أبي هُرَيْرَةَ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ( لَا سَبَقَ إلَّا في نَصْلٍ أو حَافِرٍ أو خُفٍّ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَأَخْبَرَنِي بن أبي فُدَيْكٍ عن بن أبي ذِئْبٍ عن عَبَّادِ بن أبي صَالِحٍ عن أبيه عن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ( لَا سَبَقَ إلَّا في حَافِرٍ أو خُفٍّ ) قال وَأَخْبَرَنَا بن أبي فُدَيْكٍ عن بن أبي ذِئْبٍ عن بن شِهَابٍ قال مَضَتْ السُّنَّةُ في النَّصْلِ وَالْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ
____________________
1- * كِتَابُ السَّبْقِ وَالنِّضَالِ

(4/229)


حَلَالٌ قال وَأَخْبَرَنَا مَالِكُ بن أَنَسٍ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سَابَقَ بين الْخَيْلِ التي قد أُضْمِرَتْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَوْلُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( لَا سَبَقَ إلَّا في خُفٍّ أو حَافِرٍ أو نَصْلٍ ) يَجْمَعُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ كُلَّ نَصْلٍ رُمِيَ بِهِ من سَهْمٍ أو نُشَّابَةٍ أو ما يَنْكَأُ الْعَدُوُّ نِكَايَتَهُمَا وَكُلَّ حَافِرٍ من خَيْلٍ وَحَمِيرٍ وَبِغَالٍ وَكُلَّ خُفٍّ من إبِلٍ بُخْتٍ أو عِرَابٍ دَاخِلٌ في هذا الْمَعْنَى الذي يَحِلُّ فيه السَّبَقُ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّهُ يَحْرُمُ أَنْ يَكُونَ السَّبَقُ إلَّا في هذا وَهَذَا دَاخِلٌ في مَعْنَى ما نَدَبَ اللَّهُ عز وجل إلَيْهِ وَحَمِدَ عليه أَهْلَ دِينِهِ من الْإِعْدَادِ لِعَدُوِّهِ الْقُوَّةَ وَرِبَاطَ الْخَيْلِ وَالْآيَةُ الْأُخْرَى فما أَوَجَفْتُمْ عليه من خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ لِأَنَّ هذه الرِّكَابَ لَمَّا كان السَّبَقُ عليها يُرَغِّبُ أَهْلَهَا في اتِّخَاذِهَا لِآمَالِهِمْ إدْرَاكَ السَّبَقِ فيها وَالْغَنِيمَةِ عليها كانت من الْعَطَايَا الْجَائِزَةِ بِمَا وَصَفْتهَا فالإستباق فيها حَلَالٌ وَفِيمَا سِوَاهَا مُحَرَّمٌ فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَابَقَ رَجُلًا على أَنْ يَتَسَابَقَا على أَقْدَامِهِمَا أو سَابَقَهُ على أَنْ يَعْدُوَ إلَى رَأْسِ جَبَلٍ أو على أَنْ يَعْدُوَ فَيَسْبِقَ طَائِرًا أو على أَنْ يُصِيبَ ما في يَدَيْهِ أو على أَنْ يُمْسِكَ في يَدِهِ شيئا فَيَقُولَ له ارْكِنْ فَيَرْكَنُ فَيُصِيبُهُ أو على أَنْ يَقُومَ على قَدَمَيْهِ سَاعَةً أو أَكْثَرَ منها أو على أَنْ يُصَارِعَ رَجُلًا أو على أَنْ يُدَاحِيَ رَجُلًا بِالْحِجَارَةِ فَيَغْلِبَهُ كان هذا كُلُّهُ غير جَائِزٍ من قِبَلِ أَنَّهُ خَارِجٌ من مَعَانِي الْحَقِّ الذي حَمِدَ اللَّهُ عليه وَخَصَّتْهُ السُّنَّةُ بِمَا يَحِلُّ فيه السَّبَقُ وَدَاخِلٌ في مَعْنَى ما حَظَرَتْهُ السُّنَّةُ إذْ نَفَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ السَّبَقُ إلَّا في خُفٍّ أو نَصْلٍ أو حَافِرٍ وَدَاخِلٍ في مَعْنَى أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ لِأَنَّهُ ليس مِمَّا أَخَذَ الْمُعْطِي عليه عِوَضًا وَلَا لَزِمَهُ بِأَصْلِ حَقٍّ وَلَا أَعْطَاهُ طَلَبًا لِثَوَابِ اللَّهِ عز وجل وَلَا لِمَحْمَدَةِ صَاحِبِهِ بَلْ صَاحِبُهُ يَأْخُذُهُ غير حَامِدٍ له وهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ له فَعَلَى هذا عَطَايَا الناس وَقِيَاسُهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالْأَسْبَاقُ ثَلَاثَةٌ سَبَقٌ يُعْطِيه الْوَالِي أو الرَّجُلُ غَيْرُ الْوَالِي من ماله مُتَطَوِّعًا بِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُسَبِّقَ بين الْخَيْلِ من غَايَةٍ إلَى غَايَةٍ فَيَجْعَلَ لِلسَّابِقِ شيئا مَعْلُومًا وَإِنْ شَاءَ جَعَلَ لِلْمُصَلِّي وَالثَّالِثِ وَالرَّابِعِ وَاَلَّذِي يَلِيهِ بِقَدْرِ ما رأى ( ( ( أرى ) ) ) فما جَعَلَ لهم كان لهم على ما جَعَلَ لهم وكان مَأْجُورًا عليه أَنْ يُؤَدِّيَ فيه وَحَلَالًا لِمَنْ أَخَذَهُ وَهَذَا وَجْهٌ لَيْسَتْ فيه عِلَّةٌ وَالثَّانِي يَجْمَعُ وَجْهَيْنِ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلَانِ يُرِيدَانِ يَسْتَبِقَانِ بِفَرَسَيْهِمَا وَلَا يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَسْبِقَ صَاحِبَهُ وَيُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَا سَبَقَيْنِ من عِنْدِهِمَا وَهَذَا لَا يَجُوزُ حتى يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا وَالْمُحَلِّلُ فَارِسٌ أو أَكْثَرُ من فَارِسٍ وَلَا يَجُوزُ الْمُحَلِّلُ حتى يَكُونَ كُفُؤًا لِلْفَارِسَيْنِ لَا يَأْمَنَانِ أَنْ يَسْبِقَهُمَا فإذا كان بَيْنَهُمَا مُحَلِّلٌ أو أَكْثَرُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ما تَرَاضَيَا عليه مِائَةً مِائَةً أو أَكْثَرَ أو أَقَلَّ وَيَتَوَاضَعَانِهَا على يَدَيْ من يَثِقَانِ بِهِ أو يَضْمَنَانِهَا وَيَجْرِي بَيْنَهُمَا الْمُحَلِّلُ فَإِنْ سَبَقَهُمَا الْمُحَلِّلُ كان ما أَخْرَجَا جميعا له وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الْمُحَلِّلَ أَحْرَزَ السَّابِقُ مَالَهُ وَأَخَذَ مَالَ صَاحِبِهِ وَإِنْ أَتَيَا مُسْتَوِيَيْنِ لم يَأْخُذْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا من صَاحِبِهِ شيئا وَأَقَلُّ السَّبَقِ أَنْ يَفُوتَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِالْهَادِي أو بَعْضِهِ أو بِالْكَتَدِ أو بَعْضِهِ ( قال الرَّبِيعُ ) الْهَادِي عُنُقُ الْفَرَسِ وَالْكَتَدُ كَتِفُ الْفَرَسِ وَالْمُصَلِّي هو الثَّانِي وَالْمُحَلِّلُ هو الذي يَرْمِي معى وَمَعَك وَيَكُونُ كُفُؤًا لِلْفَارِسَيْنِ فَإِنْ سَبَقَنَا الْمُحَلِّلُ أَخَذَ مِنَّا جميعا وَإِنْ سَبَقْنَاهُ لم نَأْخُذْ منه شيئا لِأَنَّهُ مُحَلِّلٌ وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ وَسَبَقَهُ الْمُحَلِّلُ أَخَذَ الْمُحَلِّلُ منه السَّبَقَ ولم يَأْخُذْ مِنِّي لِأَنِّي قد أَخَذْت سَبَقِي ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا كان هذا في الِاثْنَيْنِ هَكَذَا فَسَوَاءٌ لو كَانُوا مِائَةً أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ منهم مِثْلَ ما يُخْرِجُ صَاحِبُهُ وَأَدْخَلُوا بَيْنَهُمْ مُحَلِّلًا إنْ سَبَقَ كان له جَمِيعُ ذلك وَإِنْ سُبِقَ لم يَكُنْ عليه شَيْءٌ وَإِنَّمَا قُلْنَا هذا لِأَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ في السَّبَقِ أَنْ يَكُونَ بين الْخَيْلِ وما يَجْرِي فَإِنْ سَبَقَ غَنِمَ وَإِنْ سُبِقَ لم يَغْرَمْ وَهَكَذَا هذا في الرَّمْيِ وَالثَّالِثُ أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُ الْفَارِسَيْنِ صَاحِبَهُ فَيَكُونَ السَّبَقُ منه دُونَ صَاحِبِهِ فَإِنْ سَبَقَهُ صَاحِبُهُ كان له السَّبَقُ وَإِنْ سَبَقَ صَاحِبُهُ لم يَغْرَمْ صَاحِبُهُ شيئا وَأَحْرَزَ هو مَالَهُ وَسَوَاءٌ لو أَدْخَلَ معه عَشَرَةً هَكَذَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْرِيَ الرَّجُلُ مع الرَّجُلِ يُخْرِجُ كُلُّ وَاحِدٍ منها سَبَقًا وَيُدْخِلَانِ بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا إلَّا وَالْغَايَةُ التي يَجْرِيَانِ منها وَالْغَايَةُ التي يَنْتَهِيَانِ إلَيْهَا وَاحِدَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَصِلَ أَحَدُهُمَا عن الْآخَرِ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ
____________________

(4/230)


- * ما ذُكِرَ في النِّضَالِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَالنِّضَالُ فِيمَا بين الِاثْنَيْنِ يَسْبِقُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَالثَّالِثُ بَيْنَهُمَا الْمُحَلِّلُ كَهُوَ في الْخَيْلِ لَا يَخْتَلِفَانِ في الْأَصْلِ فَيَجُوزُ في كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ما جَازَ في الْآخَرِ وَيَرِدُ فِيهِمَا ما يَرِدُ في الْآخَرِ ثُمَّ يَتَفَرَّعَانِ فإذا اخْتَلَفَتْ عِلَلُهُمَا اخْتَلَفَا وإذا سَبَقَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ الْآخَرَ على أَنْ يَجْعَلَا بَيْنَهُمَا قَرَعًا مَعْرُوفًا خَوَاسِقَ ( 1 ) أو حَوَابِي فَهُوَ جَائِزٌ إذَا سَمَّيَا الْغَرَضَ الذي يَرْمِيَانِهِ وَجَائِزٌ أَنْ يَتَشَارَطَا ذلك مُحَاطَّةٌ أو مُبَادَرَةً فإذا تَشَارَطَاهُ مُحَاطَّةٌ فَكُلَّمَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا بِعَدَدٍ وَأَصَابَ الْآخَرُ بمثله سَقَطَ كُلُّ وَاحِدٍ من الْعَدَدَيْنِ وَاسْتَأْنَفَا عَدَدًا كَأَنَّهُمَا أَصَابَا بِعَشَرَةِ أَسْهُمٍ عَشَرَةً سَقَطَتْ الْعَشَرَةُ بِالْعَشَرَةِ وَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا على صَاحِبِهِ وَلَا يَعْتَدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على صَاحِبِهِ إلَّا بِالْفَضْلِ من إصَابَتِهِ على إصَابَةِ صَاحِبِهِ وَهَذَا من حِينِ يَبْتَدِئَانِ السَّبْقَ إلَى أَنْ يَفْرُغَا منه وَسَوَاءٌ كان لِأَحَدِهِمَا فَضْلُ عِشْرِينَ سَهْمًا ثُمَّ أَصَابَ معه صَاحِبُهُ بِسَهْمٍ حُطَّ منها ( ( ( منهما ) ) ) سهما ( ( ( سهم ) ) ) ثُمَّ كُلَّمَا أَصَابَ حَطَّهُ حتى يَخْلُصَ له فَضْلُ الْعَدَدِ الذي شَرَطَ فَيَنْضُلَهُ وَإِنْ وَقَفَ وَقَرَعَ بَيْنَهُمَا من عِشْرِينَ خَاسِقًا وَلَهُ فَضْلُ تِسْعَةَ عَشْرَ فَأَصَابَ بِسَهْمٍ وَقَّفْنَا الْمَفْلُوجَ وَأَمَرْنَا الْآخَرَ بِالرَّمْيِ حتى ينفد ( ( ( ينفذ ) ) ) ما في أَيْدِيهِمَا في رَشْقِهَا فَإِنْ حَطَّهُ الْمَفْلُوجُ عليه بَطَلَ فَلْجُهُ وَإِنْ أَنْفَدَ ما في يَدَيْهِ وَلِلْآخِرِ في ذلك الرَّشْقِ عِشْرُونَ لم يُكَلَّفْ أَنْ يَرْمِيَ معه وكان قد فَلَجَ عليه وَإِنْ تَشَارَطَا أَنَّ الْقَرَعَ بَيْنَهُمَا حَوَابٍ كان الْحَابِي قُرْعَةً وَالْخَاسِقُ قُرْعَتَيْنِ وَيَتَقَايَسَانِ إذَا أَخْطَآ في الْوَجْهِ مَعًا فَإِنْ كان أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ من صَاحِبِهِ بِسَهْمٍ فَأَكْثَرُ عَدَدِ ذلك عليه وَإِنْ كان أَقْرَبَ منه بِسَهْمٍ ثُمَّ الْآخَرُ أَقْرَبُ بِأَسْهُمٍ بَطَلَتْ أَسْهُمُهُ بالسهم الذي هو أَقْرَبُ بِهِ لَا يُعَدُّ الْقُرْبُ لِوَاحِدٍ وَلَا أَكْثَرَ وَثُمَّ وَاحِدٌ أَقْرَبُ منه وَكَذَلِكَ لو كان أَحَدُهُمَا أَقْرَبَ بِسَهْمٍ حَسَبْنَاهُ له وَالْآخَرُ أَقْرَبَ بِخَمْسَةٍ أَسْهُمٍ بَعْدَ ذلك السَّهْمِ لم نَحْسُبْهَا له إنَّمَا نَحْسُبُ له الْأَقْرَبَ فَأَيُّهُمَا كان أَقْرَبَ بِوَاحِدٍ حَسَبْنَاهُ له وَإِنْ كان أَقْرَبَ بِأَكْثَرَ وَإِنْ كان أَقْرَبَ بِوَاحِدٍ ثُمَّ الْآخَرُ بَعْدَهُ أَقْرَبُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ الْأَوَّلُ الذي هو أَقْرَبُهُمَا أَقْرَبُ بِخَمْسَةِ أَسْهُمٍ لم يُحْسَبْ له من الْخَمْسَةِ من قِبَلِ أَنَّ لِمُنَاضِلِهِ سَهْمًا أَقْرَبَ منها وَإِنْ كان أَقْرَبَ بِأَسْهُمٍ فَأَصَابَ صَاحِبُهُ بَطَلَ الْقُرْبُ لِأَنَّ الْمُصِيبَ أَوْلَى من الْقَرِيبِ إنَّمَا يُحْسَبُ الْقَرِيبُ لِقُرْبِهِ من الْمُصِيبِ وَلَكِنْ إنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا وَأَخْلَى الْآخَرُ حُسِبَ لِلْمُصِيبِ صَوَابُهُ ثُمَّ نَظَرَ في حوابيهما فَإِنْ كان الذي لم يُصِبْ أَقْرَبَ بَطَلَ قُرْبُهُ بِمُصِيبِ مُنَاضِلِهِ فَإِنْ كان الْمُصِيبُ أَقْرَبَ حُسِبَ له من نَبْلِهِ ما كان أَقْرَبَ مع مُصِيبِهِ لِأَنَّا إذَا حَسَبْنَا له ما قَرُبَ من نَبْلِهِ مع غَيْرِ مُصِيبِهِ كانت مَحْسُوبَةً مع مُصِيبِهِ وقد رأيت من أَهْلِ الرَّمْيِ من يَزْعُمُ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَقَايَسُونَ في الْقُرْبِ إلَى مَوْضِعِ الْعَظْمِ وَمَوْضِعُ الْعَظْمِ وَسَطُ الشَّنِّ بالأرض ( ( ( والأرض ) ) ) وَلَسْتُ أَرَى هذا يَسْتَقِيمُ في الْقِيَاسِ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَتَقَارَبُوا إلَى الشَّنِّ من قِبَلِ أَنَّ الشَّنَّ مَوْضِعُ الصَّوَابِ وقد رأيت منهم من يُقَايِسُ بين النَّبْلِ في الْوَجْهِ والعواضد يَمِينًا وَشِمَالًا ما لم يُجَاوِزْ الْهَدَفَ فإذا جَاوَزَ الْهَدَفَ أو الشَّنَّ أو كان مَنْصُوبًا أَلْغَوْهَا فلم يُقَايِسُوا بها ما كان عَضُدًا أو كان في الْوَجْهِ وَلَا يَجُوزُ هذا في الْقِيَاسُ فَالْقِيَاسُ أَنْ يُقَاسَ بِهِ خَارِجًا أو سَاقِطًا أو عَاضِدًا أو كان في الْوَجْهِ وَهَذَا في الْمُبَادَرَةِ مِثْلُهُ في الْمُحَاطَّةِ لَا يَخْتَلِفَانِ وَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يُسَمِّيَا قُرَعًا ثُمَّ يُحْسَبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوَابُهُ إنْ تَشَارَطُوا الصَّوَابَ وحوابيه إنْ تَشَارَطُوا الحوابي مع الصَّوَابِ ثُمَّ أَيُّهُمَا سَبَقَ إلَى ذلك الْعَدَدِ كان له النضل ( ( ( الفضل ) ) ) ( قال الرَّبِيعُ الْحَابِي الذي يُصِيبُ الْهَدَفَ وَلَا يُصِيبُ الشَّنَّ ) فإذا تَقَايَسَا بالحوابي فَاسْتَوَى حَابَيَاهُمَا تباطلا في ذلك الْوَجْهِ فلم يَتَعَادَّا لِأَنَّا إنَّمَا نُعَاد من كل
____________________

(4/231)


وَاحِدٍ مِنْهُمَا ما كان أَقْرَبَ بِهِ وَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِأَقْرَبَ من صَاحِبِهِ وإذا سَبَقَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ على أَنْ يَرْمِيَ معه أو سَبَقَ رَجُلٌ بين رَجُلَيْنِ فَقَدْ رأيت من الرُّمَاةِ من يقول صَاحِبُ السَّبَقِ أَوْلَى أَنْ يَبْدَأ وَالْمُسْبَقُ يُبْدِئُ أَيَّهُمَا شَاءَ وَلَا يَجُوزُ في الْقِيَاسِ أَنْ يَتَشَارَطَا أَيُّهُمَا يَبْدَأُ فَإِنْ لم يَفْعَلَا اقْتَرَعَا وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَرْمِيَا إلَّا عن شَرْطٍ وإذا بَدَأَ أَحَدُهُمَا من وَجْهٍ بَدَأَ الْآخَرُ من الْوَجْهِ الذي يَلِيهِ وَيَرْمِي الْبَادِئُ بِسَهْمٍ ثُمَّ الْآخَرُ بِسَهْمٍ حتى يَنْفَدَ نَبْلُهُمَا وإذا عَرِقَ أَحَدُهُمَا فَخَرَجَ السَّهْمُ من يَدِهِ فلم يَبْلُغْ الْغَرَضَ كان له أَنْ يَعُودَ فَيَرْمِيَ بِهِ من قِبَلِ الْعَارِضِ فيه وَكَذَلِكَ لو زَهَقَ من قِبَلِ الْعَارِضِ فيه أَعَادَهُ فَرَمَى بِهِ وَكَذَلِكَ لو انْقَطَعَ وَتَرُهُ فلم يَبْلُغْ أو انْكَسَرَ قَوْسُهُ فلم يَبْلُغْ كان له أَنْ يُعِيدَهُ وَكَذَلِكَ لو أَرْسَلَهُ فَعَرَضَ دُونَهُ دَابَّةٌ أو إنْسَانٌ فَأَصَابَهُمَا كان له أَنْ يُعِيدَهُ في هذه الْحَالَاتِ كُلِّهَا وَكَذَلِكَ لو اضْطَرَبَتْ بِهِ يَدَاهُ أو عَرَضَ له في يَدَيْهِ ما لَا يَمْضِي معه السَّهْمُ كان له أَنْ يَعُودَ فَأَمَّا إنْ جَازَ وَأَخْطَأَ الْقَصْدَ فَرَمَى فَأَصَابَ الناس أو أَجَازَ من وَرَائِهِمْ فَهَذَا سُوءُ رمى منه ليس بِعَارِضٍ غَلَبَ عليه وَلَيْسَ له أَنْ يُعِيدَهُ وإذا كان رَمْيُهُمَا مُبَادَرَةً فَبَدَأَ أَحَدُهُمَا فَبَلَغَ تِسْعَةَ عَشْرَ من عِشْرِينَ رَمَى صَاحِبُهُ بِالسَّهْمِ الذي يُرَاسَلُهُ بِهِ ثُمَّ رَمَى الْبَادِئُ فَإِنْ أَصَابَ بِسَهْمِهِ ذلك فَلَجَ عليه ولم يَرْمِ الْآخَرُ بِالسَّهْمِ لِأَنَّ أَصْلَ السَّبَقِ مُبَادَرَةٌ وَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يَفُوتَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَلَيْسَتْ كَالْمُحَاطَةِ وإذا تَشَارَطَا الخواسق فَلَا يُحْسَبْ لِرَجُلٍ خَاسِقٌ حتى يَخْرِقَ الْجِلْدَ وَيَكُونَ مُتَعَلِّقًا مثله وَإِنْ تَشَارَطَا الْمُصِيبَ فَلَوْ أَصَابَ الشَّنَّ ولم يَخْرِقْهُ حُسِبَ له لِأَنَّهُ مُصِيبٌ وإذا تَشَارَطَا الخواسق وَالشَّنُّ مُلْصَقٌ بِهَدَفٍ فَأَصَابَ ثُمَّ رَجَعَ ولم يَثْبُتْ فَزَعَمَ الرَّامِي أَنَّهُ خَسَقَ ثُمَّ رَجَعَ لِغِلَظٍ لَقِيَهُ من حَصَاةٍ أو غَيْرِهَا وَزَعَمَ الْمُصَابُ عليه أَنَّهُ لم يَخْسِقْ وَأَنَّهُ إنَّمَا قَرَعَ ثُمَّ رَجَعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مع يَمِينِهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَيُؤْخَذَ بها وَكَذَلِكَ إنْ كان الشَّنُّ بَالِيًا فيه خُرُوقٌ فَأَصَابَ مَوْضِعَ الْخُرُوقِ فَغَابَ في الْهَدَفِ فَهُوَ مُصِيبٌ وَإِنْ لم يَغِبْ في الْهَدَفِ ولم يَسْتَمْسِكْ بِشَيْءٍ من الشَّنِّ ثُمَّ اخْتَلَفَا فيه فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُصَابِ عليه مع يَمِينه فَإِنْ أَصَابَ طَرَفًا من الشَّنِّ فَخَرَمَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ له خَاسِقًا إذَا كان شَرْطُهُمَا الخواسق إلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيَ عليه من الشَّنِّ طَغْيَةٌ أو خَيْطٌ أو جِلْدٌ أو شَيْءٌ من الشَّنِّ يُحِيطُ بِالسَّهْمِ فَيَكُونُ يُسَمَّى بِذَلِكَ خَاسِقًا لِأَنَّ الْخَاسِقَ ما كان ثَابِتًا في الشَّنِّ وَقَلِيلُ ثُبُوتِهِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ وَلَا يَعْرِفُ الناس إذَا وَجَّهُوا بِأَنْ يُقَالَ هذا خَاسِقٌ إلَّا أَنَّ الْخَاسِقَ ما أَحَاطَ بِهِ الْمَخْسُوقُ فيه وَيُقَالُ لِلْآخَرِ خَارِمٌ لَا خَاسِقٌ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْخَاسِقُ قد يَقَعَ بالإسم على ما أَوْهَى الصَّحِيحَ فَخَرَقَهُ فإذا خَرَقَ منه شيئا قَلَّ أو كَثُرَ بِبَعْضِ الفصل ( ( ( النصل ) ) ) فَهُوَ خَاسِقٌ لِأَنَّ الْخَسْقَ الثَّقْبُ وَهَذَا قد ثَقَبَ وَإِنْ خَرَمَ وَإِنْ كان السَّهْمُ ثَابِتًا في الْهَدَفِ وَعَلَيْهِ جِلْدَةٌ من الشَّنِّ أو طَغْيَةٌ لَيْسَتْ بِمُحِيطَةٍ فقال الرَّامِي خَرَقَ هذه الْجِلْدَةَ فَانْخَرَمَتْ أو هذه الطَّغْيَةُ فَانْخَرَمَتْ وقال الْمَخْسُوقُ عليه إنَّمَا وَقَعَ في الْهَدَفِ مُتَغَلْغِلًا تَحْتَ هذه الْجِلْدَةِ أو الطَّغْيَةِ اللَّتَيْنِ هُمَا طَائِرَتَانِ عَمَّا سِوَاهُمَا من الشَّنِّ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مع يَمِينِهِ وَلَا يُحْسَبُ هذا خَاسِقًا بِحَالٍ في وَاحِدٍ من الْقَوْلَيْنِ وَلَوْ كان في الشَّنِّ خَرْقٌ فَأَثْبَتَ السَّهْمَ في الْخَرْقِ ثُمَّ ثَبَتَ في الْهَدَفِ كان خَاسِقًا لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ في الْهَدَفِ فَالشَّنُّ أَضْعَفُ منه وَلَوْ كان الشَّنُّ مَنْصُوبًا فَرَمَى فَأَصَابَ ثُمَّ مَرَقَ السَّهْمُ فلم يَثْبُتْ كان عِنْدِي خَاسِقًا وَمِنْ الرُّمَاةِ من لَا يَعُدَّهُ إذَا لم يَثْبُتْ وَلَوْ اخْتَلَفَا فيه فقال الرَّامِي أَصَابَ وَمَارَ فَخَرَجَ وقال المرمي عليه لم يُصِبْ أو أَصَابَ حَرْفَ الشَّنِّ بِالْقِدْحِ ثُمَّ مَضَى كان الْقَوْلُ قَوْلَهُ مع يَمِينِهِ وَلَوْ أَصَابَ الْأَرْضَ ثُمَّ ازْدَلَفَ فَخَرَقَ الشَّنَّ فَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرُّمَاةُ فَمِنْهُمْ من أثبته ( ( ( أنبته ) ) ) خَاسِقًا وقال بِالرَّمْيَةِ أَصَابَ وَإِنْ عَرَضَ له دُونَهَا شَيْءٌ فَقَدْ مَضَى بِالنَّزْعَةِ التي أَرْسَلَ بها وَمِنْهُمْ من زَعَمَ أَنَّ هذا لَا يُحْسَبُ له لِأَنَّهُ اسْتَحْدَثَ بِضَرْبَتِهِ الْأَرْضَ شيئا أَحْمَاهُ فَهُوَ غَيْرُ رَمْيِ الرَّامِي وَلَوْ أَصَابَ وهو
____________________

(4/232)


مُزْدَلِفٌ فلم يَخْسِقْ وَشَرْطُهُمْ الخواسق لم يُحْسَبْ في وَاحِدٍ من الْقَوْلَيْنِ خَاسِقًا وَلَوْ كان شَرْطُهُمَا الْمُصِيبَ حُسِبَ في قَوْلِ من يَحْسُبُ الْمُزْدَلِفَ وَسَقَطَ في قَوْلِ من يُسْقِطُهُ ( قال الرَّبِيعُ ) الْمُزْدَلِفُ الذي يُصِيبُ الْأَرْضَ ثُمَّ يَرْتَفِعُ من الْأَرْضِ فَيُصِيبُ الشَّنَّ وَلَوْ كان شَرْطُهُمْ الْمُصِيبَ فَأَصَابَ السَّهْمُ حين تَفَلَّتَ غير مُزْدَلَفِ الشَّنِّ بِقِدْحِهِ دُونَ نَصْلِهِ لم يُحْسَبْ لِأَنَّ الصَّوَابَ إنَّمَا هو بِالنَّصْلِ دُونَ الْقِدْحِ وَلَوْ أَرْسَلَهُ مُفَارِقًا لِلشَّنِّ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَصَرَفَتْهُ فَأَصَابَ حُسِبَ له مُصِيبًا وَكَذَلِكَ لو صَرَفْته عن الشَّنِّ وقد أَرْسَلَهُ مُصِيبًا وَكَذَلِكَ لو أَسْرَعْت بِهِ وهو يَرَاهُ قَاصِرًا فَأَصَابَ حُسِبَ مُصِيبًا وَلَوْ أَسْرَعْت بِهِ وهو يَرَاهُ مُصِيبًا فَأَخْطَأَ كان مُخْطِئًا وَلَا حُكْمَ لِلرِّيحِ يُبْطِلُ شيئا وَلَا يَحِقُّهُ لَيْسَتْ كَالْأَرْضِ وَلَا كَالدَّابَّةِ يُصِيبُهَا ثُمَّ يَزْدَلِفُ عنها فَيُصِيبُ وَلَوْ كان دُونَ الشَّنِّ شَيْءٌ ما كان دَابَّةً أو ثَوْبًا أو شيئا غَيْرَهُ فَأَصَابَهُ فَهَتَكَهُ ثُمَّ مَرَّ بِحَمْوَتِهِ حتى يُصِيبَ الشَّنَّ حُسِبَ في هذه الْحَالَةِ لِأَنَّ إصَابَتَهُ وَهَتْكَهُ لم يُحْدِثْ له قُوَّةً غير النَّزْعِ إنَّمَا أَحْدَثَ فيه ضَعْفًا وَلَوْ رَمَى وَالشَّنُّ مَنْصُوبٌ فَطَرَحَتْ الرِّيحُ الشَّنَّ أو أَزَالَهُ إنْسَانٌ قبل يَقَعُ سَهْمَهُ كان له أَنْ يَعُودَ فَيَرْمِيَ بِذَلِكَ السَّهْمَ لِأَنَّ الرَّمْيَةَ زَالَتْ وَكَذَلِكَ لو زَالَ الشَّنُّ عن مَوْضِعِهِ بِرِيحٍ أو إزَالَةِ إنْسَانٍ بَعْدَ ما أَرْسَلَ السَّهْمَ فَأَصَابَ الشَّنَّ حَيْثُ زَالَ لم يُحْسَبْ له وَلَكِنَّهُ لو أُزِيلَ فَتَرَاضَيَا أَنْ يَرْمِيَاهُ حَيْثُ أُزِيلَ حُسِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَوَابُهُ وَلَوْ أَصَابَ الشَّنَّ ثُمَّ سَقَطَ فَانْكَسَرَ سَهْمُهُ أو خَرَجَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ حُسِبَ له خَاسِقًا لِأَنَّهُ قد ثَبَتَ وَهَذَا كَنَزْعِ الْإِنْسَانِ إيَّاهُ بَعْدَ ما يُصِيبُ وَلَوْ تَشَارَطَا أَنَّ الصَّوَابَ إنَّمَا هو في الشَّنِّ خَاصَّةً فَكَانَ لِلشَّنِّ وَتَرٌ يُعَلَّقُ بِهِ أو جَرِيدٌ يَقُومُ عليه فَأَثْبَتَ السَّهْمَ في الْوَتَرِ أو في الْجَرِيدِ لم يُحْسَبْ ذلك له لِأَنَّ هذا وَإِنْ كان مِمَّا يَصْلُحُ بِهِ الشَّنُّ فَهُوَ غَيْرُ الشَّنِّ وَلَوْ لم يَتَشَارَطَا فَأَثْبَتَ في الْجَرِيدِ أو في الْوَتَرِ كان فِيهِمَا قُولَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ اسْمَ الشَّنِّ وَالصَّوَابُ لَا يَقَع على الْمِعْلَاقِ لِأَنَّهُ يُزَايِلُ الشَّنَّ فَلَا يَضُرُّ بِهِ وَإِنَّمَا يُتَّخَذُ لِيُرْبَطَ بِهِ كما يُتَّخَذُ الْجِدَارُ لِيُسْنَدَ إلَيْهِ وقد يُزَايِلُهُ فَتَكُونُ مُزَايَلَتُهُ غير إخْرَابٍ له وَيُحْسَبُ ما ثَبَتَ في الْجَرِيدِ إذَا كان الْجَرِيدُ مَخِيطًا عليه لِأَنَّ إخْرَاجَ الْجَرِيدِ لَا يَكُونُ إلَّا بِضَرَرٍ على الشَّنِّ وَيُحْسَبُ ما ثُبِّتَ في عُرَى الشَّنِّ الْمَخْرُوزَةِ عليه وَالْعَلَّاقَةُ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنْ يُحْسَبَ أَيْضًا ما يُثَبَّتُ في الْعَلَّاقَةِ من الخواسق لِأَنَّهَا تَزُولُ بِزَوَالِهِ في حَالِهَا تِلْكَ قال وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَاضِلَ أَهْلُ النُّشَّابِ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ وَأَهْلَ الْحُسْبَانِ لِأَنَّ كُلَّهَا نَبْلٌ وَكَذَلِكَ القسى الدُّودانِيَّةُ وَالْهِنْدِيَّةُ وَكُلُّ قَوْسٍ يُرْمَى عنها بِسَهْمٍ ذِي نَصْلٍ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَ رَجُلَانِ على أَنَّ في يَدِ أَحَدِهِمَا من النَّبْلِ أَكْثَرَ مِمَّا في يَدِ الْآخَرِ وَلَا على أَنَّهُ إذَا خَسَقَ أَحَدُهُمَا حُسِبَ خَاسِقُهُ خَاسِقَيْنِ وَخَاسِقُ الْآخَرِ خاسقا وَلَا على أَنَّ لِأَحَدِهِمَا خَاسِقًا ثَابِتًا لم يَرْمِ بِهِ يُحْسَبُ مع خواسقه وَلَا على أَنَّهُ يُطْرَحُ من خَوَاسِقُ أَحَدِهِمَا خَاسِقٌ وَلَا على أَنَّ أَحَدَهُمَا يَرْمِي من عَرْضٍ وَالْآخَرَ من أَقْرَبَ منه وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَا إلَّا من عَرْضٍ وَاحِدٍ وَبِعَدَدِ نَبْلٍ وَاحِدٍ وَأَنْ يَسْتَبِقَا إلَى عَدَدِ قُرَعٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا أُسَابِقُك على أَنْ آتِيَ بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ خَاسِقًا فَأَكُونُ نَاضِلًا إنْ لم تَأْتِ بِعِشْرِينَ وَلَا تَكُونُ نَاضِلًا إنْ جِئْت بِعِشْرِينَ قبل أَنْ آتِيَ بِوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ حتى يَكُونَا مُسْتَوِيَيْنِ مَعًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَ أَحَدُهُمَا على الْآخَرِ أَنْ لَا يَرْمِيَ إلَّا بِنَبْلٍ بِأَعْيَانِهَا إنْ تَغَيَّرَتْ لم يُبَدِّلْهَا وَلَا إنْ أَنْفَذَ سَهْمًا أَنْ لَا يُبَدِّلَهُ وَلَا على أَنْ يَرْمِيَ بِقَوْسٍ بِعَيْنِهَا لَا يُبَدِّلُهَا وَلَكِنْ يَكُونُ ذلك إلَى الرَّامِي يُبَدِّلُ ما شَاءَ من نَبْلِهِ وَقَوْسِهِ ما كان عَدَدُ النَّبْلِ وَالْغَرَضِ وَالْقَرَعِ وَاحِدًا وَإِنْ انْتَضَلَا فَانْكَسَرَتْ نَبْلُ أَحَدِهِمَا أو قَوْسُهُ أُبْدِلَ نَبْلًا وَقَوْسًا وَإِنْ انْقَطَعَ وَتَرُهُ أُبْدِلَ وَتَرًا مَكَانَ وَتَرِهِ وَمِنْ الرُّمَاةِ من زَعَمَ أَنَّ الْمُسْبَقَ إذَا سَمَّى قُرَعًا يَسْتَبِقَانِ إلَيْهِ أو يتحاطانه فَكَانَا على السَّوَاءِ أو بَيْنَهُمَا زِيَادَةُ سَهْمٍ كان لِلْمُسْبَقِ أَنْ يَزِيدَ في عَدَدِ الْقُرَعِ ما شَاءَ وَمِنْهُمْ من زَعَمَ أَنَّهُ ليس له أَنْ يَزِيدَ في عَدَدِ الْقُرَعِ ما لم يَكُونَا سَوَاءً وَمِنْهُمْ من زَعَمَ أَنَّهُمَا إذَا رَمَيَا على عَدَدِ قُرَعٍ لم يَكُنْ لِلْمُسْبَقِ أَنْ يَزِيدَ فيه بِغَيْرِ رِضَا الْمُسْبَقِ وَلَا خَيْرَ في أَنْ يُجْعَلَ خَاسِقٌ في السَّوَادِ بِخَاسِقَيْنِ في الْبَيَاضِ إلَّا أَنْ يَتَشَارَطَا أَنَّ
____________________

(4/233)


الجواسق ( ( ( الخواسق ) ) ) لَا تَكُونُ إلَّا في السَّوَادِ فَيَكُونُ بَيَاضُ الشَّنِّ كَالْهَدَفِ لَا يُحْسَبُ خَاسِقًا وَإِنَّمَا يُحْسَبُ حَابِيًا وَلَا خَيْرَ في أَنْ يُسَمِّيَا قُرَعًا مَعْلُومًا فَلَا يَبْلُغَانِهِ وَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ إنْ أَصَبْت بهذا السَّهْمِ الذي في يَدِك فَقَدْ نَضَلْت إلَّا أَنْ يَتَنَاقَضَا السَّبَقَ الْأَوَّلَ ثُمَّ يَجْعَلَ له جُعْلًا مَعْرُوفًا على أَنْ يُصِيبَ بِسَهْمٍ وَلَا بَأْسَ على الِابْتِدَاءِ أَنْ يَقِفَ عليه فَيَقُولَ إنْ أَصَبْت بِسَهْمٍ فَلَكَ كَذَا وَإِنْ أَصَبْت بِأَسْهُمٍ فَلَكَ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ أَصَابَ بها فَذَلِكَ له وَإِنْ لم يُصِبْ بها فَلَا شَيْءَ له لِأَنَّ هذا سَبَقٌ على غَيْرِ نِضَالٍ وَلَكِنْ لو قال له ارْمِ عَشَرَةَ أَرْشَاقٍ فَنَاضِلِ الْخَطَأَ بِالصَّوَابِ فَإِنْ كان صَوَابُك أَكْثَرَ فَلَكَ سَبَقُ كَذَا لم يَكُنْ في هذا خَيْرٌ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُنَاضِلَ نَفْسَهُ وإذا رَمَى بِسَهْمٍ فَانْكَسَرَ فَأَصَابَ النَّصْلَ حُسِبَ خَاسِقًا وَإِنْ سَقَطَ الشِّقُّ الذي فيه النَّصْلُ دُونَ الشَّنِّ وَأَصَابَ بِالْقِدْحِ الذي لَا نَصْلَ فيه لم يُحْسَبْ وَلَوْ انْقَطَعَ بِاثْنَيْنِ فَأَصَابَ بِهِمَا مَعًا حُسِبَ له الذي فيه النَّصْلُ وَأُلْغِيَ عنه الْآخَرُ وَلَوْ كان في الشَّنِّ نَبْلٌ فَأَصَابَ بِسَهْمِهِ فَوْقَ سَهْمٍ من النَّبْلِ ولم يَمْضِ سَهْمُهُ إلَى الشَّنِّ لم يُحْسَبْ له لِأَنَّهُ لم يُصِبْ الشَّنَّ وَأُعِيد عليه فَرَمَى بِهِ لِأَنَّهُ قد عَرَضَ له دُونَ الشَّنِّ عَارِضٌ كما تَعْرِضُ له الدَّابَّةُ فَيُصِيبُهَا فَيُعَادُ عليه وإذا سَبَقَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ على أَنْ يَرْمِيَ معه فَرَمَى معه ثُمَّ أَرَادَ الْمُسْبَقُ أَنْ يَجْلِسَ فَلَا يَرْمِي معه وَلِلْمُسْبَقِ فَضْلٌ أو لَا فَضْلَ له أو عليه فَضْلٌ فَسَوَاءٌ لِأَنَّهُ قد يَكُونُ عليه الْفَضْلُ ثُمَّ يَنْضُلُ وَيَكُونُ له الْفَضْلُ ثُمَّ يَنْضُلُ وَالرُّمَاةُ يَخْتَلِفُونَ في ذلك فَمِنْهُمْ من يَجْعَلُ له أَنْ يَجْلِسَ ما لم يَنْضُلْ وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُول هو شَيْءٌ إنَّمَا يَسْتَحِقُّهُ بِغَيْرِ غَايَةٍ تُعْرَفُ وقد لَا يَسْتَحِقُّهُ وَيَكُونُ مَنْضُولًا وَلَيْسَ بِإِجَارَةٍ فَيَكُونُ له حِصَّتُهُ مِمَّا عَمِلَ وَمِنْهُمْ من يقول ليس له أَنْ يَجْلِسَ بِهِ إلَّا من عُذْرٍ وَأَحْسَبُ الْعُذْرَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَمُوتَ أو يَمْرَضَ الْمَرَضَ الذي يَضُرُّ بِالرَّمْيِ أو يُصِيبُهُ بَعْضَ ذلك في إحْدَى يَدَيْهِ أو بَصَرِهِ وَيَنْبَغِي إذَا قالوا له هذا أَنْ يَقُولُوا فَمَتَى تَرَاضَيَا على أَصْلِ الرَّمْيِ الْأَوَّلِ فَلَا يَجُوزُ في وَاحِدٍ من الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُسْبَقَ أَنَّ الْمُسْبَقَ إذَا جَلَسَ بِهِ كان السَّبَقُ له بِهِ لِأَنَّ السَّبَقَ على النَّضْلِ وَالنَّضْلُ غَيْرُ الْجُلُوسِ وَهَذَانِ شَرْطَانِ وَكَذَلِكَ لو سَبَقَهُ ولم يَشْتَرِطْ هذا عليه ثُمَّ شَرَطَ هذا بَعْدَ السَّبَقِ سَقَطَ الشَّرْطُ وَلَا خَيْرَ في أَنْ يَقُولَ له أَرْمِي مَعَك بِلَا عَدَدِ قُرَعٍ يَسْتَبِقَانِ إلَيْهِ أو يتحاطانه وَلَا خَيْرَ في أَنْ يَسْبِقَهُ على أَنَّهُمَا إذَا تفالجا أَعَادَ عليه وَإِنْ سَبَقَهُ وَنِيَّتُهُمَا أَنْ يُعِيدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على صَاحِبِهِ فَالسَّبَقُ غَيْرُ فَاسِدٍ وَأَكْرَهَ لَهُمَا النِّيَّةُ إنَّمَا أَنْظُرُ في كل شَيْءٍ إلَى ظَاهِرِ الْعَقْدِ فإذا كان صَحِيحًا أَجَزْته في الْحُكْمِ وَإِنْ كانت فيه نِيَّةٌ لو شُرِطَتْ أَفْسَدَتْ الْعَقْدَ لم أُفْسِدْهُ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّ النِّيَّةَ حَدِيثُ نَفْسٍ وقد وَضَعَ اللَّهُ عن الناس حَدِيثَ أَنْفُسِهِمْ وَكَتَبَ عليهم ما قالوا وما عَمِلُوا وإذا سَبَقَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ الْآخَرَ على أَنْ لَا يَرْمِيَ معه إلَّا بِنَبْلٍ مَعْرُوفٍ أو قَوْسٍ مَعْرُوفَةٍ فَلَا خَيْرَ في ذلك حتى يَكُونَ السَّبَقُ مُطْلَقًا من قِبَلِ أَنَّ الْقَوْسَ قد تَنْكَسِرُ وَتَعْتَلُّ فَيَفْسُدُ عنها الرَّمْيُ فَإِنْ تَشَارَطَا على هذا فَالشَّرْطُ يُبْطِلُ السَّبَقَ بَيْنَهُمَا وَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْمِيَ النَّاشِبُ مع صَاحِبِ الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ سَابَقَهُ على أَنْ يَرْمِيَ معه بِالْعَرَبِيَّةِ رَمَى بِأَيِّ قَوْسٍ شَاءَ من الْعَرَبِيَّةِ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَرْمِيَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ من الْفَارِسِيَّةِ لم يَكُنْ له ذلك لِأَنَّ مَعْرُوفًا أَنَّ الصَّوَابَ عن الْفَارِسِيَّةِ أَكْثَرَ منه عن الْعَرَبِيَّةِ وَكَذَلِكَ كُلُّ قَوْسٍ اخْتَلَفَتْ وَإِنَّمَا فَرَّقْنَا بين أَنْ لَا نُجِيزَ أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّجُلُ على الرَّجُلِ أَنْ لَا يَرْمِيَ إلَّا بِقَوْسٍ وَاحِدَةٍ أو نَبْلٍ وَأَجَزْنَا ذلك في الْفَرَسِ إنْ سَابَقَهُ بِفَرَسٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ الْعَمَلَ في السَّبَقِ في الرَّمْيِ إنَّمَا هو لِلرَّامِي وَالْقَوْسُ وَالنَّبْلُ أَدَاةٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ الرَّمْيَ بِمِثْلِ الْقَوْسِ وَالنَّبْلِ الذي شَرَطَ أَنْ يرمى بها فَيُدْخِلَ عليه الضَّرَرَ بِمَنْعِ ما هو أَرْفَقُ بِهِ من أَدَاتِهِ التي تُصْلِحُ رَمْيَهُ وَالْفَرَسُ نَفْسُهُ هو الْجَارِي الْمُسْبِقُ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُبَدِّلَهُ صَاحِبُهُ وَإِنَّمَا فَارِسُهُ أَدَاةٌ فَوْقَهُ وَلَكِنَّهُ لو شَرَطَ عليه أَنْ لَا يُجَرِّيَهُ إلَّا إنْسَانٌ بِعَيْنِهِ لم يَجُزْ ذلك وَلَوْ أَجَزْنَا أَنْ يُرَاهِنَ رَجُلٌ رَجُلًا بِفَرَسٍ بِعَيْنِهِ فَيَأْتِيَ بِغَيْرِهِ أَجَزْنَا أَنْ يَسْبِقَ رَجُلٌ رَجُلًا ثُمَّ يُبَدِّلُ مَكَانَهُ رَجُلًا يُنَاضِلُهُ وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّبَقُ إلَّا على رَجُلٍ بِعَيْنِهِ وَلَا يُبَدِّلُهُ بِغَيْرِهِ وإذا كان عن فَرَسٍ
____________________

(4/234)


بِعَيْنِهِ فَلَا يُبَدَّلُ غَيْرُهُ وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُمْنَعَ الرَّجُلُ أَنْ يَرْمِيَ بِأَيِّ نَبْلٍ أو قَوْسٍ شَاءَ إذَا كانت من صِنْفِ الْقَوْسِ التي سَابَقَ عليها وَلَا أَرَى أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبُ الْفَرَسِ أَنْ يُحْمَلَ على فَرَسِهِ من شَاءَ لِأَنَّ الْفَارِسَ كَالْأَدَاةِ لِلْفَرَسِ وَالْقَوْسُ وَالنَّبْلُ كَالْأَدَاةِ لِلرَّامِي وَلَا خَيْرَ في ان يَشْتَرِطَ الْمُتَنَاضَلَانِ أَحَدُهُمَا على صَاحِبِهِ وَلَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا على صَاحِبِهِ أَنْ لَا يَأْكُلَ لَحْمًا حتى يَفْرُغَ من السَّبَقِ وَلَا أَنْ يَفْتَرِشَ فِرَاشًا وَكَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَقُولَ الْمُتَسَابِقَانِ بِالْفَرَسِ لَا يَعْلِفُ حتى يَفْرُغَ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ لِأَنَّ هذا شَرْطُ تَحْرِيمِ الْمُبَاحِ وَالضَّرَرُ على الْمَشْرُوطِ عليه وَلَيْسَ من النِّضَالِ الْمُبَاحِ وإذا نهى الرَّجُلُ أَنْ يُحَرِّمَ على نَفْسِهِ ما أَحَلَّ اللَّهُ له لِغَيْرِ تَقَرُّبٍ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصَوْمٍ كان أن يَشْرِطُ ذلك عليه غَيْرُهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَنْهِيًّا عنه وَلَا خَيْرَ في أَنْ يَشْتَرِطَ الرَّجُلُ على الرَّجُلِ أَنْ يَرْمِيَ معه بِقُرَعٍ مَعْلُومٍ على أَنْ لِلْمُسْبِقِ أَنْ يُعْطِيَهُ ما شَاءَ النَّاضِلُ أو ما شَاءَ الْمَنْضُولُ وَلَا خَيْرَ في ذلك حتى يَكُونَ بِشَيْءٍ مَعْلُومٍ مِمَّا يَحِلُّ في الْبَيْعِ وَالْإِجَارَاتِ وَلَوْ سَبَقَهُ شيئا مَعْلُومًا على أَنَّهُ إنْ نَضَلَهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ وكان له عليه أَنْ لَا يَرْمِيَ أَبَدًا أو إلَى مُدَّةٍ من الْمَدَدِ لم يَجُزْ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ عليه أَنْ يَمْتَنِعَ من الْمُبَاحِ له وَلَوْ سَبَقَهُ دِينَارًا على أَنَّهُ إنْ نَضَلَهُ كان ذلك الدِّينَارُ له وكان له عليه أَنْ يُعْطِيَهُ صَاعَ حِنْطَةٍ بَعْدَ شَهْرٍ كان هذا سَبَقًا جَائِزًا إذَا كان ذلك كُلُّهُ من مَالِ الْمَنْضُولِ وَلَكِنَّهُ لو سَبَقَهُ دِينَارًا على أَنَّهُ إنْ نَضَلَهُ أَعْطَاهُ الْمَنْضُولُ دِينَارَهُ وَأَعْطَى النَّاضِلُ الْمَنْضُولَ مُدَّ حِنْطَةٍ أو دِرْهَمًا أو أَكْثَرَ أو أَقَلَّ لم يَكُنْ هذا جَائِزًا من قِبَلِ أَنَّ الْعَقْدَ قد وَقَعَ منه على شَيْئَيْنِ شَيْءٌ يُخْرِجُهُ الْمَنْضُولُ جَائِزًا في السُّنَّةِ لِلنَّاضِلِ وَشَيْءُ يُخْرِجُهُ النَّاضِلُ فَيَفْسُدُ من قِبَلِ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَتَرَاهَنَا على النِّضَالِ لَا مُحَلِّلَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ التَّرَاهُنَ من الْقِمَارِ وَلَا يَصْلُحُ لِأَنَّ شَرْطَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ الْمُدَّ ليس بِبَيْعٍ وَلَا سَبَقٍ فَيَفْسُدَ من كل وَجْهٍ وَلَوْ كان على لَك دِينَارٌ فَسَبَقْتَنِي دِينَارًا فَنَضَلْتُك فَإِنْ كان دِينَارُك حَالًّا فَلَكَ أَنْ تُقَاصَّنِي وَإِنْ كان إلَى أَجَلٍ فَعَلَيْك أَنْ تُعْطِيَنِي الدِّينَارَ وَعَلَيَّ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَنْ أُعْطِيَك دِينَارَك وَلَوْ سَبَقَهُ دِينَارًا فَنَضَلَهُ إيَّاهُ ثُمَّ أَفْلَسَ كان أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ حَلَّ في مَالِهِ بِحَقٍّ أَجَازَتْهُ السُّنَّةُ فَهُوَ كَالْبُيُوعِ وَالْإِجَارَاتِ وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ رَجُلًا دِينَارًا إلَّا دِرْهَمًا أو دِينَارًا إلَّا مُدًّا من حِنْطَةٍ كان السَّبَقُ غير جَائِزٍ لِأَنَّهُ قد يَسْتَحِقُّ الدِّينَارَ وَحِصَّةُ الدِّرْهَمِ من الدِّينَارِ عَشْرٌ وَلَعَلَّ حِصَّتَهُ يوم سَبَقَهُ نِصْفُ عُشْرِهِ وَكَذَلِكَ الْمُدُّ من الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ أَسْبِقَك وَلَا أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْك وَلَا أَنْ أَسْتَأْجِرَ مِنْك إلَى أَجَلٍ بِشَيْءٍ إلَّا شيئا يُسْتَثْنَى منه لَا من غَيْرِهِ وَلَا أَنْ أَسْبِقَك بِمُدِّ تَمْرٍ إلَّا رُبْعَ حِنْطَةٍ وَلَا دِرْهَمَ إلَّا عَشَرَةُ أَفْلُسٍ وَلَكِنْ إنْ اسْتَثْنَيْت شيئا من الشَّيْءِ الذي سبقتكه ( ( ( سبقته ) ) ) فَلَا بَأْسَ إذَا سَبَقْتُك دِينَارًا إلَّا سُدُسًا فَإِنَّمَا سَبَقْتُك خَمْسَةَ أَسْدَاسِ دِينَارٍ وَإِنْ سَبَقْتُك صَاعًا إلَّا مُدًّا فَإِنَّمَا سَبَقْتُك ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ فَعَلَى هذا الْبَابُ كُلُّهُ وَقِيَاسُهُ قال وَلَا خَيْرَ في أَنْ أَسْبِقَك دِينَارًا على أَنَّك إنْ نضلتنيه أَطْعَمْت بِهِ أَحَدًا بِعَيْنِهِ وَلَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ وَلَا تَصَدَّقْت بِهِ على الْمَسَاكِينِ كما لَا يَجُوزُ أَنْ أَبِيعَك شيئا بِدِينَارٍ على أَنْ تَفْعَلَ هذا فيه وَلَا يَجُوزُ إذَا مَلَّكْتُك شيئا إلَّا أَنْ يَكُونَ مِلْكُك فيه تَامًّا تَفْعَلُ فيه ما شِئْت دُونِي وإذا اخْتَلَفَ الْمُتَنَاضِلَانِ من حَيْثُ يُرْسِلَانِ وَهُمَا يَرْمِيَانِ في الْمِائَتَيْنِ يَعْنِي ذِرَاعًا فَإِنْ كان أَهْلُ الرَّمْيِ يَعْلَمُونَ أَنَّ من رَمَى في هَدَفٍ يُقَدَّمُ أَمَامَ الْهَدَفِ الذي يَرْمِي من عِنْدِهِ ذِرَاعًا أو أَكْثَرَ حُمِلَ على ذلك إلَّا أَنْ يَتَشَارَطَا في الْأَصْلِ أَنْ يَرْمِيَا من مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ فَيَكُونَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرْمِيَا من مَوْضِعِ شَرْطِهِمَا وَإِنْ تَشَارَطَا أَنْ يَرْمِيَا في شَيْئَيْنِ مَوْضُوعِينَ أو شَيْئَيْنِ يَرَيَانِهِمَا أو يَذْكُرَانِ سَيْرَهُمَا فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَلِّقَ ما تَشَارَطَا على أَنْ يَضَعَاهُ أو يَضَعَ ما تَشَارَطَا على أَنْ يُعَلِّقَاهُ أو يُبَدَّلَ الشَّنُّ بِشَنٍّ اكبر أو أَصْغَرَ منه فَلَا يَجُوزُ له وَيُحْمَلُ على أَنْ يَرْمِيَ على شَرْطِهِ وإذا سَبَقَهُ ولم يُسَمِّ الْغَرَضَ فَأَكْرَهُ السَّبَقَ حتى يَسْبِقَهُ على غَرَضٍ مَعْلُومٍ وإذا سَبَقَهُ على غَرَضٍ مَعْلُومٍ كَرِهْت أَنْ يَرْفَعَهُ أو يَخْفِضَهُ دُونَهُ وقد أَجَازَ الرُّمَاةُ لِلْمُسْبَقِ أَنْ يَرْفَعَ الْمُسْبِقَ وَيَخْفِضَهُ فَيَرْمِيَ معه رَشْقًا وَأَكْثَرَ في الْمِائَتَيْنِ وَرَشْقًا وَأَكْثَرَ في الْخَمْسِينَ وَالْمِائَتَيْنِ وَرَشْقًا وَأَكْثَرَ في
____________________

(4/235)


الثلثمائة ( ( ( الثلاثمائة ) ) ) وَمَنْ أَجَازَ هذا أَجَازَ له أَنْ يَرْمِيَ بِهِ في الرُّقْعَةِ وفي أَكْثَرَ من ثَلَاثِمِائَةٍ وَمَنْ أَجَازَ هذا أَجَازَ له أَنْ يُبَدِّلَ الشَّنَّ وَجَعَلَ هذا كُلَّهُ إلَى الْمُسْبَقِ ما لم يَكُونَا تَشَارَطَا شَرْطًا وَيَدْخُلُ عليه إذَا كَانَا رَمَيَا أَوَّلَ يَوْمٍ بِعَشَرَةٍ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْبَقِ أَنْ يَزِيدَ في عَدَدِ النَّبْلِ وَيُنْقِصَ منها إذَا اسْتَوَيَا في حَالٍ أَبَدًا جَعَلُوا ذلك إلَيْهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَشَارَطَا أَنْ يَرْمِيَا أَرْشَاقًا مَعْلُومَةً كُلُّ يَوْمٍ من أَوَّلِ النَّهَارِ أو آخِرِهِ وَلَا يَتَفَرَّقَانِ حتى يَفْرُغَا منها إلَّا من عُذْرٍ بِمَرَضٍ لِأَحَدِهِمَا أو حَائِلٍ يَحُولُ دُونَ الرَّمْيِ وَالْمَطَرِ عُذْرٌ لِأَنَّهُ قد يُفْسِدُ النَّبْلَ وَالْقِسِيَّ وَيَقْطَعُ الْأَوْتَارَ وَلَا يَكُونُ الْحَرُّ عُذْرًا لِأَنَّ الْحَرَّ كَائِنٌ كَالشَّمْسِ وَلَا الرِّيحُ الْخَفِيفَةُ وَإِنْ كانت قد تَصْرِفُ النَّبْلَ بَعْضَ الصَّرْفِ وَلَكِنْ إنْ كانت الرِّيحُ عَاصِفًا كان لِأَيِّهِمَا شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ عن الرَّمْيِ حتى تَسْكُنَ أو تَخِفَّ وَإِنْ غَرَبَتْ لَهُمَا الشَّمْسُ قبل أَنْ يَفْرُغَا من أَرْشَاقِهِمَا التي تَشَارَطَا لم يَكُنْ عَلَيْهِمَا أَنْ يَرْمِيَا في اللَّيْلِ وَإِنْ انْكَسَرَتْ قَوْسُ أَحَدِهِمَا أو نَبْلُهُ أَبْدَلَ مَكَانَ الْقَوْسِ وَالنَّبْلِ وَالْوَتَرِ مَتَى قَدَرَ عليه فَإِنْ لم يَقْدِرْ على بَدْلِ الْقَوْسِ وَلَا الْوَتَرِ فَهَذَا عُذْرٌ وَكَذَلِكَ إنْ ذَهَبَتْ نَبْلُهُ كُلُّهَا فلم يَقْدِرْ على بَدَلِهَا فَإِنْ ذَهَبَ بَعْضُ نَبْلِهِ ولم يَقْدِرْ على بَدَلِهِ قِيلَ لِصَاحِبِهِ إنْ شِئْت فَاتْرُكْهُ حتى يَجِدَ الْبَدَلَ وَإِنْ شِئْت فَارْمِ معه بِعَدَدِ ما بَقِيَ في يَدَيْهِ من النَّبْلِ وَإِنْ شِئْت فَارْدُدْ عليه مِمَّا رَمَى بِهِ من نَبْلِهِ ما يُعِيدُ الرَّمْيَ بِهِ حتى يُكْمِلَ الْعَدَدَ وإذا رَمَوْا اثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَأَكْثَرَ من الْعَدَدِ فَاعْتَلَّ وَاحِدٌ من الْحِزْبَيْنِ عِلَّةً ظَاهِرَةً قِيلَ لِلْحِزْبِ الَّذِينَ يُنَاضِلُونَهُ إنْ اصْطَلَحْتُمْ على أَنْ تُجْلِسُوا مَكَانَهُ رَجُلًا من كان فَذَلِكَ وَإِنْ تَشَاحَحْتُمْ لم نجبركم ( ( ( نخبركم ) ) ) على ذلك وَإِنْ رضي أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ ولم يَرْضَ الْآخَرُ لم يُجْبَرْ الَّذِينَ لم يَرْضَوْا وإذا اخْتَلَفَ الْمُتَنَاضِلَانِ في مَوْضِعِ شَنٍّ مُعَلَّقٍ فَأَرَادَ الْمُسْبَقُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بِهِ عَيْنَ الشَّمْسِ لم يَكُنْ ذلك له إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُسْبِقُ كما لو أَرَادَ أَنْ يَرْمِيَ بِهِ في اللَّيْلِ أو الْمَطَرِ لم يُجْبَرْ على ذلك الْمُسْبِقُ وَعَيْنُ الشَّمْسِ تَمْنَعُ الْبَصَرَ من السَّهْمِ كما تَمْنَعُهُ الظُّلْمَةُ ( قال الرَّبِيعُ ) الْمُسْبِقُ أَبَدًا هو الذي يَغْرَمُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ اخْتَلَفَا في الْإِرْسَالِ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يُطَوِّلُ بِالْإِرْسَالِ إلتماس أَنْ تَبْرُدَ يَدُ الرَّامِي أو يَنْسَى صَنِيعَهُ في السَّهْمِ الذي رَمَى بِهِ فَأَصَابَ أو أَخْطَأَ فَيَلْزَمُ طَرِيقَ الصَّوَابِ وَيُسْتَعْتَبُ من طَرِيقِ الْخَطَأِ أو قال هو لم أَنْوِ هذا وَهَذَا يَدْخُلُ على الرَّامِي لم يَكُنْ ذلك له وَقِيلَ له ارْمِ كما يَرْمِي الناس لَا مُعَجِّلًا عن أَنْ تَثْبُتَ في مَقَامِك وفي إرْسَالِك وَنَزْعِك وَلَا مُبْطِئًا لِغَيْرِ هذا لإدخال ( ( ( الإدخال ) ) ) الْحَبْسِ على صَاحِبِك وَكَذَلِكَ لو اخْتَلَفَا في الذي يُوَطِّنُ له فَكَانَ يُرِيدُ الْحَبْسَ أو قال لَا أُرِيدُهُ وَالْمُوَطِّنُ يُطِيلُ الْكَلَامَ قِيلَ للموطن ( ( ( للمواطن ) ) ) وَطِّنْ له بِأَقَلِّ ما يَفْهَمُ بِهِ ولا تطل وَلَا تَعْجَلْ عن أَقَلِّ ما يَفْهَمُ بِهِ وَلَوْ حَضَرَهُمَا من يَحْبِسُهُمَا أو أَحَدُهُمَا أو يلغط ( ( ( يغلط ) ) ) فَيَكُونُ ذلك مُضِرًّا بِهِمَا أو بِأَحَدِهِمَا نُهُوا عن ذلك ( قال الرَّبِيعُ ) الْمُوَطِّنُ الذي يَكُونُ عِنْدَ الْهَدَفِ فإذا رَمَى الرَّامِي قال دُونَ ذَا قَلِيلٌ أَرْفَعُ من ذَا قَلِيلٌ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا اخْتَلَفَ الرَّامِيَانِ في الْمَوْقِفِ فَخَرَجَتْ قُرْعَةُ أَحَدِهِمَا على أَنْ يَبْدَأَ فَبَدَأَ من عَرْضٍ وَقَفَ حَيْثُ شَاءَ من الْمُقَامِ ثُمَّ كان لِلْآخَرِ من الْعَرْضِ الْآخَرِ الذي بَدَأَ منه أَنْ يَقِفَ حَيْثُ شَاءَ من الْمُقَامِ وإذا سَبَقَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ سَبَقًا مَعْلُومًا فَنَضَلَهُ الْمُسْبِقُ كان السَّبَقُ في ذِمَّةِ الْمَنْضُولِ حَالًّا يَأْخُذُهُ بِهِ كما يَأْخُذُ بِالدَّيْنِ فَإِنْ أَرَادَ النَّاضِلُ أَنْ يُسَلِّفَهُ الْمَنْضُولُ أو يَشْتَرِيَ بِهِ النَّاضِلُ ما شَاءَ فَلَا بَأْسَ وهو مُتَطَوِّعٌ بِإِطْعَامِهِ إياء ( ( ( إياه ) ) ) وما نَضَلَهُ فَلَهُ أَنْ يُحْرِزَهُ ويتموله وَيَمْنَعَهُ منه وَمِنْ غَيْرِهِ وهو عِنْدِي كَرَجُلٍ كان له على رَجُلٍ دِينَارٌ فَأَسْلَفَهُ الدِّينَارَ وَرَدَّهُ عليه أو أَطْعَمَهُ بِهِ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ كما هو وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ رَأَيْته مِمَّنْ يُبْصِرُ الرَّمْيَ أَنْ يَسْبِقَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ على أَنْ يَرْمِيَ بِعَشْرٍ وَيَجْعَلَ الْقُرَعَ من تِسْعٍ وَمِنْهُمْ من يَذْهَبُ إلَى أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرَعُ من عَشْرٍ وَلَا يُجِيزُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقُرَعُ لَا يؤتى بِهِ بِحَالٍ إلَّا في أَكْثَرَ من رَشْقٍ فإذا كان لَا يؤتى بِهِ إلَّا بِأَكْثَرَ من الرَّشْقِ فَسَوَاءٌ قَلَّ ذلك أو كَثُرَ فَهُوَ جَائِزٌ فإذا أَصَابَ الرَّجُلُ بِالسَّهْمِ فَخَسَقَ وَثَبَتَ قَلِيلًا ثُمَّ سَقَطَ بِأَيِّ وَجْهٍ سَقَطَ بِهِ حُسِبَ لِصَاحِبِهِ وَلَوْ وَقَفَ
____________________

(4/236)


رَجُلٌ على أَنْ يَفْلُجَ فَرَمَى بِسَهْمٍ فقال إنْ أَصَبْت فَقَدْ فَلَجْت وَإِنْ لم أُصِبْ ( 1 ) فَالْفَلْجُ لَكُمْ وقال له صَاحِبُهُ إنْ أَصَبْت بهذا السَّهْمِ فَلَكَ بِهِ الْفُلُوجُ وَإِنْ لم يَكُنْ يَبْلُغْهُ بِهِ إذَا أَصَابَهُ وَإِنْ أَخْطَأْت بِهِ فَقَدْ أَنَضَلْتَنِي نَفْسَك فَهَذَا كُلُّهُ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ وَهُمَا على أَصْلِ رَمْيِهِمَا لَا يَفْلُجُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا على صَاحِبِهِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ الْفُلُوجَ وَلَوْ طَابَتْ نَفْسُ الْمُسْبَقِ أَنْ يُسْلِمَ له السَّبَقَ من غَيْرِ ان يَبْلُغَهُ كان هذا شيئا تَطَوَّعَ بِهِ من مَالِهِ كما وَهَبَ له وإذا كَانُوا في السَّبَقِ اثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَأَكْثَرَ فَبَدَأَ رَجُلَانِ فَانْقَطَعَ أَوْتَارُهُمَا أو وَتَرُ أَحَدِهِمَا كان له أَنْ يَقِفَ من بَقِيَ حتى يُرَكِّبَ وَتَرًا وَيُنْفِدَ نَبْلَهُ وقد رَأَيْت من يقول هذا إذَا رجى ( ( ( رجا ) ) ) أَنْ يتفالجا وَيَقُولُ إذَا عَلِمَ أَنَّهُمَا والحزب ( ( ( والحرب ) ) ) كُلُّهُ لَا يتفالجون لو أَصَابُوا بِمَا في أَيْدِيهِمْ لِأَنَّهُمْ لم يُقَارِبُوا عَدَدَ الْغَايَةِ التي بَيْنَهُمْ يَرْمِي من بَقِيَ ثُمَّ يُتِمُّ هَذَانِ وإذا اقْتَسَمُوا ثَلَاثَةً وَثَلَاثَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَرِعُوا وَلْيَقْتَسِمُوا قِسْمًا مَعْرُوفًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَخْتَار على أَنْ أَسْبِقَ وَلَا يَخْتَارُ على أَنْ يَسْبِقَ وَلَا أَنْ يَقْتَرِعَا فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ سَبَقَهُ صَاحِبُهُ وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَقْتَسِمَا قَسْمًا مَعْرُوفًا وَيَسْبِقُ أَيُّهَا شَاءَ مُتَطَوِّعًا لَا مُخَاطَرَةً بِالْقُرْعَةِ وَلَا بِغَيْرِهَا ( 2 ) من أَنْ يَقُولَ أَرْمِي أنا وَأَنْتَ هذا الْوَجْهُ فَأَيُّنَا أَفْضَلَ على صَاحِبِهِ سَبَقَهُ الْمَفْضُولُ وَالسَّبَقُ على من بَذَلَهُ دُونَ حِزْبِهِ إلَّا أَنْ يُدْخِلَ حِزْبُهُ أَنْفُسَهُمْ معه في ضَمَانِ السَّبَقِ أو يَأْمُرُوهُ أَنْ يَسْبِقَ عَنْهُمْ فَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ منهم حِصَّتُهُ على قَدْرِ عَدَدِ الرِّجَالِ لَا على قَدْرِ جَوْدَةِ الرَّمْيِ وإذا قال الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ إنْ أَصَبْت بهذا السَّهْمِ فَلَكَ سَبَقٌ فَهَذَا جَائِزٌ وَلَيْسَ هذا من وَجْهِ النِّضَالِ فَإِنْ قال إنْ أَخْطَأْت بهذا السَّهْمِ فَلَكَ سَبَقٌ لم يَكُنْ ذلك له وَإِنْ حَضَرَ الْغَرِيبُ أَهْلُ الْغَرَضِ فَقَسَمُوهُ فقال من معه كنا نَرَاهُ رَامِيًا وَلَسْنَا نَرَاهُ رَامِيًا أو قال أَهْلُ الحزب ( ( ( الحرب ) ) ) الَّذِينَ يَرْمِي عليهم كنا نَرَاهُ غير رَامٍ وهو الْآنَ رَامٍ لم يَكُنْ لهم من إخْرَاجِهِ إلَّا ما لهم من إخْرَاجِ من عَرَفُوا رَمْيَهُ مِمَّنْ قَسَمُوهُ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ بِالرَّمْيِ فَسَقَطَ أو بِغَيْرِ الرَّمْيِ فَوَافَقَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ سَبَقَ فُلَانًا دِينَارَيْنِ على أَنِّي شَرِيكٌ في الدِّينَارَيْنِ إلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِأَنْ يَهَبَ له أَحَدُهُمَا أو كِلَيْهِمَا بَعْدَ ما يَنْضُلُ وَكَذَلِكَ لو تَطَارَدَ ثَلَاثَةٌ فَأَخْرَجَ اثْنَانِ سَبَقَيْنِ وَأَدْخَلَا مُحَلِّلًا لم يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَ رَجُلًا لَا يَرْمِي عليه نِصْفَ سَبَقِ أَحَدِهِمَا على أَنَّ له نِصْفَ الْفَضْلِ إنْ أَحْرَزَ على صَاحِبِهِ وإذا سَبَقَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ على أَنَّ له أَنْ يَبْدَأَ عليه رِشْقَيْنِ فَأَكْثَرَ لم يَجُزْ ذلك له وَذَلِكَ أنا إذَا أَعْطَيْنَاهُ ذلك أَعْطَيْنَاهُ فَضْلَ سَهْمٍ أو أَكْثَرَ أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لو رَمَيَا بِعَشْرٍ ثُمَّ ابْتَدَأَ الذي بَدَأَ كان لو فَلَجَ بِذَلِكَ السَّهْمِ الْحَادِيَ عَشْرَ كنا أَعْطَيْنَاهُ أَنْ يَرْمِيَ بِسَهْمٍ يَكُونُ في ذلك الْوَقْتِ فَضْلًا على مُرَاسِلِهِ عن غَيْرِ مُرَاسَلَةٍ وَإِنَّمَا نُجِيزُ هذا له إذَا تكافئا ( ( ( تكافأ ) ) ) فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَبْدَأُ في وَجْهٍ وَالْآخَرُ في آخَرَ وإذا سَبَقَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَجَائِزٌ أَنْ يُعْطِيَهُ السَّبَقَ مَوْضُوعًا على يَدَيْهِ أو رَهْنًا بِهِ أو حَمِيلًا أو رَهْنًا وَحَمِيلًا أو يَأْمَنَهُ كُلُّ ذلك جَائِزٌ وإذا رَمَيَا إلَى خَمْسِينَ مُبَادَرَةً فَأَفْضَلُ أَحَدُهُمَا على صَاحِبِهِ خَمْسًا أو أَقَلَّ أو أَكْثَرَ فقال الذي أَفْضَلَ عليه اطْرَحْ فَضْلَك على أَنْ أُعْطِيَك بِهِ شيئا لم يَجُزْ وَلَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُتَفَاسَخَا هذا السَّبَقَ بِرِضَاهُمَا وَيَتَسَابَقَانِ سَبَقًا آخَرَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الصَّلَاةِ في الْمَضْرَبَةِ وَالْأَصَابِعِ إذَا كان جِلْدُهُمَا ذَكِيًّا مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أو مَدْبُوغًا من جِلْدِ ما لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ما عَدَا جِلْدَ كَلْبٍ أو خِنْزِيرٍ فإن ذلك لَا يطهر ( ( ( يظهر ) ) ) بِالدَّبَّاغِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَإِنْ صلى الرَّجُلُ والمضربة ( ( ( والضربة ) ) ) وَالْأَصَابِعُ عليه فَصَلَاتُهُ مُجْزِئَةٌ عنه غير أَنِّي أَكْرَهُهُ لِمَعْنًى وَاحِدٍ إنِّي آمُرُهُ أَنْ يُفْضِيَ بِبُطُونِ كَفَّيْهِ إلَى الْأَرْضِ وإذا كانت عليه الْمَضْرَبَةِ وَالْأَصَابِعُ مَنَعَتَاهُ أَنْ يفضي ( ( ( يقضي ) ) ) بِجَمِيعِ بُطُونِ كَفِيهِ لَا مَعْنَى غير ذلك وَلَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ مُتَنَكِّبًا الْقَوْسَ
____________________

(4/237)


وَالْقَرْنَ إلَّا أَنْ يكونا ( ( ( يكون ) ) ) يَتَحَرَّكَانِ عليه حَرَكَةً تَشْغَلُهُ فَأَكْرَهُ ذلك له وَإِنْ صلى أَجْزَأَهُ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ على أَنْ يَرْمِيَ معه وَيَخْتَارُ الْمُسْبِقُ ثَلَاثَةً وَلَا يُسَمِّيهِمْ لِلْمُسْبَقِ وَلَا الْمُسْبِقُ ثَلَاثَةً وَلَا يُسَمِّيهِمْ لِلْمُسْبِقِ قال وَلَا يَجُوزُ السَّبَقُ حتى يَعْرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ من الْمُتَنَاضَلِينَ من يَرْمِي معه وَعَلَيْهِ بِأَنْ يَكُون حَاضِرًا يَرَاهُ أو غَائِبًا يَعْرِفُهُ وإذا كان الْقَوْمُ الْمُتَنَاضِلُونَ ثَلَاثَةً وَثَلَاثَةً أو أَكْثَرَ كان لِمَنْ له الْإِرْسَالُ وَحِزْبُهُ وَلِمُنَاضِلِيهِمْ أَنْ يُقَدِّمُوا أَيَّهُمْ شاؤوا كما شاؤوا وَيُقَدِّمُ الْآخَرُونَ كَذَلِكَ وَلَوْ عَقَدُوا السَّبَقَ على أَنَّ فُلَانًا يَكُونُ مُقَدَّمًا وَفُلَانٌ معه وَفُلَانٌ ثَانٍ وَفُلَانٌ معه كان السَّبَقُ مَفْسُوخًا وَلَا يَجُوزُ حتى يَكُونَ الْقَوْمُ يُقَدِّمُونَ من رَأَوْا تَقْدِيمَهُ وإذا كان الْبَدْءُ لِأَحَدٍ الْمُتَنَاضِلِينَ فَبَدَأَ الْمُبْدَأُ عليه فَأَصَابَ أو أَخْطَأَ رُدَّ ذلك السَّهْمُ خَاصَّةً وَإِنْ لم يَعْلَمَا حتى يَفْرُغَا من رَمْيِهِمَا رُدَّ عليه السَّهْمُ الْأَوَّلُ فَرَمَى بِهِ فَإِنْ كان أَصَابَ بِهِ بَطَلَ عنه وَإِنْ كان أَخْطَأَ بِهِ رَمَى بِهِ فَإِنْ أَصَابَ بِهِ حُسِبَ له لِأَنَّهُ رَمَى بِهِ في الْبَدْءِ وَلَيْسَ له الرَّمْيُ بِهِ فَلَا يَنْفَعُهُ مُصِيبًا كان أو مُخْطِئًا إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا بِهِ (1) * أخبرنا الرَّبِيعُ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال الْحُكْمُ في قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حُكْمَانِ فَمَنْ غَزَا منهم أَهْلَ الْأَوْثَانِ وَمَنْ عَبَدَ ما اسْتَحْسَنَ من غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ من كَانُوا فَلَيْسَ له أَنْ يَأْخُذَ منهم الْجِزْيَةَ وَيُقَاتِلُهُمْ إذَا قوى عليهم حتى يَقْتُلَهُمْ أو يُسْلِمُوا وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { فإذا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ } الْآيَتَيْنِ وَلِقَوْلِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فإذا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ على اللَّهِ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ كان من أَهْلِ الْكِتَابِ من الْمُشْرِكِينَ الْمُحَارَبِينَ قُوتِلُوا حتيى ( ( ( حتى ) ) ) يُسْلِمُوا أو يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ فإذا أَعْطَوْهَا لم يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُمْ وَلَا إكْرَاهُهُمْ على غَيْرِ دِينِهِمْ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } الْآيَةَ وإذا قُوتِلَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ قُتِلُوا وَسُبِيَتْ ذَرَارِيُّهُمْ وَمَنْ لم يَبْلُغْ الْحُلُمَ وَالْمَحِيضَ منهم وَنِسَاؤُهُمْ الْبَوَالِغُ وَغَيْرُ البوالغ ثُمَّ كَانُوا جميعا فَيْئًا يُرْفَعُ منهم الْخُمُسُ وَيُقَسَّمُ الْأَرْبَعَةُ الْأَخْمَاسِ على من أَوْجَفَ عليهم بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ فَإِنْ أَثْخَنُوا فِيهِمْ وَقَهَرُوا من قَاتَلُوهُ منهم حتى تَغَلَّبُوا على بِلَادِهِمْ قُسِّمَتْ الدُّورُ وَالْأَرَضُونَ قَسْمَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لَا يَخْتَلِفُ ذلك تُخَمَّسُ وَتَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ حَضَرَ وإذا أُسِرَ الْبَالِغُونَ من الرِّجَالِ فَالْإِمَامُ فِيهِمْ بِالْخِيَارِ بين أَنْ يَقْتُلَهُمْ إنْ لم يُسْلِمَ أَهْلُ الْأَوْثَانِ أو يُعْطِ الْجِزْيَةَ أَهْلَ الْكِتَابِ أو يَمُنُّ عليهم أو يُفَادِيَهُمْ بِمَالٍ يَأْخُذُهُ منهم أو بِأَسْرَى من الْمُسْلِمِينَ يُطْلِقُونَ لهم أو يَسْتَرِقُّهُمْ فَإِنْ اسْتَرَقَّهُمْ أو أَخَذَ منهم مَالًا فَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْغَنِيمَةِ يُخَمَّسُ وَيَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِأَهْلِ الْغَنِيمَةِ فَإِنْ قال قَائِلٌ كَيْفَ حَكَمْت في الْمَالِ وَالْوِلْدَانِ وَالنِّسَاءِ حُكْمًا وَاحِدًا وَحَكَمْت في الرِّجَالِ أَحْكَامًا مُتَفَرِّقَةً قِيلَ ظَهَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم على قُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ فَقَسَّمَ عَقَارَهُمَا من الْأَرَضِينَ وَالنَّخْلِ قِسْمَةَ الْأَمْوَالِ وَسَبَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وِلْدَانَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهَوَازِنَ وَنِسَاءَهُمْ فَقَسَّمَهُمْ قِسْمَةَ الْأَمْوَالِ وَأَسَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَهْلَ بَدْرٍ فَمِنْهُمْ من مَنَّ عليه بِلَا شَيْءٍ أَخَذَهُ منه وَمِنْهُمْ من أَخَذَ منه فِدْيَةً وَمِنْهُمْ من قَتَلَهُ وكان الْمَقْتُولَانِ بَعْدَ الْإِسَارِ يوم بَدْرٍ عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بن الحرث وكان من الْمَمْنُونِ عليهم بِلَا فِدْيَةٍ أبو عَزَّةَ الْجُمَحِيُّ تَرَكَهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِبَنَاتِهِ وَأَخَذَ عليه عَهْدًا أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ فَأَخْفَرَهُ وَقَاتَلَهُ يوم أُحُدٍ فَدَعَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ لَا يَفْلِتَ فما أُسِرَ من الْمُشْرِكِينَ رَجُلًا غَيْرَهُ فقال يا محمد اُمْنُنْ عَلَيَّ وَدَعْنِي لِبَنَاتِي وَأُعْطِيك عَهْدًا أَنْ لَا أَعُودَ لِقِتَالِك فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( لَا تَمْسَحْ
____________________
1- * كِتَابُ الْحُكْمِ في قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَمَسْأَلَةُ مَالِ الْحَرْبِيِّ

(4/238)


على عَارِضَيْك بِمَكَّةَ تَقُولُ قد خَدَعْت مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ ) فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ ثُمَّ أَسَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَامَةَ بن أَثَالٍ الْحَنَفِيَّ بَعْدُ فَمَنَّ عليه ثُمَّ عَادَ ثُمَامَةُ بن أَثَالٍ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ * أخبرنا الثَّقَفِيُّ عن أَيُّوبَ عن أبي قِلَابَةَ عن أبي الْمُهَلَّبِ عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَدَى رَجُلًا من الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلَيْنِ من الْمُشْرِكِينَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ من الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن قَتْلِهِمْ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزُّهْرِيِّ عن بن كَعْبِ بن مَالِكٍ عن عَمِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى الَّذِينَ بَعَثَ إلَى بن أبي الْحَقِيقِ عن قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) لَا يَعْمِدُونَ بِقَتْلٍ وَلِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَشُنُّوا عليهم الْغَارَةَ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِنْ أَصَابُوا من النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ أَحَدًا لم يَكُنْ فيه عَقْلٌ وَلَا قَوَدٌ وَلَا كَفَّارَةٌ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على هذا قِيلَ أخبرنا سُفْيَانُ عن الزُّهْرِيِّ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن عبد اللَّهِ بن عُتْبَةَ عن بن عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنهما عن الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم سئل عن أَهْلِ الدَّارِ من الْمُشْرِكِينَ يَبِيتُونَ فَيُصَابُ من نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( هُمْ منهم ) وَرُبَّمَا قال سُفْيَانُ في الحديث ( هُمْ من آبَائِهِمْ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قال قائل قَوْلَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( هُمْ من آبَائِهِمْ ) قِيلَ لَا عَقْلَ وَلَا قَوَدَ وَلَا كَفَّارَةَ فَإِنْ قال فَلِمَ لَا يَعْمِدُونَ بِالْقَتْلِ قِيلَ لِنَهْيِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَعْمِدُوا بِهِ فَإِنْ قال فَلَعَلَّ الْحَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَانِ قِيلَ لَا وَلَكِنْ مَعْنَاهُمَا ما وَصَفْت فَإِنْ قال ما دَلَّ على ما قُلْت قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إذَا لم يَنْهَ عن الْإِغَارَةِ لَيْلًا فَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ الْقَتْلَ قد يَقَعُ على الْوِلْدَانِ وَعَلَى النِّسَاءِ فَإِنْ قال فَهَلْ أَغَارَ على قَوْمٍ بِبَلَدٍ غَارَيْنِ لَيْلًا أو نَهَارًا قِيلَ نعم أَخْبَرْنَا عُمَرُ بن حَبِيبٍ عن عبد اللَّهِ بن عَوْنٍ أَنَّ نَافِعًا مولى بن عُمَرَ كَتَبَ إلَيْهِ يُخْبِرُهُ أَنَّ بن عُمَرَ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنهما أخبره أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَغَارَ على بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونِ في نِعَمِهِمْ بالمريسيع فَقَتَلَ الْمُقَاتِلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وفي أَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِقَتْلِ بن أبي الْحَقِيقِ غَارًّا دَلَالَةٌ على أَنَّ الْغَارَّ يُقْتَلُ وَكَذَلِكَ أَمَرَ بِقَتْلِ كَعْبِ بن الْأَشْرَفِ فَقُتِلَ غَارًّا فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ قال أَنَسٌ كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ لَيْلًا لم يُغِرْ حتى يُصْبِحَ قِيلَ له إذَا كان مَوْجُودًا في سُنَّتِهِ أَنَّهُ أَمَرَ بِمَا وَصَفْنَا من قَتْلِ الْغَارِّينَ وَأَغَارَ على الْغَارِّينَ ولم يَنْهَ في حديث الصَّعْبِ عن الْبَيَاتِ دَلَّ ذلك على أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَلَكِنَّهُ قد يَتْرُكُ الْغَارَةَ لَيْلًا لَأَنْ يَعْرِفَ الرَّجُلُ من يُقَاتِلُ أو أَنْ لَا يَقْتُلَ الناس بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ من الْمُشْرِكِينَ فَلَا يَقْتُلُونَ بين الْحِصْنِ وَلَا في الْآكَامِ حَيْثُ لَا يُبْصِرُونَ من قِبَلَهُمْ لَا على مَعْنَى أَنَّهُ حَرُمَ ذلك وَفِيمَا وَصَفْنَا من هذا كُلِّهِ ما يَدُلُّ على أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُشْرِكِينَ إلَى الْإِسْلَامِ أو إلَى الْجِزْيَةِ إنَّمَا هو وَاجِبٌ لِمَنْ تَبْلُغُهُ الدَّعْوَةُ فَأَمَّا من بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَلِلْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُ قبل أَنْ يُدْعَى وَإِنْ دَعَوْهُ فَذَلِكَ لهم من قِبَلِ أَنَّهُمْ إذَا كان لهم تَرْكُ قِتَالِهِ بِمُدَّةٍ تَطُولُ فَتَرْكُ قِتَالِهِ إلَى أَنْ يدعي أَقْرَبُ فَأَمَّا من لم تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلُوا حتى يُدْعَوْا إلَى الْإِيمَانِ إنْ كَانُوا من غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أو إلَى الْإِيمَانِ أو إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ إنْ كَانُوا من أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا لم تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ من وَرَاءِ عَدُوِّنَا الَّذِينَ يُقَاتِلُونَا أُمَّةً من الْمُشْرِكِينَ فَلَعَلَّ أُولَئِكَ أَنْ لَا تَكُونَ الدَّعْوَةُ بَلَغَتْهُمْ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونُوا خَلْفَ الرُّومِ أو التُّرْكِ ( 1 ) أو الْخَزَرِ أُمَّةً لَا نَعْرِفُهُمْ فَإِنْ قَتَلَ أَحَدٌ من الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا من الْمُشْرِكِينَ لم تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَدَاهُ إنْ كان نَصْرَانِيًّا أو يَهُودِيًّا دِيَةَ نَصْرَانِيٍّ أو يَهُودِيٍّ وَإِنْ كان وَثَنِيًّا أو مَجُوسِيًّا دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ وَإِنَّمَا تَرَكْنَا قَتْلَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ بِالْخَبَرِ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يُقَاتِلُ فَإِنْ قَاتَلَ النِّسَاءَ أو من لم يَبْلُغْ الْحُلُمَ لم يَتَوَقَّ ضَرْبَهُمْ
____________________

(4/239)


بِالسِّلَاحِ وَذَلِكَ أَنَّ ذلك إذَا لم يَتَوَقَّ من الْمُسْلِمِ إذَا أَرَادَ دَمَ الْمُسْلِمِ كان ذلك من نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ لم يَبْلُغْ الْحُلُمَ منهم أَوْلَى أَنْ لَا يَتَوَقَّى وَكَانُوا قد زَايَلُوا الْحَالَ التي نهى عن قَتْلِهِمْ فيها وإذا أُسِرُوا أو هَرَبُوا أو جُرِحُوا وَكَانُوا مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ فَلَا يُقْتَلُونَ لِأَنَّهُمْ قد زَايَلُوا الْحَالَ التي أُبِيحَتْ فيها دِمَاؤُهُمْ وَعَادُوا إلَى أَصْلِ حُكْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَمْنُوعِينَ بِأَنْ يَقْصِدَ قَصْدَهُمْ بِالْقَتْلِ وَيَتْرُكَ قَتْلَ الرُّهْبَانِ وَسَوَاءٌ رُهْبَانُ الصَّوَامِعِ وَرُهْبَانُ الدِّيَارَاتِ والصحارى وَكُلُّ من يَحْبِسُ نَفْسَهُ بِالتَّرَهُّبِ تَرَكْنَا قَتْلَهُ اتِّبَاعًا لِأَبِي بَكْرٍ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كان لنا أَنْ نَدَعَ قَتْلَ الرِّجَالِ الْمُقَاتِلِينَ بَعْدَ الْمَقْدِرَةِ وَقَتْلَ الرِّجَالِ في بَعْضِ الْحَالَاتِ لم نَكُنْ آثِمِينَ بِتَرْكِ الرُّهْبَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا قُلْنَا هذا تَبَعًا لَا قِيَاسًا وَلَوْ أَنَّا زَعَمْنَا انا تَرَكْنَا قَتْلَ الرُّهْبَانِ لِأَنَّهُمْ في مَعْنَى من لَا يُقَاتِلُ تَرَكْنَا قَتْلَ الْمَرْضَى حين نُغِيرُ عليهم وَالرُّهْبَانَ وَأَهْلَ الْجُبْنَ وَالْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ وَأَهْلَ الصِّنَاعَاتِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على أَنَّهُ يُقْتَلُ من لَا قِتَالَ منه من الْمُشْرِكِينَ قِيلَ قَتَلَ أَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يوم حُنَيْنٍ دُرَيْدَ بن الصِّمَّةِ وهو في شِجَارٍ مَطْرُوحٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُثْبِتَ جَالِسًا وكان قد بَلَغَ نَحْوًا من خَمْسِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ فلم يَعِبْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَتْلَهُ ولم أَعْلَمْ أَحَدًا من الْمُسْلِمِينَ عَابَ أَنْ نَقْتُلَ من رِجَالِ الْمُشْرِكِينَ من عَدَا الرُّهْبَانَ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُعَابَ قَتْلُ من عَدَا الرُّهْبَانَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ لم يُقْتَلْ الْأَسِيرُ وَلَا الْجَرِيحُ الْمُثْبَتُ وقد ذُفِّفَ على الْجَرْحَى بِحَضْرَةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم منهم أبو جَهْلِ بن هِشَامٍ ذَفَّفَ عليه بن مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ وإذا لم يَكُنْ في تَرْكِ قَتْلِ الرَّاهِبِ حُجَّةٌ إلَّا ما وَصَفْنَا غَنِمْنَا كُلَّ مَالٍ له في صَوْمَعَتِهِ وَغَيْرِ صَوْمَعَتِهِ ولم نَدَعْ له منه شيئا لِأَنَّهُ لَا خبر ( ( ( خير ) ) ) في أَنْ يُتْرَكَ ذلك له فَيُتْبَعَ وَتُسْبَى أَوْلَادُ الرُّهْبَانِ وَنِسَاؤُهُمْ إنْ كَانُوا غير مُتَرَهَّبِينَ وَالْأَصْلُ في ذلك أَنَّ اللَّهَ عز وجل أَبَاحَ أَمْوَالَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَا تَمْنَعُ مَالَهُ قِيلَ كما لَا أَمْنَعُ مَالَ الْمَوْلُودِ وَالْمَرْأَةِ وَأَمْنَعُ دِمَاءَهُمَا وَأُحِبُّ لو تَرَهَّبَ النِّسَاءُ تَرْكَهُنَّ كما أَتْرُكُ الرِّجَالَ فَإِنْ تَرَهَّبَ عَبْدٌ من الْمُشْرِكِينَ أو أَمَةٌ سَبَيْتهمَا من قِبَلِ أَنَّ السَّيِّدَ لو أَسْلَمَ قَضَيْت له أَنْ يَسْتَرِقَّهُمَا وَيَمْنَعَهُمَا التَّرَهُّبَ لِأَنَّ الْمَمَالِيكَ لَا يَمْلِكُونَ من أَنْفُسِهِمْ ما يَمْلِكُ الْأَحْرَارُ فَإِنْ قال قَائِلٌ وما الْفَرْقُ بين الْمَمَالِيكِ وَالْأَحْرَارِ قِيلَ لَا يُمْنَعُ حُرٌّ من غَزْوٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا تَشَاغُلٍ بِبِرٍّ عن صَنْعَتِهِ بَلْ يُحْمَدُ على ذلك وَيَكُونُ الْحَجُّ وَالْغَزْوُ لَازِمِينَ له في بَعْضِ الْحَالَاتِ وَلِمَالِكِ الْعَبْدِ مَنْعُهُ من ذلك وَلَيْسَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ من هذا شَيْءٌ - * الْخِلَافُ فِيمَنْ تُؤْخَذُ منه الْجِزْيَةُ وَمَنْ لَا تُؤْخَذُ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْمَجُوسِ وَالصَّابِئُونَ وَالسَّامِرَةُ أَهْلُ كِتَابٍ فَخَالَفَنَا بَعْضُ الناس فقال أَمَّا الصَّابِئُونَ وَالسَّامِرَةُ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُمَا صِنْفَانِ من الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَلَا أَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ وفي الحديث ما يَدُلُّ على أَنَّهُمْ غَيْرُ أَهْلِ كِتَابِ لِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ) وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْكِحُونَ نِسَاءَهُمْ وَلَا يَأْكُلُونَ ذَبَائِحَهُمْ ( 1 ) فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ إذَا أُبِيحَ أَنْ تُؤْخَذَ منهم الْجِزْيَةُ فَكُلُّ مُشْرِكٍ عَابِدِ وَثَنٍ أو غَيْرِهِ فَحَرَامٌ إذَا أَعْطَى الْجِزْيَةَ أَنْ لاتقبل منه وَحَالُهُمْ حَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ في أَنْ تُؤْخَذَ منهم الْجِزْيَةُ وَتُحْقَنَ دِمَاؤُهُمْ بها إلَّا الْعَرَبَ خَاصَّةً فَلَا يُقْبَلُ منهم إلَّا الْإِسْلَامُ أو السَّيْفُ وقال لي بَعْضُ من يَذْهَبُ هذا الْمَذْهَبَ ما حُجَّتُك في أَنْ حَكَمْت في الْمَجُوسِ حُكْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ ولم تَحْكُمْ بِذَلِكَ في غَيْرِ الْمَجُوسِ فَقُلْت الْحُجَّةُ أَنَّ سُفْيَانَ أخبرنا عن أبي سَعِيدٍ عن نَصْرِ بن عَاصِمٍ أَنَّ عَلِيَّ بن أبي طَالِبٍ رضي اللَّهُ عنه سئل عن الْمَجُوسِ فقال ( كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ ) فما قَوْلُهُ ( سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ) قُلْت كَلَامٌ عَرَبِيٌّ
____________________

(4/240)


وَالْكِتَابَانِ الْمَعْرُوفَانِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَلِلَّهِ كُتُبٌ سِوَاهُمَا قال وما دَلَّ على ما قُلْت قُلْت قال اللَّهُ عز وجل { أَمْ لم يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الذي وَفَّى } فَالتَّوْرَاةُ كِتَابُ مُوسَى وَالْإِنْجِيلُ كِتَابُ عِيسَى وَالصُّحُفُ كِتَابُ إبْرَاهِيمِ ما لم تَعْرِفْهُ الْعَامَّةُ من الْعَرَبِ حتى أَنْزَلَ اللَّهُ وقال الله عز وجل { وَلَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبُورِ من بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ } قال فما مَعْنَى قَوْلِهِ ( سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ) قُلْنَا في أَنْ تُؤْخَذَ منهم الْجِزْيَةُ قال فما دَلَّ على أَنَّهُ كَلَامٌ خَاصٌّ قُلْنَا لو كان عَامًّا أَكَلْنَا ذَبَائِحَهُمْ وَنَكَحْنَا نِسَاءَهُمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال فَفِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ تُؤْخَذُ منهم الْجِزْيَةُ حُكْمٌ وَاحِدٌ أو حُكْمَانِ قِيلَ بَلْ حُكْمَانِ قال وَهَلْ يُشْبِهُ هذا شَيْءٌ قُلْنَا نعم حَكَمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَنْ قُتِلَ من أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ قال فَإِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ غير الْمَجُوسِ مِمَّنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وَلَا نِسَاؤُهُ قِيَاسًا على الْمَجُوسِ قُلْنَا فَأَيْنَ ذَهَبْت عن قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } إلَى { فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } وقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) فَإِنْ زَعَمْت أنها وَالْحَدِيثَ مَنْسُوخَانِ بِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل { حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } وَبِقَوْلِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ ) قُلْنَا فَإِذْ زَعَمْت ذلك دخل عَلَيْك أَنْ تَكُونَ الْعَرَبُ مِمَّنْ يُعْطُونَ الْجِزْيَةَ وَإِنْ لم يَكُونُوا أَهْلَ كِتَابٍ قال فَإِنْ قُلْت لَا يَصْلُحُ أَنْ تعطى الْعَرَبُ الْجِزْيَةُ قُلْنَا أو لَيْسُوا دَاخِلِينَ في اسْمِ الشِّرْكِ قال بَلَى وَلَكِنْ لم أَعْلَمْ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَخَذَ منهم جِزْيَةً قُلْنَا أَفَعَلِمْت أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَخَذَ جِزْيَةً من غَيْرِ كِتَابِيٍّ أو مَجُوسِيٍّ قال لَا قُلْنَا فَكَيْفَ جَعَلْت غير الْكِتَابِيِّينَ من الْمُشْرِكِينَ قِيَاسًا على الْمَجُوسِ أَرَأَيْتَ لو قال لَك قَائِلٌ بَلْ آخُذُهَا من الْعَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ ليس من أَهْلِ الْكِتَابِ ما تَقُولُ له قال أَفَتَزْعُمُ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَخَذَهَا من عَرَبِيٍّ قُلْنَا نعم وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ يأخذونها ( ( ( يأخذوها ) ) ) حتى السَّاعَةِ من الْعَرَبِ قد صَالَحَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أُكَيْدِرَ الْغَسَّانِيَّ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وَصَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ وَالْيَمَنِ وَمِنْهُمْ عَرَبٌ وَعَجَمٌ وَصَالَحَ عُمَرُ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَبَنِي نُمَيْرٍ إذْ كَانُوا كلهم يَدِينُونَ دِينَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ تُؤْخَذُ منهم الْجِزْيَةُ إلَى الْيَوْمِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ جَازَ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ إحْدَى الْآيَتَيْنِ وَالْحَدِيثَيْنِ نَاسِخٌ لِلْآخَرِ جَازَ أَنْ يُقَالَ الْأَمْرُ بِأَنْ تُؤْخَذَ الْجِزْيَةُ من أَهْلِ الْكِتَابِ في الْقُرْآنِ وَمِنْ الْمَجُوسِ في السُّنَّةِ مَنْسُوخٌ بِأَمْرِ اللَّهِ عز وجل أَنْ نُقَاتِلَ الْمُشْرِكِينَ حتى يُسْلِمُوا وَقَوْلِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ الناس حتى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا نَاسِخٌ إلَّا بِخَبَرٍ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَيَمْضِيَانِ جميعا على وُجُوهِهِمَا ما كان إلَى إمْضَائِهِمَا سَبِيلٌ بِمَا وَصَفْنَا وَذَلِكَ إمْضَاءُ حُكْمِ اللَّهِ عز وجل وَحُكْمِ رَسُولِهِ مَعًا وَقَوْلُك خَارِجٌ من ذلك في بَعْضِ الْأُمُورِ دُونَ بَعْضٍ قال فقال لي أَفَعَلَيَّ أَيَّ شَيْءٍ الْجِزْيَةُ قُلْنَا على الْأَدْيَانِ لَا على الْأَنْسَابِ وَلَوَدِدْنَا أَنَّ الذي قُلْت على ما قُلْت إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ سَخَطٌ وما رَأَيْنَا اللَّهَ عز وجل فَرَّقَ بين عَرَبِيٍّ وَلَا عَجَمِيٍّ في شِرْكٍ وَلَا إيمَانٍ وَلَا الْمُسْلِمُونَ أَنَّا لَنَقْتُلُ كُلًّا بِالشِّرْكِ وَنَحْقِنُ دَمَ كل بِالْإِسْلَامِ وَنَحْكُمُ على كُلٍّ بِالْحُدُودِ فِيمَا أَصَابُوا وَغَيْرَهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ على رِجَالٍ من الْعَدُوِّ فَأَسَرُوهُمْ فَأَسْلَمُوا بَعْدَ الْإِسَارِ فَهُمْ مَرْقُوقُونَ لَا تَحِلُّ دِمَاؤُهُمْ وَأَيُّ حَالٍ أَسْلَمُوا فيها قبل الْإِسَارِ حَقَنُوا دِمَاءَهُمْ وَأَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ إلَّا ما حَوَوْا قبل أَنْ يُسْلِمُوا وَكَانُوا أَحْرَارًا ولم يُسْبَ من ذَرَارِيِّهِمْ أَحَدٌ صَغِيرٌ فَأَمَّا نِسَاؤُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ الْبَالِغُونَ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُ أَنْفُسِهِمْ في الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ لَا حُكْمُ الْأَبِ وَالزَّوْجِ وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمُوا وقد حُصِرُوا في مَدِينَةٍ أو بَيْتٍ أو أَحَاطَتْ بِهِمْ الْخَيْلُ أو غَرِقُوا في الْبَحْرِ فَكَانُوا لَا يَمْتَنِعُونَ مِمَّنْ أَرَادَ أَخْذُهُمْ أو وَقَعُوا في نَارٍ أو بِئْرٍ وَخَرَجُوا وَكَانُوا غير مُمْتَنِعِينَ كَانُوا بهذا كُلِّهِ مَحْقُونِي الدِّمَاءِ مَمْنُوعِينَ من أَنْ يُسْبَوْا وَلَكِنْ لو سُبُوا فَرُبِطُوا أو سُجِنُوا غير مَرْبُوطِينَ أو صَارُوا إلَى الإستسلام
____________________

(4/241)


فَأَمَرَ بِهِمْ الْحَاكِمُ قَوْمًا يَحْفَظُونَهُمْ فَأَسْلَمُوا حُقِنَتْ دِمَاؤُهُمْ وَجَرَى السَّبْيُ عليهم فَإِنْ قال ما فَرْقٌ بين هذه الْحَالِ وَبَيْنَ الْمُحَاطِ بِهِمْ في صَحْرَاءَ أو بَيْتٍ أو مَدِينَةٍ قِيلَ قد يَمْتَنِعُ أُولَئِكَ حتى يَغْلِبُوا من أَحَاطَ بِهِمْ أو يَأْتِيَهُمْ الْمَدَدُ أو يَتَفَرَّقُونَ عَنْهُمْ فَيَهْرُبُوا وَلَيْسَ من كان بِهَذِهِ الْحَالِ مِمَّنْ يَقَعُ عليه اسْمُ السَّبْيِ إنَّمَا يَقَعُ عليه اسْمُ السَّبْيِ إذَا حَوَى غير مُمْتَنِعٍ وَلَوْ أُسِرَ جَمَاعَةٌ من الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَعَانَ بِهِمْ الْمُشْرِكُونَ على مُشْرِكِينَ مِثْلِهِمْ لِيُقَاتِلُوهُمْ فَقَدْ قِيلَ يُقَاتِلُونَهُمْ وَقِيلَ قَاتَلَ الزُّبَيْرُ وَأَصْحَابٌ له بِبِلَادِ الْحَبَشَةِ مُشْرِكِينَ عن مُشْرِكِينَ وَمَنْ قال هذا الْقَوْلَ قال وما يَحْرُمُ من الْقِتَالِ مَعَهُمْ وَدِمَاءُ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ مُبَاحَةٌ بِالشِّرْكِ وَلَوْ قال قَائِلٌ قِتَالُهُمْ حَرَامٌ لِمَعَانٍ منها أَنَّ وَاجِبًا على من ظَهَرَ من الْمُسْلِمِينَ على الْمُشْرِكِينَ فَغَنِمَ فَالْخُمُسُ لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَهُمْ مُتَفَرِّقُونَ في الْبُلْدَانِ وَهَذَا لَا يَجِدُ السَّبِيلَ إلَى أَنْ يَكُونَ الْخُمُسُ مِمَّا غَنِمَ لِأَهْلِ الْخُمُسِ لِيُؤَدِّيَهُ إلَى الْإِمَامِ فَيُفَرِّقَهُ وَوَاجِبٌ عليهم ان قَاتَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ فَأَعْطَوْا الْجِزْيَةَ أَنْ يَحْقِنُوا دِمَاءَهُمْ وَهَذَا إنْ أَعْطَوْا الْجِزْيَةَ لم يَقْدِرْ على أَنْ يَمْنَعَهُمْ حتى يَحْقِنُوا دِمَاءَهُمْ كان مَذْهَبًا وَإِنْ لم يَسْتَكْرِهُوهُمْ على قِتَالِهِمْ كان أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا وَلَا نَعْلَمُ خَبَرَ الزُّبَيْرِ يَثْبُت وَلَوْ ثَبَتَ كان النَّجَاشِيُّ مُسْلِمًا كان آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَصَلَّى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عليه وإذا غَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَ الْحَرْبِ فَسَرَتْ سَرِيَّةٌ كَثِيرَةٌ أو قَلِيلَةٌ بِإِذْنِ الْإِمَامِ أو غَيْرِ إذْنِهِ فَسَوَاءٌ وَلَكِنِّي أَسْتَحِبُّ أَنْ لَا يَخْرُجُوا إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ لِخِصَالٍ منها أَنَّ الْإِمَامَ يُغْنِي عن الْمَسْأَلَةِ وَيَأْتِيهِ من الْخَبَرِ ما لَا تَعْرِفُهُ الْعَامَّةُ فَيَقْدَمُ بِالسَّرِيَّةِ حَيْثُ يَرْجُو قُوَّتَهَا وَيَكُفُّهَا حَيْثُ يَخَافُ هَلَكَتَهَا وَإِنْ أَجْمَعَ لِأَمْرِ الناس أَنْ يَكُونَ ذلك بِأَمْرِ الْإِمَامِ وَإِنَّ ذلك أَبْعَدُ من الضَّيْعَةِ لِأَنَّهُمْ قد يَسِيرُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ فَيَرْحَلُ وَلَا يُقِيمُ عليهم فَيُتْلِفُونَ إذَا انْفَرَدُوا في بِلَادِ الْعَدُوِّ وَيَسِيرُونَ وَلَا يَعْلَمُ فَيَرَى الْإِمَامُ الْغَارَّةَ في نَاحِيَتِهِمْ فَلَا يُعِينُهُمْ وَلَوْ عَلِمَ مَكَانَهُمْ أَعَانَهُمْ وأما أَنْ يَكُونَ ذلك يَحْرُمُ عليهم فَلَا أَعْلَمُهُ يَحْرُمُ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ذَكَرَ الْجَنَّةَ فقال له رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ إنْ قُتِلْت صَابِرًا مُحْتَسِبًا قال ( فَلَكَ الْجَنَّةُ ) قال فَانْغَمَسَ في جَمَاعَةِ الْعَدُوِّ فَقَتَلُوهُ وَأَلْقَى رَجُلٌ من الْأَنْصَارِ دِرْعًا كانت عليه حين ذَكَرَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم الْجَنَّةَ ثُمَّ انْغَمَسَ في الْعَدُوِّ فَقَتَلُوهُ بين يَدَيْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنَّ رَجُلًا من الْأَنْصَارِ تَخَلَّفَ عن أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ فَرَأَى الطَّيْرَ عُكُوفًا على مُقْتَلَةِ أَصْحَابِهِ فقال لِعَمْرِو بن أُمَيَّةَ سَأَتَقَدَّمُ إلَى هَؤُلَاءِ الْعَدُوِّ فَيَقْتُلُونِي وَلَا أَتَخَلَّفُ عن مَشْهَدٍ قُتِلَ فيه أَصْحَابُنَا فَفَعَلَ فَقُتِلَ فَرَجَعَ عَمْرُو بن أُمَيَّةَ فذكر ذلك لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال فيه قَوْلًا حَسَنًا وَيُقَالُ فقال لِعَمْرٍو فَهَلَّا تَقَدَّمْت فَقَاتَلْت حتى تُقْتَلَ فإذا حَلَّ الرَّجُلُ الْمُنْفَرِدُ أَنْ يَتَقَدَّمَ على الْجَمَاعَةِ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُ وَعِنْدَ من رَآهُ أنها سَتَقْتُلُهُ بين يَدَيْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قد رَآهُ حَيْثُ لَا يَرَى وَلَا يَأْمَنُ كان هذا أَكْثَرَ مِمَّا في انْفِرَادِ الرَّجُلِ وَالرِّجَالُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ } الْآيَةَ وقال { يا أَيُّهَا النبي حَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ على الْقِتَالِ } إلَى قَوْلِهِ { وَاَللَّهُ مع الصَّابِرِينَ } أخبرنا سُفْيَانُ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن بن عَبَّاسٍ رضي اللَّهُ عنهما ( 1 ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا كما قال بن عَبَّاسٍ وَمُسْتَغْنٍ بِالتَّنْزِيلِ عن التَّأْوِيلِ لَمَّا كَتَبَ اللَّهُ عز وجل من أَنْ لَا يَفِرَّ الْعِشْرُونَ من الْمِائَتَيْنِ فَكَانَ هذا الْوَاحِدُ من الْعَشَرَةِ ثُمَّ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَصَيَّرَ الْأَمْرَ إلَى ان لَا تَفِرُّ الْمِائَةُ من الْمِائَتَيْنِ وَذَلِكَ أَنْ لَا يَفِرَّ الرَّجُلُ من الرَّجُلَيْنِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أَخْبَرْنَا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن بن أبي نَجِيحٍ عن بن عَبَّاسٍ قال من فَرَّ من ثَلَاثَةٍ فلم يَفِرَّ وَمَنْ فَرَّ من اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا مِثْلُ مَعْنَى قَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَقَوْلِ بن عَبَّاسٍ وَقَوْلِنَا وَهَؤُلَاءِ الْخَارِجُونَ من السَّخَطِ إنْ فَرُّوا من
____________________

(4/242)


أَكْثَرَ منهم حتى يَكُونَ الْوَاحِدُ فَرَّ من ثَلَاثَةٍ فَصَاعِدًا فِيمَا نرى ( ( ( ترى ) ) ) وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ الفارين ( ( ( بالفارين ) ) ) بِكُلِّ حَالٍ أَمَّا الَّذِينَ يَجِبُ عليهم السَّخَطُ فإذا فَرَّ الْوَاحِدُ من اثْنَيْنِ فَأَقَلُّ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أو مُتَحَيِّزًا وَالْمُتَحَرِّفُ له يَمِينًا وَشِمَالًا وَمُدْبِرًا وَنِيَّتُهُ الْعَوْدَةُ لِلْقِتَالِ وَالْفَارُّ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ من الْمُسْلِمِينَ قُلْت أو كَثُرَتْ كانت بِحَضْرَتِهِ أو مُنْتَئِيَةً عنه سَوَاءٌ إنَّمَا يَصِيرُ الْأَمْرُ في ذلك إلَى نِيَّةِ الْمُتَحَرِّفِ وَالْمُتَحَيِّزُ فَإِنْ كان اللَّهُ عز وجل يَعْلَمُ أنه إنَّمَا تَحَرَّفَ لِيَعُودَ لِلْقِتَالِ أو تَحَيَّزَ لِذَلِكَ فَهُوَ الذي اسْتَثْنَى اللَّهُ فَأَخْرَجَهُ من سَخَطِهِ في التَّحَرُّفِ وَالتَّحَيُّزِ وَإِنْ كان لِغَيْرِ هذا الْمَعْنَى خِفْت عليه إلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّهُ تَعَالَى عنه أَنْ يَكُونَ قد بَاءَ بِسَخَطٍ من اللَّهِ وإذا تَحَرَّفَ إلَى الْفِئَةِ فَلَيْسَ عليه أَنْ يَنْفَرِدَ إلَى الْعَدُوِّ فَيُقَاتِلَهُمْ وَحْدَهُ وَلَوْ كان ذلك الْآنَ لم يَكُنْ له أَوَّلًا أَنْ يَتَحَرَّفَ وَلَا بَأْسَ بِالْمُبَارَزَةِ وقد بَارَزَ يوم بَدْرٍ عُبَيْدَةُ بن الحرث وَحَمْزَةُ بن عبد الْمُطَّلِبِ وَعَلِيٌّ بِأَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبَارَزَ محمد بن مَسْلَمَةَ مُرَحِّبًا يوم خَيْبَرَ بِأَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَبَارَزَ يَوْمَئِذٍ الزُّبَيْرَ بن الْعَوَّامِ يَاسِرًا وَبَارِز يَوْم الْخَنْدَقِ عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ عَمْرَو بن عبد وُدٍّ وإذا بَارَزَ الرَّجُلُ من الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ أَنْ يَدْعُوَ أو يُدْعَى إلَى الْمُبَارَزَةِ فَبَرَزَ له رَجُلٌ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُعِينَهُ عليه غَيْرُهُ لِأَنَّهُمْ لم يُعْطُوهُ أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ إلَّا وَاحِدٌ ولم يَسْأَلْهُمْ ذلك وَلَا شَيْءَ يَدُلُّ على أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُقَاتِلَهُ وَاحِدٌ فَقَدْ تَبَارَزَ عُبَيْدَةُ وَعُتْبَةُ فَضَرَبَ عُبَيْدَةُ عُتْبَةَ فَأَرْخَى عَاتِقَهُ الْأَيْسَرَ وَضَرَبَهُ عَتَبَة فَقَطَعَ رِجْلَهُ وَأَعَانَ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ فَقَتَلَا عُتْبَةَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا إنْ دَعَا مُسْلِمٌ مُشْرِكًا أو مُشْرِكٌ مُسْلِمًا إلَى أَنْ يُبَارِزَهُ فقال له لَا يُقَاتِلُك غَيْرِي أو لم يَقُلْ له ذلك إلَّا أَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الدُّعَاءَ إلَى مُبَارَزَةِ الْوَاحِدِ كُلٌّ من الْفَرِيقَيْنِ مَعًا سِوَى الْمُبَارِزَيْنِ أَحْبَبْت أَنْ يَكُفَّ عن أَنْ يَحْمِلَ عليه غَيْرُهُ فَإِنْ وَلَّى عنه الْمُسْلِمُ أو جَرَحَهُ ( 1 ) فَأَثْخَنَهُ فَحَمَلَ عليه بَعْدَ تَبَارُزِهِمَا فَلَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ إنْ قَدَرُوا على ذلك لِأَنَّ قِتَالَهُمَا قد انْقَضَى وَلَا أَمَانَ له عليهم إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرَطَ أَنَّهُ آمَنَ منهم حتى يَرْجِعَ إلَى مَخْرَجِهِ من الصَّفِّ فَلَا يَكُونُ لهم قَتْلُهُ حتى يَرْجِعَ إلَى مَأْمَنِهِ وَلَوْ شَرَطُوا ذلك له فَخَافُوهُ على الْمُسْلِمِ أو يُجْرَحُ الْمُسْلِمُ فَلَهُمْ أَنْ يَسْتَنْقِذُوا الْمُسْلِمَ منه بِلَا أَنْ يَقْتُلُوهُ فَإِنْ امْتَنَعَ أَنْ يُخَلِّيَهُمْ وَإِنْقَاذَ صَاحِبِهِمْ وَعَرَضَ دُونَهُ لِيُقَاتِلَهُمْ قَاتَلُوهُ لِأَنَّهُ نَقَضَ أَمَانَ نَفْسِهِ وَلَوْ عَرَضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فقال أنا مِنْكُمْ في أَمَانٍ قالوا نعم إنْ خَلَّيْتنَا وَصَاحِبَنَا فَإِنْ لم تَفْعَلْ تَقَدَّمْنَا لِأَخْذِ صَاحِبِنَا فَإِنْ قَاتَلْتنَا قَاتَلْنَاك وَكُنْت أنت نَقَضْت أَمَانَك فَإِنْ قال قَائِلٌ وَكَيْفَ لَا يُعَانُ الرَّجُلُ المبارز ( ( ( البارز ) ) ) على الْمُشْرِكِ قَاهِرًا له قِيلَ إنَّ مَعُونَةَ حَمْزَةَ وَعَلِيٍّ على عُتْبَةَ إنَّمَا كانت بَعْدَ أَنْ لم يَكُنْ في عبيدة قِتَالٌ ولم يَكُنْ منهم لِعُتْبَةَ أَمَانٌ يَكُفُّونَ بِهِ عنه فَإِنْ تَشَارَطَا الْأَمَانَ فَأَعَانَ الْمُشْرِكُونَ صَاحِبَهُمْ كان لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعِينُوا صَاحِبَهُمْ وَيَقْتُلُوا من أَعَانَ عليه الْمُبَارِزِ له وَلَا يَقْتُلُوا الْمُبَارِزَ ما لم يَكُنْ هو اسْتَنْجَدَهُمْ عليه ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا تَحَصَّنَ الْعَدُوُّ في جَبَلٍ أو حِصْنٍ أو خَنْدَقٍ أو بِحَسَكٍ أو بِمَا يُتَحَصَّنُ بِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَرْمُوا بِالْمَجَانِيقِ وَالْعَرَّادَاتِ وَالنِّيرَانِ وَالْعَقَارِبِ وَالْحَيَّاتِ وَكُلُّ ما يَكْرَهُونَهُ وَأَنْ يَبْثُقُوا عليهم الْمَاءَ لِيُغْرِقُوهُمْ أو يُوحِلُوهُمْ فيه وَسَوَاءٌ كان مَعَهُمْ الْأَطْفَالُ وَالنِّسَاءُ وَالرُّهْبَانُ أو لم يَكُونُوا لِأَنَّ الدَّارَ غَيْرُ مَمْنُوعَةٍ بِإِسْلَامٍ وَلَا عَهْدٍ وَكَذَلِكَ لَا بَأْسَ أَنْ يُحَرِّقُوا شَجَرَهُمْ الْمُثْمِرَ وَغَيْرَ الْمُثْمِرِ وَيُخَرِّبُوا عَامِرَهُمْ وَكُلَّ ما لَا رُوحَ فيه من أَمْوَالِهِمْ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما الْحُجَّةُ فِيمَا وَصَفْت وَفِيهِمْ الوالدان ( ( ( الولدان ) ) ) وَالنِّسَاءُ المنهي عن قَتْلِهِمْ قِيلَ الْحُجَّةُ فيه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَصَبَ على أَهْلِ الطَّائِفِ مَنْجَنِيقًا أو عَرَّادَةً وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ فِيهِمْ النِّسَاءَ وَالْوِلْدَانَ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَطَعَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَهَا * أخبرنا أبو ضَمْرَةَ أَنَسُ بن عِيَاضٍ عن مُوسَى بن عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه
____________________

(4/243)


وسلم حَرَّقَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ عن بن شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَرَّقَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ فقال قَائِلٌ % وَهَانَ على سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ % حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ % ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ نهى بَعْدَ التَّحْرِيقِ في أَمْوَالِ بَنِي النَّضِيرِ قِيلَ له إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّمَا نهى عنه أَنَّ اللَّهَ عز وجل وَعَدَهُ بها فَكَانَ تَحْرِيقُهُ إذْهَابًا منه لِعَيْنِ مَالِهِ وَذَلِكَ في بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي فَإِنْ قال قَائِلٌ فَهَلْ حَرَّقَ أو قَطَّعَ بَعْدَ ذلك قِيلَ نعم قَطَّعَ بِخَيْبَرَ وَهِيَ بَعْدَ بَنِي النَّضِيرِ وَبِالطَّائِفِ وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا لَقِيَ فيها قِتَالًا فَإِنْ قال قَائِلٌ كَيْفَ أَجَزْت الرَّمْيَ بِالْمَنْجَنِيقِ وَبِالنَّارِ على جَمَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِمْ الْوِلْدَانُ وَالنِّسَاءُ وَهُمْ مَنْهِيٌّ عن قَتْلِهِمْ قِيلَ أَجَزْنَا بِمَا وَصَفْنَا وَبِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم شَنَّ الْغَارَةَ على بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينَ وَأَمَرَ بِالْبَيَاتِ وَبِالتَّحْرِيقِ وَالْعِلْمُ يُحِيطُ أَنَّ فِيهِمْ الْوِلْدَانَ وَالنِّسَاءَ وَذَلِكَ أَنَّ الدَّارَ دَارُ شِرْكٍ غَيْرِ مَمْنُوعَةٍ وَإِنَّمَا نهى أَنْ تُقْصَدَ النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ بِالْقَتْلِ إذَا كان قَاتِلُهُمْ يَعْرِفُهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ لِلْخَبَرِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سَبَاهُمْ فَجَعَلَهُمْ مَالًا وقد كَتَبَ هذا قبل هذا فَإِنْ كان في الدَّارِ أُسَارَى من الْمُسْلِمِينَ أو تُجَّارٌ مُسْتَأْمَنُونَ كَرِهْت النُّصْبَ عليهم بِمَا يَعُمُّ من التَّحْرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ وما أَشْبَهَهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ له تَحْرِيمًا بَيِّنًا وَذَلِكَ أَنَّ الدَّارَ إذَا كانت مُبَاحَةً فَلَا يُبَيِّنُ أَنْ تَحْرُمَ بِأَنْ يَكُونَ فيها مُسْلِمٌ يَحْرُمُ دَمُهُ وَإِنَّمَا كَرِهْت ذلك احْتِيَاطًا وَلِأَنَّ مُبَاحًا لنا لو لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ أَنْ نجاوزها ( ( ( تجاوزها ) ) ) فَلَا نُقَاتِلُهَا وَإِنْ قَاتَلْنَاهَا قَاتَلْنَاهَا بِغَيْرِ ما يَعُمُّ من التَّحْرِيقِ وَالتَّغْرِيقِ وَلَكِنْ لو الْتَحَمَ الْمُسْلِمُونَ أو بَعْضُهُمْ ( 1 ) فَكَانَ الذي يَرَوْنَ أَنَّهُ يَنْكَأُ من التحمهم يُغْرِقُوهُ أو يُحَرِّقُوهُ كان ذلك رَأَيْت لهم أَنْ يَفْعَلُوا ذلك ولم أَكْرَهْهُ لهم بِأَنَّهُمْ مَأْجُورُونَ أَجْرَيْنِ أَحَدُهُمَا الدَّفْعُ عن أَنْفُسِهِمْ وَالْآخَرُ نِكَايَةُ عَدُوِّهِمْ غير مُلْتَحِمِينَ فَتَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَدْ قِيلَ لَا يَتَوَقَّوْنَ وَيُضْرَبُ الْمُتَتَرِّسُ منهم وَلَا يَعْمِدُ الطِّفْلُ وقد قِيلَ يُكَفُّ عن الْمُتَتَرِّسِ بِهِ وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمٍ رَأَيْت أَنْ يُكَفَّ عَمَّنْ تَتَرَّسُوا بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُسْلِمُونَ مُلْتَحِمِينَ فَلَا يَكُفُّ عن الْمُتَتَرِّسِ وَيُضْرَبُ الْمُشْرِكُ وَيَتَوَقَّى الْمُسْلِمُ جَهْدَهُ فَإِنْ أَصَابَ في شَيْءٍ من هذه الْحَالَاتِ مُسْلِمًا أَعْتَقَ رَقَبَةً وإذا حَاصَرْنَا الْمُشْرِكِينَ فَظَفِرْنَا لهم بِخَيْلٍ أَحْرَزْنَاهَا أو بنابها عَنْهُمْ فَرَجَعَتْ عَلَيْنَا واستلحمنا وَهِيَ في أَيْدِينَا أو خِفْنَا الدَّرْكَ وَهِيَ في أَيْدِينَا وَلَا حَاجَةَ لنا بِرُكُوبِهَا إنَّمَا نُرِيدُ غَنِيمَتَهَا أو بِنَا حَاجَةٌ إلَى رُكُوبِهَا أو كانت مَعَهَا مَاشِيَةٌ ما كانت أو نَحْلٌ أو ذُو رُوحٍ من أَمْوَالِهِمْ مِمَّا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِينَ اتِّخَاذُهُ لِمَأْكَلَةٍ فَلَا يَجُوزُ عُقْرُ شَيْءٍ منها وَلَا قَتْلُهُ بِشَيْءٍ من الْوُجُوهِ إلَّا أَنْ نَذْبَحَهُ كما قال أبو بَكْرٍ ( لَا تَعْقِرُوا شَاةً وَلَا بَعِيرًا إلَّا لِمَأْكَلَةٍ وَلَا تُغْرِقَنَّ نَخْلًا وَلَا تُحَرِّقَنَّهُ ) فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ قال أبو بَكْرٍ ( وَلَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا فَقَطَعْته ) قِيلَ فَإِنَّا قَطَعْنَاهُ بِالسُّنَّةِ وَاتِّبَاعِ ما جاء عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وكان أَوْلَى بِي وَبِالْمُسْلِمِينَ ولم أَجِدْ لِأَبِي بَكْرٍ في ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ مُخَالِفًا من كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا مِثْلِهِ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فِيمَا حَفِظْت فَلَوْ لم يَكُنْ فيه إلَّا اتِّبَاعُ أبي بَكْرٍ كانت في اتِّبَاعِهِ حُجَّةٌ مع أَنَّ السُّنَّةَ تَدُلُّ على مِثْلِ ما قال أبو بَكْرٍ في ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ من أَمْوَالِهِمْ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما السُّنَّةُ قُلْنَا أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن صُهَيْبٍ مولى بَنِي عَامِرٍ عن عبد اللَّهِ بن عَمْرِو بن الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ( من قَتَلَ عُصْفُورًا فما فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا سَأَلَهُ اللَّهُ عز وجل عن قَتْلِهِ ) قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ وما حَقُّهَا قال ( أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَأْكُلَهَا وَلَا يَقْطَعُ رَأْسَهَا ) وقد نهى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عن الْمَصْبُورَة وَوَجَدْت اللَّهَ عز وجل أَبَاحَ قَتْلَ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ من الْمَأْكُولِ بِوَاحِدٍ من مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ تُذَكَّى فَتُؤْكَلَ إذَا قَدَرَ
____________________

(4/244)


عليها والآخر أن تُذَكَّى بِالرَّمْيِ إذَا لم يَقْدِرْ عليها ولم أَجِدْهُ أَبَاحَ قَتْلَهَا لِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ وَقَتْلُهَا لِغَيْرِ هذا الْوَجْهِ عِنْدِي مَحْظُورٌ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَفِي ذلك نِكَايَتُهُمْ وَتَوْهِينٌ وَغَيْظٌ قُلْنَا وقد يُغَاظُونَ بِمَا يَحِلُّ فَنَفْعَلُهُ وَبِمَا لَا يَحِلُّ فَنَتْرُكُهُ فَإِنْ قال وَمِثْلُ ما يُغَاظُونَ بِهِ فَنَتْرُكُهُ قُلْنَا قَتْلُ نِسَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ فَهُمْ لو أَدْرَكُونَا وَهُمْ في أَيْدِينَا لم نَقْتُلْهُمْ وَكَذَلِكَ لو كان إلَى جَنْبِنَا رُهْبَانٌ يَغِيظُهُمْ قَتْلُهُمْ لم نَقْتُلْهُمْ وَلَكِنْ إنْ قَاتَلُوا فُرْسَانًا لم نَرَ بَأْسًا إذَا كنا نَجِدُ السَّبِيلَ إلَى قَتْلِهِمْ بِأَرْجَالِهِمْ أَنْ نَعْقِرَ بِهِمْ كما نَرْمِيهِمْ بِالْمَجَانِيقِ وَإِنْ أَصَابَ ذلك غَيْرُهُمْ وقد عَقَرَ حَنْظَلَةُ بن الرَّاهِبِ بِأَبِي سُفْيَانَ بن حَرْبٍ يوم أُحُدٍ فانكسعت ( ( ( فانعكست ) ) ) بِهِ فَرَسُهُ فَسَقَطَ عنها فَجَلَسَ على صَدْرِهِ لِيَذْبَحَهُ فَرَآهُ بن شَعُوبٍ فَرَجَعَ إلَيْهِ يَعْدُو كَأَنَّهُ سَبْعٌ فَقَتَلَهُ وَاسْتَنْقَذَ أَبَا سُفْيَانَ من تَحْتِهِ فقال أبو سُفْيَانَ بَعْدَ ذلك شِعْرًا % فَلَوْ شِئْت نَجَتْنِي كُمَيْتَ رَجِيلَةٍ * % ولم أَحْمِلْ النَّعْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ % وما زَالَ مَهْرِي مَزْجَرَ الْكَلْبِ منهم * % لَدُنْ غَدْوَةٍ حتى دَنَتْ لِغُرُوبِ % أُقَاتِلُهُمْ طُرًّا وَأَدْعُو لِغَالِبٍ * % وَأَدْفَعُهُمْ عَنِّي بِرُكْنٍ صَلِيبِ % ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قال قَائِلٌ ما الْفَرْقُ بين الْعَقْرِ بِهِمْ وَعَقْرِ بَهَائِمِهِمْ قِيلَ الْعَقْرُ بِهِمْ يَجْمَعُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا دَفْعٌ عن الْعَاقِرِ الْمُسْلِمِ وَلِأَنَّ الْفَرَسَ أَدَاةٌ عليه يُقْبِلُ بِقُوَّتِهِ وَيَحْمِلُ عليه فَيَقْتُلُهُ وَالْآخَرُ يَصِلُ بِهِ إلَى قَتْلِ الْمُشْرِكِ وَالدَّوَابِّ تُوجِفُ أو يَخَافُ طَلَبَ الْعَدُوِّ لها إذَا قُتِلَتْ لَيْسَتْ في وَاحِدٍ من هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ لَا أَنَّ قَتْلَهَا مَنْعُ الْعَدُوِّ لِلطَّلَبِ وَلَا أَنْ يَصِلَ الْمُسْلِمُ من قَتْلِ الْمُشْرِكِ إلَى ما لم يَكُنْ يَصِلُ إلَيْهِ قبل قَتْلِهَا وإذا أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ فَأَرَادُوا قَتْلَهُمْ قَتَلُوهُمْ بِضَرْبِ الْأَعْنَاقِ ولم يُجَاوِزُوا ذلك إلَى أَنْ يُمَثِّلُوا بِقَطْعِ يَدٍ وَلَا رِجْلٍ وَلَا عُضْوٍ وَلَا مِفْصَلٍ وَلَا بَقَرِ بَطْنٍ وَلَا تَحْرِيقٍ وَلَا تَغْرِيقٍ وَلَا شَيْءٍ يَعْدُو ما وَصَفْت لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن الْمُثْلَةِ وَقَتْلِ من قُتِلَ كما وَصَفْت فَإِنْ قال قَائِلٌ قد قَطَعَ أَيْدِي الَّذِينَ اسْتَاقُوا لِقَاحَهُ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ فإن أَنَسَ بن مَالِكٍ وَرَجُلًا رَوَيَا هذا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ثُمَّ رَوَيَا فيه أو أَحَدُهُمَا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَخْطُبْ بَعْدَ ذلك خُطْبَةً إلَّا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ وَنَهَى عن الْمُثْلَةِ أخبرنا سُفْيَانُ عن بن أبي نَجِيحٍ أَنَّ هَبَّارَ بن الْأَسْوَدِ كان قد أَصَابَ زَيْنَبَ بِنْتِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِشَيْءٍ فَبَعَثَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم سَرِيَّةً فقال ( إنْ ظَفِرْتُمْ بِهَبَّارِ بن الْأَسْوَدِ فَاجْعَلُوهُ بين حُزْمَتَيْنِ من حَطَبٍ ثُمَّ أَحْرَقُوهُ ) ثُمَّ قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( سُبْحَانَ اللَّهِ ما يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُعَذِّبَ بِعَذَابِ اللَّهِ عز وجل إنْ ظَفِرْتُمْ بِهِ فَاقْطَعُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وكان عَلِيُّ بن حُسَيْنٍ يُنْكِرُ حَدِيثَ أَنَسٍ في أَصْحَابِ اللِّقَاحِ * أخبرنا بن أبي يحيى عن جَعْفَرٍ عن أبيه عن عَلِيِّ بن حُسَيْنٍ قال وَاَللَّهِ ما سَمَلَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَيْنًا وَلَا زَادَ أَهْلَ اللِّقَاحِ على قَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في الْأُسَارَى من الْمُسْلِمِينَ في بِلَادِ الْحَرْبِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أو يَجْرَحُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أو يَغْصِبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ يَصِيرُونَ إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إنَّ الْحُدُودَ تُقَامُ عليهم إذَا صَارُوا إلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَمْنَعُ الدَّارُ حُكْمَ اللَّهِ عز وجل وَيُؤَدُّونَ كُلَّ زَكَاةٍ وَجَبَتْ عليهم لَا تَضَعُ الدَّارُ عَنْهُمْ شيئا من الْفَرَائِضِ وَلَكِنَّهُمْ لو كَانُوا من الْمُشْرِكِينَ فَأَسْلَمُوا ولم يَعْرِفُوا الْأَحْكَامَ فنال ( ( ( وأصاب ) ) ) بَعْضِهِمْ من بَعْضٍ شيئا بِجِرَاحٍ أو قَتْلٍ دَرَأْنَا عَنْهُمْ الْحَدَّ بِالْجَهَالَةِ وَأَلْزَمْنَاهُمْ الدِّيَةَ في أَمْوَالِهِمْ وَأَخَذْنَا منهم في أَمْوَالِهِمْ كُلَّ ما أَصَابَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ وَكَذَلِكَ لو زَنَى رَجُلٌ منهم بِامْرَأَةٍ وهو لَا يَعْلَمُ أَنَّ الزنى مُحَرَّمٌ دَرَأْنَا عنه الْحَدَّ بِأَنَّ الْحُجَّةَ لم تَقُمْ وَتُطْرَحُ عنه حُقُوقُ اللَّهِ وَيَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ وَلَوْ كانت الْمَرْأَةُ مُسْلِمَةً أُسِرَتْ أو اُسْتُؤْمِنَتْ مِمَّنْ قد قَامَتْ عليهم الْحُجَّةُ
____________________

(4/245)


فامكنته من نَفْسِهَا حدت ( ( ( حدث ) ) ) ولم يَكُنْ لها مَهْرٌ ولم يَكُنْ عليه حَدٌّ وَلَوْ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ فَسَخْنَا النِّكَاحَ وَأَلْحَقْنَا بِهِ الْوَلَدَ وَدَرَأْنَا عنه الْحَدَّ وَجَعَلْنَا لها الْمَهْرَ وَلَوْ سَرَقَ بَعْضُهُمْ من بَعْضٍ شيئا دَرَأْنَا عنه الْقَطْعَ وَأَلْزَمْنَاهُ الْغَرَامَةَ وَلَوْ أَرْبَى بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ رَدَدْنَا الرِّبَا بَيْنَهُمْ لِأَنَّ هذا من حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وقال في الْقَوْمِ من الْمُسْلِمِينَ يَنْصِبُونَ الْمَجَانِيقَ على الْمُشْرِكِينَ فَيَرْجِعُ عليهم حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ فَيَقْتُلُ بَعْضَهُمْ فَهَذَا قَتْلُ خَطَأٍ فَدِيَةُ الْمَقْتُولِينَ على عَوَاقِلِ الْقَاتِلِينَ قَدْرَ حِصَّةِ الْمَقْتُولِينَ كَأَنَّهُ جَرَّ حبل الْمَنْجَنِيقَ عَشَرَةٌ فَرَجَعَ الْحَجَرُ على خَمْسَةٍ منهم فَقَتَلَهُمْ فَأَنْصَافُ دِيَاتِهِمْ على عَوَاقِلِ الْقَاتِلِينَ لِأَنَّهُمْ قَتَلُوا بِفِعْلِهِمْ وَفِعْلِ غَيْرِهِمْ وَلَا يُؤَدُّونَ حِصَّتَهُمْ من فِعْلِهِمْ فَهُمْ قَتَلُوا أَنْفُسَهُمْ مع غَيْرِهِمْ وَلَوْ رَجَعَ حَجَرُ الْمَنْجَنِيقِ على رَجُلٍ لم يَجُرَّهُ كان قَرِيبًا من الْمَنْجَنِيقِ أو بَعِيدًا مُعِينًا لِأَهْلِ الْمَنْجَنِيقِ بِغَيْرِ الْجَرِّ أو غَيْرِ مُعِينٍ لهم كانت دِيَتُهُ على عَوَاقِلِ الْجَارِّينَ كُلِّهِمْ وَلَوْ كان فِيهِمْ رَجُلٌ يُمْسِكُ لهم من الْحِبَالِ التي يَجُرُّونَهَا بِشَيْءٍ وَلَا يَجُرُّ مَعَهُمْ في إمْسَاكِهِ لهم لم يَلْزَمْهُ وَلَا عَاقِلَتَهُ شَيْءٌ من قِبَلِ أَنَّا لم نُدَّ إلَّا بِفِعْلِ الْقَتْلِ فَأَمَّا بِفِعْلِ الصَّلَاحِ فَلَا وَلَوْ رَجَعَ عليهم الْحَجَرُ فَقَتَلَهُمْ كُلَّهُمْ أو سَقَطَ الْمَنْجَنِيقُ عليهم من جَرِّهِمْ فَقَتَلَ كُلَّهُمْ وَهُمْ عَشَرَةٌ وُدُوا كلهم وَرُفِعَ عن عَوَاقِلِ من يَدِيهِمْ عُشْرُ دِيَةِ كل وَاحِدٍ منهم لِأَنَّهُ قُتِلَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ تِسْعَةٍ معه فَيُرْفَعُ عنه حِصَّةُ فِعْلِ نَفْسِهِ وَيُؤْخَذُ له حِصَّةُ فِعْلِ غَيْرِهِ ثُمَّ هَكَذَا كُلُّ وَاحِدٍ وَلَوْ رَمَى رَجُلٌ بِعَرَّادَةٍ أو بِغَيْرِهَا أو ضَرَبَ بِسَيْفٍ فَرَجَعَتْ الرَّمْيَةُ عليه كَأَنَّهَا أَصَابَتْ جِدَارًا ثُمَّ رَجَعَتْ إلَيْهِ أو ضَرَبَ بِسَيْفٍ شيئا فَرَجَعَ عليه السَّيْفُ فَلَا دِيَةَ له لِأَنَّهُ جَنَى على نَفْسِهِ وَلَا يَضْمَنُ لِنَفْسِهِ شيئا وَلَوْ رَمَى في بِلَادِ الْحَرْبِ فَأَصَابَ مُسْلِمًا مُسْتَأْمَنًا أو أَسِيرًا أو كَافِرًا أَسْلَمَ فلم يَقْصِدْ قَصْدَهُ بِالرَّمْيَةِ ولم يَرَهُ فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَلَا دِيَةَ له وَإِنْ رَآهُ وَعَرَفَ مَكَانَهُ وَرَمَى وهو مُضْطَرٌّ إلَى الرَّمْيِ فَقَتَلَهُ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَكَفَّارَةٌ وَإِنْ كان عَمْدُهُ وهو يَعْرِفُهُ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ إذَا رَمَاهُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَا خَطَأٍ وَعَمْدٍ قَتَلَهُ فَإِنْ تَتَرَّسَ بِهِ مُشْرِكٌ وهو يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا وقد الْتَحَمَ فَرَأَى أَنَّهُ لَا يُنَجِّيهِ إلَّا ضَرْبُهُ الْمُسْلِمَ فَضَرَبَهُ يُرِيدُ قَتْلَ الْمُشْرِكِ فَإِنْ أَصَابَهُ دَرَأْنَا عنه الْقِصَاصَ وَجَعَلْنَا عليه الدِّيَةَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كان في بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ أو صَفِّهِمْ فَأَمَّا إذَا انْفَرَجَ عن الْمُشْرِكِينَ فَكَانَ بين صَفِّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَذَلِكَ مَوْضِعٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فيه الْمُسْلِمُ وَالْمُشْرِكُ فَإِنْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا وقال ظَنَنْته مُشْرِكًا فَوَجَدْته مُسْلِمًا فَهَذَا من الْخَطَأِ وَفِيهِ الْعَقْلُ فَإِنْ اتَّهَمَهُ أَوْلِيَاؤُهُ أُحْلِفَ لهم ما عَلِمَهُ مُسْلِمًا فَقَتَلَهُ فَإِنْ قال قَائِلٌ كَيْفَ أَبْطَلْت دِيَةَ مُسْلِمٍ أُصِيبَ بِبِلَادِ الْمُشْرِكِينَ بِرَمْيٍ أو غَارَةٍ لَا يُعْمَدُ فيها بِقَتْلٍ قِيلَ قال اللَّهُ عز وجل { وما كان لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } إلَى قَوْلِهِ { مُتَتَابِعَيْنِ } فذكر اللَّهُ عز وجل في الْمُؤْمِنِ يُقْتَلُ خَطَأً وَالذِّمِّيِّ يُقْتَلُ خَطَأً الدِّيَةُ في كل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَدَلَّ ذلك على أَنَّ هَذَيْنِ مَقْتُولَانِ في بِلَادِ الْإِسْلَامِ الْمَمْنُوعَةِ لَا بِلَادِ الْحَرْبِ الْمُبَاحَةِ وَذَكَرَ من حُكْمِهِمَا حُكْمَ الْمُؤْمِنِ من عَدُوٍّ لنا يُقْتَلُ فَجَعَلَ فيه تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ فلم تَحْتَمِلْ الْآيَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ( فَإِنْ كان من قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ يَعْنِي في قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ ) وَذَلِكَ أنها نَزَلَتْ وَكُلُّ مُسْلِمٍ فَهُوَ من قَوْمٍ عَدُوٍّ لِلْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مُسْلِمِي الْعَرَبِ هُمْ من قَوْمٍ عَدُوٍّ لِلْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ مسلموا ( ( ( مسلمو ) ) ) الْعَجَمِ وَلَوْ كانت على أَنْ لَا يَكُونَ دِيَةٌ في مُسْلِمٍ خَرَجَ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ من جَمَاعَةِ الْمُشْرِكِينَ هُمْ عَدُوٌّ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ لَلَزِمَ من قال هذا الْقَوْلَ أَنْ يَزْعُمَ أَنَّ من أَسْلَمَ من قَوْمٍ مُشْرِكِينَ فَخَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ فَقُتِلَ كانت فيه تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ولم تَكُنْ فيه دِيَةٌ وَهَذَا خِلَافُ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى على ما قُلْنَا وقد سَمِعْت بَعْضَ من أَرْضَى من أَهْلِ الْعِلْمِ يقول ذلك فَالْفَرْقُ بين الْقَتْلَيْنِ أَنْ يُقْتَلَ الْمُسْلِمُ في دَارِ الْإِسْلَامِ غَيْرُ مَعْمُودٍ بِالْقَتْلِ فَيَكُونُ فيه دِيَةٌ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أو يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِبِلَادِ الْحَرْبِ التي لَا إسْلَامَ فيها ظَاهِرٌ غَيْرُ مَعْمُودٍ بِالْقَتْلِ فَفِي ذلك تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَلَا دِيَةَ
____________________

(4/246)


- * مَسْأَلَةُ مَالِ الْحَرْبِيِّ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا دخل الذِّمِّيُّ أو الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ مُسْتَأْمَنًا فَخَرَجَ بِمَالٍ من مَالِهِمْ يَشْتَرِي لهم شيئا فَأَمَّا مع الْمُسْلِمِ فَلَا نَعْرِضُ له وَيُرَدُّ إلَى أَهْلِهِ من أَهْلِ الْحَرْبِ لِأَنَّ أَقَلَّ ما فيه أَنْ يَكُونَ خُرُوجُ الْمُسْلِمِ بِهِ أَمَانًا لِلْكَافِرِ فيه وَأَمَّا مع الذِّمِّيِّ ( قال الرَّبِيعُ ) فَفِيهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّا نَغْنَمُهُ لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ كَيْنُونَتُهُ معه أَمَانًا له مِنَّا لِأَنَّهُ إنَّمَا روى ( الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ) فَلَا يَكُونُ ما مع الذِّمِّيِّ من أَمْوَالِهِمْ ( 1 ) أَمَانًا لِأَمْوَالِهِمْ وَإِنْ ظَنَّ الْحَرْبِيُّ الذي بَعَثَ بِمَالِهِ معه أَنَّ ذلك أَمَانٌ له كما لو دخل حَرْبِيٌّ بِتِجَارَةٍ إلَيْنَا بِلَا أَمَانٍ مِنَّا كان لنا أَنْ نَسْبِيَهُ وَنَأْخُذَ مَالَهُ وَلَا يَكُونُ ظَنُّهُ بِأَنَّهُ إذَا دخل تَاجِرًا أَنَّ ذلك أَمَانٌ له وَلِمَالِهِ بِاَلَّذِي يُزِيلُ عنه حُكْمًا وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّا لَا نَغْنَمُ ما مع الذِّمِّيِّ من مَالِ الْحَرْبِيِّ لِأَنَّهُ لَمَّا كان عَلَيْنَا أَنْ لَا نَعْرِضَ لِلذِّمِّيِّ في مَالِهِ كان ما معه من مَالِ غَيْرِهِ له أَمَانٌ مِثْلُ مَالِهِ كما لو أَنَّ حَرْبِيًّا دخل إلَيْنَا بِأَمَانٍ وكان معه مَالٌ لِنَفْسِهِ وَمَالٌ لِغَيْرِهِ من أَهْلِ الْحَرْبِ لم نَعْرِضْ له في مَالِهِ لِمَا تَقَدَّمَ له من الْأَمَانِ وَلَا في الْمَالِ الذي معه لِغَيْرِهِ فَهَكَذَا لَمَّا كان لِلذِّمِّيِّ أَمَانٌ مُتَقَدِّمٌ لم يُتَعَرَّضْ له في مَالِهِ وَلَا في الْمَالِ الذي معه لِغَيْرِهِ مِثْلُ هذا سَوَاءٌ وَاَللَّهَ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ بِرَحْمَتِهِ وكان آخِرُ الْقَوْلَيْنِ أَشْبَهَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - * الْأُسَارَى وَالْغُلُولُ - * أخبرنا الرَّبِيعُ بن سُلَيْمَانَ قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ قال إذَا أُسِرَ الْمُسْلِمُ فَكَانَ في بِلَادِ الْحَرْبِ أَسِيرًا مُوثَقًا أو مَحْبُوسًا أو مُخْلًى في مَوْضِعٍ يَرَى أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ على الْبَرَاحِ منه أو مَوْضِعِ غَيْرِهِ ولم يُؤَمِّنُوهُ ولم يَأْخُذُوا عليه أَنَّهُمْ أَمَّنُوا منه فَلَهُ أَخْذُ ما قَدَرَ عليه من وِلْدَانِهِمْ وَنِسَائِهِمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ أَمَّنُوهُ أو بَعْضُهُمْ وَأَدْخَلُوهُ في بِلَادِهِمْ بِمَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ في أَمَانِهِمْ إيَّاهُ وَهُمْ قَادِرُونَ عليه فإنه يَلْزَمُهُ لهم أَنْ يَكُونُوا منه آمِنِينَ وَإِنْ لم يَقُلْ ذلك إلَّا أَنْ يَقُولُوا قد أَمَّنَاك وَلَا أَمَانَ لنا عَلَيْك لِأَنَّا لَا نَطْلُبُ مِنْك أَمَانًا فإذا قالوا هذا هَكَذَا كان الْقَوْلُ فيه كَالْقَوْلِ في الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى يَحِلُّ له اغْتِيَالُهُمْ وَالذَّهَابُ بِأَمْوَالِهِمْ وَإِفْسَادُهَا وَالذَّهَابُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ أَمَّنُوهُ وَخَلَّوْهُ وَشَرَطُوا عليه أَنْ لَا يَبْرَحَ بِلَادَهُمْ أو بَلَدًا سَمَّوْهُ وَأَخَذُوا عليه أَمَانًا أو لم يَأْخُذُوا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَهْرُبُ وقال بَعْضُهُمْ ليس له أَنْ يَهْرُبَ وقال وإذا أَسَرَ الْعَدُوُّ الرَّجُلَ من الْمُسْلِمِينَ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ وَأَمَّنُوهُ وَوَلَّوْهُ من ضَيَاعِهِمْ أو لم يُوَلُّوهُ فَأَمَانُهُمْ إيَّاهُ أَمَانٌ لهم منه فَلَيْسَ له أَنْ يَغْتَالَهُمْ وَلَا يَخُونَهُمْ وَأَمَّا الْهَرَبُ بِنَفْسِهِ فَلَهُ الْهَرَبُ فَإِنْ أَدْرَكَ لِيُؤْخَذَ فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ عن نَفْسِهِ وَإِنْ قَتَلَ الذي أَدْرَكَهُ لِأَنَّ طَلَبَهُ غَيْرُ الْأَمَانِ فَيَقْتُلَهُ إنْ شَاءَ وَيَأْخُذُ مَالَهُ ما لم يَرْجِعْ عن طَلَبِهِ فاذا أَسَرَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمَ فَخَلَّوْهُ على فِدَاءٍ يَدْفَعُهُ إلَى وَقْتٍ وَأَخَذُوا عليه إنْ لم يَدْفَعْ الْفِدَاءَ أَنْ يَعُودَ في إسَارِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي له أَنْ يَعُودَ في إسَارِهِمْ وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَدَعَهُ إنْ أَرَادَ الْعَوْدَةَ فَإِنْ كَانُوا امْتَنَعُوا من تَخْلِيَتِهِ إلَّا على مَالٍ يُعْطِيهُمُوهُ فَلَا يُعْطِيهِمْ منه شيئا لِأَنَّهُ مَالٌ أَكْرَهُوهُ على أَخْذِهِ منه بِغَيْرِ حَقٍّ وَإِنْ كان أَعْطَاهُمُوهُ على شَيْءٍ يَأْخُذُهُ منهم لم يحل ( ( ( يحق ) ) ) له إلَّا أَدَاؤُهُ بِكُلِّ حَالٍ وَهَكَذَا لو صَالَحَهُمْ مُبْتَدِئًا على شَيْءٍ انْبَغَى له أَنْ يُؤَدِّيَهُ إلَيْهِمْ إنَّمَا أَطْرَحُ عليهم ما اُسْتُكْرِهَ عليه ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في أَسِيرٍ في أَيْدِي الْعَدُوِّ وَأَرْسَلُوا معه رُسُلًا لِيُعْطِيَهُمْ فِدَاءً أو أَرْسَلُوهُ بِعَهْدٍ أَنْ يُعْطِيَهُمْ فِدَاءً سَمَّاهُ لهم وَشَرَطُوا عليه إنْ لم يَدْفَعْهُ إلَى رَسُولِهِمْ أو يُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ أَنْ يَعُودَ في إسَارِهِمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) يُرْوَى عن أبي هُرَيْرَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُمْ قالوا لَا يَعُودُ في إسَارِهِمْ وَيَفِي لهم بِالْمَالِ وقال بَعْضُهُمْ إنْ أَرَادَ الْعَوْدَةَ
____________________

(4/247)


مَنَعَهُ السُّلْطَانُ الْعَوْدَةَ وقال بن هُرْمُزَ يُحْبَسُ لهم بِالْمَالِ وقال بَعْضُهُمْ يَفِي لهم وَلَا يَحْبِسُونَهُ وَلَا يَكُونُ كَدُيُونِ الناس وروى عن الْأَوْزَاعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ يَعُودُ في إسَارِهِمْ إنْ لم يُعْطِهِمْ الْمَالَ وروى ذلك عن رَبِيعَةَ وَعَنْ بن هُرْمُزَ خِلَافُ ما روى عنه في الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْأَوْزَاعِيِّ وَمَنْ قال قَوْلَهُ فَإِنَّمَا يَحْتَجُّ فِيمَا أَرَاهُ بِمَا روى عن بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يروي أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم صَالَحَ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْ يَرُدَّ من جَاءَهُ بَعْدَ الصُّلْحِ مُسْلِمًا فَجَاءَهُ أبو جُنْدَلٍ فَرَدَّهُ إلَى أبيه وأبو بَصِيرٍ فَرَدَّهُ فَقَتَلَ أبو بَصِيرٍ الْمَرْدُودَ معه ثُمَّ جاء إلَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال قد وَفَّيْتُ لهم وَنَجَّانِي اللَّهُ منهم فلم يَرُدَّهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ولم يَعِبْ ذلك عليه وَتَرَكَهُ فَكَانَ بِطَرِيقِ الشَّامِ يَقْطَعُ على كل مَالِ قُرَيْشٍ حتى سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَضُمَّهُ إلَيْهِ لِمَا نَالُوهُ من أَذَاهُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا حَدِيثٌ قد رَوَاهُ أَهْلُ الْمَغَازِي كما وَصَفْت وَلَا يَحْضُرنِي ذِكْرُ إسْنَادِهِ فَأَعْرِفُ ثُبُوتَهُ من غَيْرِهِ قال وإذا كان الْمُسْلِمُونَ أُسَارَى أو مُسْتَأْمَنِينَ أو رُسُلًا في دَارِ الْحَرْبِ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بعضا ( ( ( بعضهم ) ) ) أو قَذَفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أو زَنَوْا بِغَيْرِ حَرْبِيَّةٍ فَعَلَيْهِمْ في هذا كُلِّهِ الْحُكْمُ كما يَكُونُ عليهم وَلَوْ فَعَلُوهُ في بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ لو زَنَى أَحَدُهُمْ بِحَرْبِيَّةٍ إذَا ادَّعَى الشُّبْهَةَ وَلَا تُسْقِطُ دَارُ الْحَرْبِ عَنْهُمْ فَرْضًا كما لَا تُسْقِطُ عَنْهُمْ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً وَلَا زَكَاةً فَالْحُدُودُ فَرْضٌ عليهم وإذا أَصَابَ الرَّجُلُ حَدًّا وهو مُحَاصِرٌ لِلْعَدُوِّ أُقِيمَ عليه الْحَدُّ وَلَا يَمْنَعُنَا الْخَوْفُ عليه من اللُّحُوقِ بِالْمُشْرِكِينَ أَنْ نُقِيمَ حَدَّ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ فَعَلْنَا تَوَقِّيًا أَنْ يَغْضَبَ ما أَقَمْنَا عليه الْحَدَّ أَبَدًا لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ من أَيِّ مَوْضِعٍ أَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَيُعَطَّلَ عنه حُكْمُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ثُمَّ حُكْمُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قد أَقَامَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم الْحَدَّ بِالْمَدِينَةِ وَالشِّرْكُ قَرِيبٌ منها وَفِيهَا شِرْكٌ كَثِيرٌ مُوَادِعُونَ وَضَرَبَ الشَّارِبَ بِحُنَيْنٍ وَالشِّرْكُ قَرِيبٌ منه ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا دخل الرَّجُلُ بِلَادَ الْحَرْبِ فَوَجَدَ في أَيْدِيهِمْ أَسِيرًا أو أُسَارَى رِجَالًا وَنِسَاءً من الْمُسْلِمِينَ فَاشْتَرَاهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ من بِلَادِ الْحَرْبِ فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عليهم بِمَا أَعْطَى فِيهِمْ لم يَكُنْ ذلك له وكان مُتَطَوِّعًا بِالشِّرَاءِ وَزَائِدًا أَنْ اشْتَرَى ما ليس يُبَاعُ من الْأَحْرَارِ فَإِنْ كان بِأَمْرِهِمْ اشْتَرَاهُمْ رَجَعَ عليهم بِمَا أَعْطَى فِيهِمْ من قِبَلِ أَنَّهُ أَعْطَى بِأَمْرِهِمْ وإذا أُسِرَتْ الْمَرْأَةُ فَنَكَحَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْحَرْبِ أو وَطِئَهَا بِلَا نِكَاحٍ ثُمَّ ظَهَرَ عليها الْمُسْلِمُونَ لم تُسْتَرَقَّ هِيَ وَلَا أَوْلَادُهَا لِأَنَّ أَوْلَادَهَا مُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهَا فَإِنْ كان لها زَوْجٌ في دَارِ الْإِسْلَامِ لم يَلْحَقْ بِهِ هذا الْوَلَدُ وَلَحِقُوا بِالنِّكَاحِ الْمُشْرِكَ وَإِنْ كان نِكَاحُهُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ نِكَاحُ شُبْهَةٍ وإذا أُسِرَ الْمُسْلِمُ فَكَانَ في دَارِ الْحَرْبِ فَلَا تُنْكَحُ امراته إلَّا بَعْدَ يَقِينِ وَفَاتِهِ عَرَفَ مَكَانَهُ أو خَفِيَ مَكَانُهُ وَكَذَلِكَ لَا يُقَسَّمُ مِيرَاثُهُ وما صَنَعَ الْأَسِيرُ من الْمُسْلِمِينَ في دَارِ الْحَرْبِ أو في دَارِ الْإِسْلَامِ أو الْمَسْجُونُ وهو صَحِيحٌ في مَالِهِ غَيْرُ مُكْرَهٍ عليه فَهُوَ جَائِزٌ من بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِ ذلك - * الْمُسْتَأْمَنُ في دَارِ الْحَرْبِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا دخل قَوْمٌ من الْمُسْلِمِينَ بِلَادَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَالْعَدُوُّ منهم آمِنُونَ إلَى أَنْ يُفَارِقُوهُمْ أو يَبْلُغُوا مُدَّةَ أَمَانِهِمْ وَلَيْسَ لهم ظُلْمُهُمْ وَلَا خِيَانَتُهُمْ وَإِنْ أَسَرَ الْعَدُوُّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ وَنِسَاءَهُمْ لم أَكُنْ أُحِبُّ لهم الْغَدْرَ بِالْعَدُوِّ وَلَكِنْ أُحِبُّ لهم لو سَأَلُوهُمْ أَنْ يَرُدُّوا إلَيْهِمْ الْأَمَانَ وَيَنْبِذُوا إلَيْهِمْ فإذا فَعَلُوا قَاتَلُوهُمْ عن أَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ وَنِسَائِهِمْ
____________________

(4/248)


- * ما يَجُوزُ لِلْأَسِيرِ في مَالِهِ إذَا أَرَادَ الْوَصِيَّةَ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ لِلْأَسِيرِ في بِلَادِ الْعَدُوِّ ما صَنَعَ في مَالِهِ في بِلَادِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ قَدِمَ لِيَقْتُلَ ما لم يَنَلْهُ منه ضَرْبٌ يَكُونُ مَرَضًا وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ بَيْن الصَّفَّيْنِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عن مُحَمَّدِ بن عبد اللَّهِ عن الزُّهْرِيِّ أَنَّ مَسْرُوقًا قَدِمَ بين يَدَيْ عبد اللَّهِ بن زَمْعَةَ يوم الْحَرَّةِ لِيَضْرِبَ عُنُقَهُ فَطَلَّقَ امْرَأَتَهُ ولم يَدْخُلْ بها فَسَأَلُوا أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا لها نِصْفُ الصَّدَاقِ وَلَا مِيرَاثَ لها ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ عن أبيه أَنَّ عَامَّةَ صَدَقَاتِ الزُّبَيْرِ تَصَدَّقَ بها وَفَعَلَ أُمُورًا وهو وَاقِفٌ على ظَهْرِ فَرَسِهِ يوم الْجَمَلِ وروى عن عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ عَطِيَّةُ الْحُبْلَى جَائِزَةٌ حتى تَجْلِسَ بين الْقَوَابِلَ وَبِهَذَا كُلُّهُ نَقُولُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَعَطِيَّةُ رَاكِبِ الْبَحْرِ جَائِزَةٌ ما لم يَصِلْ إلَى الْغَرَقِ أو شِبْهِ الْغَرَقِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وقال الْقَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ وبن الْمُسَيِّبِ عَطِيَّةُ الْحَامِلِ جَائِزَةٌ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وما وَصَفْت من قَوْلِ من سَمَّيْت وَغَيْرِهِمْ من أَهْلِ الْمَدِينَةِ وقد روى عن بن أبي ذِئْبٍ أَنَّهُ قال عَطِيَّةُ الْحَامِلِ من الثُّلُثِ وَعَطِيَّةُ الْأَسِيرِ من الثُّلُثِ وَرَوَى ذلك عن الزُّهْرِيِّ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَيْسَ يَجُوزُ إلَّا وَاحِدٌ من هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ثُمَّ قال قَائِلٌ في الْحُبْلَى عَطِيَّتُهَا جَائِزَةٌ حتى تُتِمَّ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَتَأَوَّلَ قَوْلَ اللَّهِ عز وجل { حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فلما أَثْقَلَتْ } وَلَيْسَ في قَوْلِ اللَّهِ عز وجل { فلما أَثْقَلَتْ } دَلَالَةٌ على مَرَضٍ وَلَوْ كانت فيه دَلَالَةٌ على مَرَضٍ يُغَيِّرُ الْحُكْمَ ( 1 ) قد يَكُونُ مَرَضًا غير ثَقِيلٍ وَثَقِيلًا وَحُكْمُهُ في أَنْ لَا يَجُوزَ له في مَالِهِ إلَّا الثُّلُثُ سَوَاءٌ وَلَوْ كان ذلك فيه كان الْإِثْقَالُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حُضُورُ الْوِلَادِ حين تَجْلِسُ بين الْقَوَابِلِ لِأَنَّ ذلك الْوَقْتَ الذي يَخْشَيَانِ فيه قَضَاءَ اللَّهِ عز وجل وَيَسْأَلَانِهِ أَنْ يُؤْتِيَهُمَا صَالِحًا فَإِنْ قال قد يَدْعُوَانِ اللَّهَ قَبْلُ قِيلَ نعم مع أَوَّلِ الْحَمْلِ وَوَسَطِهِ وَآخِرِهِ وَقَبْلِهِ وَالْحُبْلَى في اول حَمْلِهَا أَشْبَهُ بِالْمَرَضِ منها بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ لِلتَّغَيُّرِ وَالْكَسَلِ وَالنَّوْمِ وَالضَّعْفِ وَلَهِيَ في شَهْرِهَا أَخَفُّ منها في شَهْرِ الْبَدْءِ من حَمْلِهَا وما في هذا إلَّا أَنَّ الْحَبَلَ سُرُورٌ ليس بِمَرَضٍ حتى تَحْضُرَ الْحَالُ الْمَخُوفَةُ للولاد ( ( ( للأولاد ) ) ) أو يَكُونَ تَغَيُّرُهَا بِالْحَبَلِ مَرَضًا كُلُّهُ من أَوَّلِهِ إلَى آخره ( ( ( آخر ) ) ) فَيَكُونُ ما قال بن أبي ذِئْبٍ فَأَمَّا غَيْرُ هذا لَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَهُ - * الْمُسْلِمُ يَدُلُّ الْمُشْرِكِينَ على عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ - * قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ أَرَأَيْت الْمُسْلِمَ يَكْتُبُ إلَى الْمُشْرِكِينَ من أَهْلِ الْحَرْبِ بِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ غَزْوَهُمْ أو بِالْعَوْرَةِ من عَوْرَاتِهِمْ هل يُحِلُّ ذلك دَمَهُ وَيَكُونُ في ذلك دَلَالَةٌ على مُمَالَأَةِ الْمُشْرِكِينَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَحِلُّ دَمُ من ثَبَتَتْ له حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يَقْتُلَ أو يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصَانٍ أو يَكْفُرَ كُفْرًا بَيِّنًا بَعْدَ إيمَانٍ ثُمَّ يَثْبُتُ على الْكُفْرِ وَلَيْسَ الدَّلَالَةُ على عَوْرَةِ مُسْلِمٍ وَلَا تَأْيِيدُ كَافِرٍ بِأَنْ يُحَذِّرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ منه غِرَّة لِيُحَذَّرَهَا أو يَتَقَدَّمَ في نِكَايَةِ الْمُسْلِمِينَ بِكُفْرٍ بَيِّنٍ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَقَلْت هذا خبرا ( ( ( خير ) ) ) أَمْ قِيَاسًا قال قُلْتُهُ بِمَا لَا يَسَعُ مُسْلِمًا عَلِمَهُ عِنْدِي أَنْ يُخَالِفَهُ بِالسُّنَّةِ الْمَنْصُوصَةِ بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْكِتَابِ فَقِيلَ لِلشَّافِعِيِّ فاذكر ( ( ( فذكر ) ) ) السُّنَّةِ فيه قال أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن الْحَسَنِ بن مُحَمَّدٍ عن عُبَيْدِ اللَّهِ بن أبي رَافِعٍ قال سَمِعْت عَلِيًّا يقول بَعَثَنَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أنا وَالْمِقْدَادُ وَالزُّبَيْرُ فقال انْطَلِقُوا حتى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فإن بها ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخَرَجْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا فإذا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ فَقُلْنَا لها أَخْرِجِي الْكِتَابَ فقالت ما مَعِي كِتَابٌ فَقُلْنَا لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أو لَتُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ فَأَخْرَجَتْهُ من عِقَاصِهَا فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم
____________________

(4/249)


فإذا فيه ( من حَاطِبِ بن أبي بَلْتَعَةَ إلَى نَاسٍ من الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ ) يُخْبِرُ بِبَعْضِ أَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ( ما هذا يا حَاطِبُ ) قال لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت امرءا مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولم أَكُنْ من أَنْفُسِهَا وكان من مَعَك من الْمُهَاجِرِينَ لهم قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بها قَرَابَاتِهِمْ ولم يَكُنْ لي بِمَكَّةَ قَرَابَةٌ فَأَحْبَبْت إذْ فَاتَنِي ذلك أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا وَاَللَّهِ ما فَعَلْتُهُ شَكًّا في دِينِي وَلَا رِضًا بالكفر بَعْدَ الْإِسْلَامِ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( إنَّهُ قد صَدَقَ ) فقال عُمَرُ يا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبُ عُنُقَ هذا الْمُنَافِقِ فقال النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( إنَّهُ قد شَهِدَ بَدْرًا وما يُدْرِيَك لَعَلَّ اللَّهَ عز وجل قد اطَّلَعَ على أَهْلِ بَدْرٍ فقال اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْت لَكُمْ ) قال فَنَزَلَتْ ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في هذا الحديث مع ما وَصَفْنَا لَك طَرْحُ الْحُكْمِ بِاسْتِعْمَالِ الظُّنُونِ لِأَنَّهُ لَمَّا كان الْكِتَابُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ما قال حَاطِبٌ كما قال من أَنَّهُ لم يَفْعَلْهُ شَاكًّا في الْإِسْلَامِ وَأَنَّهُ فَعَلَهُ لِيَمْنَعَ أَهْلَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ زَلَّةً لَا رَغْبَةً عن الْإِسْلَامِ وَاحْتَمَلَ الْمَعْنَى الْأَقْبَحَ كان الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِيمَا اُحْتُمِلَ فِعْلُهُ وَحُكْمُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فيه بِأَنْ لم يَقْتُلْهُ ولم يَسْتَعْمِلْ عليه الْأَغْلَبَ وَلَا أَحَدٌ أتى في مِثْلِ هذا أَعْظَمُ في الظَّاهِرِ من هذا ( ( ( هذه ) ) ) لِأَنَّ أَمْرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُبَايِنٌ في عَظَمَتِهِ لِجَمِيعِ الْآدَمِيِّينَ بَعْدَهُ فإذا كان من خَابَرَ الْمُشْرِكِينَ بِأَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَرَسُولُ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يُرِيدُ غِرَّتَهُمْ فَصَدَّقَهُ ما عَابَ عليه الْأَغْلَبَ مِمَّا يَقَعُ في النُّفُوسِ فَيَكُونُ لِذَلِكَ مَقْبُولًا كان من بَعْدِهِ في أَقَلَّ من حَالِهِ وَأَوْلَى أَنْ يَقْبَلَ منه مِثْلَ ما قَبِلَ منه قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت إنْ قال قَائِلٌ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال قد صَدَقَ إنَّمَا تَرَكَهُ لِمَعْرِفَتِهِ بِصِدْقِهِ لَا بِأَنَّ فِعْلَهُ كان يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَغَيْرَهُ فَيُقَالُ له قد عَلِمَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَاذِبُونَ وَحَقَنَ دِمَاءَهُمْ بِالظَّاهِرِ فَلَوْ كان حُكْمُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في حَاطِبٍ بِالْعِلْمِ بِصِدْقِهِ كان حُكْمُهُ على الْمُنَافِقِينَ الْقَتْلَ بِالْعِلْمِ بِكَذِبِهِمْ وَلَكِنَّهُ إنَّمَا حَكَمَ في كُلٍّ بِالظَّاهِرِ وَتَوَلَّى اللَّهُ عز وجل منهم السَّرَائِرَ وَلِئَلَّا يَكُونَ لِحَاكِمٍ بَعْدَهُ أَنْ يَدَعَ حُكْمًا له مِثْلَ ما وَصَفْت من عِلَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَكُلُّ ما حَكَمَ بِهِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَهُوَ عَامٌّ حتى يَأْتِيَ عنه دَلَالَةً على أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ خَاصًّا أو عن جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يُمْكِنُ فِيهِمْ أَنْ يجهلوا ( ( ( يجعلوا ) ) ) له سُنَّةً أو يَكُونُ ذلك مَوْجُودًا في كِتَابِ اللَّهِ عز وجل قُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَفَتَأْمُرُ الْإِمَامَ إذَا وَجَدَ مِثْلَ هذا بِعُقُوبَةِ من فَعَلَهُ أَمْ تَرْكُهُ كما تَرَكَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال الشَّافِعِيُّ إنَّ الْعُقُوبَاتِ غَيْرُ الْحُدُودِ فَأَمَّا الْحُدُودُ فَلَا تُعَطَّلُ بِحَالٍ وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ فَلِلْإِمَامِ تَرْكُهَا على الِاجْتِهَادِ وقد روى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ قال ( تَجَافَوْا لِذَوِي الْهَيْئَاتِ ) وقد قِيلَ في الحديث ( ما لم يَكُنْ حَدٌّ ) فإذا كان هذا من الرَّجُلِ ذِي الْهَيْئَةِ بِجَهَالَةٍ كما كان هذا من حَاطِبٍ بِجَهَالَةٍ وكان غير مُتَّهَمٍ أَحْبَبْت أَنْ يَتَجَافَى له وإذا كان من غَيْرِ ذِي الْهَيْئَةِ كان لِلْإِمَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ تَعْزِيرُهُ وقد كان النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم في أَوَّلِ الْإِسْلَامِ يُرَدِّدُ الْمُعْتَرِفَ بالزنى ( 1 ) فَتَرَكَ ذلك من أَمْرِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِجَهَالَتِهِ يَعْنِي الْمُعْتَرِفُ بِمَا عليه وقد تَرَكَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم عُقُوبَةَ من غَلَّ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَرَأَيْت الذي يَكْتُبُ بِعَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ أو يُخْبِرُ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْعَدُوِّ شيئا لِيَحْذَرُوهُ من الْمُسْتَأْمَنِ وَالْمُوَادِعِ أو يَمْضِي إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ مُخْبِرًا عَنْهُمْ قال يُعَزَّرُ هَؤُلَاءِ وَيُحْبَسُونَ عُقُوبَةً وَلَيْسَ هذا بِنَقْضٍ لِلْعَهْدِ يُحِلُّ سَبْيَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ وإذا صَارَ منهم وَاحِدٌ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ فَقَالُوا لم نَرَ بهذا نَقْضًا لِلْعَهْدِ فَلَيْسَ بِنَقْضٍ لِلْعَهْدِ وَيُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَرَأَيْت الرُّهْبَانَ إذَا دَلُّوا على عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ قال يُعَاقَبُونَ وَيَنْزِلُونَ من الصَّوَامِعِ وَيَكُونُ من عُقُوبَتِهِمْ إخْرَاجُهُمْ من أَرْضِ الْإِسْلَامِ فَيُخَيَّرُونَ بين أَنْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وَيُقِيمُوا بِدَارِ الْإِسْلَامِ أو يُتْرَكُوا يَرْجِعُونَ فَإِنْ عَادُوا أَوْدَعَهُمْ السَّجْنَ وَعَاقَبَهُمْ مع السَّجْنِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت إنْ أَعَانُوهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ أو الْمَالِ أَهُوَ
____________________

(4/250)


كَدَلَالَتِهِمْ على عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ قال إنْ كُنْت تُرِيدُ في أَنَّ هذا لَا يُحِلُّ دِمَاءَهُمْ فَنَعَمْ وَبَعْضُ هذا أَعْظَمُ من بَعْضٍ وَيُعَاقَبُونَ بِمَا وَصَفْت أو أَكْثَرُ وَلَا يَبْلُغُ بِهِمْ قَتْلٌ وَلَا حَدٌّ وَلَا سَبْيٌ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فما الذي يُحِلُّ دِمَاءَهُمْ قال إنْ قَاتَلَ أَحَدٌ من غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ رَاهِبٌ أو ذِمِّيٌّ أو مُسْتَأْمَنٌ مع أَهْلِ الْحَرْبِ حَلَّ قَتْلُهُ وَسِبَاؤُهُ وَسَبْيُ ذُرِّيَّتِهِ وَأَخْذُ مَالِهِ فَأَمَّا ما دُونَ الْقِتَالِ فَيُعَاقَبُونَ بِمَا وَصَفْت وَلَا يُقْتَلُونَ وَلَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَلَا يُسْبَوْنَ - * الْغُلُولُ - * قُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت الْمُسْلِمَ الْحُرَّ أو الْعَبْدَ الْغَازِيَ أو الذِّمِّيَّ أو الْمُسْتَأْمَنَ يَغُلُّونَ من الْغَنَائِمِ شيئا قبل أَنْ تُقَسَّمَ فقال لَا يُقْطَعُ وَيَغْرَمُ كُلُّ وَاحِدٍ من هَؤُلَاءِ قِيمَةَ ما سَرَقَ إنْ هَلَكَ الذي أَخَذَهُ قبل أَنْ يُؤَدِّيَهُ وَإِنْ كان الْقَوْمُ جَهَلَةً عُلِّمُوا ولم يُعَاقَبُوا فَإِنْ عَادُوا عُوقِبُوا فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَفَيُرَجَّلُ عن دَابَّتِهِ وَيُحْرَقُ سَرْجُهُ أو يُحْرَقُ مَتَاعُهُ فقال لَا يُعَاقَبُ رَجُلٌ في مَالِهِ وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ في بَدَنِهِ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ الْحُدُودَ على الْأَبَدَانِ وَكَذَلِكَ الْعُقُوبَاتُ فَأَمَّا على الْأَمْوَالِ فَلَا عُقُوبَةَ عليها ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَلِيلُ الْغُلُولِ وَكَثِيرُهُ مُحَرَّمٌ قُلْت فما الْحُجَّةُ قال أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ وبن عَجْلَانَ كِلَاهُمَا عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ ( 1 ) وَأَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ قال حَاصَرْنَا ( تُسْتَرَ ) فَنَزَلَ الْهُرْمُزَانُ على حُكْمِ عُمَرَ فَقَدِمْت بِهِ على عُمَرَ فلما انْتَهَيْنَا إلَيْهِ قال له عُمَرُ تَكَلَّمْ قال كَلَامُ حَيٍّ أو كَلَامُ مَيِّتٍ قال تَكَلَّمَ لَا بَأْسَ قال ( إنَّا وَإِيَّاكُمْ مَعَاشِرَ الْعَرَبِ ما خَلَّى اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كنا نَتَعَبَّدُكُمْ وَنَقْتُلُكُمْ وَنَغْصِبُكُمْ فلما كان اللَّهُ عز وجل مَعَكُمْ لم يَكُنْ لنا بِكُمْ يَدَانِ ) فقال عُمَرُ ما تَقُولُ فَقُلْت يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَرَكْت بَعْدِي عَدُوًّا كَثِيرًا وَشَوْكَةً شَدِيدَةً فَإِنْ تَقْتُلْهُ يَيْأَسْ الْقَوْمُ من الْحَيَاةِ وَيَكُونُ أَشَدَّ لِشَوْكَتِهِمْ فقال عُمَرُ أَسْتَحْيِي قَاتِلَ الْبَرَاءِ بن مَالِكٍ ومجزأة بن ثَوْرٍ فلما خَشِيت أَنْ يَقْتُلَهُ قُلْت ليس إلَى قَتْلِهِ سَبِيلٌ قد قُلْت له تَكَلَّمْ لَا بَأْسَ فقال عُمَرُ ارْتَشَيْت وَأَصَبْت منه فَقُلْت وَاَللَّهِ ما ارْتَشَيْت وَلَا أَصَبْت منه قال لِتَأْتِينِي على ما شَهِدْت بِهِ بِغَيْرِك أو لَأَبْدَأَنَّ بِعُقُوبَتِك قال فَخَرَجْت فَلَقِيتُ الزُّبَيْرَ بن الْعَوَّامِ فَشَهِدَ مَعِي وَأَمْسَكَ عُمَرُ وَأَسْلَمَ وَفَرَضَ له ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَبُولُ من قَبِلَ من الْهُرْمُزَانِ أَنْ يَنْزِلَ على حُكْمِ عُمَرَ يُوَافِقُ سُنَّةَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فإن رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَبِلَ من بَنِي قُرَيْظَةَ حين حَصَرَهُمْ وَجَهِدَ بِهِمْ الْحَرْبُ أَنْ يَنْزِلُوا على حُكْمِ سَعْدِ بن مُعَاذٍ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْبَلَ الْإِمَامُ من أَهْلِ الْحِصْنِ ( 2 ) عَقْلَهُ وَنَظَرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ دَلَّتْ على أَنَّ قَبُولَ الْإِمَامِ إنَّمَا كان لِمَنْ وَصَفْت من أَهْلِ الْقَنَاعَةِ وَالثِّقَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ عِنْدِي أَنْ يَقْبَلَ خِلَافَهُمْ من غَيْرِ أَهْلِ الْقَنَاعَةِ وَالثِّقَةِ وَالْعَقْلِ فَيَكُونُ قَبِلَ خِلَافَ ما قَبِلُوا منه وَلَوْ فَعَلَ كان قد تَرَكَ النَّظَرَ ولم يَكُنْ له عُذْرٌ فَإِنْ قال قَائِلٌ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ على حُكْمِ من لَعَلَّهُ لَا يَدْرِي ما يَصْنَعُ قِيلَ لَمَّا كان اللَّهُ عز وجل أَذِنَ بِالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ في الْأُسَارَى من الْمُشْرِكِينَ وَسَنَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ذلك لِمَا بَعْدَ الْحُكْمِ أَبَدًا أَنْ يَمُنَّ أو يُفَادِيَ أو يَقْتُلَ أو يَسْتَرِقَّ فَأَيُّ ذلك فَعَلَ فَقَدْ جاء بِهِ كِتَابُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمَّ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال الشَّافِعِيُّ ) وقد وَصَفْنَا أَنَّ لِلْإِمَامِ في الْأَسَارَى الْخِيَارُ في غَيْرِ هذا الْكِتَابِ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ على النَّظَرِ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ فَيَقْتُلُ إنْ كان ذلك أَوْهَنُ للعدو وَأَطْفَأُ لِلْحَرْبِ وَيَدْعُ إنْ كان ذلك أَشَدَّ لِنَشْرِ الْحَرْبِ وَأَطْلَبَ لِلْعَدُوِّ على نَحْوِ ما أَشَارَ بِهِ أَنَسٌ على عُمَرَ وَمَتَى سَبَقَ من الْإِمَامِ قَوْلٌ فيه أَمَانٌ ثُمَّ نَدِمَ عليه لم يَكُنْ له نَقْضُ الْأَمَانِ بعد ما سَبَقَ منه وَكَذَلِكَ كُلُّ قَوْلٍ يُشْبِهُ الْأَمَانَ مِثْلُ قَوْلِ عُمَرَ ( تَكَلَّمْ لَا بَأْسَ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا قَوَدَ على قَاتِلِ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ الْهُرْمُزَانَ قَاتَلَ الْبَرَاءَ بن مَالِكٍ وَمَجْزَأَةَ بن ثَوْرٍ فلم يَرَ عليه عُمَرُ قَوَدًا وَقَوْلُ عُمَرَ في هذا
____________________

(4/251)


مُوَافِقٌ سُنَّةَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قد جَاءَهُ قَاتِلُ حَمْزَةَ مُسْلِمًا فلم يَقْتُلْهُ بِهِ قَوَدًا وَجَاءَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ كلهم قَاتِلٌ مَعْرُوفٌ بِعَيْنِهِ فلم يَرَ عليه قَوَدًا وَقَوْلُ عُمَرَ ( لِتَأْتِينِي بِمَنْ يَشْهَدُ على ذلك أو لَأَبْدَأَنَّ بِعُقُوبَتِك ) يَحْتَمِلُ أَنْ لم يذكر ما قال لِلْهُرْمُزَانِ ( 1 ) من أَنْ لَا تُقْبَلُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ احْتِيَاطًا كما احْتَاطَ في الْأَخْبَارِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ في يَدَيْهِ فَجَعَلَ الشَّاهِدَ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ دَافِعٌ عَمَّنْ هو بِيَدَيْهِ وَأَشْبَهَ ذلك عِنْدَنَا أَنْ يَكُونَ احْتِيَاطًا وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا الثَّقَفِيُّ عن حُمَيْدٍ عن مُوسَى بن أَنَسٍ عن أَنَسِ بن مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه سَأَلَهُ ( إذَا حَاصَرْتُمْ الْمَدِينَةَ كَيْفَ تَصْنَعُونَ ) قال نَبْعَثُ الرَّجُلَ إلَى الْمَدِينَةِ وَنَصْنَعُ له هَنَةً من جُلُودٍ قال ( أَرَأَيْت إنْ رمى بِحَجَرٍ ) قال إذًا يُقْتَلُ قال فَلَا تَفْعَلُوا فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بيده ما يَسُرّنِي أَنْ تَفْتَحُوا مَدِينَةً فيها أَرْبَعَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ بِتَضْيِيعِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ما قال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ من هذا احْتِيَاطٌ وَحُسْنُ نَظَرٍ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِنِّي أَسْتَحِبُّ لِلْإِمَامِ وَلِجَمِيعِ الْعُمَّالِ وَلِلنَّاسِ كُلِّهِمْ أَنْ لَا يَكُونُوا مُعْتَرِضِينَ لِمِثْلِ هذا وَلَا لِغَيْرِهِ مِمَّا الْأَغْلَبُ عليه منه التَّلَفُ وَلَيْسَ هذا بِمُحَرَّمٍ على من تعرضه ( ( ( عرضه ) ) ) وَالْمُبَارَزَةُ لَيْسَتْ هَكَذَا لِأَنَّ الْمُبَارَزَةَ إنَّمَا يَبْرُزُ لِوَاحِدٍ فَلَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ مُخَاطِرٌ إنَّمَا الْمُخَاطِرُ الْمُتَقَدِّمُ على جَمَاعَةِ أَهْلِ الْحِصْنِ فيرمي أو على الْجَمَاعَةِ وَحْدَهُ الْأَغْلَبُ أَنْ لَا يَدَانِ له بِهِمْ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على أَنْ لَا بَأْسَ بِالتَّقَدُّمِ على الْجَمَاعَةِ قِيلَ بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا قال يا رَسُولَ اللَّهِ إلَامَ يَضْحَكُ اللَّهُ من عَبْدِهِ قال ( غَمْسُهُ يَدَهُ في الْعَدُوِّ حَاسِرًا ) فَأَلْقَى دِرْعًا كانت عليه وَحَمَلَ حَاسِرًا حتى قُتِلَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يَتَحَرَّزَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا سُفْيَانُ بن عُيَيْنَةَ عن يَزِيدَ بن خُصَيْفَةَ عن السَّائِبِ بن يَزِيدَ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ظَاهَرَ يوم أُحُدٍ بين دِرْعَيْنِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا الثَّقَفِيُّ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ قال سَارَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَى إلَيْهَا لَيْلًا وكان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا طَرَقَ قَوْمًا لَيْلًا لم يُغِرْ عليهم حتى يُصْبِحَ فَإِنْ سمع أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِنْ لم يَكُونُوا يُصَلُّونَ أَغَارَ عليهم حين يُصْبِحُ فلما أَصْبَحَ رَكِبَ وَرَكِبَ معه الْمُسْلِمُونَ وَخَرَجَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَمَعَهُمْ مَكَاتِلُهُمْ وَمَسَاحِيهُمْ فلما رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قالوا مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرَ إنَّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ ) قال أَنَسٌ وَإِنِّي لَرَدِيفُ أبي طَلْحَةَ وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال الشَّافِعِيُّ ) وفي رِوَايَةِ أَنَسٍ أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم كان لَا يُغِيرُ حتى يُصْبِحَ ليس بِتَحْرِيمٍ لِلْإِغَارَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا غَارِّينَ في حَالٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَكِنَّهُ على أَنْ يَكُونَ يُبْصِرُ من معه كَيْفَ يُغِيرُونَ احْتِيَاطًا من أَنْ يُؤْتَوْا من كَمِينٍ أو حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وقد تَخْتَلِطُ الْحَرْبُ إذَا أَغَارُوا لَيْلًا فَيَقْتُلُ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضًا وقد أَصَابَهُمْ ( 2 ) ذلك في قَتْلِ بن عَتِيكٍ فَقَطَعُوا رِجْلَ أَحَدِهِمْ فَإِنْ قال قَائِلٌ ما دَلَّ على أَنَّ هذا من فِعْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ليس بِتَحْرِيمٍ أَنْ يُغِيرَ أَحَدٌ لَيْلًا قِيلَ قد أَمَرَ بِالْغَارَةِ على غَيْرِ وَاحِدٍ من الْيَهُودِ فَقَتَلُوهُ - * الْفِدَاءُ بِالْأُسَارَى - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا الثَّقَفِيُّ عن أَيُّوبَ عن أبي قِلَابَةَ عن أبي الْمُهَلَّبِ عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ قال أَسَرَ أَصْحَابُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رَجُلًا من بَنِي عَقِيلٍ فَأَوْثَقُوهُ وَطَرَحُوهُ في الْحَرَّةِ فَمَرَّ بِهِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَنَحْنُ معه أو قال أتى عليه رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وهو على حِمَارٍ وَتَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَنَادَاهُ يا محمد يا محمد
____________________

(4/252)


فَأَتَاهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال ( ما شَأْنك ) قال فبم ( ( ( فيم ) ) ) أُخِذْت وَفِيمَ أَخَذْت سَابِقَةَ الْحَاجِّ قال ( أُخِذْت بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ ) وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قد أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَتَرَكَهُ وَمَضَى فَنَادَاهُ يا محمد يا محمد فَرَحِمَهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَرَجَعَ إلَيْهِ فقال ( ما شَأْنُك ) قال إنِّي مُسْلِمٌ فقال ( لو قُلْتهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَك أَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ ) قال فَتَرَكَهُ وَمَضَى فَنَادَاهُ يا محمد يا محمد فَرَجَعَ إلَيْهِ فقال إنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي قال وَأَحْسَبُهُ قال وَإِنِّي عَطْشَانُ فَاسْقِنِي قال هذه حَاجَتُك فَفَدَاهُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ وَأَخَذَ نَاقَتَهُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أُخِذْت بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ ) إنَّمَا هو أَنَّ الْمَأْخُوذَ مُشْرِكٌ مُبَاحُ الدَّمِ وَالْمَالِ لِشِرْكِهِ من جَمِيعِ جِهَاتِهِ وَالْعَفْوُ عنه مُبَاحٌ فلما كان هَكَذَا لم يُنْكِرْ أَنْ يَقُولَ أُخِذْت أَيْ حُبِسْت بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٌ وَيَحْبِسُهُ بِذَلِكَ لِيَصِيرَ إلَى أَنْ يُخَلُّوا من أَرَادَ وَيَصِيرُوا إلَى ما أَرَادَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وقد غَلِطَ بهذا بَعْضُ من يُشَدِّدُ الْوِلَايَةَ فقال يُؤْخَذُ الْوَلِيُّ من الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا مُشْرِكٌ يَحِلُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِكُلِّ جِهَةٍ وقد قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لِرَجُلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ ( هذا ابْنُك ) قال نعم قال ( أَمَّا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك وَلَا تَجْنِي عليه وَقَضَى اللَّهُ عز وجل أَنْ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) وَلَمَّا كان حَبْسُ هذا حَلَالًا بِغَيْرِ جِنَايَةِ غَيْرِهِ وَإِرْسَالُهُ مُبَاحًا كان جَائِزًا أَنْ يُحْبَسَ بِجِنَايَةِ غَيْرِهِ لِاسْتِحْقَاقِهِ ذلك بِنَفْسِهِ ويخلي تَطَوُّعًا إذَا نَالَ بِهِ بَعْضَ ما يُحِبُّ حَابِسُهُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَسْلَمَ هذا الْأَسِيرُ فَرَأَى النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ أَسْلَمَ لَا بِنِيَّةٍ فقال ( لو قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ نَفْسَك أَفْلَحْت كُلَّ الْفَلَاحِ ) وَحَقَنَ بِإِسْلَامِهِ دَمَهُ ولم يُخْلِهِ بِالْإِسْلَامِ إذْ كان بَعْدَ إسَارِهِ وَهَكَذَا من أُسِرَ من الْمُشْرِكِينَ فَأَسْلَمَ حَقَنَ له إسْلَامُهُ دَمَهُ ولم يُخْرِجْهُ إسْلَامُهُ من الرِّقِّ إنْ رَأَى الْإِمَامُ اسْتِرْقَاقَهُ اسْتِدْلَالًا بِمَا وَصَفْنَا من الحديث عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم وَفِعْلِهِ بِالرَّجُلَيْنِ ( 1 ) بَعْدَ إسلامه ( ( ( إسلامهما ) ) ) بالرجلين فَهَذَا أنه أَثْبَتَ عليه الرِّقَّ بَعْدَ إسْلَامِهِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا رَدٌّ لِقَوْلِ مُجَاهِدٍ لِأَنَّ سُفْيَانَ أخبرنا عن بن أبي نَجِيحٍ عن مُجَاهِدٍ قال إذَا أَسْلَمَ أَهْلُ الْعَنْوَةِ فَهُمْ أَحْرَارٌ وَأَمْوَالُهُمْ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَتَرَكْنَا هذا اسْتِدْلَالًا بِالْخَبَرِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا فَادَاهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِرَجُلَيْنِ من أَصْحَابِهِ فَإِنَّمَا فَادَاهُ بِهِمَا أَنَّهُ فَكَّ الرِّقَّ عنه بِأَنْ خَلَّوْا صَاحِبَيْهِ وفي هذا دَلَالَةٌ على أَنْ لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ من يَجْرِي عليه الرِّقُّ وَإِنْ أَسْلَمَ إذَا كان من يَدْفَعُونَ إلَيْهِمْ من الْمُسْلِمِينَ لَا يَسْتَرْقِ وَهَذَا الْعُقَيْلِيِّ لَا يُسْتَرَقُّ لِمَوْضِعِهِ فِيهِمْ وَإِنْ خَرَجَ من بِلَادِ الْإِسْلَامِ إلَى بِلَادِ الشِّرْكِ وفي هذا دَلَالَةٌ على أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَخْرُجَ الْمُسْلِمُ من بِلَادِ الْإِسْلَامِ إلَى بِلَادِ الشِّرْكِ لِأَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم إذَا فَدَى صَاحِبَيْهِ بالعقيل ( ( ( فالعقيلي ) ) ) بَعْدَ إسْلَامِهِ وَبِلَادُهُ بِلَادُ شِرْكٍ فَفِي ذلك دَلَالَةٌ على ما وَصَفْت ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِدَاءُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم هذا بالعقيلي وَرَدُّهُ إلَى بَلَدِهِ وَهِيَ أَرْضُ كُفْرٍ لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ لَا يَضُرُّونَهُ وَلَا يَجْتَرِئُونَ عليه لِقَدْرِهِ فِيهِمْ وَشَرَفِهِ عِنْدَهُمْ وَلَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ لم يُرَدَّ إلَى قَوْمٍ يَقُومُونَ عليه أَنْ يَضُرُّوهُ إلَّا في مِثْلِ حَالِ الْعُقَيْلِيِّ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَفِدَاؤُهُ بالعقيلي والعقيلي لَا يُسْتَرَقُّ خِلَافُ أَنْ يُفْدَى بِمَنْ يُسْتَرَقُّ من الْمُسْلِمِينَ قال وَلَا بَأْسَ أَنْ يُفْدَى بِمَنْ يُسْتَرَقُّ من الْمُشْرِكِينَ الْبَالِغِينَ الْمُسْلِمِينَ وإذا جَازَ أَنْ يُفْدَى بِمِنْ يُسْتَرَقُّ جَازَ أَنْ يَبِيعَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ الْبَالِغِينَ من الْمُشْرِكِينَ
____________________

(4/253)


- * الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَأْبَقُ إلَى أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ - * سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عن الْعَدُوِّ يَأْبَقُ إلَيْهِمْ الْعَبْدُ أو يَشْرُدُ الْبَعِيرُ أو يُغِيرُونَ فَيَنَالُونَهُمَا أو يَمْلِكُونَهُمَا أَسْهُمًا قال لَا فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فما تَقُولُ فِيهِمَا إذَا ظَهَرَ عليهم الْمُسْلِمُونَ فَجَاءَ أَصْحَابُهُمَا قبل أَنْ يُقْتَسَمَا فقال هُمَا لِصَاحِبِهِمَا فَقُلْت أَرَأَيْت إنْ وَقَعَا في الْمَقَاسِمِ فقال اخْتَلَفَ فِيهِمَا الْمُفْتُونَ فَمِنْهُمْ من قال هُمَا قبل الْمَقَاسِمِ وَبَعْدَهَا سَوَاءٌ لِصَاحِبِهِمَا وَمِنْهُمْ من قال هُمَا لِصَاحِبِهِمَا قبل الْمَقَاسِمِ فإذا وَقَعَتْ الْمَقَاسِمِ وَصَارَا في سَهْمِ رَجُلٍ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِمَا وَمِنْهُمْ من قال صَاحِبُهُمَا أَحَقُّ بِهِمَا ما لم يُقْسَمَا فإذا قُسِمَا فَصَاحِبُهُمَا أَحَقُّ بِهِمَا بِالْقِيمَةِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ فما اخْتَرْت من هذا قال أنا أَسْتَخِيرُ اللَّهَ عز وجل فيه قُلْت فَمَعَ أَيِّ الْقَوْلَيْنِ الْآثَارُ وَالْقِيَاسُ ( 1 ) فقال دَلَالَةُ السُّنَّةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ فَاذْكُرْ السُّنَّةَ فقال أخبرنا الثَّقَفِيُّ عن أَيُّوبَ عن أبي قِلَابَةَ عن عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ قال سُبِيَتْ امْرَأَةٌ من الْأَنْصَارِ وَكَانَتْ النَّاقَةُ قد أُصِيبَتْ قَبِلَهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَأَنَّهُ يَعْنِي نَاقَةَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم لِأَنَّ آخِرَ حَدِيثِهِ يَدُلُّ على ذلك قال عِمْرَانُ بن حُصَيْنٍ فَكَانَتْ تَكُونُ فِيهِمْ وَكَانُوا يَجِيئُونَ بِالنَّعَمِ إلَيْهِمْ فَانْفَلَتَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ من الْوَثَاقِ فَأَتَتْ الْإِبِلَ فَجَعَلَتْ كُلَّمَا أَتَتْ بَعِيرًا منها فَمَسَّتْهُ رَغَا فَتَرَكَتْهُ حتى أَتَتْ تِلْكَ النَّاقَةَ فَمَسَّتْهَا فلم تَرْغُ وَهِيَ نَاقَةٌ هَدَرَةٌ فَقَعَدَتْ في عَجُزِهَا ثُمَّ صَاحَتْ بها فَانْطَلَقَتْ وَطُلِبَتْ من لَيْلَتِهَا فلم يُقْدَرْ عليها فَجَعَلَتْ لِلَّهِ عليها إنْ اللَّهُ أَنْجَاهَا عليها لَتَنْحَرَنَّهَا فلما قَدِمَتْ الْمَدِينَةَ عَرَفُوا النَّاقَةَ وَقَالُوا نَاقَةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فقالت إنَّهَا قد جَعَلَتْ لِلَّهِ تَعَالَى عليها لَتَنْحَرَنَّهَا فَقَالُوا وَاَللَّهِ لَا تَنْحَرِيهَا حتى نُؤْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ فُلَانَةَ قد جَاءَتْ على نَاقَتِك وَأَنَّهَا قد جَعَلَتْ لِلَّهِ عليها إنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عليها لَتَنْحَرَنَّهَا فقال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( لبئسما جَزَتْهَا إنْ أَنْجَاهَا اللَّهُ عليها لَتَنْحَرَنَّهَا لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ أو قال بن آدَمَ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ على أَنَّ الْعَدُوَّ قد أَحْرَزَ نَاقَةَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنَّ الْأَنْصَارِيَّةَ انْفَلَتَتْ من إسَارِهِمْ عليها بَعْدَ إحرازهموها وَرَأَتْ أنها لها فَأَخْبَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أنها قد نَذَرَتْ فِيمَا لَا تَمْلِكُ وَلَا نَذْرَ لها وَأَخَذَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَاقَتَهُ وَلَوْ كان الْمُشْرِكُونَ يَمْلِكُونَ على الْمُسْلِمِينَ لم يَعُدَّ أَخْذَ الْأَنْصَارِيَّةِ النَّاقَةَ أَنْ تَكُونَ ملكتها ( ( ( ملكها ) ) ) بِأَنَّهَا أَخَذَتْهَا وَلَا خُمُسَ فيها لِأَنَّهَا لم تُوجِفْ عليها وقد قال بهذا غَيْرُنَا وَلَسْنَا نَقُولُ بِهِ أو تَكُونُ مَلَكَتْ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا وَخُمُسُهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ أو تَكُونُ من الْفَيْءِ الذي لم يُوجَفْ عليه بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَيَكُونُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِلنَّبِيِّ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَخُمُسُهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَلَا أَحْفَظُ قَوْلًا لِأَحَدٍ أَنْ يَتَوَهَّمَهُ في هذا غير أَحَدِ هذه الثَّلَاثَةِ الْأَقَاوِيلِ قال فلما أَخَذَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم نَاقَتَهُ دَلَّ هذا على أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَمْلِكُونَ شيئا على الْمُسْلِمِينَ وإذا لم يَمْلِكْ الْمُشْرِكُونَ على الْمُسْلِمِينَ ما أَوْجَفُوا عليه بِخَيْلِهِمْ فَأَحْرَزُوهُ في دِيَارِهِمْ أَشْبَهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ لَا يَمْلِكَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ ما لم يَمْلِكُوا هُمْ لِأَنْفُسِهِمْ قبل قَسْمِ الْغَنِيمَةِ وَلَا بَعْدَهُ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ كان هذا ثَابِتًا عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فَكَيْفَ اُخْتُلِفَ فيه فقال قد يَذْهَبُ بَعْضُ السُّنَنِ على بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَوْ عَلِمَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قال بها قُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت من لَقِيت مِمَّنْ سمع هذا كَيْفَ تَرَكَهُ فقال لم يَدَعْهُ كُلَّهُ ولم يَأْخُذْ بِهِ كُلَّهُ فَقُلْت فَكَيْفَ كان هذا قال الله ( ( ( والله ) ) ) تَعَالَى أَعْلَمُ وَلَا يَجُوزُ هذا لِأَحَدٍ فَقُلْت فَهَلْ ذَهَبَ فيه إلَى شَيْءٍ فقال كَلَّمَنِي بَعْضُ من ذَهَبَ هذا الْمَذْهَبَ فقال ( 2 ) وَهَكَذَا يقول فيه الْمَقَاسِمُ فَيَصِيرُ عبد رَجُلٍ في سَهْمِ رَجُلٍ فَيَكُونُ مَفْرُوزًا من حَقِّهِ ويتفرق ( ( ( وبتفرق ) ) ) الْجَيْشِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَتْبَعُهُ بِسَهْمِهِ
____________________

(4/254)


فَيَنْقَلِبُ لَا سَهْمَ له فَقُلْت له أَفَرَأَيْت لو وَقَعَ في سَهْمِهِ حُرٌّ أو أُمُّ وَلَدٍ لِرَجُلٍ قال يَخْرُجُ من يَدِهِ وَيُعَوَّضُ من بَيْتِ الْمَالِ فَقُلْت له وَإِنْ لم يَسْتَحِقَّ الْحُرُّ الْحُرِّيَّةَ وَلَا مَالِكُ أُمِّ الْوَلَدِ إلَّا بَعْدَ تَفَرُّقِ الْجَيْشِ قال نعم وَيُعَوَّضُ من بَيْتِ الْمَالِ فَقُلْت له وما يَدْخُلُ على من قال هذا الْقَوْلَ في عبد الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ يَخْرُجُ من يَدَيْ من صَارَ سَهْمُهُ وَيُعَوَّضُ منه قِيمَتُهُ فقال من أَيْنَ يُعَوَّضُ قُلْت من الْخُمُسِ خَاصَّةً قال وَمِنْ أَيِّ الْخُمُسِ قُلْت سَهْمُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فإنه كان يَضَعُهُ في الْأَنْفَالِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فقال لي قَائِلٌ تَوَلَّ الْجَوَابَ عَمَّنْ قال صَاحِبُ الْمَالِ أَحَقُّ بِهِ قبل الْمَقَاسِمِ وَبَعْدَهُ قُلْت فَاسْأَلْ فقال ما حُجَّتُك فيه قُلْت ما وَصَفْت من السُّنَّةِ في حديث عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ وَالْخَبَرُ عن جَمَاعَةٍ من أَصْحَابِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنَّ السُّنَّةَ إذَا دَلَّتْ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَمْلِكُونَ على الْمُسْلِمِينَ شيئا بِحَالٍ لم يَجُزْ أَنْ يَمْلِكُوا عليهم بِحَالٍ أُخْرَى إلَّا بِسُنَّةٍ مِثْلِهَا فقال وَمِنْ أَيْنَ قُلْت إنِّي إذَا أَعْطَيْت أَنَّ مَالِكَ الْعَبْدِ إذَا وَجَدَ عَبْدَهُ ( 1 ) قبل ما يُحْرِزُهُ الْعَدُوُّ ثُمَّ يُحْرِزُهُ الْمُسْلِمُونَ على الْعَدُوِّ قبل أَنْ يَقْسِمَهُ الْمُسْلِمُونَ فَقَدْ أَعْطَيْت أَنَّ الْعَدُوَّ لم يَمْلِكُوهُ مِلْكًا يَتِمُّ لهم وَلَوْ مَلَكُوهُ مِلْكًا يَتِمُّ لهم لم يَكُنْ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ إذَا مَلَكَهُ الموجفون عليه من الْمُسْلِمِينَ قبل الْقَسْمِ وَلَا بَعْدَهُ أَرَأَيْت لو كان أَسْرُهُمْ إيَّاهُ وَغَلَبَتُهُمْ عليه كَبَيْعِ مَوْلَاهُ له منهم أو هِبَتِهِ إيَّاهُ ثُمَّ أَوْجَفَ عليه أَلَّا يَكُونَ لِلْمُوجِفِينَ قال بَلَى قُلْت أَفَتَعْدُو غَلَبَةُ الْعَدُوِّ عليه أَنْ تَكُونَ مِلْكًا فَيَكُونُ كَمَالٍ لهم سَوَاءٌ مِمَّا وُهِبَ لهم أو اشْتَرَوْهُ أو تَكُونُ غَصْبًا لَا يَمْلِكُونَهُ عليه فإذا كانت السُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَالْإِجْمَاعُ تَدُلُّ على أَنَّهُ كَالْغَصْبِ قبل أَنْ يُقْسَمَ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بعد ما يُقْسَمُ أَلَا تَرَى أَنَّ مُسْلِمًا مُتَأَوِّلًا أو غير مُتَأَوِّلٍ لو أَوْجَفَ على عَبْدٍ ثُمَّ أُخِذَ من يَدِ من قَهَرَهُ عليه كان لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ فإذا لم يَمْلِكْ مُسْلِمٌ على مُسْلِمٍ بِغَصْبٍ كان الْمُشْرِكُ أَوْلَى أَنْ لَا يَكُونَ مَالِكًا مع أَنَّك لم تَجْعَلْ الْمُشْرِكَ مَالِكًا وَلَا غير مَالِكٍ ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال إنَّ هذا لَيَدْخُلُهُ وَلَكِنَّا قُلْنَا فيه بِالْأَثَرِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَرَأَيْت إنْ قال لَك قَائِلٌ هذه السُّنَّةُ وَالْأَثَرُ تُجَامِعُ ما قُلْنَا وهو الْقِيَاسُ وَالْمَعْقُولُ فَكَيْفَ صِرْت إلَى أَنْ تَأْخُذَ بِشَيْءٍ دُونَ السُّنَّةِ وَتَدَعَ السُّنَّةَ وَشَيْءٍ من الْأَثَرِ أَقَلَّ من الْآثَارِ وتدع الْأَكْثَرَ فما حُجَّتُك فيه قال إنَّا قد قُلْنَا بِالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ التي ذَهَبَتْ إلَيْهَا ولم يَكُنْ فيها بَيَانُ أَنَّ ذلك بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَهُوَ قَبْلَهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قُلْت له أَمَا فيها بَيَانُ أَنَّ الْعَدُوَّ لو مَلَكُوا على الْمُسْلِمِينَ ما أَحْرَزُوا من أَمْوَالِهِمْ مِلْكًا تَامًّا كان ذلك لِمَنْ مَلَكَ من الْمُسْلِمِينَ على الْمُشْرِكِينَ دُونَ مَالِكِهِ الْأَوَّلِ قال بَلَى قُلْت أَوَّلًا يَكُونُ مَمْلُوكًا لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ بِكُلِّ حَالٍ أو لِلْعَدُوِّ إذَا أَحْرَزُوهُ فقال إنَّ هذا لَيُدْخِلُ ذلك وَلَكِنْ صِرْنَا إلَى الْأَثَرِ وَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْت له فَهَذِهِ السُّنَّةُ وَالْآثَارُ وَالْقِيَاسُ عليها فقال قد يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ قبل ما يُقْسَمُ ( 2 ) حُكْمُهُ بَعْدَ ما يُقْسَمُ حُكْمُهُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْت له أَمَا في قِيَاسٍ أو عَقْلٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هذا لو كان إلَّا بِالْأَثَرِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَإِنْ لم يُرْوَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فيه شَيْءٌ ويروي عَمَّنْ دُونَهُ فَلَيْسَ في أَحَدٍ مع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حُجَّةٌ قال أَفَيَحْتَمِلُ من رَوَى عنه قَوْلُنَا من أَصْحَابِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ عليه هذا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَقُلْت أَفَيَحْتَمِلُ عِنْدَك فقال نعم فَقُلْت فما مَسْأَلَتُك عن أَمْرٍ تَعْلَمُ أَنْ لَا مَسْأَلَةَ فيه قال فَأَوْجِدْنِي مِثْلَ هذا فَقُلْت نعم وَأَبْيَنُ قال مِثْلُ مَاذَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) قَضَى رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في السِّنِّ بِخَمْسٍ وَقَضَى عُمَرُ في الضِّرْسِ بِبَعِيرٍ فَكَانَ يَحْتَمِلُ لِذَاهِبٍ لو ذَهَبَ مَذْهَبَ
____________________

(4/255)


عُمَرَ أَنْ يَقُولَ السِّنُّ ما أَقْبَلَ وَالضِّرْسُ ما أَكَلَ عليه ثُمَّ يَكُونُ هذا وَجْهًا مُحْتَمَلًا يَصِحُّ الْمَذْهَبُ فيه فلما كانت السِّنُّ دَاخِلَةً في مَعْنَى الْأَسْنَانِ في حَالٍ فَإِنْ بَايَنَتْهَا بِاسْمٍ مُنْفَرِدٍ دُونَهَا كما تَبَايَنَ الْأَسْنَانُ بِأَسْمَاءٍ تُعْرَفُ بها صِرْنَا وَأَنْتَ إلَى ما روى عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم جُمْلَةً وَجَعَلْنَا الْأَعَمَّ أَوْلَى بِقَوْلِ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من الْأَخَصِّ وَإِنْ احْتَمَلَ الْأَخَصَّ من حُكْمِ كَثِيرٍ غَيْرِ هذا نَقُولُ فيه نَحْنُ وَأَنْتَ بِمِثْلِ هذا قال هذا في هذا وَغَيْرِهِ كما تَقُولُ قُلْت فما أَحْرَزَ الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ أُحْرِزَ عَنْهُمْ فَكَانَ لِمَالِكِهِ قبل الْقَسْمِ ولم يَأْتِ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ ليس له بَعْدَ الْقَسْمِ أَثَرٌ غَيْرُ هذا فَأَحْرَى لَا يَحْتَمِلُ مَعْنًى إلَّا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُحْرِزُونَ على الْمُسْلِمِينَ شيئا قال فَإِنَّا نَأْخُذُ قَوْلَنَا من غَيْرِ هذا الْوَجْهِ إذَا دخل من هذا الْوَجْهِ فنأخذه ( ( ( فأخذه ) ) ) من أَنَّا رَوَيْنَا عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( من أَسْلَمَ على شَيْءٍ فَهُوَ له ) وَرَوَيْنَا عنه أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَسْلَمَ على مَالِ قَوْمٍ قد قَتَلَهُمْ وَأَخْفَاهُ فَكَانَ له ( قال الشَّافِعِيُّ ) أَرَأَيْت ما رَوَيْت عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من أَنَّهُ ( من أَسْلَمَ على شَيْءٍ فَهُوَ له ) أَيَثْبُتُ قال هو من حَدِيثِكُمْ قُلْت نعم مُنْقَطِعٌ وَنَحْنُ نُكَلِّمُك على تَثْبِيتِهِ فَنَقُولُ لَك أَرَأَيْت إنْ كان ثَابِتًا أَهُوَ عَامٌّ أو خَاصٌّ قال فَإِنْ قُلْت هو عَامٌّ قُلْت إذَا نَقُولُ لَك أَرَأَيْت عَدُوًّا أَحْرَزَ حُرًّا أو أُمَّ وَلَدٍ أو مُكَاتَبًا أو مُدَبَّرًا أو عَبْدًا مَرْهُونًا فَأَسْلَمَ عليهم قال لَا يَكُونُ له حُرٌّ وَلَا أُمُّ وَلَدٍ وَلَا شَيْءَ لَا يَجُوزُ مِلْكُهُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقُلْت له فَتَرَكْت قَوْلَك إنَّهُ عَامٌّ قال نعم وَأَقُولُ من أَسْلَمَ على شَيْءٍ يَجُوزُ مِلْكُهُ لِمَالِكِهِ الذي غَصَبَهُ عليه قُلْنَا فَأُمُّ الْوَلَدِ يَجُوزُ مِلْكُهَا لِمَالِكِهَا إلَى أَنْ يَمُوتَ أَفَتَجْعَلُ لِلْعَدُوِّ مِلْكَهَا إلَى مَوْتِ سَيِّدِهَا قال لَا لِأَنَّ فَرْجَهَا لَا يَحِلُّ لهم قُلْت إنْ أَحْلَلْت مِلْكَ رَقَبَتِهَا بِالْغَصْبِ حين تُقِيمُ الْغَاصِبَ مَقَامَ سَيِّدِهَا إنَّك لَشَبِيهٌ أَنْ تُحِلَّ فَرْجَهَا أو مِلْكَهَا وَإِنْ مَنَعْت فَرْجَهَا أو رَأَيْت إنْ جَعَلْت الحديث خَاصًّا وَأَخْرَجْتَهُ من الْعُمُومِ أَيَجُوزُ لَك فيه أَنْ تَقُولَ فيه بِالْخَاصِّ بِغَيْرِ دَلَالَةٍ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال الشَّافِعِيُّ ) فقال فَأَسْتَدِلُّ بِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ على أَنَّ الْمُغِيرَةَ مَلَكَ ما يَجُوزُ له تَمَلُّكُهُ فَأَسْلَمَ عليه فلم يُخْرِجْهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم من يَدِهِ ولم ( ( ( لم ) ) ) يُخَمِّسْهُ قال فَقُلْت له الَّذِينَ قتل ( ( ( قتلوا ) ) ) الْمُغِيرَةَ مُشْرِكُونَ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّ حُكْمَ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ حُكْمُ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ كَلَّمْنَاك على ذلك قال ما حُكْمُ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ حُكْمُ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنَّهُ لَيَدْخُلُ على هذا الْقَوْلِ ما وَصَفْت فَهَلْ تَجِدُ إنْ ثَبَتَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أقال ( ( ( أنه ) ) ) من أَسْلَمَ على شَيْءٍ فَهُوَ له مَخْرَجًا صَحِيحًا لَا يَدْخُلُ فيه شَيْءٌ مِثْلُ ما دخل هذا الْقَوْلُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَقُلْت له نعم من أَسْلَمَ على شَيْءٍ يَجُوزُ له مِلْكُهُ فَهُوَ له فقال هذا جُمْلَةٌ فَأَبِنْهُ فَقُلْت له إنْ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعَزَّ أَهْلَ دِينِهِ ( 1 ) إلَّا بِحَقِّهَا فَهِيَ من غَيْرِ أَهْلِ دِينِهِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مَمْنُوعَةً أو أَقْوَى على مَنْعِهَا فإذا كان الْمُسْلِمُ لو قَهَرَ مُسْلِمًا على عَبْدٍ ثُمَّ وَرِثَ عن الْقَاهِرِ أو غَلَبَهُ عليه مُتَأَوِّلٌ أو لِصٌّ أَخَذَهُ الْمَقْهُورُ عليه بِأَصْلِ مِلْكِهِ الْأَوَّلِ وكان لَا يَمْلِكُهُ مُسْلِمٌ بِغَصْبٍ فَالْكَافِرُ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْلِكَهُ بِغَصْبٍ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ أَنْفُسَ الْكَافِرِينَ الْمُحَارِبِينَ وَأَمْوَالَهُمْ فَيُشْبِهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُشْرِكُونَ إنْ كَانُوا إذَا قَدَرُوا عليهم وَأَمْوَالِهِمْ خَوْلًا لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ عز وجل أَنْ لَا يَكُونَ لهم أَنْ يتخولوا ( ( ( يتحولوا ) ) ) من أَمْوَالِ أَهْلِ دِينِ اللَّهِ شيئا يُقْدَرُ على إخْرَاجِهِ من أَيْدِيهِمْ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَخَوِّلُ مُتَخَوِّلًا على مِمَّنْ يَتَخَوَّلُهُ إذَا قَدَرَ عليه قال فما الذي يُسْلِمُونَ عليه فَيَكُونُ لهم فَقُلْت ما غَصَبَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ بَعْضًا ثُمَّ أَسْلَمَ عليه الْغَاصِبُ كان له كما أَخْذُهُ الْمُغِيرَةُ من أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الْغَاصِبِينَ وَالْمَغْصُوبِينَ لم يَكُونُوا مَمْنُوعِي الْأَمْوَالِ بِدَيْنِ اللَّهِ عز وجل فلما أَخَذَهَا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أو سبا ( ( ( سبى ) ) ) بَعْضُهُمْ بَعْضًا ثُمَّ أَسْلَمَ السَّابِي الْآخِذُ لِلْمَالِ كان له ما أَسْلَمَ عليه لِأَنَّهُ أَسْلَمَ على ما لو ابْتَدَأَ أَخْذَهُ في الْإِسْلَامِ كان له ولم يَكُنْ له أَنْ يَبْتَدِئَ في الْإِسْلَامِ أَخْذَ شَيْءٍ لِمُسْلِمٍ فقال
____________________

(4/256)


لي أَرَأَيْت من قال هذا الْقَوْلَ كَيْفَ زَعَمَ في الْمُشْرِكِينَ إذَا أَخَذُوا لِمُسْلِمٍ عَبْدًا أو مَالًا غَيْرَهُ أو أَمَتَهُ أو أَمَّ وَلَدِهِ أو مُدَبَّرَهُ أو مُكَاتَبَهُ أو مَرْهُونَهُ أو أَمَةً جَانِيَةً أو غير ذلك ثُمَّ أَحْرَزَهَا الْمُسْلِمُونَ فَقُلْت هذا يَكُونُ كُلُّهُ لِمَالِكِهِ على الْمِلْكِ الْأَوَّلِ وَبِالْحَالِ الْأَوَّلِ قبل أَنْ يُحْرِزَهَا الْعَدُوُّ وَتَكُونُ أُمُّ الْوَلَدِ أُمَّ وَلَدٍ وَإِنْ مَاتَ سَيِّدُهَا عَتَقَتْ بِمَوْتِهِ في بِلَادِ الْحَرْبِ أو بَعْدُ وَالْمُدَبَّرَةُ مُدَبَّرَةً ما لم يَرْجِعْ فيها سَيِّدُهَا وَالْعَبْدُ الْجَانِي وَالْأَمَةُ الْجَانِيَةُ جَانِيَيْنِ في رِقَابِهِمَا الْجِنَايَةُ لَا يُغَيِّرُ السِّبَاءُ مِنْهُمَا شيئا وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ وَغَيْرُهُ قال أَفَرَأَيْت إنْ أَحْرَزَ هذا الْمُشْرِكُونَ ثُمَّ أَحْرَزَهُ عليهم مُشْرِكُونَ غَيْرُهُمْ ثُمَّ أَحْرَزَهُ الْمُسْلِمُونَ ثُمَّ أَحْرَزَهُ الْمُشْرِكُونَ عليهم قُلْت كَيْفَ كان هذا وَتَطَاوَلَ فَهَذَا قَوْلٌ لَا يَدْخُلُ بِحَالٍ هو على الْمِلْكِ الْأَوَّلِ وَكُلُّ حَادِثٍ فيه بَعْدَهُ لَا يُبْطِلُهُ وَيُدْفَعُونَ إلَى مَالِكِيهِمْ الْأَوَّلِينَ الْمُسْلِمِينَ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَجِبْ على هذا الْقَوْلِ أَرَأَيْت إنْ أَحْرَزَ الْعَدُوُّ جَارِيَةَ رَجُلٍ فَوَطِئَهَا الْمُحْرِزُ لها فَوَلَدَتْ ثُمَّ ظَهَرَ عليها الْمُسْلِمُونَ فقال هِيَ وَأَوْلَادُهَا لِمَالِكِهَا فَقُلْت فَإِنْ أَسْلَمُوا عليها قال تُدْفَعُ الْجَارِيَةُ إلَى مَالِكِهَا وَيَأْخُذُ مِمَّنْ وَطِئَهَا عَقْرُهَا وَقِيمَةُ أَوْلَادِهَا يوم سَقَطُوا ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا حَاتِمٌ عن جَعْفَرٍ عن أبيه عن يَزِيدَ بن هُرْمُزَ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إلَى بن عَبَّاسٍ يَسْأَلْهُ عن خِلَالٍ فقال بن عَبَّاسٍ إنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إنَّ بن عَبَّاسٍ يُكَاتِبُ الْحَرُورِيَّةَ وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا لم أَكْتُبْ إلَيْهِ فَكَتَبَ نَجْدَةُ إلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فأخبرني ( ( ( أخبرني ) ) ) هل كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَغْزُو بِالنِّسَاءِ وَهَلْ كان يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ وَهَلْ كان يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ وَمَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ وَعَنْ الْخُمُسِ لِمَنْ هو فَكَتَبَ إلَيْهِ بن عَبَّاسٍ ( إنَّك كَتَبْت تَسْأَلُنِي هل كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَغْزُو بِالنِّسَاءِ وقد كان يَغْزُو بِهِنَّ فَيُدَاوِينَ الْمَرْضَى وَيَحْذِينَ من الْغَنِيمَةِ وَأَمَّا السَّهْمُ فلم يَضْرِبْ لَهُنَّ بِسَهْمٍ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم لم يَقْتُلْ الْوِلْدَانَ فَلَا تَقْتُلْهُمْ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَعْلَمَ منهم ما عَلِمَ الْخَضِرُ من الصَّبِيِّ الذي قَتَلَهُ فَتُمَيِّزَ بين الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ فَتَقْتُلَ الْكَافِرَ وَتَدَعَ الْمُؤْمِنَ وَكَتَبْت مَتَى يَنْقَضِي يُتْمُ الْيَتِيمِ وَلَعَمْرِي إنَّ الرَّجُلَ لَتَشِيبُ لِحْيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ ضَعِيفُ الْإِعْطَاءِ فإذا أَخَذَ لِنَفْسِهِ من صَالِحِ ما يَأْخُذُ الناس فَقَدْ ذَهَبَ عنه الْيُتْمُ وَكَتَبْت تَسْأَلُنِي عن الْخُمُسِ وَإِنَّا كنا نَقُولُ هو لنا فَأَبَى ذلك عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَصَبْرِنَا عليه ) * سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عن الْمُسْلِمِينَ إذَا غَزَوْا أَهْلَ الْحَرْبِ هل يُكْرَهُ لهم أَنْ يَقْطَعُوا الشَّجَرَ الْمُثْمِرَ وَيُخَرِّبُوا مَنَازِلَهُمْ وَمَدَائِنَهُمْ وَيُغْرِقُوهَا وَيُحَرِّقُوهَا وَيُخَرِّبُوا ما قَدَرُوا عليه من ثِمَارِهِمْ وَشَجَرِهِمْ وَتُؤْخَذُ أَمْتِعَتُهُمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) كُلُّ ما كان مِمَّا يَمْلِكُوا لَا رُوحَ له فَإِتْلَافُهُ مُبَاحٌ بِكُلِّ وَجْهٍ وَكُلُّ ما زَعَمْت أَنَّهُ مُبَاحٌ فَحَلَالٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِعْلُهُ وَغَيْرُ مُحَرَّمٍ عليهم تَرْكُهُ وَأُحِبُّ إذَا غَزَا الْمُسْلِمُونَ بِلَادَ الْحَرْبِ وَكَانَتْ غُزَاتُهُمْ غَارَةً أو كان عَدُوُّهُمْ كَثِيرًا وَمُتَحَصِّنًا مُمْتَنِعًا لَا يُغْلَبُ عليهم أَنْ تَصِيرَ دَارُهُمْ دَارَ الْإِسْلَامِ وَلَا دَارَ عَهْدٍ يَجْرِي عليها الْحُكْمُ أَنْ يَقْطَعُوا وَيُحَرِّقُوا وَيُخَرِّبُوا ما قَدَرُوا عليه من ثِمَارِهِمْ وَشَجَرِهِمْ وَيُؤْخَذُ مَتَاعُهُمْ وما كان يُحْمَلُ من خَفِيفِ مَتَاعِهِمْ فَقَدَرُوا عليه اخْتَرْت أَنْ يَغْنَمُوهُ وما لم يَقْدِرُوا عليه حَرَّقُوهُ وَغَرَّقُوهُ وإذا كان الْأَغْلَبُ عليهم أنها سَتَصِيرُ دَارَ الْإِسْلَامِ أو دَارَ عَهْدٍ يَجْرِي عليهم الْحُكْمُ اخْتَرْت لهم الْكَفَّ عن أَمْوَالِهِمْ لِيَغْنَمُوهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَحْرُمُ عليهم تَحْرِيقُهَا وَلَا تَخْرِيبُهَا حتى يَصِيرُوا مُسْلِمِينَ أو ذِمَّةً أو يَصِيرَ منها في أَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِمَّا يُحْمَلُ فَيُنْقَلُ فَلَا يَحِلُّ تَحْرِيقُ ذلك لِأَنَّهُ صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ وَيُحَرِّقُوا ما سِوَاهُ مِمَّا لَا يُحْمَلُ وَإِنَّمَا زَعَمْت أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ تَحْرِيقُ شَجَرِهِمْ وَعَامِرِهِمْ وَإِنْ طَمِعَ بِهِمْ لِأَنَّهُ قد يَطْمَعُ بِالْقَوْمِ ثُمَّ يَكُونُ الْأَمْرُ على غَيْرِ ما عليه الطَّمَعُ وَإِنَّهَا حُرِّقَتْ ولم يُحْرِزْهَا الْمُسْلِمُونَ وَإِنَّمَا زَعَمْت أَنَّ لهم الْكَفَّ عن تَحْرِيقِهَا لِأَنَّ هَكَذَا أَصْلُ الْمُبَاحِ وقد حَرَّقَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم على قَوْمٍ ولم يُحَرِّقْ على آخَرِينَ وَإِنْ حَمَلَ الْمُسْلِمُونَ شيئا من أَمْوَالِهِمْ فلم يَقْتَسِمُوهُ حتى أَدْرَكَهُمْ عَدُوٌّ وَخَافُوا غَلَبَتَهُمْ عليه فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحَرِّقُوهُ بِأَنْ أَجْمَعُوا على ذلك وَكَذَلِكَ لو اقْتَسَمُوهُ لم أَرَ بَأْسًا على أَحَدٍ صَارَ في يَدِهِ أَنْ يُحَرِّقَهُ وَإِنْ كَانُوا يَرْجُونَ مَنْعَهُ لم أُحِبَّ أَنْ يُعَجِّلُوا
____________________

(4/257)


بِتَحْرِيقِهِ وَالْبَيْضُ ما لم يَكُنْ فيه فِرَاخٌ من غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ ( 1 ) بِمَعْنَى الْكُفَّارِ وما ذَبَحُوا من ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ حتى زَايَلَهُ الرُّوحُ بِمَنْزِلَةِ ما لَا رُوحَ له فَيُحْرَقُ كُلُّهُ إنْ أَدْرَكَهُمْ الْعَدُوُّ في بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ على ما وَصَفْت إنْ شاؤوا ذلك وَإِنْ شاؤوا تَرَكُوهُ فَأَمَّا ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ من الْخَيْلِ وَالْبَقَرِ وَالنَّحْلِ وَغَيْرِهَا فَلَا تُحْرَقُ وَلَا تُعْقَرُ وَلَا تُغْرَقُ إلَّا بِمَا يَحِلُّ بِهِ ذَبْحُهَا أو في مَوْضِعِ ضَرُورَةٍ ( 2 ) فَقُلْت كِتَابُ اللَّهِ عز وجل ثُمَّ سُنَّةُ نَبِيِّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى في بَنِي النَّضِيرِ حين حَارَبَهُمْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم هو الذي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أَهْلِ الْكِتَابِ قَرَأَ إلَى يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَوَصَفَ إخْرَابَهُمْ مَنَازِلَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَإِخْرَابَ الْمُؤْمِنِينَ بُيُوتَهُمْ وَوَصَفَهُ إيَّاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ كَالرِّضَا بِهِ وَأَمَرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بِقَطْعِ نَخْلٍ من أَلْوَانِ نَخْلِهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِضًا بِمَا صَنَعُوا من قَطْعِ نَخِيلِهِمْ ما قَطَعْتُمْ من لِينَةٍ أو تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ فَرَضِيَ الْقَطْعَ وَأَبَاحَ التَّرْكَ فَالْقَطْعُ وَالتَّرْكُ مَوْجُودَانِ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَتَرَكَ وَقَطَعَ نَخْلَ غَيْرِهِمْ وَتَرَكَ وَمِمَّنْ غَزَا من لم يَقْطَعْ نَخْلَهُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا أَنَسُ بن عِيَاضٍ عن مُوسَى بن عُقْبَةَ عن نَافِعٍ عن بن عُمَرَ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا إبْرَاهِيمُ بن سَعْدِ بن إبْرَاهِيمَ عن بن شِهَابٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَرَّقَ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ فقال قَائِلٌ % وَهَانَ على سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ * % حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ % فَإِنْ قال قَائِلٌ وَلَعَلَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم حَرَّقَ مَالَ بَنِي النَّضِيرِ ثُمَّ تَرَكَ قِيلَ على مَعْنَى ما أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل وقد قَطَعَ وَحَرَّقَ بِخَيْبَرَ وَهِيَ بَعْدَ النَّضِيرِ وَحَرَّقَ بِالطَّائِفِ وَهِيَ آخِرُ غُزَاةٍ قَاتَلَ بها وَأَمَرَ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ أَنْ يُحَرِّقَ على أَهْلِ أُبْنَى ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عن عبد اللَّهِ بن جَعْفَرٍ الْأَزْهَرِيِّ قال سَمِعْت بن شِهَابٍ يحدث عن عُرْوَةَ عن أُسَامَة بن زَيْدٍ قال أَمَرَنِي رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ أَغْزُوَ صَبَاحًا على أَهْلِ أُبْنَى وَأُحَرِّقَ - * الْخِلَافُ في التَّحْرِيقِ - * قُلْت لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهَلْ خَالَفَ ما قُلْت في هذا أَحَدٌ فقال نعم بَعْضُ إخْوَانِنَا من مُفْتِي الشَّامِيِّينَ فَقُلْت إلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبُوا قال إلَى أَنَّهُمْ رَوَوْا عن أبي بَكْرٍ أَنَّهُ نهى أَنْ يُخَرَّبَ عَامِرٌ وَأَنْ يُقْطَعَ شَجَرٌ مُثْمِرٌ فيها فِيمَا نهى عنه قُلْت فما الْحُجَّةِ عليه قال ما وَصَفْت من الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَقُلْت عَلَامَ تَعُدُّ نَهْيَ أبي بَكْرٍ عن ذلك فقال اللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ أَمَّا الظَّنُّ بِهِ فإنه سمع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم يَذْكُرُ فَتْحَ الشَّامِ فَكَانَ على يَقِينٍ منه فَأَمَرَ بِتَرْكِ تَخْرِيبِ الْعَامِرِ وَقَطْعِ الْمُثْمِرِ لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ لَا لِأَنَّهُ رَآهُ مُحَرَّمًا لِأَنَّهُ قد حَضَرَ مع النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم تَحْرِيقَهُ بِالنَّضِيرِ وَخَيْبَرَ وَالطَّائِفِ فَلَعَلَّهُمْ أَنْزَلُوهُ على غَيْرِ ما أَنْزَلَهُ عليه وَالْحُجَّةُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل في صَنِيعِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال وَكُلُّ شَيْءٍ في وَصِيَّةِ أبي بَكْرٍ سِوَى هذا فبه ( ( ( فيه ) ) ) نَأْخُذُ - * ذَوَاتُ الْأَرْوَاحِ - * قُلْت لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَفَرَأَيْت ما ظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ من ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ من أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ من الْخَيْلِ وَالنَّحْلِ وَغَيْرِهَا من الْمَاشِيَةِ فَقَدَرُوا على إتْلَافِهِ قبل أَنْ يَغْنَمُوهُ أو غَنِمُوهُ فَأَدْرَكَهُمْ الْعَدُوُّ فَخَافُوا أَنْ يَسْتَنْقِذُوهُ منهم
____________________

(4/258)


وَيَقْوَوْا بِهِ على الْمُسْلِمِينَ أَيَجُوزُ لهم إتْلَافُهُ بِذَبْحٍ أو عَقْرٍ أو تَحْرِيقٍ أو تَغْرِيقٍ في شَيْءٍ من الْأَحْوَالِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَحِلُّ عِنْدِي أَنْ يَقْصِدَ قَصْدَهُ بِشَيْءٍ يُتْلِفُهُ إذَا كان لَا رَاكِبَ عليه فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ وَلِمَ قُلْت وَإِنَّمَا هو مَالٌ من أَمْوَالِهِمْ لَا يُقْصَدُ قَصْدُهُ بِالتَّلَفِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) لِفِرَاقِهِ ما سِوَاهُ من الْمَالِ لِأَنَّهُ ذُو رُوحٍ يَأْلَمُ بِالْعَذَابِ وَلَا ذَنْبَ له وَلَيْسَ كما لَا رُوحَ له يَأْلَمُ بِالْعَذَابِ من أَمْوَالِهِمْ وقد نهى عن ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ أَنْ يُقْتَلَ ما قُدِرَ عليه منها إلَّا بِالذَّبْحِ لِتُؤْكَلَ وما امْتَنَعَ بِمَا نِيلَ من السِّلَاحِ لِتُؤْكَلَ وما كان منها عَدَاءً وَضَارًّا لِلضَّرُورَةِ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ اُذْكُرْ ما وَصَفْت فقال أخبرنا بن عُيَيْنَةَ عن عَمْرِو بن دِينَارٍ عن صُهَيْبٍ مولى عبد اللَّهِ بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ( من قَتَلَ عُصْفُورًا فما فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا سَأَلَهُ اللَّهُ عز وجل عن قَتْلِهَا ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فلما كان قَتْلُ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ من الْبَهَائِمِ مَحْظُورًا إلَّا بِمَا وَصَفْت كان عَقْرُ الْخَيْلِ وَالدَّوَابِّ التي لَا رُكْبَانَ عليها من الْمُشْرِكِينَ دَاخِلًا في مَعْنَى الْحَظْرِ خَارِجًا من مَعْنَى الْمُبَاحِ فلم يَجُزْ عِنْدِي أَنْ تَعْقِرَ ذَوَاتَ الْأَرْوَاحِ إلَّا على ما وَصَفْت فَإِنْ قال قَائِلٌ فَفِي ذلك غَيْظُ الْمُشْرِكِينَ وَقَطْعٌ لِبَعْضِ قُوَّتِهِمْ قِيلَ له إنَّمَا يُنَالُ من غَيْظِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا كان غير مَمْنُوعٍ من أَنْ يُنَالَ فَأَمَّا الْمَمْنُوعُ فَلَا يُغَاظُ أَحَدٌ بِأَنْ يَأْتِيَ الْغَائِظُ له ما نهى عن إتْيَانِهِ أَلَا تَرَى أَنَّا لو سَبَيْنَا نِسَاءَهُمْ وَوِلْدَانَهُمْ فَأَدْرَكُونَا فلم نَشُكَّ في اسْتِنْفَاذِهِمْ إيَّاهُمْ مِنَّا لم يَجُزْ لنا قَتْلُهُمْ وَقَتْلُهُمْ أَغْيَظُ لهم وَأَنْكَى من قَتْلِ دَوَابِّهِمْ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَقَدْ روى أَنَّ جَعْفَرَ بن أبي طَالِبٍ عَقَرَ عِنْدَ الْحَرْبِ فَلَا أَحْفَظُ ذلك من وَجْهٍ يَثْبُتُ على الِانْفِرَادِ وَلَا أَعْلَمُهُ مَشْهُورًا عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَفَرَأَيْت الْفَارِسَ من الْمُشْرِكِينَ أَلِلْمُسْلِمِ أَنْ يَعْقِرَهُ قال نعم إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ هذه مَنْزِلَةٌ يَجِدُ السَّبِيلُ بها إلَى قَتْلِ من أُمِرَ بِقَتْلِهِ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَاذْكُرْ ما يُشْبِهُ هذا قِيلَ يَكُونُ له أَنْ يَرْمِيَ الْمُشْرِكَ بِالنَّبْلِ وَالنَّارِ وَالْمَنْجَنِيقِ فإذا صَارَ أَسِيرًا في يَدَيْهِ لم يَكُنْ له أَنْ يَفْعَلَ ذلك بِهِ وكان له قَتْلُهُ بِالسَّيْفِ وَكَذَلِكَ له أَنْ يَرْمِيَ الصَّيْدَ فَيَقْتُلَهُ فإذا صَارَ في يَدَيْهِ لم يَقْتُلْهُ إلَّا بالذكاة ( ( ( بالذكاء ) ) ) التي هِيَ أَخَفُّ عليه وقد أُبِيحَ له دَمُ الْمُشْرِكِ بِالْمَنْجَنِيقِ وَإِنْ أَصَابَ ذلك بَعْضَ من مَعَهُمْ مِمَّنْ هو مَحْظُورُ الدَّمِ لِلْمَرْءِ في دَفْعِهِ عن نَفْسِهِ عَدُوَّهُ أَكْثَرَ من هذا فَإِنْ قال فَهَلْ في هذا خَبَرٌ قِيلَ نعم عَقَرَ حَنْظَلَةُ بن الرَّاهِبِ بِأَبِي سُفْيَانَ بن حَرْبٍ يوم أُحُدٍ فَرَسَهُ فانكسعت ( ( ( فانعكست ) ) ) بِهِ وَصُرِعَ عنها فَجَلَسَ حَنْظَلَةُ على صَدْرِهِ وَعَطَفَ بن شُعُوبٍ على حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ وَذَلِكَ بين يَدَيْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم فلم نَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْكَرَ ذلك عليه وَلَا نَهَاهُ وَلَا نهى غَيْرَهُ عن مِثْلِ هذا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ إذَا صَارَ إلَى أَنْ يُفَارِقَهُ فَارِسُهُ لم يَكُنْ له عَقْرُهُ في تِلْكَ الْحَالِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَكَذَلِكَ لو كانت عليه امْرَأَةٌ أو صَبِيٌّ لَا يُقَاتِلُ لم يَعْقِرْ إنَّمَا يَعْقِرُ لِمَعْنَى أَنْ يُوَصِّلَ إلَى فَارِسِهِ لِيُقْتَلَ أو لِيُؤْسَرَ قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ فَهَلْ سَمِعْت في هذا حَدِيثًا عَمَّنْ بَعْدَ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فقال إنَّمَا الْغَايَةُ أَنْ يُوجَدَ على شَيْءٍ دَلَالَةٌ من كِتَابٍ أو سُنَّةٍ وقد وَصَفْت لَك بَعْضَ ما حَضَرَنِي من ذلك فَلَا يَزِيدُهُ شَيْءٌ وَافَقَهُ قُوَّةً وَلَا يُوهِنُهُ شَيْءٌ خَالَفَهُ وقد بَلَغَنَا عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ أَنَّهُ أَوْصَى ابْنَهُ لَا يَعْقِرُ جَسَدًا وَعَنْ عُمَرَ بن عبد الْعَزِيزِ أَنَّهُ نهى عن عَقْرِ الدَّابَّةِ إذَا هِيَ قَامَتْ وَعَنْ قَبِيصَةَ أَنَّ فَرَسًا قام عليه بِأَرْضِ الرُّومِ فَتَرَكَهُ وَنَهَى عن عَقْرِهِ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَخْبَرَنَا من سمع هِشَامَ بن الْغَازِي يَرْوِي عن مَكْحُولٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عنه فَنَهَاهُ وقال إنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم نهى عن الْمُثْلَةِ قِيلَ لِلشَّافِعِيِّ أفرايت ما أَدْرَكَ مَعَهُمْ من أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ من ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ قال لَا تَعْقِرُوا منه شيئا إلَّا أَنْ تَذْبَحُوهُ لِتَأْكُلُوا كما وَصَفْت بِدَلَالَةِ السُّنَّةِ وَأَمَّا ما فَارَقَ ذَوَاتَ الْأَرْوَاحِ فَيَصْنَعُونَ فِيمَا خَافُوا أَنْ يُسْتَنْقَذَ من أَيْدِيهِمْ فيه ما شاؤوا من تَحْرِيقٍ وَكَسْرٍ وَتَغْرِيقٍ وَغَيْرِهِ قُلْت أو يَدَعُونَ أَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ فقال نعم إذَا لم يَقْدِرُوا على اسْتِنْقَاذِهِمْ منهم فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت إنْ كان السَّبْيُ وَالْمَتَاعُ قُسِّمَ قال كُلُّ رَجُلٍ صَارَ له من ذلك شَيْءٌ فَهُوَ مُسَلَّطٌ على مَالِهِ وَيَدَعُ ذَوَاتَ الْأَرْوَاحِ إنْ لم يَقْوَ على سَوْقِهَا وَعَلَى مَنْعِهَا وَيَصْنَعُ
____________________

(4/259)


في غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ ما شَاءَ فَقُلْت لِلشَّافِعِيِّ أَفَرَأَيْت الْإِمَامَ إذَا أَحْرَزَ ما يُحْمَلُ من الْمَتَاعِ فَحَرَّقَهُ في بِلَادِ الشِّرْكِ وهو يُقَاتِلُ أو حَرَّقَهُ عِنْدَ إدْرَاكِ الْمُشْرِكِينَ له وَخَوَّفَهُ أَنْ يَسْتَنْقِذُوهُ قبل أَنْ يُقْسَمَ وبعد ما قُسِمَ فقال كُلُّ ذلك في الْحُكْمِ سَوَاءٌ إنْ أَحْرَقَهُ بِإِذْنِ من معه حَلَّ له ولم يَضْمَنْ لهم سِوَاهُ وَيُعْزَلُ الْخُمُسُ لِأَهْلِهِ فَإِنْ سَلَّمَ بِهِ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ خَاصَّةً وَإِنْ لم يُسَلِّمْ بِهِ لم يَكُنْ عليه شَيْءٌ وَمَتَى حَرَّقَهُ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ضَمِنَهُ لهم إنْ شاؤوا وَكَذَلِكَ رَجُلٌ من الْمُسْلِمِينَ إنْ حَرَّقَهُ يَضْمَنُ ما حَرَّقَ منه إنْ حَرَّقَهُ بَعْدَ أَنْ يَحُوزَهُ الْمُسْلِمُونَ فَأَمَّا إذَا أَحْرَقَهُ قبل أَنْ يُحْرِزَ فَلَا ضَمَانَ عليه - * السَّبْيُ يُقْتَلُ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا أُسِرَ الْمُشْرِكُونَ فَصَارُوا في يَدِ الْإِمَامِ فَفِيهِمْ حُكْمَانِ أَمَّا الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ فَلِلْإِمَامِ إنْ شَاءَ أَنْ يَقْتُلَهُمْ أو بَعْضَهُمْ أو يَمُنَّ عليهم أو على بَعْضِهِمْ وَلَا ضَمَانَ عليه فِيمَا صَنَعَ من ذلك أَسَرَتْهُمْ الْعَامَّةُ أو أَحَدٌ أو نَزَلُوا على حُكْمِهِمْ أو وَالٍ هو أَسَرَهُمْ ( قال الشَّافِعِيُّ ) وَلَا يَنْبَغِي له أَنْ يَقْتُلَهُمْ إلَّا على النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ من تَقْوِيَةِ دِينِ اللَّهِ عز وجل وَتَوْهِينِ عَدُوِّهِ وَغَيْظِهِمْ وَقَتْلِهِمْ بِكُلِّ حَالٍ مُبَاحٍ وَلَا يَنْبَغِي له ان يَمُنَّ عليهم إلَّا بِأَنْ يَكُونَ يَرَى له سَبَبًا مِمَّنْ مَنَّ عليه يَرْجُو إسْلَامَهُ أو كَفَّهُ الْمُشْرِكِينَ أو تَخْذِيلَهُمْ عن الْمُسْلِمِينَ أو تَرْهِيبَهُمْ بِأَيِّ وَجْهٍ ما كان وَإِنْ فَعَلَ على غَيْرِ هذا الْمَعْنَى كُرِهْتُ له وَلَا يَضْمَنُ شيئا وَكَذَلِكَ له أَنْ يفادى بِهِمْ الْمُسْلِمِينَ إذَا كان له الْمَنُّ بِلَا مُفَادَاةٍ فَالْمُفَادَاةُ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ له ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ أُرِقَّ منهم أو أُخِذَ منه فِدْيَةٌ فَهُوَ كَالْمَالِ الذي غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ وَيُخَمَّسُ ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَدُونَ الْبَالِغِينَ من الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذَا أُسِرُوا بِأَيِّ وَجْهٍ ما كان الْإِسَارُ فَهُمْ كَالْمَتَاعِ الْمَغْنُومِ ليس له تَرْكُ أَحَدٍ منهم وَلَا قَتْلُهُ فَإِنْ فَعَلَ كان ضَامِنًا لِقِيمَتِهِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ من الْجُنْدِ إنْ فَعَلَ كان ضَامِنًا لِقِيمَةِ ما اسْتَهْلَكَ منهم وَأَتْلَفَ - * سِيَرُ الْوَاقِدِيِّ - * ( أخبرنا الرَّبِيعُ ) قال أخبرنا الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قال أَصْلُ فَرْضِ الْجِهَادِ وَالْحُدُودِ على الْبَالِغِينَ من الرِّجَالِ وَالْفَرَائِضِ على البوالغ من النِّسَاءِ من الْمُسْلِمِينَ في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ من مَوْضِعَيْنِ فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وإذا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ من قَبْلِهِمْ } فَأَخْبَرَ أَنَّ عليهم إذَا بَلَغُوا الِاسْتِئْذَانَ فَرْضًا كما كان على من قَبْلَهُمْ من الْبَالِغِينَ وَقَوْلُهُ عز وجل { وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حتى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ منهم رُشْدًا } وكان بُلُوغُ النِّكَاحِ اسْتِكْمَالَ خَمْسَ عَشَرَةَ وَأَقَلَّ فَمَنْ بَلَغَ النِّكَاحَ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشَرَةَ أو قَبْلَهَا ثَبَتَ عليه الْفَرْضُ كُلُّهُ وَالْحُدُودُ وَمَنْ أَبْطَأَ عنه بُلُوغُ النِّكَاحِ فَالسِّنُّ التي يَلْزَمُهُ بها الْفَرَائِضُ من الْحُدُودِ وغيرها ( ( ( وغيرهما ) ) ) اسْتِكْمَالُ خَمْسَ عَشَرَةَ وَالْأَصْلُ فيه من السُّنَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم رَدَّ عَبْدَ اللَّهِ بن عُمَرَ عن الْجِهَادِ وهو بن أَرْبَعَ عَشَرَةَ سَنَةً وَأَجَازَهُ وهو بن خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً وَعَبْدُ اللَّهِ وابو عبد اللَّهِ طَالِبَانِ لَأَنْ يَكُونَ عبد اللَّهِ مُجَاهِدًا في الْحَالَيْنِ فَأَجَازَهُ إذَا بَلَغَ أَنْ تَجِبَ عليه الْفَرَائِضُ وَرَدَّهُ إذَا لم يَبْلُغْهَا وَفَعَلَ ذلك مع بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا منهم زَيْدُ بن ثَابِتٍ وَرَافِعُ بن خَدِيجٍ وَغَيْرُهُمْ فَمَنْ لم يَسْتَكْمِلْ خَمْسَ عَشَرَةَ ولم يَحْتَلِمْ قَبْلَهَا فَلَا جِهَادَ وَلَا حَدَّ عليه في شَيْءٍ من الْحُدُودِ وَسَوَاءٌ كان جَسِيمًا شَدِيدًا مُقَارِبًا لَخَمْسَ عَشَرَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِكْمَالِهَا إلَّا يَوْمًا أو ضَعِيفًا ( 1 ) مُودِيًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْتِكْمَالِهَا سَنَةٌ أو سَنَتَانِ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ على الْخَلْقِ
____________________

(4/260)


إلَّا كتاب ( ( ( بكتاب ) ) ) أو سُنَّةٍ فَأَمَّا إدْخَالُ الْغَفْلَةِ مَعَهُمَا فَالْغَفْلَةُ مَرْدُودَةٌ إذَا لم تَكُنْ خِلَافَهُمَا فَكَيْفَ إذَا كانت بِخِلَافِهِمَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَدُّ الْبُلُوغِ في أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ يُقْتَلُ بَالِغُهُمْ وَيُتْرَكُ غَيْرُ بَالِغِهِمْ أَنْ يُنْبِتُوا الشَّعْرَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ في الْحَالِ التي يُقْتَلُونَ فيها مُدَافِعُونَ لِلْبُلُوغِ لِئَلَّا يُقْتَلُوا وَغَيْرُ مَشْهُودٍ عليهم فَلَوْ شَهِدَ عليهم أَهْلُ الشِّرْكِ لم يَكُونُوا مِمَّنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَأَهْلُ الْإِسْلَامِ يَشْهَدُونَ بِالْبُلُوغِ على من بَلَغَ فَيُصَدَّقُونَ بِالْبُلُوغِ فَإِنْ قال قَائِلٌ فَهَلْ من خَبَرٍ سِوَى الْفَرْقِ بين الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ في حَدِّ الْبُلُوغِ قِيلَ نعم كَشَفَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بَنِي قُرَيْظَةَ حين قَتَلَ مُقَاتِلَتِهِمْ وَسَبَى ذَرَارِيِّهِمْ فَكَانَ من سُنَّتِهِ أَنْ لَا يُقْتَلَ إلَّا رَجُلٌ بَالِغٌ فَمَنْ كان أَنْبَتَ قَتَلَهُ وَمَنْ لم يَكُنْ أَنْبَتَ سَبَاهُ فإذا غَزَا الْبَالِغُ فَحَضَرَ الْقِتَالَ فَسَهْمُهُ ثَابِتٌ وإذا حَضَرَ من دُونَ الْبُلُوغِ فَلَا سَهْمَ له فَيُرْضَخُ له وَلِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ يَحْضُرُونَ الْغَنِيمَةَ وَلَا يُسْهَمُ لهم وَيُرْضَخُ أَيْضًا لِلْمُشْرِكِ يُقَاتِلُ مَعَهُمْ وَلَا يُسْهَمُ له - * الِاسْتِعَانَةُ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ على قِتَالِ الْعَدُوِّ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الذي رَوَى مَالِكٌ كما رَوَى رَدَّ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم مُشْرِكًا أو مُشْرِكِينَ في غُزَاةِ بَدْرٍ وَأَبَى أَنْ يَسْتَعِينَ إلَّا بِمُسْلِمٍ ثُمَّ أستعان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم بَعْدَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ في غُزَاةِ خَيْبَرَ بِعَدَدٍ من يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعِ كَانُوا أَشِدَّاءَ وَاسْتَعَانَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في غُزَاةِ حُنَيْنٍ سَنَةَ ثَمَانٍ بِصَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ وهو مُشْرِكٌ فَالرَّدُّ الْأَوَّلُ إنْ كان لِأَنَّ له الْخِيَارُ أَنْ يَسْتَعِينَ ( 1 ) بِمُسْلِمٍ أو يَرُدَّهُ كما يَكُونُ له رَدُّ الْمُسْلِمِ من مَعْنَى يَخَافُهُ منه أو لِشِدَّةٍ بِهِ فَلَيْسَ وَاحِدٌ من الْحَدِيثَيْنِ مُخَالِفًا لِلْآخَرِ وَإِنْ كان رَدَّهُ لِأَنَّهُ لم يَرَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ فَقَدْ نَسَخَهُ ما بَعْدَهُ من اسْتِعَانَتِهِ بِمُشْرِكِينَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَعَانَ بِالْمُشْرِكِينَ على قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ إذَا خَرَجُوا طَوْعًا وَيُرْضَخُ لهم وَلَا يُسْهَمُ لهم ولم يَثْبُتْ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنَّهُ أَسْهَمَ لهم وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ الْعَبِيدَ من الْمُسْلِمِينَ بِلَا سَهْمٍ وَغَيْرِ الْبَالِغِينَ وَإِنْ قَاتَلُوا وَالنِّسَاءِ وَإِنْ قَاتَلْنَ لِتَقْصِيرِ هَؤُلَاءِ عن الرَّجُلِيَّةُ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ وَيُسْهَمُ لِلْمُشْرِكِ وَفِيهِ التَّقْصِيرُ الْأَكْثَرُ من التَّقْصِيرِ عن الْإِسْلَامِ وَهَذَا قَوْلُ من حَفِظْت عنه وَإِنْ أُكْرِهَ أَهْلُ الذِّمَّةِ على أَنْ يَغْزُوا فَلَهُمْ أَجْرُ مِثْلِهِمْ في مِثْلِ مَخْرَجِهِمْ من أَهْلِهِمْ إلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَإِرْسَالُهُمْ إيَّاهُمْ وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا غَزَا بِهِمْ لو اُسْتُؤْجِرُوا - * الرَّجُلُ يُسْلِمُ في دَارِ الْحَرْبِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إذَا أَسْلَمَ الرَّجُلُ من أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ كان مُشْرِكًا أو مُسْتَأْمَنًا فِيهِمْ أو أَسِيرًا في أَيْدِيهِمْ سَوَاءٌ ذلك كُلُّهُ فإذا خَرَجَ إلَى الْمُسْلِمِينَ بعد ما غَنِمُوا فَلَا يُسْهَمُ له وَهَكَذَا من جَاءَهُمْ من الْمُسْلِمِينَ مَدَدًا وَإِنْ بَقِيَ من الْحَرْبِ شَيْءٌ شَهِدَهَا هذا الْمُسْلِمُ الْخَارِجُ أو الجيش شَرِكُوهُمْ في الْغَنِيمَةِ لِأَنَّهَا لم تُحْرَزْ إلَّا بَعْدَ تقضى الْحَرْبِ وقال عُمَرُ بن الْخَطَّابِ رضي اللَّهُ تَعَالَى عنه ( الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ ) فَإِنْ حَضَرَ وَاحِدٌ من هَؤُلَاءِ فَارِسًا أُسْهِمَ له سَهْمُ فَارِسٍ وَإِنْ حَضَرَ رَاجِلًا أُسْهِمَ له سَهْمُ رَاجِلٍ فَإِنْ قَاتَلَ التُّجَّارُ مع الْمُسْلِمِينَ أُسْهِمَ لهم سهم فَرَسَانِ إنْ كَانُوا فُرْسَانًا وَسَهْمُ رجالة إنْ كَانُوا رَجَّالَةً - * في السَّرِيَّةِ تَأْخُذُ الْعَلَفَ وَالطَّعَامَ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ من الْجَيْشِ أَنْ يَأْخُذَ شيئا دُونَ الْجَيْشِ مِمَّا يَتَمَوَّلُهُ الْعَدُوُّ إلَّا الطَّعَامَ خَاصَّةً وَالطَّعَامُ كُلُّهُ سَوَاءٌ وفي مَعْنَاهُ الشَّرَابُ كُلُّهُ فَمَنْ قَدَرَ منهم على شَيْءٍ له أَنْ يَأْكُلَهُ أو يُشْرِبَهُ وَيَعْلِفَهُ وَيُطْعِمَهُ
____________________

(4/261)


غَيْرَهُ وَيَسْقِيَهُ وَيَعْلِفَ له وَلَيْسَ له أَنْ يَبِيعَهُ وإذا بَاعَهُ رَدَّ ثَمَنَهُ في الْمَغْنَمِ وَيَأْكُلُهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ وما كان حَلَالًا من مَأْكُولٍ أو مَشْرُوبٍ فَلَا مَعْنَى لِلْإِمَامِ فيه وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - * في الرَّجُلِ يُقْرِضُ الرَّجُلَ الطَّعَامَ أو الْعَلَفَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا أَقْرَضَ الرَّجُلُ رَجُلًا طَعَامًا أو عَلَفًا في بِلَادِ الْعَدُوِّ رَدَّهُ فَإِنْ خَرَجَ من بِلَادِ الْعَدُوِّ لم يَكُنْ له رَدُّهُ عليه لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ له في بِلَادِ الْعَدُوِّ في أَكْلِهِ وَغَيْرُ مَأْذُونٍ له إنْ فَارَقَ بِلَادَ الْعَدُوِّ في أَكْلِهِ وَيَرُدُّهُ الْمُسْتَقْرِضُ على الْإِمَامِ - * الرَّجُلُ يُخْرِجُ الشَّيْءَ من الطَّعَامِ أو الْعَلَفِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ فَضَلَ في يَدَيْهِ شَيْءٌ من الطَّعَامِ قَلَّ أو كَثُرَ فَخَرَجَ بِهِ من دَارِ الْعَدُوِّ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ لم يَكُنْ له أَنْ يَبِيعَهُ وَلَا يَأْكُلَهُ وكان عليه أَنْ يَرُدَّهُ إلَى الْإِمَامِ فَيَكُونُ في الْمَغْنَمِ فان لم يَفْعَلْ حتى يَتَفَرَّقَ الْجَيْشُ فَلَا يُخْرِجُهُ منه إن يَتَصَدَّقَ بِهِ وَلَا بأضعافه كما لَا يُخْرِجُهُ من حَقٍّ وَاحِدٍ وَلَا جَمَاعَةَ إلَّا تَأْدِيَتَهُ إلَيْهِمْ فَإِنْ قال لَا أَجِدُهُمْ فَهُوَ يَجِدُ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ الذي عليه تَفْرِيقُهُ فِيهِمْ وَلَا أَعْرِفُ لِقَوْلِ من قال يَتَصَدَّقُ بِهِ وَجْهًا فَإِنْ كان ليس له مالا فَلَيْسَ له الصَّدَقَةُ بِمَالِ غَيْرِهِ فَإِنْ قال لَا أَعْرِفُهُمْ قِيلَ وَلَكِنْ تَعْرِفُ الْوَالِي الذي يَقُومُ بِهِ عليهم وَلَوْ لم تَعْرِفْهُمْ وَلَا وَالِيهِمْ ما أَخْرَجَك فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَ اللَّهِ إلَّا أَدَاءُ قَلِيلِ ما لهم وَكَثِيرُهُ عليهم - * الْحُجَّةُ في الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ في دَارِ الْحَرْبِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنْ قال قَائِلٌ كَيْفَ أَجَزْت لِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَأْكُلَ وَيَشْرَبَ وَيَعْلِفَ مِمَّا أَصَابَ في دَارِ الْحَرْبِ ولم تَجُزْ له أَنْ يَأْكُلَ بَعْدَ فِرَاقِهِ إيَّاهَا قِيلَ إنَّ الْغُلُولَ حَرَامٌ وما كان في بِلَادِ الْحَرْبِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ منه شيئا دُونَ أَحَدٍ حَضَرَهُ فَهُمْ فيه شَرْعٌ سَوَاءٌ على ما قُسِمَ لهم فَلَوْ أَخَذَ إبْرَةً أو خَيْطًا كان مُحَرَّمًا وقد قال رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أَدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ فإن الْغُلُولَ عَارٌ وَشَنَارٌ وَنَارٌ يوم الْقِيَامَةِ ) فَكَانَ الطَّعَامُ دَاخِلًا في مَعْنَى أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ وَأَكْثَرُ من الْخَيْطِ وَالْمِخْيَطِ وَالْفَلْسِ وَالْخَرَزَةِ التي لَا يَحِلُّ أَخْذُهَا لِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ فلما أَذِنَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في الطَّعَامِ في بِلَادِ الْحَرْبِ كان الْإِذْنُ فيه خَاصًّا خَارِجًا من الْجُمْلَةِ ( 1 ) التي اسْتَثْنَى فلم يَجُزْ أَنْ نُجِيزَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْكُلَ إلَّا حَيْثُ أَمَرَهُ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم بِالْأَكْلِ وهو بِبِلَادِ الْحَرْبِ خَاصَّةً فإذا زَايَلَهَا لم يَكُنْ بِأَحَقَّ بِمَا أَخَذَ من الطَّعَامِ من غَيْرِهِ كما لَا يَكُونُ بِأَحَقَّ بِمِخْيَطٍ لو أَخَذَهُ من غَيْرِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ ما أَحَلَّ من مُحَرَّمٍ في مَعْنَى لَا يَحِلُّ إلَّا في ذلك الْمَعْنَى خَاصَّةً فإذا زَايَلَ ذلك الْمَعْنَى عَادَ إلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ مَثَلًا الْمَيْتَةُ الْمُحَرَّمَةُ في الْأَصْلِ الْمُحَلَّةِ لِلْمُضْطَرِّ فإذا زَايَلَتْ الضَّرُورَةَ عَادَتْ إلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ مع أَنَّهُ يُرْوَى من حديث بَعْضِ الناس مِثْلُ ما قُلْت من أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم أَذِنَ لهم أَنْ يَأْكُلُوا في بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا يَخْرُجُوا بِشَيْءٍ من الطَّعَامِ فَإِنْ كان مِثْلُ هذا ثَبَتَ عن النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم فَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ معه وَإِنْ كان لَا يَثْبُتُ لِأَنَّ في رِجَالِهِ من يَجْهَلُ وَكَذَلِكَ في رِجَالِ من روى عنه إحْلَالُهُ من يُجْهَلُ
____________________

(4/262)


- * بَيْعُ الطَّعَامِ في دَارِ الْحَرْبِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا تَبَايَعَ رَجُلَانِ طَعَامًا بِطَعَامٍ في بِلَادِ الْعَدُوِّ فَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ مُبَاحًا بِمُبَاحٍ فَأَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ما صَارَ إلَيْهِ ما لم يَخْرُجْ فإذا خَرَجَ رَدَّ الْفَضْلَ فإذا جَازَ له أَنْ يَأْخُذَ طَعَامًا فَيُطْعِمَهُ غَيْرَهُ لِأَنَّهُ قد كان يَحِلُّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَأْخُذَ كما أَخَذَ فَيَأْكُلَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَايِعَهُ بِهِ - * الرَّجُلُ يَكُونُ معه الطَّعَامُ في دَارِ الْحَرْبِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا فَضَلَ في يَدَيْ رَجُلٍ طَعَامٌ بِبِلَادِ الْعَدُوِّ بَعْدَ تقضى الْحَرْبِ وَدَخَلَ رَجُلٌ لم يُشْرِكْهُمْ في الْغَنِيمَةِ فَبَايَعَهُ لم يَجُزْ له بَيْعُهُ لِأَنَّهُ أَعْطَى من ليس له أَكْلُهُ وَالْبَيْعُ مَرْدُودٌ فَإِنْ فَاتَ رَدَّ قِيمَتَهُ إلَى الْإِمَامِ ولم يَكُنْ له حَبْسُهَا وَلَا إخْرَاجُهَا من يَدَيْهِ إلَى من ليس له أَكْلُهَا وكان كَإِخْرَاجِهِ إيَّاهَا من بِلَادِ الْعَدُوِّ إلَى الْمَوْضِعِ الذي ليس له أَكْلُهَا فيه - * ذَبْحُ الْبَهَائِمِ من أَجْلِ جُلُودِهَا - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأَحَبُّ إلَيَّ إذَا كَانُوا غير مُتَفَاوِتِينَ وَلَا خَائِفِينَ من أَنْ يُدْرَكُوا في بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا مُضْطَرِّينَ أَنْ لَا يَذْبَحُوا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا بَقَرَةً إلَّا لِمَأْكَلِهِ وَلَا يَذْبَحُوا لِنَعْلٍ وَلَا شِرَاكٍ وَلَا سِقَاءٍ يَتَّخِذُونَهَا من جُلُودِهَا وَلَوْ فَعَلُوا كان مِمَّا أَكْرَهُ ولم أُجِزْ لهم اتِّخَاذَ شَيْءٍ من جُلُودِهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجُلُودُ الْبَهَائِمِ التي يَمْلِكُهَا الْعَدُوُّ كَالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَذِنَ لهم في الْأَكْلِ من لُحُومِهَا ولم يُؤْذَنْ لهم في ادِّخَارِ جُلُودِهَا وَأَسْقِيَتِهَا وَعَلَيْهِمْ رَدُّهُ إلَى الْمَغْنَمِ وإذا كانت الرُّخْصَةُ في الطَّعَامِ خَاصَّةً فَلَا رُخْصَةَ في جِلْدِ شَيْءٍ من الْمَاشِيَةِ وَلَا ظَرْفَ فيه طَعَامٌ لِأَنَّ الظَّرْفَ غَيْرُ الطَّعَامِ وَالْجِلْدَ غَيْرُ اللَّحْمِ فَيُرَدُّ الظَّرْفُ وَالْجِلْدُ وَالْوِكَاءُ فَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَإِنْ انْتَفَعَ بِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ حتى يَرُدَّهُ وما نَقَصَهُ الِانْتِفَاعُ وَأَجْرُ مِثْلِهِ إنْ كان لِمِثْلِهِ أَجْرٌ - * كُتُبُ الْأَعَاجِمِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وما وُجِدَ من كُتُبِهِمْ فَهُوَ مَغْنَمٌ كُلُّهُ وَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْعُوَ من يُتَرْجِمُهُ فَإِنْ كان عِلْمًا من طِبٍّ أو غَيْرِهِ لا مَكْرُوهَ فيه بَاعَهُ كما يَبِيعُ ما سِوَاهُ من الْمَغَانِمِ وَإِنْ كان كِتَابَ شِرْكٍ شَقُّوا الْكِتَابَ وَانْتَفَعُوا بِأَوْعِيَتِهِ وَأَدَاتِهِ فَبَاعَهَا وَلَا وَجْهَ لِتَحْرِيقِهِ وَلَا دَفْنِهِ قبل أَنْ يَعْلَمَ ما هو - * تَوْقِيحُ الدَّوَابِّ من دُهْنِ الْعَدُوِّ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَلَا يُوَقِّحُ الرَّجُلُ دَابَّتَهُ وَلَا يُدْهِنُ أَشَاعِرَهَا من أَدْهَانِ الْعَدُوِّ لِأَنَّ هذا غَيْرُ مَأْذُونٍ له بِهِ من الْأَكْلِ وَإِنْ فَعَلَ رَدَّ قِيمَتَهُ - * زُقَاقُ الْخَمْرِ وَالْخَوَابِي - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ على بِلَادِ الْحَرْبِ حتى تَصِيرَ دَارَ الْإِسْلَامِ أو ذِمَّةٍ يَجْرِي عليها الْحُكْمُ فَأَصَابُوا فيها خَمْرًا في خَوَابٍ أو زُقَاقٍ أهراقوا الْخَمْرَ وَانْتَفَعُوا بِالزُّقَاقِ وَالْخَوَابِي وَطَهَّرُوهَا ولم يَكْسِرُوهَا لِأَنَّ كَسْرَهَا فَسَادٌ وإذا لم يَظْهَرُوا عليها وكان ظَفَرُهُمْ بها ظَفَرَ غَارَةٍ لَا ظَفَرَ أَنْ يَجْرِيَ بها حُكْمٌ أهراقوا الْخَمْرَ من الزُّقَاقِ
____________________

(4/263)


وَالْخَوَابِي فَإِنْ اسْتَطَاعُوا حَمْلَهَا أو حَمْلَ ما خَفَّ منها حَمَلُوهُ مَغْنَمًا وَإِنْ لم يَسْتَطِيعُوا أَحْرَقُوهُ وَكَسَرُوهُ إذَا سَارُوا وإذا ظَفِرُوا بِالْكُشُوثِ في الْحَالَيْنِ انْتَفَعُوا بِهِ وَكَذَلِكَ كُلُّ ما ظَهَرُوا عليه غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَلَيْسَ الْكَشُوثُ وَإِنْ كان غير مُحَرَّمٍ وَإِنْ كان يُطْرَحُ في السُّكَّرِ إذَا كان حَلَالًا بِأَوْلَى أَنْ يُحَرَّمَ من الزَّبِيبِ وَالْعَسَلِ اللَّذَيْنِ يُعْمَلُ مِنْهُمَا الْمُحَرَّمُ وَلَا يُحَرَّقُ هذا وَلَا هذا لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُحَرَّمَيْنِ - * إحْلَالُ ما يَمْلِكُهُ الْعَدُوُّ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا دخل الْقَوْمُ بِلَادَ الْعَدُوِّ فَأَصَابُوا منها شيئا سِوَى الطَّعَامِ فَأَصْلُ ما يُصِيبُونَهُ سِوَى الطَّعَامِ شَيْئَانِ أَحَدُهُمَا مَحْظُورٌ أَخْذُهُ غُلُولٌ وَالْآخَرُ مُبَاحٌ لِمَنْ أَخَذَهُ فَأَصْلُ مَعْرِفَةِ الْمُبَاحِ منه أَنْ يُنْظَرَ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ فما كان فيها مُبَاحًا من شَجَرٍ ليس يَمْلِكُهُ الْآدَمِيُّ أو صَيْدٌ من بَرٍّ أو بَحْرٍ فَأَخَذَ مثله في بِلَادِ الْعَدُوِّ فَهُوَ مُبَاحٌ لِمَنْ أَخَذَهُ يَدْخُلُ في ذلك الْقَوْسُ يَقْطَعُهَا الرَّجُلُ من الصَّحْرَاءِ أو الْجَبَلُ وَالْقَدَحُ يَنْحِتُهُ وما شَاءَ من الْخَشَبِ وما شَاءَ من الْحِجَارَةِ الْبِرَامِ وَغَيْرِهَا إذَا كانت غير مَمْلُوكَةٍ مُحْرَزَةٍ فَكُلُّ ما أُصِيبَ من هذه فَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ لِأَنَّ أَصْلَهُ مُبَاحٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَكُلُّ ما مَلَكَهُ الْقَوْمُ فَأَحْرَزُوهُ في مَنَازِلِهِمْ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِثْلُ حَجَرٍ نَقَلُوهُ إلَى مَنَازِلِهِمْ أو عُودٍ أو غَيْرِهِ أو صَيْدٍ فَأَخْذُ هذا غُلُولٌ - * الْبَازِي الْمُعَلَّمُ وَالصَّيْدُ الْمُقَرَّطُ وَالْمُقَلَّدُ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وإذا أَخَذَ الرَّجُلُ بَازِيًا مُعَلَّمًا فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا مَمْلُوكًا وَيَرُدُّهُ في المغنم ( ( ( الغنم ) ) ) وَهَكَذَا إنْ أَخَذَ صَيْدًا مُقَلَّدًا أو مُقَرَّطًا أو مَوْسُومًا فَكُلُّ هذا قد عُلِمَ أَنَّهُ قد كان له مَالِكٌ وَهَكَذَا إنْ وَجَدَ في الصَّحْرَاءِ وَتَدًا مَنْحُوتًا أو قَدَحًا مَنْحُوتًا كان النَّحْتُ دَلِيلًا على أَنَّهُ مَمْلُوكٌ فَيُعَرَّفُ فَإِنْ عَرَفَهُ الْمُسْلِمُونَ فَهُوَ لهم وَإِنْ لم يَعْرِفُوهُ فَهُوَ مَغْنَمٌ لِأَنَّهُ في بِلَادِ الْعَدُوِّ - * في الْهِرِّ وَالصَّقْرِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وما وَجَدْنَا من أَمْوَالِ الْعَدُوِّ من كل شَيْءٍ له ثَمَنٌ من هِرٍّ أو صَقْرٍ فَهُوَ مَغْنَمٌ وما أُصِيبَ من الْكِلَابِ فَهُوَ مَغْنَمٌ إنْ أَرَادَهُ أَحَدٌ لِصَيْدٍ أو مَاشِيَةٍ أو زَرْعٍ وَإِنْ لم يَكُنْ في الْجَيْشِ أَحَدٌ يُرِيدُهُ لِذَلِكَ لم يَكُنْ لهم حَبْسُهُ لِأَنَّ من اقْتَنَاهُ لِغَيْرِ هذا كان آثِمًا وَرَأَيْت لِصَاحِبِ الْجَيْشِ أَنْ يُخْرِجَهُ فَيُعْطِيَهُ أَهْلَ الْأَخْمَاسِ من الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمْ إنْ أَرَادَهُ أَحَدٌ منهم لِزَرْعٍ أو مَاشِيَةٍ أو صَيْدٍ فَإِنْ لم يَرُدَّهُ قَتَلَهُ أو خَلَّاهُ وَلَا يَكُونُ له بَيْعُهُ وما أَصَابَ من الْخَنَازِيرِ فَإِنْ كانت تَعْدُو إذَا كَبِرَتْ أمرته ( ( ( يقتلها ) ) ) بقتلها كُلَّهَا وَلَا تَدْخُلُ مَغْنَمًا بِحَالٍ وَلَا تُتْرَكُ وَهُنَّ عَوَادٍ إذَا قَدَرَ على قَتْلِهَا فَإِنْ عَجَّلَ بِهِ مَسِيرٌ خَلَّاهَا ولم يَكُنْ تَرْكُ قَتْلِهَا بِأَكْثَرَ من تَرْكِ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ لو كَانُوا بِإِزَائِهِ - * في الْأَدْوِيَةِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الطَّعَامُ مُبَاحٌ أَنْ يُؤْكَلَ في بِلَادِ الْعَدُوِّ وَكَذَلِكَ الشَّرَابُ وَإِنَّمَا ذَهَبْنَا إلَى ما يَكُونُ مَأْكُولًا مُغْنِيًا من جُوعٍ وَعَطَشٍ وَيَكُونُ قُوتًا في بَعْضِ أَحْوَالِهِ فَأَمَّا الْأَدْوِيَةُ كُلُّهَا فَلَيْسَتْ من حِسَابِ الطَّعَامِ الْمَأْذُونِ وَكَذَلِكَ الزَّنْجَبِيلُ وهو مربب ( ( ( مريب ) ) ) وَغَيْرُ مربب ( ( ( مريب ) ) ) إنَّمَا هو من حِسَابِ الْأَدْوِيَةِ وَأَمَّا الْأَلَايَا فَطَعَامٌ يُؤْكَلُ فما كان من حِسَابِ الطَّعَامِ فَلِصَاحِبِهِ أَكْلُهُ لَا يُخْرِجُهُ من بِلَادِ الْعَدُوِّ وما كان من حِسَابِ الدَّوَاءِ فَلَيْسَ له أَخْذُهُ في بِلَادِ الْعَدُوِّ وَلَا غَيْرِهَا
____________________

(4/264)


- * الحربي يسلم وعنده أكثر من أربع نسوة - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) وإذا أَسْلَمَ الرَّجُلُ الْحَرْبِيُّ وَثَنِيًّا كان أو كِتَابِيًّا وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ نَكَحَهُنَّ في عَقْدَةٍ أو عِقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ أو دخل بِهِنَّ كُلِّهِنَّ أو دخل بِبَعْضِهِنَّ دُونَ بَعْضٍ أو فِيهِنَّ أُخْتَانِ أو كُلُّهُنَّ غَيْرُ أُخْتٍ لِلْأُخْرَى قِيلَ له أَمْسِكْ أَرْبَعًا أَيَّتُهُنَّ شِئْت ليس في الْأَرْبَعِ أُخْتَانِ تَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُنْظَرُ في ذلك إلَى نِكَاحِهِ أَيَّةَ كانت قَبْلُ وَبِهَذَا مَضَتْ سُنَّةُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أخبرنا الثِّقَةُ وَأَحْسَبُهُ بن عُلَيَّةَ عن مَعْمَرٍ عن بن شِهَابٍ عن سَالِمٍ عن أبيه أَنَّ غَيْلَانَ بن سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فقال له رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرنا مَالِكٌ عن بن شِهَابٍ أَنَّ رَجُلًا من ثَقِيفٍ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فقال له رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أَمْسِكْ أَرْبَعًا وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ ) ( قال الشَّافِعِيُّ ) أخبرني من سمع بن أبي الزِّنَادِ يقول أخبرني عبد الْمَجِيدِ بن سُهَيْلِ بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ عن عَوْفِ بن الحرث عن نَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ الدَّيْلَمِيِّ قال أَسْلَمْت وَعِنْدِي خَمْسُ نِسْوَةٍ فقال لي رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم ( أَمْسِكْ أَرْبَعًا أَيَّتُهُنَّ شِئْت وَفَارِقْ الْأُخْرَى ) فَعَمَدْت إلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عَجُوزٌ عَاقِرٌ مَعِي مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَطَلَّقْتُهَا ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَخَالَفَنَا بَعْضُ الناس في هذا فقال إذَا أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ أَكْثَرُ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ فَإِنْ كان نَكَحَهُنَّ في عَقْدَةٍ فَارَقَهُنَّ كُلَّهُنَّ وَإِنْ كان نَكَحَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ في عِقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِيهِنَّ أُخْتَانِ أَمْسَكَ الْأُولَى وَفَارَقَ التي نَكَحَ بَعْدَهَا وَإِنْ كان نَكَحَهُنَّ في عِقَدٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَمْسَكَ الْأَرْبَعَ الْأَوَائِلَ وَفَارَقَ اللَّوَاتِي بَعْدَهُنَّ وقال أنظر في هذا إلَى كل ما لو ابْتَدَأَهُ في الْإِسْلَامِ جَازَ له فَأَجْعَلُهُ إذَا ابْتَدَأَهُ في الشِّرْكِ جَائِزًا له وإذا كان إذَا ابْتَدَأَهُ في الْإِسْلَامِ لم يَجُزْ له جَعَلْتُهُ إذَا ابْتَدَأَهُ في الشِّرْكِ غير جَائِزٍ له ( قال الشَّافِعِيُّ ) فَقُلْت لِبَعْضِ من يقول هذا الْقَوْلَ لو لم يَكُنْ عَلَيْك حُجَّةٌ إلَّا أَصْلَ الْقَوْلِ الذي ذَهَبْت إلَيْهِ كُنْت مَحْجُوجًا بِهِ قال وَمِنْ أَيْنَ قُلْت أَرَأَيْت أَهْلَ الْأَوْثَانِ لو ابْتَدَأَ رَجُلٌ نِكَاحًا في الْإِسْلَامِ بولي ( ( ( لولي ) ) ) منهم وَشُهُودٌ منهم أَيَجُوزُ نِكَاحُهُ قال لَا قُلْت أَفَرَأَيْت أَحْسَنَ حَالِ نِكَاحٍ كان لِأَهْلِ الْأَوْثَانِ قَطُّ أَلَيْسَ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ بِوَلِيٍّ منهم وَشُهُودٍ منهم قال بَلَى قُلْت فَكَانَ يَلْزَمُك في أَصْلِ قَوْلِك أَنْ يَكُونَ نِكَاحُهُنَّ كُلُّهُنَّ بَاطِلًا لِأَنَّ أَحْسَنَ شَيْءٍ كان منه عِنْدَك لَا يَجُوزُ في الْإِسْلَامِ مع انهم قد كَانُوا يَنْكِحُونَ في الْعِدَّةِ وَبِغَيْرِ شُهُودٍ قال فَقَدْ أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ لهم نِكَاحَهُمْ قُلْنَا اتِّبَاعًا لِأَمْرِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وَأَنْتَ لم تَتَّبِعْ فيه أَمْرَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم إذْ كان رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم حَكَمَ في نِكَاحِهِنَّ حُكْمًا جَمَعَ أُمُورًا فَكَيْفَ خَالَفْت بَعْضَهَا وَوَافَقْت بَعْضَهَا قال فَأَيْنَ ما خَالَفْت منها قُلْت مَوْجُودٌ على لِسَانِك لو لم يَكُنْ فيه خَبَرٌ غَيْرُهُ قال وَأَيْنَ قُلْت إذْ زَعَمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَفَا لهم عن الْعَقْدِ الْفَاسِدِ في الشِّرْكِ حتى أَقَامَهُ مَقَامَ الصَّحِيحِ في الْإِسْلَامِ فَكَيْفَ لم تُعْفِهِ لهم فَتَقُولَ بِمَا قُلْنَا قال وَأَيْنَ عَفَا لهم عن النِّكَاحِ الْفَاسِدِ قُلْت نِكَاحُ أَهْلِ الْأَوْثَانِ كُلُّهُ قال فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ فَاسِدٌ لو اُبْتُدِئَ في الْإِسْلَامِ وَلَكِنْ اتَّبَعْت فيه الْخَبَرَ قُلْنَا فإذا كان مَوْجُودًا في الْخَبَرِ أَنَّ الْعَقْدَ الْفَاسِدَ في الشِّرْكِ كَالْعَقْدِ في الْإِسْلَامِ كَيْفَ لم تَقُلْ فيه بِقَوْلِنَا تَزْعُمُ ان الْعُقُودَ كُلَّهَا فَاسِدَةٌ وَلَكِنَّهَا مَاضِيَةٌ فَهِيَ مَعْفُوَّةٌ وما أَدْرَكَ الْإِسْلَامُ من النِّسَاءِ وهو بَاقٍ فَهُوَ غَيْرُ مَعْفُوِّ الْعَدَدِ فيه فَنَقُولُ أَصْلُ الْعَقْدِ كُلِّهِ فَاسِدٌ مَعْفُوٌّ عنه وَغَيْرُ مَعْفُوٍّ عَمَّا زَادَ من الْعَدَدِ فاترك ما زَادَ على أَرْبَعٍ وَالتَّرْكُ إلَيْك وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا قال فَهَلْ تَجِدُ على هذا دَلَالَةً غير الْخَبَرِ مِمَّا نجامعك ( ( ( تجامعك ) ) ) عليه قُلْت نعم قال اللَّهُ عز وجل { اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ من الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } إلَى { تُظْلَمُونَ } فَعَفَا رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم عَمَّا قَبَضُوا من الرِّبَا فلم يَأْمُرْهُمْ بِرَدِّهِ وَأَبْطَلَ ما أَدْرَكَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ من الرِّبَا ما لم يَقْبِضُوهُ فَأَمَرَهُمْ بِتَرْكِهِ وَرَدَّهُمْ إلَى رؤوس أَمْوَالِهِمْ التي كانت حَلَالًا لهم فَجَمَعَ حُكْمَ اللَّهِ ثُمَّ حُكْمَ رَسُولِهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم
____________________

(4/265)


في الرِّبَا أن عَفَا عما فَاتَ وَأَبْطَلَ ما أَدْرَكَ الْإِسْلَامُ فَكَذَلِكَ حُكْمُ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم في النِّكَاحِ كانت الْعُقْدَةُ فيه ثَابِتَةً فَعَفَاهَا وَأَكْثَرُ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ مُدْرِكَاتٍ في الْإِسْلَامِ فلم يَعْفُهُنَّ وَأَنْتَ لم تَقُلْ بِأَصْلِ ما قُلْت وَلَا الْقِيَاسُ على حُكْمِ اللَّهِ وَلَا الْخَبَرُ عن رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم وكان قَوْلُك خَارِجًا من هذا كُلِّهِ وَمِنْ الْمَعْقُولِ قال أَفَرَأَيْت لو تَرَكْت حَدِيثَ نَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ وَحَدِيثَ بن الدَّيْلَمِيِّ اللَّذَيْنِ فِيهِمَا الْبَيَانُ لِقَوْلِك وَخِلَافُ قَوْلِنَا وَاقْتَصَرْت على حديث الزُّهْرِيِّ أَيَكُونُ فيه دَلَالَةٌ على قَوْلِك وَخِلَافُ قَوْلِنَا قُلْنَا نعم قال وَأَيْنَ قُلْت إذَا كَانُوا مُبْتَدِئِينَ في الْإِسْلَامِ لَا يَعْرِفُونَ بِابْتِدَائِهِ حَلَالًا وَلَا حَرَامًا من نِكَاحٍ وَلَا غَيْرِهِ فَعَلَّمَهُمْ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم أَنْ لَا يُمْسِكُوا أَكْثَرَ من أَرْبَعٍ دَلَّ الْمَعْقُولُ على أَنَّهُ لو كان أَمَرَهُمْ أَنْ يُمْسِكُوا الْأَوَائِلَ كان ذلك فِيمَا يُعْلِمُهُمْ لِأَنَّ كُلًّا نِكَاحٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَلِيلًا ثُمَّ هو أَوْلَى ثُمَّ أَحْرَى مع أَنَّ حَدِيثَ نَوْفَلِ بن مُعَاوِيَةَ ثَبَتَ قاطع ( ( ( قاطعا ) ) ) لِمَوْضِعِ الِاحْتِجَاجِ وَالشُّبْهَةِ - * الْحَرْبِيُّ يُصَدِّقُ امْرَأَتَهُ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَأَصْلُ نِكَاحِ الْحَرْبِيِّ كُلِّهِ فَاسِدٌ سَوَاءٌ كان بِشُهُودٍ أو بِغَيْرِ شُهُودٍ وَلَوْ تَزَوَّجَ الْحَرْبِيُّ حَرْبِيَّةً على حَرَامٍ من خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ فَقَبَضَتْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا لم يَكُنْ لها عليه مَهْرٌ وَلَوْ أَسْلَمَا ولم تَقْبِضْهُ كان لها عليه مَهْرُ مِثْلِهَا وَلَوْ تَزَوَّجَهَا على حُرٍّ مُسْلِمٍ أو مُكَاتَبٍ لِمُسْلِمٍ أو أُمِّ وَلَدٍ لِمُسْلِمٍ أو عَبْدٍ لِمُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَا وقد قَبَضَتْ أو لم تَقْبِضْ لم يَكُنْ لها سَبِيلٌ على وَاحِدٍ منهم كان الْحُرُّ حُرًّا وَمَنْ بَقِيَ مَمْلُوكًا لِمَالِكِهِ الْأَوَّلِ وَالْمُكَاتَبُ مُكَاتَبٌ لِمَالِكِهِ وَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا في هذا كُلِّهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقُ - * كَرَاهِيَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ الْحَرْبِيَّاتِ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَحَلَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَحَلَّ طَعَامَهُمْ فَذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ التَّفْسِيرِ إلَى أَنَّ طَعَامَهُمْ ذَبَائِحُهُمْ فَكَانَ هذا على الْكِتَابِيِّينَ مُحَارَبِينَ كَانُوا أو ذِمَّةً لِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِمْ قَصْدَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَنِكَاحُ نِسَائِهِمْ حَلَالٌ لَا يَخْتَلِفُ في ذلك أَهْلُ الْحَرْبِ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ كما لو كان عِنْدَنَا مُسْتَأْمَنٌ غَيْرُ كِتَابِيٍّ وكان عِنْدَنَا ذِمَّةٌ مَجُوسٌ فلم تُحَلَّلْ نِسَاؤُهُمْ إنَّمَا رَأَيْنَا الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ فِيهِمْ على أَنْ يَكُنَّ كِتَابِيَّاتٍ من أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَشْهُورِ من أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَيَحْلُلْنَ وَلَوْ كُنَّ يَحْلُلْنَ في الصُّلْحِ وَالذِّمَّةِ وَيَحْرُمْنَ من الْمُحَارَبَةِ حَلَّ الْمَجُوسِيَّاتُ وَالْوَثَنِيَّاتُ إذَا كُنَّ مُسْتَأْمَنَاتٍ غير إنا نَخْتَارُ لِلْمَرْءِ أَنْ لَا يَنْكِحَ حَرْبِيَّةً خَوْفًا على وَلَدِهِ أَنْ يُسْتَرَقَّ وَيُكْرَهُ له أَنْ لو كانت مُسْلِمَةً بين ظَهْرَانَيْ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ يَنْكِحَهَا خَوْفًا على وَلَدِهِ أَنْ يَسْتَرِقُوا أو يُفْتَنُوا فَأَمَّا تَحْرِيمُ ذلك فَلَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - * من أَسْلَمَ على شَيْءٍ غَصَبَهُ أو لم يَغْصِبْهُ - * ( قال الشَّافِعِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَوَى بن أبي مُلَيْكَةَ مُرْسَلًا أَنَّ النبي صلى اللَّهُ عليه وسلم قال ( من أَسْلَمَ على شَيْءٍ فَهُوَ له ) وكان مَعْنَى ذلك من أَسْلَمَ على شَيْءٍ يَجُوزُ له مِلْكُهُ فَهُوَ له وَذَلِكَ كُلُّ ما كان جَائِزًا لِلْمُسْلِمِ من الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ عليه مِمَّا أَخَذَهُ من مَالِ مُشْرِكٍ لَا ذِمَّةَ له فَإِنْ غَصَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَالًا أو اسْتَرَقَّ منهم حُرًّا فلم يَزَلْ في يَدِهِ مَوْقُوفًا حتى أَسْلَمَ عليه فَهُوَ له وَكَذَلِكَ ما أَصَابَ من أَمْوَالِهِمْ فَأَسْلَمَ عليها فَهِيَ له وهو إذَا أَسْلَمَ وقد مَضَى ذلك منه في الْجَاهِلِيَّةِ كَالْمُسْلِمِينَ يوجفون على أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ فَيَكُونُ لهم أَنْ يَسْبُوهُمْ فَيَسْتَرِقُّوهُمْ وَيَغ